Indexed OCR Text
Pages 521-540
وأحكام الآخرة وجهل الباغي حتى يضمن مال العادل إذا أتلفه، وجهل من خالف في
اجتهاده الكتاب والسنة المشهورة كالفتوى ببيع أمهات الأولاد ونحوه.
٨٩/ز
قوله: (وأحكام الآخرة)، مثل عذاب القبر/ وسؤال منكر ونكير والميزان والصراط
والحوض والشفاعة والحشر، وهذا أيضا دون الكفر؛ لأن المنكر متأول بالقرآن كما يتمسك
المعتزلة بالآيات في نفي جواز الرؤية، ولكن مع ذلك لا يعذر؛ لأن الدلائل السمعية وردت
بهذه الأشياء والعقل لا يأباه(١)، فوجب القبول(٢) وكان(٣) الإنكار باطلا.
قوله: (وجهل الباغي) هو أيضا باطل يصلح عذرا؛ لإنكاره الدلائل الواضحة في كون
إمام العدل على الحق، مثل علىّ وغيره من الخلفاء الراشدين، [فإن الدلائل ](٤) لائحة على
حقيقتهم على وجه یعد جاحده معاندا، لكنه لما کان متأولا بالقرآن کان جهله دون جهل
الكافر(٥) فيضمن إذا أتلف مال العادل أو نفسه إذا لم يكن له منفعة، فأما(٦) إذا كان له منفعة
وقد خلا الوجوب عن الفائدة فلا بد من العمل بتأويله الفاسد فقلنا بأنه لا يجب الضمان.
قوله: (وجهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة أي المشهورة)، أي: هو أيضا باطل لا
يصلح عذرا أصلا نظير مخالفة الكتاب الفتوى بحل متروك التسمية عامدا فإنه مخالف لقوله
- تعالى -: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾(٧) (٨) فمطلق النهي
يقتضي التحريم كيف وقد أكد بحرف: (من) فإنه في موضع النفي للمبالغة فيقتضي حرمة
كل جزء منه، والآية تدل على أن الحرمة لعدم ذكر اسم الله - تعالى؛ لأن التحريم بوصف
دليل على أن المؤثر في الحكم هو الوصف كالميتة والموقوذة فلم يستقم حمل الآية على الميتة
(١) فى (ا، ب) يأباها .
(٢) فى (ب) القول .
(٣) فى (ا، ب) فكان .
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٥) فى (١) دون الكفر .
(٦) فى (١) وأما .
(٧) فى (ب) نهاية الآية . عند قوله "عليه" .
(٨) من الآية ١٢١ من سورة الأنعام .
- ٥٢١ -
وذبائح المشركين؛ لأن(١) الحرمة هناك ليست لعدم ذكر اسم الله - تعالى - ولهذا لا تحل، وإن
ذكر اسم الله - تعالى - فيثبت أن القول بحل متروك التسمية عامدا باطل، فلو قضى القاضي
بجواز بيعه لا ينفذ قضاؤه(٢).
ونظير مخالفة السنة المشهورة الفتوى بجواز(٣) بيع أمهات الأولاد وهو قول بشر المريسي
(٤) وداود الأصفهاني(٥) ومن تابعهما من أصحاب الظواهر وهذا مخالف(٦) للسنة المشهورة
وهو قوله توَطّ حين ولدت مارية إبراهيم من رسول اللَّه و﴿ فقيل لرسول اللّه صلى اللَّه عيله
وسلم ألا تعتقها؟ فقال: (٧) ((أعتقها ولدها))(٨). وكذا(٩) الفتوى بالقضاء بشاهد ويمين وهو
(١) فى (أ، ب) إذ .
(٢) ذهب جمهور الحنفية إلى أن الذبيحة المتروكة التسمية عمدا عند ذبحها، لا يجوز أكلها لقوله .
تعالى - " فاذكروا اسم اللَّه عليها صواف " والمراد حالة النحر بدليل قوله " وجبت جنوبها " وقوله .
تعالى. " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " ولم ينقل في ذلك خلاف عن الصدر
الأول، وإلى مثل ما ذهب إليه الحنفية ذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، فالإمام مالك قال: إن
الآية ناسخة للحديث، والإمام أحمد لم تثبت عنده الأحاديث فلم يأخذ بها، وذهب الشافعية
وأحمد في قول له أن التسمية سنة وأن متروك التسمية عمدا حلال أكله، وقالوا: إن عموم الآية
مخصوص بأحاديث منها: ما رواه البخاري عن عائشة أن قوما قالوا يا رسول اللَّه إن قوما يأتوننا
باللحم لا ندرى أذكر اسم اللَّه عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا "، وما رواه الدارقطنى
عن أبى هريرة قال: سأل رجل النبي ﴿ الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى اللَّه قال" اسم الله على
فم كل مسلم ". انظر: الاختيار ٥٣/٤، ٥٤، وأثر الاختلاف ص ٢١٠ وما بعدها .
(٣) فى (ب) لجواز .
(٤) سبقت الترجمة .
(٥) سبقت الترجمة .
(٦) فى (١) مخالفه .
(٧) فى (١) قال.
(٨) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس أن رسول الله ﴿ قال لأم إبراهيم حين ولدته
أعتقها ولدها "٢٣/٢، والدر قطنى ٣١/٤، والبيهقي وقال فيه أبو بكر بن أبى سبرة ضعيف لا يحتج
به إلا أنه قد روى عن غيره عن حسين بهذا اللفظ . ٣٤٦/١٠، وابن عبد البر في التمهيد ٣/
١٣٨، وانظر تعليق الزيلعى في نصب الراية ٢٨٧/٣، وابن حجر في تلخيص الحبير ٢١٨/٤ .
(٩) بيع أم الولد باطل في قول الجمهور وكان بشر المريسي وداود ومن تبعه من أصحاب الظواهر
- ٥٢٢ -
والثاني: الجهل في موضع الاجتهاد الصحيح أو في موضع الشبهة
قول الشافعي مخالف للسنة المشهورة وهو قوله وله: ((البينة على المدعي واليمين على من
أنكر))(١) من وجهين: أحدهما: أن في الحديث دلالة على أن اليمين في جانب المنكر دون
المدعى، والثاني: أنه يدل على أنه لا يجوز الجمع بين البينة واليمين فلا يصلح اليمين متممة
للبينة [بحال](٢) (٣).
قوله: (والثاني الجهل في موضع الاجتهاد [الصحيح أو في موضع الشبهة)، أي في غير
موضع الاجتهاد لكن في موضع الشبهة ](٤) أما الأول فكالمحتجم إذا أفرط على أن الحجامة
رضوان الله عليهم ممن يجوزون بيعها، لأن المالية والمحلية قبل الولادة معلوم فيها بيقين فلا يرتفع إلا
بيقين مثله، وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين، ولكنا نقول في معارض هذا الكلام، لما جلبت من
المولى امتنع بيعها بيقين فلا يرتفع ذلك إلا بيقين مثله ولا يقين بعد انفصال الولد . المبسوط
للسرخسى ١٤٩/٧، والمغنى ٨٨٥١/١٠ دار إحياء التراث، والمجموع ٢٩١/٩ ط المنيرية.
