Indexed OCR Text

Pages 21-40

مراتب الإجماع
في العبادات والمعاملات والاعتقادات
للإمام الحافظ
ابن حزم الظاهري
رحمه الله تعالى
٢١

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
قال الفقيهُ الأجلُّ الإمامُ أبو محمدٍ عليّ بنُ أحمد بنِ سعيدِ بنِ
حزمٍ، رحمةُ الله عليه:
الحمد للهِ الذي لا معقِّبَ لحكمهِ ولا رادَّ لقضائه، الذي ﴿لَا
يُسْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وصلَّى الله على محمدٍ
عبدِه ورسولِهِ، وخاتم أنبيائهِ وخيرتهِ من نوع الإنسان وسلَّمَ. بعثهُ إلى
جميع الجنِّ والإنس،َ من مبعثهِ إلى انقضاءَ هذا العالم وقيام الساعةِ.
نسخَ بملته المِلَلَ ولا ناسخ لملته، ولا حول ولا قوةَ إلا باللهَ العظيم.
* أما بعدُ: فإن الإجماعَ قاعدةٌ من قواعدِ المِلة الحنيفيةِ يُرجَع
إليه(١)، ويُفزَع نحوُهُ، وَيَكْفُرُ من خالفَهِ إذا قامتْ عليه الحجةُ بأنَّه
إجماعٌ. وإنَّا أملنا بعون الله عز وجلَّ، أَنْ نَجمعَ المسائلَ التي صحّ
فيها الإجماعُ، ونفردَها من المسائل التي وقع فيها الخلافُ بين
(١) كلام المصنف هنا ينافي ما ذكره في كتابه («الإحكام: (٥٤٩/٤) حيث قال: ((إنما
علينا طلب أحكام القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله و 9، إذ ليس الدين في
سواهما أصلاً، ولا معنى لطلبنا هل أُجْمِعَ على ذلك الحكم أو اختُلِف فيه».
والصواب ما ذهب إليه المصنف في كتابه هذا ((الإجماع)).
٢٣

العلماء؛ فإنَّ الشيءَ إذا ضُمَّ إلى شكله وقُرِنَ بنظيره، سَهُل حفظهُ،
وأمكن طلبُهُ، وقَرُبَ مُتناوَلهُ، ووضَح خطأ من خالف الحق به، ولم
يتعنَّ المختصمون في البحث عن مكانه عند تنازعهم فيه، ورجَوْنا
بذلك جزيلَ الأجرِ من الله عز وجل، فإن المنفعةَ بجمع هذه المسائل
جليلةٌ جداً.
ووجدنا الإجماعَ يقتسِم طَرَفَي الأقوال في الأغلب والأكثر من
المسائل، وبين هذين الطرفين وسائطُ، فيها كَثُر التنازع وفي بحرها
سبح المخالفون.
فأحد الطرفين: هو ما اتفق جميع العلماء على وجوبه، أو على
تحريمه، أو على أنَّه مباح، لا حرام ولا واجب، فسمَّينا هذا القِسْمَ
الإجماعَ اللازمَ.
والطرف الثاني: هو ما اتفق جميعُ العلماءِ على أنَّ منْ فعله أو
اجتنبه، فقد أدَّى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم. فسمَّيْنا هذا
القسم الإجماع الجازي، عبارة اشتققناها لكل صنف من صفته الخاصّةِ
به؛ ليقربَ بها التفاهمُ بين المعلم والمتعلّم والمناظرين، على سبيل
طلب الحقيقة، إن شاء الله وما توفيقنا إلا بالله.
وبين هذين الطرفين أشياءُ، قال بعض العلماء: هي حرام، وقال
آخرون منهم: ليست حراماً لكنها حلال، وقال قوم منهم: هي واجبة،
وقال آخرون منهم: ليست بواجبة لكنَّها مباحة، وكرهها بعضهم،
واستحبَّها بعضهم.
فهذه مسائلُ من الأحكام والعبادات، لا سبيلَ إلى وجود مسمَّى
الإجماع، لا في جوامعها ولا في أفرادها.
ونحن مُمثّلون منها مثالاً: وذلك مثل زكاة الفطر، فإنَّ قوماً
قالوا: هي فرض، وقوم قالوا: ليست فرضاً، وقال قوم: هي
منسوخة؛ ومثلُ زكاة العُروض المتَّخَذةِ للتجارة، فإنَّ قوماً قالوا: الزكاةُ
٢٤