(١) الحديث سبق تخريجه .
(٢) ما بين القوسين سقط من (ب).
(٣) ذهب أبو حنيفة ظُه إلى أنه لا يقضى في الأموال بشاهد ويمين، بل لابد من شاهدين رجلين، أو
رجل وامرأتین واستدلوا على ذلك بقوله - تعالى - " واستشهدوا شاهدین من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى "
فالقضاء بشاهد ويمين زيادة على النص لا يثبت بخبر الواحد، كما استدلوا بالحديث المذكور،
وكذا بحديث الأشعث بن قيس " كان بينى وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول اللَّه محلات
فقال رسول مص ﴿: شاهداك أو يمينه، قلت: إذاً يحلف ولا يبالي، فقال ﴿ من حلف على يمين صبر
يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي اللَّه رَت وهو عليه غضبان " . أخرجه البخاري
ومسلم، بينما ذهب الشافعي ومالك وأحمد ظه إلى أنه يجوز القضاء بيمين وشاهد واستدلوا على
ذلك بما روى عن ابن عباس أن رسول اللّه مَ ﴿ قضى بيمين وشاهد" وعن أبى هريرة فقال "
قضى رسول اللّه و﴿ باليمين مع الشاهد الواحد"، قالوا: وقد زاد من روى قضاء الرسول بشاهد
ويمين من أصحاب رسول اللَّه وَ ﴿ على عشرين صحابيا، مما بلغ حد شهرة يقول الحنفية بما هو أقل منها
. وللشافعي رحمه اللَّه نقاش طويل لأدلة الحنفية، بينما رد الحنفية الأحاديث التي ذكرها الشافعية
لمخالفتها للكتاب من وجوه عديدة ذكرها صاحب كشف الأسرار فليرجع إليها . كشف الأسرار
للبخاري ٧٣٢/٣، بدائع الصنائع ٢٢٥/٦ ط دار الكتب العلمية، وأثر الاختلاف صـ٢٨٧ وما بعدها،
روضة الطالبين ٢٧٨/١١، ونيل الأوطار ١٩٤/٩ ومختصر المختصر ٥٠/٢، والوسيط ٣٧٧/٧ .
(٤) ما بين القوسين سقط من (ب).
- ٥٢٣ -
وأنه يصلح عذرًا وشبهة كالمحتجم إذا أفطر على ظن أنها فطرته، وكمن زنا بجارية والده
على ظن أنها تحل له.
١/٩٦
١٣٢/ب
فطرته فإنه لا تلزمه الكفارة؛ لأنه جهل في موضع الاجتهاد وبالصحيح، إذ لو كان جهله في
موضع الاجتهاد ونظر إلى ظاهر الحديث لكن(١) ليس باجتهاد صحيح، كان جهله لا
يصلح(٢) شبهة حتى إذا أكل متعمدا بعدما اغتاب يلزمه القضاء والكفارة كيف ما كان سواء
بلغه حديث الغيبة وهو قوله مُصَلّ: ((الغيبة تفطر الصائم))(٣) أو لم تبلغه (٤) عرف تأويله/ بأن
المراد منه نقصان الثواب لا حقيقة فساد الصوم أو لم يعرفه، وأما الثاني: فكمن زنا بجارية
والده على ظن أنها تحل له لم يلزمه الحد؛ لأنه جهل في موضع الاشتباه؛ إذ الحال مشتبه على/
الابن من حيث إن [الأب يحل له الانتفاع بمال ابنه](٥) باعتبار قرابة الولاد وهي مشتركة.
قوله: (وأنه يكون عذرا)، أي في الشرائع حتى أنها لا تلزمه؛ لأن الخطاب [النازل ](٦)
(١) في (أ، ب) ولكن .
(٢) في (١) يصح .
(٣) الحديث في مسند الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيمَ ® قال: " الغيبة
تفطر الصائم وتنقض الوضوء " مسند الربيع صـ ٥٨، وقال في الدراية في تخريج أحاديث الهداية:
الحديث أخرجه العقيلى من حديث ابن مسعود قال: مر النبي ﴿ على رجلين يحجم أحدهما
الآخر، فاغتاب أحدهما ولم ينكر عليه الآخر فقال: أفطر الحاجم والمحجوم . قال عبد الله: لا
للحجامة لكن للغيبة، وإسناده ضعيف، وعن سمرة قال: مر النبي {/ژ على رجلين بين يدي حجام
وذلك في رمضان وهما يغتابان رجلا فقال: أفطر الحاجم والمحجوم أخرجه البيهقى، وفي الباب عن
ابن عباس في الشعب للبيهقى في الثالث والأربعين وفي قصة عن أنس قال ما صام من ظل يأكل
لحوم الناس " أخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق وفيه يزيد بن أبان . وأورده الزيلعي في نصب الراية في
جملة أحاديث وصفها بأنها مدخولة منها الأحاديث التي ذكرناها حيث عدها بين الضعيف
والموضوع انظر: نصب الراية ٤٨٢/٢، والدراية ٢٨٦/١. وضعفاء العقيلى ١٨٤/٤، والمجروحين
لأبى حاتم البستى ١٤٧/١، وكشف الخفاء حيث قال وحديث " أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا
يغتابان" وهو أيضا أحد الأحاديث الأربعة التي تدور على الألسنة في الأسواق عن رسول اللَّه ◌ِ
وليس لها أصل. كشف الخفاء ١٦١/١، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٧٢/٢، وشعب الإيمان للبيهقى
٣٠١/٥.
(٤) في (١) يبلغه .
(٥) في (أ) الابن يحل له الانتفاع بمال أبيه . وهو الصواب، كما توضحه صدر العبارة .
(٦) ما بين القوسين سقط من (١) .
- ٥٢٤ -
والثالث: الجهل في دار الحرب من مسلم لما یهاجر إلينا وأنه یکون عذرا ويلحق به
جهل الشفيع.
وجهل الأمة بالإعتاق أو بالخيار وجهل البكر بإنكاح الولي.
وجهل الوكيل و المأذون بالإطلاق وضده
خفي فيصير الجهل به عذرا، ولو أوجبنا الشرائع عليه قبل العلم بها يلزم تكليف ما ليس في
الوسع.
قوله: (ويلحق به جهل الشفيع)، أي جهل الشفيع بالشفعة بأن لا يكون عالما ببيع دار له
شفعة فيها يكون عذرا حتى إذا حصل له العلم يتمكن من الطلب، وإن مر زمان من وقت
البيع لخفاء دليل العلم؛ لأن صاحب الدار قد ينفرد بالبيع فيكون خفيا، وفيه إلزام لأنه يلزم
الشفيع الطلب وما فيه إلزام يتوقف على علم من يلزمه كما في أحكام الشرع.
قوله: (وجهل الأمة بالإعتاق أو بالخيار)، أي جهل(١) الأمة المنكوحة بالعتق أو بخياره
يجعل عذرا؛ لأن الدليل خفي في حقها أما في الأول فظاهر، وأما في الثاني فلأن اشتغالها
بخدمة المولى شاغل لها عن(٢) تعلم أحكام الشرع بخلاف خيار البلوغ كمن زوجها الأخ أو
العم فإنه يدخل بواسطة الجهل؛ لأن الدليل غير خفي في حقها؛ لأنها غير مشغولة فيكون بناء
على تقصيرها فلم يصلح عذرا.
قوله: (وجهل البكر بإنكاح الولي)، يعني: أن البكر البالغة إذا زوجها الولي ولم تعلم
بالنكاح يجعل جهلها عذرا حتى يكون لها الخيار، وإن سكتت قبله.
قوله: (وجهل الوكيل والمأذون بالإطلاق)(٣)، أي بالوكالة والإذن، وضده أي بالعزل
والحجر يكون عذرا، لأن فيه ضرب إيجاب وإلزام، أما في إطلاق الوكيل فلأنه يلزمه الجري
على موجب الوكالة [ فإن من كان بشراء] (٤) شيء بعينه لا يتمكن من شرائه لنفسه وكذا لا
(١) في (١) وجهل.
(٢) في (١) من، وفي (ب) عمن .
(٣) في (ب) بالطلاق .
(٤) في (ا، ب) من كان وكيلا بشراء.
- ٥٢٥ -
والسكر وهو إن كان من مباح كشرب الدواء وشرب المكره والمضطر فهو كالإغماء
فيمنع صحة الطلاق والعتاق وسائر التصرفات.
٩٠/ز
يجوز تصرفه مع من لا تقبل(١) شهادته له فعلم أن فيه نوع إلزام فلا يثبت بدون علمه، وهذا
لأن حكم الشرع/ لا يثبت بدون العلم به مع [ کمال ](٢) ولا یته فلأن لا يثبت حکم في
جهة العباد(٣) بدون العلم به أولى، وأما المأذون فكذلك؛ لأنه يلزمه الجري على موجب الإذن
ويتعلق الديون برقبته وكسبه في الحال ويطالب به بخلاف ما إذا لم يكن مأذونا فإنه لا
يطالب بالديون التي في ذمته للحال، وأما جهل الوكيل بعزله فكذلك يكون عذرا؛ لأن
الدليل خفي وفيه إلزام من حيث جعل التصرف واقعا على الوكيل وجعل العين مضمونا
عليه، وكذا جهل المأذون بحجره عذرا لخفاء الدليل وفيه (٤) إلزام حيث يجعل العين مضمونا
عليه ويسلب ولا یته عنه.
قوله: (والسكر) قيل هو: عبارة عن غلبة سرور يغلب العقل ولا يزيله(٥).
قوله: (وهو إن كان من مباح)، کما إذا شرب دواء مثل البنج والأفیون فسكر به أو شرب
لبنا فسكر به أو شرب على قول أبى حنيفة ته شرابا يتخذ من الحنطة(٦) والشعير أو العسل
وسكر به (٧) أو أكره على شرب الخمر بالقتل فشربها فسكر به أو كان مضطرا فشرب منه ما
(١) في (١) يقبل.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٣) في (ا، ب) العبد .
(٤) في (ا، ب) مع أن فيه .
(٥) ذكره البخاري في الكشف وذكر له تعاريف أخرى. كشف الأسرار ٣٥٢/٤ .
(٦) في (ا، ب) أو .
(٧) السكر من مباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك كذا في الهداية، وهل يحد في هذه الأشربة
يعنى نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة وإن لم يطبخ قيل لا يحد، قالوا الأصح أنه يحد بلا
تفصيل بين المطبوخ والنيئ وكذا المتخذ من الألبان إذا اشتد، ولزومه قول محمد ورواية عبد العزيز
عن أبى حنيفة وسفيان أنهما سئلا فيمن شرب البنج فارتفع إلى رأسه وطلق امرأته هل يقع ؟ قالا:
إن كان يعلم حين شربه ما هو يقع . قال قاضيخان الصحيح أنه لا يقع على كل حال . درر
الحكام ٧٠/٢، وانظر شرح فتح القدير ٣٠٨/٥، والعناية شرح الهداية ٣٠٩/٥، وتبين الحقائق ٣/
١٩٦ ط دار الكتاب الإسلامي .
- ٥٢٦ -
وإن كان من محظور فلا ينافى الخطاب.
يرد به العطش وسكر به. والسكر في هذه المواضع بمنزلة الإغماء فيمنع صحة الطلاق والعتاق
وسائر التصرفات؛ لأن هذه الأشياء ليست من جنس ما يتلهى به في الأصل، والكلام فيما إذا
لم يشربه متلهيا فصارا السكر الحاصل بها من أقسام المرض.
١٣٣/ب
قوله: (وإن كان من محظور[ فلا ينافي الخطاب ])(١)، وهو السكر من كل شراب محرم
وكذلك السكر من النبيذ المثلث، أو نبيذ الزبيب المطبوخ المعتَّق لأن هذا وإن كان حلالا عند
أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما-، فإنما حل بشرط ألا يسكر وذلك من جنس ما
يتلهى به فيصير السكر/ منه مثل السكر من الشراب المحرم، ألا يُری أنه يوجب الحد فقد روي
أن عمر ◌َّ ◌ُّه أضاف رجلا وسقاه نبيذ [التمر فحده](٢) فقال: أتسقني ثم تحدني؟ فقال: (إنما
أحدك على سكرك لا على إلى سقيي)(٣)، فهو (٤) لا ينافي الخطاب بالإجماع قال الله - تعالى
-: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾(٥)، فالخطاب بالامتناع من
الصلاة في حق السكارى لا يخلوا إما إن كان في حال السكر أو في حال الصحو متعلقا
بحال السكر، فإن كان في حال السكر فلا شبهة في أن السكران مخاطب، وإن كان في
حال الصحو، فكذلك؛ إذ لو كان السكر منافیا للخطاب لما صح خطابه حال كونه صاحيا
بالامتناع عن الصلاة زمان سكره؛ لأنه إذا لم يصح الخطاب [في حالة لا يصح](٦) تعليق
(١) ما بين القوسين ساقط من (ا، ب).
(٢) في (ا، ب) التمر فسكر فحده .
(٣) الحديث أورده الذهبي في ميزان الاعتدال من طريق أبي كريب قال حدثنا موسى بن طالب ابن
عبدالله حدثني أبى عن عطاء عن ميسرة عن على أنه نزل مسكن فأمر بنبيذ فنبذ في الخوابى فشرب
وسقى أصحابه فأخذ رجلا قد سكر ليحده فقال: يا أمير المؤمنين تحدني على شراب أنت قد
سقيتنيه، قال: ليس أحدك على الشراب، إنما أحدك على السكر " انتهى قال هذا باطل وهذا من
صور تكليف ما لا يطاق، وقال الأزدى طالب بن عبد اللَّه لا يقوم حديثه، وقد روى هذا الحديث
أبو جعفر الطحاوى عن عمر ابن الخطاب من وجه آخر في كتاب الأشربة . انظر: ميزان الاعتدال
٤٥٧/٣، ولسان الميزان ٢٠٥/٣ .
(٤) في (أ، ب) وهو .
(٥) من الآية ٤٣ من سورة النساء .
(٦) في (ب) في حالة السكر لا يصح .