فيها واجبة، وقال آخرون: لا زكاةَ فيها (١).
ثم اختلف موجبو الزكاة فيها أيضاً اختلافاً لا سبيل إلى الجمع
بينهم فيه، فقال بعضُهم: يُخرِج من أثْمانها، وقال آخرون: يُخرج من
أعيانها؛ ومثل هذا كثير.
فما كان من هذا النوع، فليس هذا الكتابُ مكانَ ذكره، وفي
مواضعَ أَخَرَ - إنْ أعاننا الله بقوة من قِبَله وتأييد وأمدَّنا بعُمُر وفراغ -
فسنجمع كلَّ صِنْف منها في مكان، هو أملك به إن شاء الله وما
توفيقنا إلا بالله.
وها هنا نحوّ من أنحاءِ الإجماع، ليس هذا المكانُ مكان ذكره،
وهو أن يختلف العلماء في مسألةٍ مَا، فيبيحها قوم ويحظرها آخرون،
أو يوجبها قوم ولا يوجبها آخرون، ولا بدَّ أن يكون الحقُّ في قول
أحدهم، وسائرهم مبطلون، ببرهان سمعيٍّ أو برهانِ عقليِّ شَرْطِيٍّ، إذا
تُقصِّيَتْ أقسامُ المقالة على استيعاب وثقةٍ وصحّةٍ، فيكون حينئذ إجماعُ
(١) انفرد بهذا القول داود الظاهري فقال: لا زكاة في عروض التجارة، فخالف بذلك
جماهير الأئمة حيث أوجبوا الزكاة فيها لأدلة كثيرة.
ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَيْهِم بِهَا﴾ [سورة
التوبة: الآية ١٠٣] فلفظ أموالهم عام؛ لأنه جمع مضاف، والمال في اللغة: كل
ما تُموّل وَتُمُلِّك.
وعلّق الإمام الخطابيُّ رحمه الله في كتابه («معالم السنن)) (٢٠٧/٢، ٢٠٨) على
قول الصديق رضي الله عنه: ((والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة
حق المال، والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ولو لقاتلتهم على
منعه)). فقال: ((وتأول بعض أهل العلم قوله: ((لو منعوني)) على معنى وجوب
الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب.
وفيه دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع وعبارته: ((وأجمعوا على أن في العروض التي تدار
للتجارة الزكاةً إذا حال عليها الحول)). راجع ((الإجماع)) ص: (١٤). وشرح
((صحيح مسلم)) للإمام النووي: (٢٩/١) ورسالة العلامة عبد الله صديق الغماري
(الإنارة بأدلة وجوب زكاة التجارة)).
٢٥

المحققين في تلك المسألة إجماعاً صحيحاً مرجوعاً إليه مُستصحَبا فيما
اختلف فيه منها، ما لم يمنع من شيء من ذلك نَصِّ، وذلك كإجماع
القائلين بالمساقاة والمزارعة على إباحة شيء من فروعها، فيُوقَف
عنده .
فهذه وجوهُ الإجماع التي لا إجماعَ سِواها، ولا تقومُ حُجّةٌ من
الإجماع في غيرها البتّةً .
وقد أدخل قوم في الإجماع ما ليس فيه، وقوم عدُّوا قول الأكثر
إجماعاً. وقوم عدُّوا ما لا يَعرِفون فيه خلافاً إجماعاً (١)، وإن لم
يقطعوا على أنه لا خلاف فيه.
وقوم عدّوا قول الصاحب المشهور المنتشِر، إذا لم يعلموا له من
الصحابة مُخالِفاً، وإن وُجِدَ الخلافُ من التابعين فَمَنْ بعدَهم، فعدُّوه
إجماعا(٢).
وقوم عدّوا قولَ الصاحب الذي لا يَعرفون له مخالفاً من الصحابة
رضي الله عنهم، وإن لم يَشتهِرْ ولا انتشر إجماعاً.
وقوم عدوا قول أهل المدينة إجماعاً، وقوم عدوا قول أهلٍ
الكوفة إجماعاً. وقوم عدوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو
أكثرَ، كانت للعصر الذي قَبْلَه إجماعاً.
وكلُّ هذه آراءٌ فاسدة، ولنقضها مَكَانٌ آخرُ. ويكفي من فسادها
أنهم نَجِدُهم يَترُكون في كثير من مسائلهم ما ذكروا أنه إجماع. وإنما
نَحَوْا إلى تسمية ما ذكرنا إجماعاً، عناداً منهم وشَغَباً عند اضطرار
الحجة والبراهينِ لهم، إلى اختياراتهم الفاسدةِ.
· وأيضاً فإنهم لا يُكَفِّرون من خالفهم في هذه المعاني. ومِنْ
(١) هذا داخل في الإجماع الظني عند الجمهور.
(٢) عدَّ ابن القيم هذا القول قول جماهير الفقهاء، وأيَّد كونه حجة وإجماعاً في كتابه
((إعلام الموقعين)).
٢٦

شَرْط الإجماع الصحيح أن يُكَفَّرَ من خالفه بلا اختلاف بين أحد من
المسلمين في ذلك. فلو كان ما ذكروه إجماعاً، لَكُفِّر مخالفوهم بل
لَكُفِّروا هم؛ لأنهم يخالفونها كثيراً، ولبيان كل هذا مكان آخرُ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* وقوم قالوا: الإجماع هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم
فَقَطْ(١) .
وقوم قالوا: إجماعُ كلِّ عصرٍ إجماعٌ صحيحٌ، إذا لم يتقدمْ قَبْلَه
في تلك المسألة خِلافٌ. وهذا هو الصحيح لإجماع الأمة عند التفصيل
عليه، واحتجاجهم به وترك ما أصَّلُوه له.
ولا خلافَ بين أحد من أنّ انتظار جميع القرون التي لم تُخْلَقْ
بَعْدُ لِتُعْرَفَ أقوالُهم باطلٌ لا معنى له، وإنما اختلفوا على القولين
اللذَينِ قَدّمنا.
وقوم أخرجوا من الإجماع ما هو إجماع صحيح فقالوا: لو
اجتمع أهلُ العصر كلَّهم على قولٍ مَا، ثمَّ بَدَا لأحد منهم فيه، فله
ذلك. وله براهينُ واضحةٌ لها مكانٌ آخَرُ إن شاء الله؛ بل إذا صحَّ
الإجماعُ، فقد بطَل الخلاف، ولا يبطُلُ ذلك الإجماعُ أبداً.
وقوم قالوا من أصحابنا: الإجماع لا يكون إلا من توقيف من النبي
مَله. وقوم قالوا: الإجماع قد يكون من قياس(٢)، وهذا باطل(٣).
وقوم قالوا: الإجماع يكون من وجهين: إمّا من توقيفٍ منقول
إلينا معلوم، وإما من دليلٍ من توقيفٍ منقول غيرٍ معلوم؛ ولكنْ إذا
صحَّ الإجماع، فليس علينا طلبُ الدليل، إذ الحجةُ بالإجماع قد
لَزِمت، وهذا هو الصحيح.
(١) وهم الظاهرية فقط.
(٢) وحجيته عندها تكون ظنية.
(٣) ونقد ابن حزم له لكونه ينفي القياس.
٢٧