- ٥٢٧ -
ويلزمه أحكام الشرع، ويصح عباراته بالطلاق والعتاق والبيع والشراء والأقارير، إلا
الردة والإقرار بالحدود الخالصة.
والهزل وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما يصلح له اللفظ استعارة وهو ضد
١/٩٧
الخطاب بتلك الحالة أيضا، فإن الجنون لما نافي الخطاب لا يصح (١) خطابه حال إفاقته
معلقا(٢) بحال جنونه إذ لا يقال للعاقل إذا/ جننت فلا تفعل كذا، أو حيث صح الخطاب
للصاحي بالامتناع زمان سكره دل أن(٣) السكر لا ينافي الخطاب.
قوله: (ويلزم أحكام الشرع)؛ لأن السكر لا ينافي شيئا من الأهلية فكان كالصاحي
وتصح عباراته كلها، فإذا باشر سبب القصاص أو أقر به لزمه، وكذا إذا قذف أو أقر به لزمه
الحد؛ لأن السكر دليل الرجوع، وذلك لا يبطل بالرجوع الصريح فبدليله(٤) أولى وإنما ينعدم
بالسكر القصد لا العبارة فلم تصح ردته حتى إذا تكلم بكلمة الكفر لم تبن منه امرأته، أما إذا
أسلم يجب أن يصح كإسلام المكره، ويبطل إقراره بالحدود الخالصة نحو حد الزنا، وشرب
الخمر، والسرقة، وإنما قيدنا بالإقرار؛ لأن السكران مؤاخذ بأفعاله حتى لو زنا حد إذا صحا؛
وبالحدود الخالصة ليخرج حد القذف.
قوله: (والهزل)، وتفسيره لغة: اللعب، وفي الشرع: هو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له
ولا ما يصلح [له استعارة](*) كإرادة تعطيل الكلام من(٦) الغرض المطلوب منه فإن إرادة
[تعطيل اللفظ من اللفظ](٧) إرادة ما لم يوضع له، ولا ما يصلح له استعارة وفي قوله ولا ما
يصلح له اللفظ احتراز عن المجاز؛ إذ هو أيضا اسم للفظ يراد به ما لم يوضع [له والهزل](٨)
ضد الجد؛ لأن الجد قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا والهزل لا يصلح حقيقة ولا مجازا
(١) في (ب) يصلح .
(٢) في (أ، ب) متعلقا .
(٣) في (١) دل على أن .
.(٤) في (ب) فدليله بالدال المهملة بعد الفاء .
(٥) فى (١) له اللفظ استعارة.
(٦) فى (١) و(ب) عن.
(٧) فى (١) و(ب) تعطيل معنى اللفظ عن اللفظ.
(٨) فى (أ) و(ب) له إلا أن اللفظ يصلح له استعارة. والهزل ....
- ٥٢٨ -
الجد وهو: أن يراد بالشيء ما وضع له وما يصلح له اللفظ استعارة وأنه ينافي اختيار
الحكم.
١
والرضا به لا ينافي الرضا بالمباشرة واختيار المباشرة، فصار بمعنى خيار الشرط في
البيع أبدًا وشرطه أن يكون صريحا مشروطا باللسان إلا أنه لا يشترط ذكره في العقد
بخلاف خيار الشرط والتلجئة كالهزل فلا ينافى الأهلية ووجوب الأحكام فإن تواضعا
على الهزل بأصل البيع واتفقا على البناء يفسد البيع كالبيع بشرط الخيار أبدا وإن اتفقا
فیکون ضده.
قوله: (ولا ينافي الرضا بالمباشرة واختيار المباشرة)، أي مباشرة السبب واختيارها؛ لأن
الهزل يصدر عن اختيار صحيح فيثبت به ما يتعلق بمجرد المباشرة وإن أنعدم الرضا في حق
الحكم فصار بمعنى خيار الشرط أبدا في البيع، غير أنهما افترقا في الذكر حيث يشترط ذكر
خيار الشرط في نفس العقد ولا يشترط ذكر الهزل فيه بل يكتفي في فصل الهزل بالذكر
السابق.
قوله: (والتلجئة كالهزل) إلا أن الهزل أعم من التلجئة(١) لأنها تكون بناء على المواضعة
السابقة والهزل قد يكون سابقا وقد يكون مقارنا وكذا التلجئة يكون في الموال والهزل يجرى
في الأموال وفي غيرها كالنكاح والطلاق والعتاق واليمين.
قوله: (فإن تواضعا على الهزل بأصل البيع) بأن تواضعا في السر على أن يعقد البيع في
العلانية ولا بيع بينهما أصلًا في الواقع، ينعقد البيع فاسدا غير موجب للملك وإن اتصل به
القبض لما قلنا: إن الهازل راض بمباشرة(٢) السبب لكنه ليس براض بحكمه، فكان بمنزلة ما لو
(١) التلجئة: هي أن يلجئك إلى أن تأتى أمرا باطنه بخلاف ظاهره، والهزل أعم منها؛ لأن التلجئة إنما
تكون عن اضطرار والأظهر أنهما سواء في الاصطلاح، ولهذا قال فخر الإسلام التلجئة هي الهزل
وقد مثل الرهاوي في حاشيته للتلجئة فقال: كأن يقول الرجل لصاحبه أريد أن أبيع منك عبدي
هذا في الظاهر لأمر أخافه ولا يكون ذلك بيننا بيعا في الحقيقة فيجيبه صاحبه إلى ذلك ويشهد
عليه ثم إنه يبيعه منه في مجلس آخر بعد ذلك المجلس ثم يتصادقان على المواضعة بعد زوال ما
تواضعا لأجله. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٩٨٠، ٩٨١.
(٢) فى (١) و(ب) لمباشرة.
- ٥٢٩ -
على الإعراض فالبيع صحيح والهزل باطل وإن اتفقا أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا في
البناء والإعراض فالعقد صحيح عند أبي حنيفة رحمه الله - تعالى - خلافا لهما فجعل
صحة الإيجاب أولى وهما اعتبرا المواضعة إلا أن يوجد ما ينقضها.
وإن كان ذلك في القدر فإن اتفقا على الإعراض كان الثمن ألفين فإن اتفقا أنه لم
١٣٤/ب
باع عبدا على أنه بالخيار / أبدا [أو على أنهما بالخيار أبدا](١) في أنه غير موجب للملك أصلا
وفي أن كل [واحد](٢) منهما ينفرد بالنقض، ثم إذا نقض أحدهما انتقض وإن أجازاه جاز
ولو أجاز أحدهما لم يجز على صاحبه، لكن يجب أن يكون رفع الفساد بالإجازة مقدرا
بالثلث عند أبي حنيفة ظله كخيار الشرط أبدا فإن رفع المفسد هناك لا يجوز بعد الثلث فكذا
هنا.
قوله: (وجعل(٣) صحة الإيجاب أولى)؛ لأن العقد المشروع لإيجاب حكمه جد في
الظاهر والمانع من [الإيجاب هو](٤) الهزل وذلك غير متصل به نصا فكان هو أولى بالتحقيق
من المواضعة، وأما أبو يوسف ومحمد فقد اعتبرا المواضعة ما أمكن بناء على العادة الجارية بين
الناس في تحقيق المواضعة السابقة دفعاً لحوائجهم؛ إذ هو مفض إلى قصر يد(٥) الظلمة عن
أموال الناس فقالا هو أولي ألا يرى إنها أسبق الأمرين فكان اعتبارها أولى، إلا أن يوجد ما
ينقضها بأن يتفقا(٦) على الإعراض عنها، وقال أبو حنيفة ظ به الآخر ناسخ للأول.
قوله: (وإذ كان ذلك في القدر)(٧) أي اتفقا على الجد في العقد لكنهما تواضعا على البيع
بألفين على أن أحدهما هزل وتلجئة فإن اتفقا على الإعراض عن المواضعة كان الثمن ألفين
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٣) فى (١) فجعل.
(٤) الإيجاب فقد اعتبر هو كذا في (ب).
(٥) فى (١) أيدي.
(٦) فى (١) و(ب) اتفقا.
(٧) هذا هو القسم الثاني من المواضعة صورته: أن يتواضع العاقدان على أن يكون البيع في الظاهر
بألفين ويكون الثمن في الباطن ألفا وهذا القسم على أربعة أقسام. ابن ملك ص ٩٨٢.
- ٥٣٠ -
يحضرهما شيء، أو اختلفا فالهزل باطل والتسمية صحيحة عنده.
وعندهما العمل بالمواضعة واجب والألف الذي هزلا به باطل، وإن اتفقا على البناء
وإن اتفقا أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا فالهزل باطل والتسمية صحيحة عند أبي حنيفة څته
حتى يجب ألفان؛ إذ هاهنا مواضعتان: أحدهما (١) في أصل العقد بالجد والثاني(٢) في
وصف العقد بالهزل، وهو المواضعة في قدر البدل واعتبار الجد في الأصل يوجب صحة
العقد، واعتبار الهزل في الوصف يفسده [و](٣) لأن جواز البيع يفتقر إلى قبول المسمى ثمنا
في البيع، فإن من قال لآخر: بعت هذا منك بألفين، فقبله الآخر بالألف(٤) لا يصح البيع،
وإذا كان قبول الألفين شرطا للجواز، واعتبار الهزل يخرج الألف من الثمنية فصار هذا شرط
ما ليس بداخل تحت البيع لقبول ما دخل تحته، ومثله يفسد البيع وإن لم يكن له مطالب من
جهة/ العباد لتأديته إلى تفريق الصفقة كما إذا جمع بين عبد وحر في صفقة واحدة فإنه يفسد
البيع في القن(٥) وإن اتفقا على حرية المضموم إليه فإذا (٦) تعارضت المواضعتان، كان العمل
بالمواضعة بالجد في أصل العقد أولى لوجهين: أحدهما أن الوصف لا يعارض الأصل والثاني
اعتبار المصحح أولى من اعتبار المفسد.
٩٨/أ
قوله: (وعندهما العمل بالمواضعة واجب والألف الذي هزلا به باطل)؛ لأن اعتبار الهزل
في قدر البدل لا يبطل العقد؛ لأن بعد اعتبار المواضعة [أمكن تصحيح](٧) العقد بالجد بما بقى
من الثمن وهو الألف، فصار كأنه حط بعض الثمن بعد ذكر الكل، ويمكن ذلك لاتحاد
الجنس. والعمل بالمواضعة وإن استدعى شرطا مخالفا لمقتضى العقد وهو قبول ما ليس بداخل
(١) فى (١) و(ب) إحديهما.
(٢) فى (١) والثانية .
(٣) الواو ساقطة من (١) و(ب).
(٤) فى (١) و(ب) بألف.
(٥) القِن: الرقيق الذي لم ينعقد له سبب عتق ويستوي فيه الواحد وما فوقه والذكر والأنثى. طلبة
الطلبة "قنن" ص ٢٦ وفي المغرب القِن من العبيد الذي ملك هو وأبواه وعن ابن الأعرابي عبد قن
أي خالص العبودة، وعلى هذا صح قول الفقهاء لأنهم يعنون به خلاف المدبر والمكاتب. المغرب
"قنن" ص ٣٩٥.
(٦) فى (١) و(ب) وإذا.
(٧) فى (ب) أمكن العمل بالجد لتصحيح.
- ٥٣١ -
على المواضعة فالثمن ألفان عنده.
وإن كان ذلك في الجنس فالبيع جائز على كل حال. وإن كان في الذي لا مال فيه
كالطلاق والعتاق واليمين فكذلك صحيح والهزل باطل بالحديث.
تحت العقد لقبول ما دخل تحته لكن هذا شرط لا طالب له من جهة العباد؛ لاتفاقهما على أنه
ليس بثمن ومثله لا يفسد كما إذا شرط أن لا يبيع الدابة المبيعة أو يعلفها كذا، أو لا يعلفها
أصلا.
قوله: (وإن كان ذلك في الجنس) بأن تواضعا على مئة دينار على أن يكون الثمن دراهم أو
على العكس فالبيع جائز على كل حال، ويجب المسمى بالاتفاق سواء اتفقا على البناء أو
على الإعراض أو [اتفقا أنه](١) لم يحضرهما شيء أو اختلفا والفرق لهما بين الهزل في القدر
وبين الهزل في الجنس هو أنه لو اعتبرت المواضعة في فصل الجنس يلزم خلو العقد عن الثمن؛
لأنه حينئذ لا يكون المذكور ثمنا وما هو ثمن غير مذكور/ وفي فصل الهزل القدر(٢) لا يلزم
هذا المحظور فافترقا.
١٣٥/ب
قوله: (وإن كان في الذي لا مال فيه كالطلاق) بأن تواضع الزوج مع امرأته أن يطلقها
بين(٣) الملاّ ولا يكون بينهما طلاق. والعتاق بأن تواضع المولى مع عبده أن يعتق علانية ولا
يكون ذلك عتقا؛ واليمن بأن تواضع مع امرأته أن يعلق طلاقها بدخول الدار [هازلا عند
الملأرأ(٤) أو يحلف باللّه على أن يفعل كذا هازلا فذلك صحيح والهزل باطل لقوله ◌ُ﴾:
((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين))(٥)، وإنما ذكر العتاق في قسم
(١) فى (١) و(ب) اتفقا على أنه.
(٢) فى (١) و(ب) في القدر.
(٣) فى (١) و(ب) عند.
(٤) فى (١) و(ب) عند الملأ هازلا.
(٥) الحديث قال في نصب الراية هكذا يذكره الفقهاء "النكاح والطلاق واليمين" وبعضهم يجعل
عوض اليمين العتاق وكلاهما غريب وإنما الحديث أخرجه أبو داود عن أبي هريرة باب في الطلاق
على الهزل ٢٥٩/٢ وابن ماجة عن أبي هريرة باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبا ٦٥٨/١
والبيهقي باب صريح ألفاظ الطلاق ٣٤٠/٧ والترمذى باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق"
وقال: حسن غريب ٤٩٠/٣ والحاكم في المستدرك كتاب الطلاق وقال صحيح الإسناد ٢١٦/٢
وانظر نصب الراية ٢٩٣/٣.