وقوم من أصحابنا قالوا: إذا اتفقت طائفة على مسألتين، فصحّ
قولهم في إحداهما بدليل، وجب أنَّ الأخرى صحيحةٌ. وهذا غير
ظاهر، وليس له في الإجماع طريقٌ لِمَا بيّنته في غير هذا المكان.
وصفةُ الإجماع: هو ما تُيُقِّنَ أنَّه لا خلاف فيه بين أحدٍ من
علماء الإسلام. ونعلم ذلك من حيث عَلِمْنا الأخبارَ التي لا يتخالج
فيها شَكٌ مثلُ: أنّ المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن، ففتحوا
العراق وخُراسانَ ومصرَ والشامَ، وأنَّ بني أَميّةَ مَلَكوا دهراً طويلاً، ثم
ملك بنو العباس، وأنه كانتْ وقعةُ صِفّينَ والحَرَّة، وسائرُ ذلك مما
يُعلَم بيقين وضرورة.
وإنَّما نعني بقولنا العلماءَ، مَنْ حُفِظ عنه الفُتْيا، من الصحابة
والتابعين وتابعيهم، وعلماء الأمصار وأئمة أهل الحديث، وَمْن تَبِعهم
رضي الله عنهم أجمعين.
ولسنا نعني أبا الهُذَيل(١)، ولا ابنَ الأصمّ (٢)، ولا بِشرَ بَن
(١) أبو الهذيل هو: محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي المعروف
بالعلاف، من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة وتوفي سنة ٢٣٦ هـ.
قال عبد القاهر البغدادي: ((وفضائحه تترى تكفره فيها سائر فرق الأمة من أصحابه
في الاعتزال ومن غيرهم)). راجع ((الفرق بين الفرق)): (١١٩ - ١٢٦) ((والتبصير في
الدين)) لأبي المظفر الإسفراييني: (٦٩ - ٧٠) و ((الأعلام)) للزركلي: (١٣١/٧).
(٢) ابن الأصم هو: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان البصري من طبقة بشر بن غياث
وحفص الفرد، وكان له مجلس في علم الكلام في أواخر عهد ضرار بن عمرو
المعاصر لواصل وجهم.
وهو صاحب التفسير المشهور، ويناقشه قدماء المفسرين في آرائه في التفسير إلا
أن تفسيره مفقود.
ولابن كيسان هذا عناية خاصة بالفقه والحديث ولذا تجد بعض آرائه في كتب ابن
جرير، وكتب أبي بكر الرازي وغيرهما من الأقدمين. وهو قد شذ عن الجماعة
في رد خبر الآحاد إن كانت رواته أقلَّ من عدلين في كل طبقة أسوةً بالشهادة.
راجع ((الأعلام» للزركلي: (٣٢٣/٣).
٢٨

المُعْتمِر(١)، ولا إبراهيمَ بنَ سيَّار (٢)، ولا جعفرَ بن حرب(٣)، ولا
جعفرَ بن مبشر(٤)، ولا تُمامة(٥)، ولا أبا غِفار(٦)، ولا الرَّقاشي (٧)،
(١) بشر بن المعتمر: هو أبو سهل الهلالي شيخ معتزلة بغداد، توفي في حدود سنة
٢١٠ هـ. كان عمله بالأدب والكلام على طريقة المعتزلة وإليه تنسب البشرية
إحدى فرق المعتزلة. وله فضائح ذكرتها كتب الفرق.
راجع ((الفرق بين الفرق)): (١٤٨ - ١٥٠) و (التبصير في الدين)) ص (٧٤) و
((الملل والنحل)) ص (٦٤ - ٦٥).
(٢) إبراهيم بن سيَّار النظام كان في أيام المعتصم، وغلا في تقرير مذاهب الفلاسفة،
وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض، وعن أصحابه بمسائل، وخلط كلام
المعتزلة بكلام الفلاسفة، ومن بدعه: نفي الإجماع والقياس، وكان يقع في كبار
الصحابة. راجع: ((الملل والنحل)) ص: (٥٣ - ٥٩).
(٣) هو جعفر بن حرب الهمداني المتوفى سنة ٢٣٦ هـ من أهل بغداد كان له
اختصاص بالواثق العباسي، وكان يتابع النظام في سائر بدعه.
راجع: «تاريخ بغداد)): (١٦٢/٧) ((والفرق بين الفرق)) ص: (١٥٧ - ١٥٨) و
((التبصير في الدين)) ص: (٧٨).
(٤) هو جعفر بن مبشر الثقفي المعتزلي المتوفى سنة ٢٣٤ هـ وإليه تنسب الطائفة
الجعفرية من فرق المعتزلة وإلى جعفر بن حرب.
قال فيه صاحب ((التبصير في الدين)): ((وكان أصلاً في الجهالة والضلالة وكان
يقول: فساق هذه الأمة شر من اليهود والنصارى والزنادقة)).
راجع ((التبصير في الدين)) ص :. (٧٨) و ((الفرق بين الفرق)) ص: (١٥٧ -
١٥٨).
(٥) هو ثمامة بن أشرس النميري أبي معن، وكان زعيمَ القدرية في أيام المأمون
والمعتصم والواثق.
وذكر له صاحب ((التبصير في الدين)) بدعاً ثم قال: ((واعلم أن هذا المبتدع كان
يظهر البدعة وكان في الحقيقة ملحداً)).
راجع: ((التبصير في الدين)) ص: (٧٩) و((الفرق بين الفرق)) ص: (١٦١).
(٦) وأبو غفار لعله مصحَّف من ((أبي عفّان)) وهو أبو عفَّان الرقي صاحب الجاحظ من
الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة. كذا ذكره العلامة الكوثري في تعليقه على
((مراتب الإجماع)) ص: (١٤).
(٧) الرقاشي هو: الفضل الواعظ من رجال ابن ماجه ممن لا يحتج به وهو قدَريّ
النّحلة كما ذكره ابن قتيبة .
والرقاشي ساقط لا باعتبار نحلته فقط بل هو واهي الرواية أيضاً.
٢٩
=