- ٥٣٢ -
وإن کان المال فیه تبعا کالنكاح فإن هزلا بأصله فالعقد لازم والهزل باطل، وإن هزلا
بالقدر فإن اتفقا على الإعراض فالمهر ألفان والهزل باطل وإن اتفقا على البناء فالمهر ألف،
وإن اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا فالنكاح جائز بألف وقيل بألفين.
الطلاق واليمين؛ لأنه (١) مذكور في الحديث في بعض الروايات، ولأن الهازل مختار للسبب
راض به دون حكمه، وحكم هذه الأسباب أعنى العلل لا تحتمل(٢) الرد والتراخي بالإقالة
وبشرط الخيار.
قوله: (وإن کان المال فیه تبعا کالنكاح فإن هزلا بأصله فالعقد لازم والھزل باطل)، لما ذ کرنا
من النص والمعقول، وإن هزلا بالقدر فإن اتفقا على الإعراض فالمهر ألفان وإن اتفقا على البناء
فالمهر ألف بخلاف البيع عند أبي حنيفة ظُه؛ لأنه يفسد بالشرط الفاسد أما النكاح فلا يفسد
بمثله، وإن اتفقا أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا فقد ذكر محمد عن أبى حنيفة أن النكاح
جائز بالألف(٣) بخلاف البيع، لأن المهر تابع في النكاح حتى ينعقد بدونه، فلو أوجبنا الغبن
كما في البيع لصار المقصود من صحة تسميته (٤) المهر فيلزم صيرورة التبع مقصودا وأنه
خلاف الأصل، أما البيع فلا يلزم من اعتبار التسمية فيه صيرورة الثمن مقصودا؛ لأن التسمية
إنما اعتبرت فيه لجوازه لأنه لا يصح(٥) بدون الثمن، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي
اللَّه عنهما - أن المهر ألفان [وأن التسمية في الصحة] (٦) / مثل ابتداء البيع وهو ما إذا تواضعا
على البيع بألف وعقدا على ألفين وفي ذلك جعل أبو حنيفة رضا به العمل بصحة الإيجاب أولى
من العمل بصحة المواضعة فكذا هذا، وهذه(٧) الرواية أصح؛ لأنها على ما هو مذهب أبى
حنيفة رّته في اعتباره العقد وترك المواضعة في الاختلاف والبناء.
٩٢/ز
(١) فى (١) و(ب) لما أنه .
(٢) فى (١) يحتمل.
(٣) فى (١) و(ب) بألف.
(٤) فى (١) و(ب) التسمية.
(٥) فى (ب) يصلح.
(٦) فى (١) لأن التسمية في صحتها وفي (ب) وأن التسمية في صحتها.
(٧) فى (ب) فهذه.
- ٥٣٣ -
فإن كان ذلك في الجنس فإن اتفقا على الإعراض فالمهر ما سميا وإن اتفقا على البناء
أو اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا يجب مهر المثل.
وإن كان المال فيه مقصودا كالخلع والعتق على مال، والصلح عن دم العمد فإن هزلا
قوله: (وإن كان ذلك في الجنس) بأن تواضعا على الدنانير وعلى أن المهر في الحقيقة
دراهم، فإن اتفقا على الإعراض فالمهر ما سميا، وإن اتفقا على البناء وجب مهر المثل
بالإجماع بخلاف البيع؛ لأنه لا يصح إلا بتسمية الثمن، أما النكاح فيصح بدون التسمية وإن
اتفقا أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا فعلى رواية محمد يلزم(١) مهر المثل بلا خلاف على(٢)
ما مر أن المهر تابع فلا يجعل مقصودا بالصحة وعلى رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رقڅه
يجب المسمى وبطلت المواضعة وعندهما يجب مهر المثل.
قوله: (وإن كان [المال مقصودا فيه ](٣) كالخلع والعتق على مال) فإن هزلا بأصله واتفقا
على البناء فالطلاق واقع والمال لازم عندهما؛ لأن الهزل بمنزلة خيار الشرط لما ذكرنا، والخلع
لا يحتمل خيار الشرط فكذا الهزل، وعنده لا يقع الطلاق بل يتعلق باختيارها لأنه لما اعتبر
بخيار الشرط، وفيما إذا خالعت المرأة زوجها على أنها بالخيار أنه لا يقع الطلاق ولا يجب
المال إلا أن/ تشاء المرأة فيقع الطلاق ويجب المال فكذا هنا غير أن المشيئة غير مقدرة بالثلث
في الخلع بخلاف البيع، وعندهما/ في تلك الصورة الطلاق واقع والمال لازم، والخيار باطل
فكذا هنا وإن أعرضا وقع الطلاق ووجب المال بالإجماع. أما عندهما فلأن الهزل لا يمنع من
وقوع الطلاق ولزوم المال وأما عند أبي حنيفة فلبطلان المواضعة بالإعراض(٤) وإن اختلفا
فالقول لمدعى الإعراض عند أبي حنيفة رظنّه اللَّه عنه؛ لأنه جعل الهزل مؤثرا في أصل الطلاق
من حيث إنه(٥) [لا يقع](٦) وقد مر أن عند الاختلاف هو يعتبر جانب الإيجاب فيكون
١/٩٩
١٣٦/ب
(١) فى (١) يلزمه.
(٢) فى (١) و(ب) بناء على.
(٣) فى (١) و(ب) المال فيه مقصودا.
(٤) فى (١) و(ب) يإعراضهما
(٥) فى (ب) أن.
(٦) فى (١) لا يقع الطلاق.
- ٥٣٤ -
بأصله واتفقا على البناء فالطلاق واقع والمال لازم عندهما؛ لأن الهزل لا يؤثر في الخلع
أصلا عندهما، ولا يختلف الحال عندهما بالبناء أو بالإعراض أو بالاختلاف وعنده لا
يقع الطلاق. وإن أعراضا عن المواضعة وقع.
الطلاق ووجب المال إجماعا، وإن اختلفا فالقول لمدعى الإعراض، وإن سكتا فهو
لازم إجماعا، وإن كان في القدر فإن اتفقا على البناء فعندهما الطلاق واقع والمال لازم
وعنده يجب أن يتعلق الطلاق باختيارها وإن اتفقا على الإعراض لزم الطلاق ووجب
المال كله وإن اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء وقع الطلاق ووجب المال.
القول لمن يدعى الإعراض، وعندهما الخلع جائز والاختلاف غير مفيد وإن سكتا فهو لازم
إجماعا.
قوله: (وإن كان في القدر فإن اتفقا على البناء فعندهما الطلاق واقع والمال لازم) أي كله،
وهذا لأن الطلاق لا يؤثر الهزل فيه عندهما والمال وإن كان الهزل فيه مؤثرا فقد أوجباه(١)
بطريق التبعية لأنه ثبت في ضمن الخلع والاعتبار للمتضمن لا للمتضمن كالوكالة الثابتة في
ضمن الرهن فلم يؤثر الهزل فيه أيضا فيجب جميع المسمى، وعنده يجب أن يتعلق الطلاق
باختيارها أي باختيار المرأة، فيجب جميع المسمى؛ لأن الطلاق(٢) بما علق الزوج به، وقد
علقه بألفين فيتعلق بهما وإن هزلا بأحدهما وإذا تعلق الطلاق بالكل والمرأة قبلت بعضه حدا
لكونهما هازلين في الألف، فلا يقع الطلاق بقبول البعض كما إذا قال: أنت طالق بألفين
فقبلت إحدى(٣) الألفين. وإن اتفقا أنه لم يحضرهما شيء وقع الطلاق ووجب المال كله
عند أبي حنيفة رُّه؛ لأنه حمل ذلك على الجد وجعل ذلك أولى من المواضعة [وعندهما
كما](٤) قلنا من أصلهما أن الهزل لا يؤثر في الخلع.
(١) فى (١) أوجبناه.
(٢) فى (أ) و(ب) الطلاق يتعلق.
(٣) فى (١) و(ب) أحد.
(٤) فى (أ) و(ب) وعندهما كذلك لما.
- ٥٣٥ -
وإن كان في الجنس يجب المسمى عندهما بكل حال وعنده إن اتفقا على الإعراض
وجب المسمى وإن اتفقا على البناء توقف الطلاق وإن اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء
وجب المسمى ووقع الطلاق وإن اختلفا فالقول لمدعى الإعراض.
وإن كان ذلك في الإقرار بما يحتمل الفسخ أو بما لا يحتمله فالهزل ببطله، والهزل
في بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين الهزل لكونه استخفافا بالدين.
قوله: (وإن كان ذلك في الجنس) بأن ذكر الدنانير تلجئة وغرضهما الدراهم يجب
المسمى عندهما بكل حال، سواء اتفقا على الإعراض أو البناء أو اختلفا أو اتفقا أنه لم
يحضرهما شيء لما بينا أن الهزل لا يؤثر فيه، فيقع الخلع ويجب المال بطريق التبعية، وهذا
الذي ذكرناه في الخلع يتأتى كلها في العتق على مال.
قوله: (وإن كان ذلك في الإقرار بما يحتمل الفسخ) كالبيع والإجارة [بأن تواضعا على
أنهما يقران بالبيع عند الملأ أو الإجارة](١) ولكن لا يكون كذلك أو بما لا يحتمله كالطلاق
والعتاق فالهزل يبطله، لأن صحة الإقرار تبتنى على ثبوت المخبر به والهزل(٢) يدل على عدم
المخبر به؛ لأن الهزل هو أن يكون في الحقيقة خلاف ما أظهره عند الناسي والإقرار يحتمل
ذلك فلا يصير ملزما أصلا.
قوله: (والهزل بالردة [كفر) وهو](٣) أن يقول هازلا للصنم إله مثلا نعوذ بالله من ذلك
فإنه يصير كافرا بهذا القول وإن كان هازلا فيه لا بما هزل به وهو اعتقاد الألوهية للصنم؛ إذ
هو غير معتقد لذلك بل لهزله؛ لأن الهازل جاد في نفس الهزل مختار راض [به](٤) وذلك
استخفاف بالدين الحق وأنه كفر قال الله - تعالى -: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ ﴾(٥) فعلم أن
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) فى (ب) لأن الهزل.
(٣) فى (أ) كفر لا بما هزل به وهو.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٥) من الآية ٦٥ من سورة التوبة وتمامها "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته
ورسوله كنتم تستهزؤن " وجزء من الآية ٦٦ من سورة التوبة.
- ٥٣٦ -
والسفه وهو خفة تعتري الإنسان فتبعثه على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل
وإن كان أصله مشروعا وهو السرف والتبذير وذلك لا يوجب خللا في الأهلية ولا يمنع
الاستخفاف بالدين الحق كفر (١).
قوله: (والسفه) وهو في اللغة: الخفة، وفي الشرع خفة تعتري الإنسان من الفرح أو من
الغضب فتبعثه على العمل بخلاف موجب [الشرع من وجه](٢).
قوله:(٣) (وإن كان أصله مشروعا)، أي أصل عمل صاحب السفه.
قوله: (وهو السرف والتبذير)، أي العمل [موجب] (٤) الشرع من وجه وهو السرف
والتبذير؛ لأن أصل البيع(٥) والإحسان مشروع إلا أن الإسراف حرام/ كالإسراف في الطعام
والشراب قال الله - تعالى -: ﴿وَلَا تُشْرِفُواْ﴾(٦) والإسراف المجاوزة عن الحد.
١٣٧/ب
(١) ينظر كشف الأسرار للبخاري ٣٦٩/٤ حيث قال: الهزل بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين
الهزل يعنى أنا لا نحكم بكفره باعتبار أنه اعتقد ما هزل به من الكفر، بل نحكم بكفره باعتبار أن
نفس الهزل بالكفر كفر؛ لأن الهازل وإن لم يكن راضيا بحكم ما هزل به لكونه هازلا فيه فهو جاد
في نفس التكلم به مختار للسبب راض به فإنه إذا سب النبي الكليّا هازلا مثلا أو دعا لله - تعالى .
شريكا هازلا فهو راض بالتكلم به مختار لذلك وإن لم يكن معتقدا لما يدل عليه كلامه، والتكلم
بمثل هذه الكلمة هازلا استخفاف بالدين الحق وهو كفر كما دلت عليه الآية. وانظر المبسوط ٢٤/
٥٩ والتلويح ٣٨٠/٢، وغمز عيون البصائر ٦٢/١.
(٢) فى (١) و(ب) الشرع والعقل من وجه.
(٣) هذا تعريف البزدوى للسفه والبخاري ذكره قائلا: كذا ذكر في عامة الشروح ثم قال وقد قيده
الشيخ رحمه اللَّه بقوله "من وجه" لأن في اصطلاح الفقهاء غلب هذا الاسم على تبذير المال
وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع، ولم يفهم عند إطلاقه ارتكاب معصية أخري مثل
شرب الخمر والزنا والسرقة وإن كان ذلك سفها حقيقة فكأنه بذكر هذا القيد يشير إلى أن غرضه
تعريف السفه المصطلح الذي تكلم الفقهاء فيه وتعلق الأحكام به من منع المال ووجوب الحجر لا
جميع أنواع السفه ولهذا فسره بقوله وهو السرف والتبذير. كشف الأسرار ٣٦٩/٤.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٥) فى (١) التبرع.
(٦) من الآية ١٤١ من سورة الأنعام ومن الآية ٣١ من سورة الأعراف.
- ٥٣٧ -
شيئا من أحكام الشرع ويمنع ما له في أول ما يبلغ إجماعا بالنص.
وأنه لا يوجب الحجر أصلا عند أبي حنيفة - رحمه الله - وكذا عندهما فيما لا يبطله
قوله: (بالنص) وهو قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾(١)، أي: [أموالهم،
وإنما](٢) أضاف أموال السفهاء إلى الأولياء باعتبار الولاية والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى
وصلة بينهما.