ولا الأزارقةَ(١) والصُّفرية(٢)، ولا جهَّال الإباضية(٣)، ولا أهل
(٤)
الرفض (٤).
فإنَّ هؤلاء لم يتعنَّوْا من تثقيف الآثار، ومعرفة صحيحها من
سقيمها، ولا البحثِ عن أحكام القرآن، لتمييز حقِّ الفُتيا من باطلها
بطَرَفٍ محمود؛ بل اشتغلوا عن ذلك بالجدالِ في أصول الاعتقادات،
ولكلّ قومٍ علمهُم.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: كان قاصاً، وكان رجل سوء.
=
قلت: فحديثه؟ قال: لا تسأل عن القدري الخبيث. وقال أبو زرعة: منكر
الحديث. راجع: ((تهذيب الكمال)): (٨٦/١٥ - ٨٧).
(١) الأزارقة: هم أتباع رجل منهم يقال له: أبو راشد نافع بن الأزرق من الخوارج
قتل سنة ٦٥ هـ.
وهم يقولون: إنَّ من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك، ومن لم يهاجر إلى
ديارهم فهو مشرك وإن وافقهم في المذهب)) راجع ((التبصير في الدين)) ص: (٤٩
- ٥١) ((والملل والنحل)) ص: (١١٨ - ١٢٢).
(٢) الصفرية: قال في ((الأنساب)): ((الصفرية طائفة من الخوارج وهم أصحاب زياد بن
الأصفر يقال لهم: (الزيادية) أيضاً وقولهم كقول الأزارقة في تكفير القعدة عنهم
من موافقتهم، وفي إسقاط الرجم، وسائر بدعها، وإنما خالفوهم في عذاب
الأطفال، وكل واحدة تكفر الأخرى)). راجع: ((الأنساب)) للحافظ السمعاني:
(٥٤٨/٣) و((الملل والنحل)) ص: (١٣٧ - ١٣٨) ((والتبصير في الدين)) ص:
(٥٣).
(٣) الإباضية: هم أتباع عبد الله بن إياض، ثم هم فرق وكلهم يقولون: إن مخالفيهم
كفار لا مشركون ولا مؤمنون، ومن الإباضية قوم يقال لهم: الحفصية، وهم أتباع
حفص بن المقدام كان يقول: ليس بين الكفر والإيمان إلا معرفة الله، فمن عرفه
فهو مؤمن، وإن كان كافراً بالرسول وبالجنة والنار واستحل جميع المحرمات.
ومن الإباضية فريق يقال له: أصحاب طاعة لا يراد بها الله، وهم يقولون بجواز
طاعات كثيرة من العبد لا يقصد بها طاعة ربه. راجع ((التبصير في الدين)) ص:
(٥٨) وما بعدها.
(٤) أما أهل الرفض فهم فرق عديدة بعضها أشد مخالفة من بعض، وقد فصّل
الحديثَ عنهم العلامة عبد العزيز الدهلوي في كتابه: ((التحفة الاثني عشرية))
واختصره السيد محمود شكري الألوسي.
٣٠

ونحن وإنْ كنَّا لا نكفّر كثيراً ممن ذكرنا، ولا نُفَسِّقُ كثيراً منهم،
بل نتولَّى جميعَهم، حاشا من أجمعت الأمةُ على تكفيره منهم، فإنا
تركناهم لأحدٍ وَجهَيْنِ :
إما لجهلهم بحدود الفتيا والحديث والآثار؛ وإما لِفِسْقِ ثبَت عن
بعضهم في أفعاله ومُجُونه فقط، كما نفعل نحن بمَنْ كان قَبْلَنا من أهل
نِحْلتنا، جاهلاً أو ماجناً ولا فرقَ، وبالله التوفيق.
ولسنا نُخرِجُ من جملة العلماء مَنْ ثبتت عدالته وبحثُه عن
حدود الفُتيا، وإنْ كان مخالفاً لنحلتنا؛ بل نَعتدُّ بخلافه كسائر العلماء
ولا فرق؛ كعمرو بنِ عُبَيَدٍ(١) ومحمد بن إسحاق(٢)، وقتادةَ بنِ دعامة
(١) عمرو بن عبيد، أبو عثمان البصري، مولى بني تميم، من أبناء فارس، شيخ
القدرية والمعتزلة.
قال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث فاعتزل
مجلس الحسن وجماعة معه، فسموا المعتزلة، وكان يشتم الصحابة، ويكذب في
الحديث وهماً لا تعمداً، والكلام فيه والطعن عليه كثير جداً.
راجع: ((تهذيب الكمال)) للحافظ المزي: (٢٨٢/١٤) و((تهذيب التهذيب)) لابن
حجر: (٨/ ٦٤، ٦٥).
(٢) محمد بن إسحاق: ((إمام أهل المغازي، قال الإمام شيخ أهل الحديث والتاريخ
والنقد شمس الدين أبو عبد الله الذهبي في كتابه ((العبر)) (٢١٦/١) ((هو
محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، مولاهم، المدني صاحب ((السيرة)) رأى
أَنَسَاً ... قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن معين: هو ثقة
وليس بحجة. وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث. توفي سنة ١٥١ على
الصحیح) انتھی.
وقد حقَّق توثيقَه والاحتجاج به - بتوسع بالغ - الإمام ابن سيد الناس في مقدمة
كتابه: ((عيون الأثر)) (٨/١ -١٧) والإمام عبد الحي اللكنوي في كتابه: ((إمام
الكلام في القراءة خلف الإمام)) ص: (١٩٢ - ٢٠١) وأشار إلى ذلك في كتابه
الفريد ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)) ص: (٢٨٩ - ٢٩١). انتهى من
تعليق شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة على ((المصنوع في معرفة الحديث
الموضوع)) ص: (٢٤٣).
٣١

السدوسي(١)، وشبابة بن سوار(٢)، والحسن بن حي(٣)، وجابر بن
زيد(٤) ونظرائهم، وإن كان فيهم القَدْري(٥) والشّيعي والإباضي
والمرجئ(٦)؛ لأنهم كانوا أهلَ علم وفضلٍ وخيرٍ واجتهادٍ
(١) قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، وكان أكمه.
قال أبو زرعة: قتادة من أعلم أصحاب الحُسن، ثم يونس بن عبيد. وقال
يحيى بن معين: ثقة.
قال عمرو بن علي: ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة سبع عشرة ومئة، وهو
ابن ست وخمسين. راجع: تهذيب الكمال: (٢٢٤/١٥ - ٢٣٢).
(٢) شبابة بن سوار الفزاري، أصله من خراسان، قيل اسمه: مروان وإنما غلب عليه شبابة.
قال سعيد بن عمرو البردعي: قيل لأبي زرعة في أبي معاوية وأنا شاهد: كان
يرى الإرجاء؟ قال: نعم كان يدعو إليه، قيل: فشبابة بن سوّار أيضاً؟ قال: نعم،
قيل: رجع عنه؟ قال: نعم، قال: الإيمان قول وعمل.
وقال أبو حاتم: صدوق یکتب حديثه ولا يحتج به.
قال البخاري: مات سنة أربع أو خمس ومئتين. راجع: ((تهذيب الكمال)): (٨/
٢٥٨ - ٢٦٥).
(٣) هو أبو عبد الله الحسن بن صالح بن حي الهمداني. ولد سنة (١٠٠ هـ)، وتوفي
سنة (١٦٧). وقال أحمد: صحيح الرواية، متفقه، صائن لنفسه في الحديث
والورع. راجع: ((طبقات الفقهاء)) ص: (٨٥).
(٤) هو جابر بن زيد الأزدي، اليحمدي، أبو الشعثاء الجوفي البصري.
قال داود بن أبي هند، عن عزرة: دخلت على جابر بن زيد فقلت: إن هؤلاء
القوم ينتحلونك - يعني الإباضية - قال: أبرأ إلى الله من ذلك.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وأبو زرعة: بصري ثقة.
قال أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي، والبخاري: مات سنة ثلاث وتسعين.
راجع: ((تهذيب الكمال)»: (٢٨٦/٣ - ٢٨٧).
(٥) نسبة إلى القدرية، وهم ينقسمون إلى عشرين فرقة كما ذكر صاحب ((التبصير في
الدين)) - وبعضهم يكفر بعضا.
ومما اتفقوا عليه نفيهم صفات الباري عز وجل حتى قالوا: إنه ليس له علم ولا
قدرة ولا حياة.
وقالوا: إن الله لا يُرى ولا يَرى، وإنَّ كلام الله مخلوق. راجع: ((التبصير في
الدین)) ص: (٦٣) وما بعدها.
(٦) نسبة إلى المرجئة، وهم فِرَق منهم: اليونسية: وهم أتباع يونس بن عون.
٣٢