قوله: (وأنه لا يوجب الحجر أصلا عند أبي حنيفة )؛ لأنه حر لا نقصان في عقله فيعتبر
بالرشد(٣) وهذا لأن في سلب ولايته إهدار آدميته، وهو أشد ضررا من التبذير ولا يصح
القياس على منع المال؛ لأن الحجر أبلغ منه في العقوبة ولا على الصبي؛ لأنه عاجز عن النظر
لنفسه، وهذا قادر عليه، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يجوز الحجر بهذا السبب عن
التصرفات المحتملة للفسخ إلا [أن](٤) عند أبى يوسف ومحمد على سبيل النظر وعند
الشافعي على سبيل الزجر والعقوبة، ويظهر الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدا في/ دينه
مصلحا في ماله كالفاسق فعنده يحجر عليه وعندهما لا يحجر عليه واحتجوا بقوله - تعالى -:
﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ إلى: ﴿وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾(٥) وهذا تنصيص على إثبات
الولاية على السفيه ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر قلنا: إن الآية حملت على الصغير والمجنون؛
لأن السفه عبارة عن الخفة، وقد يكون ذلك بانعدام العقل أو نقصانه.
١٠٠/أ
قوله: (وكذلك عندهما)، أي [لا يوجب الحجر](٦) عندهما فيما لا يبطله الهزل
كالنكاح والطلاق والعتاق(٧).
(١) من الآية ٥ من سورة النساء.
(٢) فى (١) أموالهم ولا تؤتوا المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي وإنما.
(٣) فى (١) و(ب) بالرشيد.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٥) فى (١) و(ب) "فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه
بالعدل" من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة.
(٦) فى (١) و(ب) لا يوجب السفه الحجر.
(٧) قال أبو حنيفة رحمه اللّه لا يجوز الحجر على السفيه، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم
اللَّه يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ إلا أن أبا يوسف ومحمد
رحمهما الله قالا: إن الحجر عليه على سبيل النظر له، وقال الشافعي على سبيل الزجر والعقوبة له،
- ٥٣٨ -
الهزل.
والسفر وهو الخروج المدید وأدناه ثلاثة أيام وأنه لا ینافى الأهلية والأحکام ولكنه من
أسباب التخفيف بنفسه مطلقا لكونه من أسباب المشقة بخلاف المرض فإنه متنوع فيؤثر
في قصر ذوات الأربع، وفى تأخير الصوم لكنه لما كان من الأمور المختارة ولم يكن موجبا
ضرورة لازمة فقيل: إنه إذا أصبح صائما وهو مسافر أو مقيم فسافر لا يباح له الفطر
بخلاف المريض ولو أفطر المسافر كان قيام السفر المبيح شبهة فلا تجب الكفارة، ولو أفطر
المقيم ثم سافر لا تسقط عنه الكفارة بخلاف ما إذا مرض، وأحكام السفر تثبت بنفس
الخروج بالسنة
قوله: (والسفر وهو الخروج المدير)، وإنما قال هكذا ولم يقل هو السير المدير إذ المسافر أبدا
لا يكون على السير و[إنما](١) هو في السفر أبدا ما لم يبطله بالإقامة(٢).
قوله: (بخلاف المرض فإنه ممنوع) إلى ما يضره الصوم وإلى ما ينفعه، أما السفر فقط لا
ينفعه الصوم.
قوله: (ولم يكن موجبا ضرورة لازمة)، أي لم يكن موجبا مشقة لا يمكن دفعها بل هي ما
يمكن دفعها؛ لأن سببها وهو السفر ليس بلازم، وإنما هو أمر اختياري وإذا كان السبب غير
لازم يكون الضرر الناشئ منه كذلك، بخلاف المرض فإنه لا اختیار للمكلف فیه فکذا فيما
ینشأ منه.
قوله: (بالسنة) وهو ما روى أن النبي ◌َّ لما خرج إلى السفر رخص المسافرين وقال على
◌ُه:
ويتبين هذا الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدا في دينه مصلحا في ماله كالفاسق فعند الشافعي
يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريق الزجر والعقوبة، ولهذا لم يجعل الفاسق أهلا للولاية
وعندهما لا يحجر عليه فالفاسق عند أصحابنا جميعا رحمهم اللَّه أهل للولاية على نفسه على
العموم وعلى غيره إذا وجد شرط تُعدّى ولايته لغيره. المبسوط للسرخسي ١٥٧/٢٤ وانظر العناية
شرح الهداية ٢٥٩/٩، والجوهرة النيرة ٢٤١/١، وشرح فتح القدير ٢٧٥/٩ ط دار الفكر.
(١) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٢) السفر: قطع المسافة لغة وفي الشريعة: هو الخروج على قصد المسير إلى موضع بينه وبين ذلك
الموضع مسيرة ثلاثة أيام فوقها سير الإبل ومشى الأقدام. كشف الأسرار للبخاري ٣٧٦/٤.
- ٥٣٩ -
وإن لم يتم السفر علة بعد تحقيقا للرخصة، والخطأ وهو عذر صالح لسقوط حق اللَّه .
تعالى - إذا حصل عن اجتهاد ويصير شبهة في العقوبة حتى لا يأثم الخاطئ.
ولا يؤاخذ بحد وقصاص ولم يجعل عذرا في حقوق العباد
(لو جاوزنا هذا الخص لقصرنا)(١).
قوله: (وإن لم يتم السفر علة بعد تحقيقا [للرخصة])(٢) ولهذا يبطل بنية الإقامة وإن
وجدت في غير موضعها لكونها نقضا للعارض ولو تم علة لما بطل بها، كما إذا سار ثلاثا ثم
نوى الإقامة في غير موضعها، فإنه لا يصح؛ لأن هذا ابتداء إيجاب فلا يصح في غير محله.
قوله: (والخطأ) وهو نقيض الصواب، ومعناه مخالفة المقصود والعدول عنه، والصواب ما
أصيب به المقصود بحكم الشرع.
قوله: (إذا حصل عن اجتهاد)، أي(٣) اجتهد فوقع اجتهاده على الخطأ كمن رمى إلى
شيء ظنه صيدا فإذا هو آدمي.
قوله: (حتى لا يأثم الخاطئ)، أي لا يأثم إثم القتل ولكن يأثم إثم ترك التثبت بدليل
وجوب [الكفارة لستر] (٤) ذلك الإثم ولو لم يأثم أصلا لما وجبت الكفارة عليه وكذا يحرم
عن الميراث، وذلك لا يتصور بدون الجناية.
قوله: (ولا يؤاخذ بحد وقصاص)؛ لأن كل واحد منها جزاء كامل من أجزية الأفعال فلا
يجب على المعذور.
(١) الحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٥٢٩/٢ باب المسافر متى يقصر إذا خرج مسافرا عن أبي
حرب بن أبي الأسود الديلى أن عليا لما خرج إلى البصرة رأى خصا فقال: لولا هذا الخص لصلينا
ركعتين فقلت: وما الخص؟ قال: بيت من قصب. وابن أبي شيبة في مصنفه باب من كان يقصر
الصلاة ٢٠٤/٢ وأخرجه البخاري في الصحيح تعليقا من غير سند باب يقصر إذا خرج من
موضعه وخرج علىَّ الَيْئًا قصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة قال: لا حتى
ندخلها صحيح البخاري ٣٦٩/١ وانظر نصب الراية ١٨٣/٢، وتحفة الاحوذى ٨٨/٣.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٣) فى (١) و(ب) إذا.
(٤) فى (١) الكفارة عليه لستر.
- ٥٤٠ -