رحمهم الله. وَغَلَطُ هؤلاء بما خالفونا فيه كغلَطِ سائر العُلَماءِ في
التحريم والتحليل ولا فرقَ.
وإنما نُدخِل في هذا الكتاب الإجماعَ التَّامَّ(١)، الذي لا مخالف
فيه البتّةَ، الذي يُعْلم، كما يُعلم أن صلاة الصُّبح في الأمن والخوف
ركعتان، وأن شهر رمضانَ هو الذي بين شوّالٍ وشعبانَ، وأن الذي في
المصاحفِ هو الذي أتى به محمدٌ بََّ، وأخبر أنَّه وحيّ من الله، وأن
في خَمسٍ من الإِلِ شاةً، ونحو ذلك.
وهي ضرورة تقع في نفس الباحث عن الخبر المشرف على
وجوه نَقْله، إذا تتبعها المرءُ من نفسه في كل ما يَمُرُّ به من أحوال
دُنياه وأهل زمانه، وَجَدَه ثابتاً مستقراً في نفسه، وما توفيقنا إلا بالله.
والغسانية: وهم أتباع غسان المرجئ، ومنهم التومنية: أصحاب أبي معاد
=
التومني. ومنهم الثوبانية: أصحاب أبي ثوبان المرجئ، ومنهم المريسية: أصحاب
بشر المريسي. انظر للتوسعة: ((التبصير في الدين)) ص: (٩٧ - ٩٩).
(١) لكن المصنف قد خالف شرطه في بعض المسائل.
٣٣

كتابُ الطهارة(١)
أجمعَتِ الأمةُ(٢) على أن استعمالَ الماءِ الذي لم يُبَلْ فيه، ولا
كان سؤرَ حائض، ولا كافرٍ، ولا جُنُبٍ، ولا من شرابٍ، ولا من غير
ذلك؛ ولا سؤرَ حيوانٍ غيرَ الناسِ وغيرَ ما يُؤكّل لحمه، ولا خالطته
نجاسةٌ، وإن لم تظهر فيه أو ظهرت، على اختلافهم فيما يَنجُس من
حيوانٍ أو مَيْتٍ، ولا كان آجِنَاً(٣) متغيراً من ذاته، وإن لم يكن من
شيء حَلَّه، ولا مات فيه ضِفدِعٌ ولا حوثٌ، ولا كان فضلَ متوضیءٍ
من حَدَثٍ أو مُغتَسِلٍ من واجب، ولا استُعْمِلَ بَعْدُ، ولا توضأَتْ منه
(١) الطهارة في اللغة: هي النظافة. وفي الشريعة: هي نظافة مخصوصة، هي: غسل
الأعضاء المعلومة، ومسح الرأس، وتسمَّى هذه النظافة وضوءاً وأيضاً بضم الواو
وهو مصدر، ومعناه في الشرع: غسل الأعضاء المخصوصة ومسح العضو
المخصوص .
والتحقيق: أن لفظ الطهارة عام يُطلق في الشرع: على كل نظافة معتبرة؛ كنظافة
البدن، ونظافة الثوب، ونظافة المكان، وليس مخصوصاً بالوضوء كما يشعر به
كلامهم. راجع: ((الحدود والأحكام الفقهية)) للإمام علي بن مجد الدين بن
الشاهرودي البسطامي الشهير بمصنفك ص: (٩).
(٢) نقل ابن المنذر في ((الأوسط)): (١١٧/١) الإجماع على أن الصلاة لا تجزئ من
غير طهارة إذا وجد السبيل إليها. راجع: ((الإجماع)) لابن المنذر ص: (٣).
(٣) الآجن: هو الماء المتغير الطعم واللون من طول المكث.
ونقل ابن المنذر الإجماع على جواز الوضوء بالماء الآجن - أي الراكد - الذي
طال مكثه ثم قال: إلا شيئاً رُويَ عن ابن سيرين، وقال: كان يكره الوضوء بالماء
الآجن. راجع: ((الأوسط)): (٢٥٩/١ - ٢٦٠).
٣٥

امرأةٌ ولا تطهّرتْ منه، ولم يُشَمَّسْ ولا سُخْن، ولم يُؤْخَذْ من بحر
ولا غُصِبَ، ولا أَدْخلَ فيه القائمُ من نومه يدَه قبلَ أن يغسلها ثلاثاً،
ولا حلَّ فيه شيءٌ طاهرٌ فخالطه، غيرُ ترابٍ عُنصرِهِ فظهر فيه، ولا بُلَّ
فيه خبزٌ، ولا تَوَضّأ فيه ولا به إنسانٌ، ولاَ اغتسلَ، ولا وَضّأ شيئاً من
أعضائه به، فيه الوضوءُ والغُسْلُ، حُلْواً كان أو مُرَّاً، أو مِلْحاً أو
زُعاقً (١)، فَفَرْضٌ على الصحيح الذي يَجِده ويَقْدِرُ على استعماله ما لم
يكن بحضرته نبيذ، وهذا في الَماء غيرِ الجاري.
* فأما الجاري فاتفقوا على جواز استعماله ما لم تظهر فيه
نجاسةٌ.
واتفقوا أنَّ الماء الراكد إذا كان من الكثرة، بحيث إذا حُرِّك
وَسَطُه لم يتحرك طرفاه ولا شيءٌ منهما، فإنَّه لا يُنجِّسُه شيءٌ إلا ما
غَيَّرِ لونَه أَوْ طعمَه أو رائحته.
* وأجمعوا أنه لا يجوز وضوءٌ بشيء من المائعات وغيرِها،
حاشا الماءَ والنبيذَ(٢).
واختلفوا هل يجزئ أن يتوضأ الرجلُ والمرأة معاً أم لا يجزئ ذلك.
واتفقوا في جواز توضؤِ الرجلين والمرأتين معاً.
(١) الزُّعاق: هو المر الغليظ الذي لا يطاق شربه من أجاجته. راجع: لسان العرب:
(١٠ /١٤١).
(٢) قال ابن المنذر في ((الأوسط)): (٢٥٣/١ - ٢٥٥) ((وأجمعوا على أن الاغتسال
والوضوء لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ)).
وأجاز الوضوء بالنبيذ عكرمة وإسحاق بن راهويه وأبو العالية وأبو حنيفة وزفر،
ولكن شرطا أن يكون النبيذ هو نبيذ تمر تلقى في الماء ليحلو، وليس هو النبيذ
المعروف اليوم.
وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به ثم يتيمم، ويروى عن الحسن البصري قولان:
أحدهما: أن لا بأس به، وكره عطاء الوضوء باللبن والنبيذ، وكره أبو العالية
الاغتسال بالنبيذ، ويروى جواز الوضوء عن علي. راجع: تفصيل ذلك في
الأوسط: (٢٥٣/١ - ٢٥٥).
٣٦

وأجمعوا أنَّ مَنْ توضأ وتطهّر بالماء كما وصفنا، وإن كان
بحضرته نبيذُ تَمرٍ، فقد أدَّى ما عليه.
واتفقوا على أنَّ المريض الذي يتأذى بالماء، ولا يجد الماء مع
ذلك، أن التيمم له، بدلُ الوضوءِ والغُسْلِ.
واتفقوا على أنَّ المسافرَ سَفَراً تُقْصَرُ فيه الصلاةُ، إذا لمْ يَقدِرْ
على ماء أصلاً، وليس بقُربه ماءٌ أصلاً، أنَّ له أن يتيمَّم بدلَ الوضوء
للصلاة فقطْ .
واتفقوا على أن من غسَل يديه ثلاثاً، ثم مضمض ثلاثاً، ثم
استنشق ثلاثاً، ثم استنثر(١) ثلاثاً، ثم غسل وجهه كلَّه ـ على ما نَصِفُهُ
بَعْدَ هذا - وخلّل شعرَه ولحيتَه بالماء، وغسَل أَذْنَيْهِ باطنَهما وظاهرَهما،
وجميعَ شعره حيث انتهى، ونوى الوضوءَ للصلاة قبل دخوله فيه ومع
دخوله فيه، وسمَّى اللَّهَ، ولم يُقدِّمْ مؤخّرا كما ذكرنا، ولا فرَّق بين
غَسْلِ شيءٍ من ذلك، ونَقَلَ الماء بيده إلى جميع الأعضاء التي ذكرنا،
محدّداً لكل عضو منها؛ أَنَّه قد أدَّى ما عليه في الأعضاء المذكورة.
واتفقوا على أنَّ غَسْلَ الوجه، من أصل منابت الشعر في
الحاجبين(٢)، إلى أصول الأذنين إلى آخِر الذقن، فَرْضٌ على من لا
لِحْيَةً له.
واتفقوا على أن من عليه غُسْلٌ، من ذوي اللِّحَى، وجهُهُ من
أصولٍ منابتِ الشعرِ في أعلى الجبهة، فكما ذكرنا فيمن لا لِخية له،
وخلَّل جميعَ لحيته بالماء، وأمرَّ الماء على جميعها حيثُ بلغت،
وغسل باطن أذنيه وظاهرَهما؛ أنه قد غسل وجهه وأدَّى ما عليه فيه.
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): (٣١٥/١) الاستنثار: هو استفعال من النثر -
بالنون والمثلثة - وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ أي يجذبه بريح أنفه
لتنظيف ما في داخله فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا .
(٢) قلت: والصواب في أصل الجبهة.
٣٧

* واتفقوا أن غسل الذراعين إلى مَشَدُ المِرفقين، فرضٌ في
الوضوء.
واتفقوا على أنه إن غسلهما وغسل مرفقيه، وخلّل أصابعه بالماء
وما تحت الخاتم، فقد تمَّ ما عليه في الذراعين.
واتفقوا أنَّ مسحَ بعضِ الرأسِ بالماء - غيرِ مُعين لذلك البعض -
فَرْضٌ.
واتفقوا أنَّ مَنْ مسَح جميعَ رأسه، فَأَقْبَلَ وَأَذْبَرَ ومسح أذنيه
وجميعَ شعره، فقد أدَّى ما عليه.
واتفقوا أن إمساسَ الرِّجلين المكشوفتين الماءَ لمن توضّأ فرضٌ،
واختلفوا أَتُمْسَحُ أم تُغْسَل(١).
واتفقوا على أن الوضوء مرةً مرةً مُسْبِغةً في الوجه والذراعين
والرجلين يُجزِئ.
(١) قال ابن المنذر في ((الأوسط)): (٤١٣/١ - ٤١٥) ((وقد أجمع عوامُ أهل العلم
على أن الذي يجب على من لا خفَّ عليه، غسل القدمين إلى الكعبين، وقد
ثبتت الأخبار بذلك عن رسول الله و لقد وعن أصحابه، وبه قال ربيعة بن أبي
عبد الرحمن، ومالك وأصحابه من أهل المدينة، وغيرهم، وكذلك قال سفيان
الثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة،
والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهما من أهل الشام، والليث بن
سعد ومن تبعه من أهل مصر.
وهو قول عبيد الله بن الحسن ومن وافقه من أهل البصرة، وكذلك قال الشافعي
وأصحابه، وأبو ثور وغيره.
وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكل من حفظت
عنه من أهل العلم ... ثم قال: وَغَسْلُ رسولِ اللهِ وٌَّ رجليه، وقوله: ((ويل
للأعقاب من النار)) - كفاية لمن وفقه الله للصواب، ودليل على أن الذي يجب
غسلُ القدمين لا المسح عليهما؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد مما فرض في
كتابه)) - والحديث رواه البخاري في الوضوء رقم: (٦٠ - و ٦٩) ومسلم في
الطهارة رقم: (٢٤٠) عن أبي هريرة وغيره مرفوعاً.
٣٨

واتفقوا على أن الزيادة على الثلاث لا معنى لها.
واتفقوا على أن إمساسَ الجِلْد كلْه والرأس في الغُسْل مما يُوجِب
الغُسْلَ - على اختلافهم فيما يوجبه بالماء، على ما ذكرنا اتفاقَهم على
إيجاب الوضوء عليه، وبتلك الصفةِ من الماء فرضٌ، ثم اختلفوا،
أَبِدَلْكِ أم بِصَبِّ أو غَمْسٍ.
واتفقوا أن من اغتسل لأمر يوجب الغُسلَ، فتوضأ على حَسَبٍ ما
ذكرنا من الوضوء الذي ذكرنا الاتفاقَ على أنه يُجزئ، ثم صَبَّ الماء
الذي ذكرنا أنه يجزئ، على جميع جَسَده، ورأسه وأصول شعره وَدَلَكَ
كلَّ ذلك أوَّلَه عن آخره، ولم يترك من كلِّ ذلك مكانَ شَعْرةٍ فما
فوقها، ولم يُحدِثْ شيئاً يَنقُضُ الوضوءَ قبلَ تمام جميع غُسْله، ونوى
الغُسلَ لما أوجب عليه، فقد أجزأه.
واتفقوا على أن الماء الذي حلَّت فيه نجاسة، فأحالت لونَه أو
طعمَه، فإنَّ شربه لغير ضرورة، والطهارةَ به على كل حال، لا يجوز
شيءٌ من ذلك على عظيم اختلافهم في النجاسات.
واتفقوا على أن بولَ ابن آدمَ، إذا كان كثيراً، ولم يكن كرؤوس
الإِبَر وغائطَهُ نَجِسٌ.
واتفقوا على أن الكثير من الدم أيِّ دَم كان - حاشا دَمَ السَّمك
وما لا يَسيلُ دمُه - نَجِسٌ.
واختلفوا في حدِّ الكثير من الظُّفْرِ إلى نصف الثوب.
واتفقوا على أن أكلَ النجاسةِ وشربَها حرامٌ، حاشا النبيذَ
المُسْكرَ .
واتفقوا على أن ما لم يكن بولاً ولا رَجيعاً، حاشا ما خَرَج من
بَرِغُوث أو نَحْلِ أو ذُباب؛ ولا خمراً ولا ما تولّد منها ولامَسَهُ، ولا ما
أُخِذَ منها، ولا ما أُخِذَ من حَيٍّ، حاشا الصوفَ والوبرَ والشعرَ مما
يُؤكّل لحمه؛ ولا كلباً ولا حَيواناً لا يُؤكّل لحمه من سَبُع أو غيرِهِ،
٣٩

ولا لُعابَ ما لا يُؤكَل، ولا صديداً ولا قيئاً ولا قيحاً ولا دماً ولا
بُصاقاً ولا مُخاطاً ولا قَلَساً(١)، ولا ما مسَّه شيء من كل ما ذكرنا؛
فإنَّه طاهر.
* واتفقوا على أن الاستنجاءَ بالحجارة وبكلٌ طاهر، ما لم يكن
طعاماً أو رجيعاً (٢) أو نَجَساً أو جِلداً أو عظماً أو فَحماً أو حُمَمَةٌ(٣)
جائزٌ.
واتفقوا على أن كلَّ من صلى قبلَ تمام فَرض وُضوئه أو تَيممهِ -
إن كان من أهل التيمم - أن صلاته باطلةٌ،َ ناسياً كان أو عامداً، إذا
أسقط عُضواً كاملاً.
واختلفوا فيمن أسقط بعضَ عُضوٍ ناسياً، أينصرف من صلاته
ويَقضيها أم لا .
واتفقوا على أن البولَ من غيرِ المستنكَحِ به، وأن الفَسْوَ
والضُّراطَ إذا خرج كلُّ ذلك من الدُّبُر، وأن إيلاج الذّكر في فَرْج المرأة
باختيار المولِج يُنْقِضُ الوضوءَ؛ بنسيانٍ كان ذلك أو بعمد، وكذلك
ذهابُ العقل بسُكْر أو إغماء أو جُنون.
واتفقوا على أن ما عدا ما ذكرنا، وما عدا مَسَّ المرأةِ الرجلَ،
والرجلِ المرأةً بأيِّ عُضوٍ تماسًا وكيفما تماسًا؛ وما عدا مسَّ الفرج
(١) قال في ((المصباح المنير)) ص: (٥١٣) ((قلس من باب ضرب خرج من بطنه طعام
أو شراب إلى الفم، سواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه، إذا كان مِلْء الفم أو دونه،
فإذا غلب فهو قيئ، والقَلَس: بفتحتين اسم للمقلوس، فعل بمعنى مفعول أهـ.
(٢) الرجيع: ((الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن
كان طعاماً أو علفاً، وكذلك كل فعل أو قول يُرَدّ فهو رجيع)). اهـ. ((المصباح
المنير»: (٢٢٠/١).
(٣) الحُمَمَة: وزان رطبة ما أحرق من خشب ونحوه والجمعُ بحذف الهاء، وتطلق
(الحممة) على الجمر مجازاً باسم ما يؤول إليه اهـ. ((المصباح المنير)): (١/
١٥٢).
٤٠