Indexed OCR Text

Pages 481-500

وليس من صفة العلة الحقيقية تقدمها على الحكم بل الواجب اقترانهما معًا كالاستطاعة
مع الفعل. وقد يقام السبب الداعي والدليل مقام المدعو والمدلول، وذلك إما لدفع
الضرورة والعجز؛ كما في الاستبراء وغيره، أو للاحتياط، كما في تحريم الدواعي، أو
دليل الخروج [فأقيم مقام](١) خروج شيء من البدن تيسيرًا(٢).
١/٨٤
قوله: (وليس من صفه العلة / الحقيقية)، أي المطلقة وهي التي تكون علة اسما ومعنى
وحكما تقدمها على الحكم، وقال بعضهم يجوز ذلك؛ لان الذي لا يجوز كون العلة خالية
عن الحكم فإما يجوز [أن لا يتصل](٣) الحكم بها ولكن يتأخر لمانع وهذا لأن العلل الشرعية
مهما لم توجد لم تؤثر في غيرها فلابد وأن يوجد أولا لتؤثر في غيرها وهذا في العلل الشرعية
ممكن؛ لأنها بمنزلة الجواهر ولهذا يصح الإقالة بعد مضى ساعات ولولا يقام البيع لما صح
بخلاف العلل العقلية فإنها أعراض لا تبقى (٤) زمانين فلا يمكن القول بتقدمها كي لا يلزم
حصول الفعل بدون القدرة أو خلو القدرة عن الفائدة، الأصح أنه لا يجوز؛ لأن علل الشرع
غير مثبتة للأحكام، بل هي أمارات في الحقيقة ولو كانت، أي إقامة الشيء مقام غيره،
بطريقين أحدهما: إقامة السبب الداعي مقام المدعو مثل السفر والمرض في الرخصة والنوم في
الحدث والمس عن شهوة والنكاح في حرمة المصاهرة، والثاني: إقامة الدليل مقام المدلول مثل
الخبر عن المحبة مقام المحبة ومثل الطهر مقام الحاجة في إباحة الطلاق.
قوله: (وذلك إما لدفع الضرورة والعجز)، أي إقامة الشيء مقام غيره يكون بثلاثة أوجه
(١) في (ب) فأقام النوم مقام.
(٢) قال ابن ملك: اعلم أن هذه الأقسام التي ذكرها المصنف هي ستة أقسام من الأقسام السبعة التي
خرجت من التقسيم على الوجه الذي ذكرنا؛ لان القسم الرابع وهو ما عبر عنه بقوله "علة في حيز
الأسباب " عائد إما إلى العلة اسماً ومعنى لا حكماً وإما إلى العلة معنى لا حكماً ولا اسماً ولكن
المصنف لشبهه بالأسباب جعله قسماً آخر، والقسم الخامس الذي عبر عنه بقوله ووصف له شبهة
العلل هو علة معنى لا حكماً ولا اسماً، وبقى من تلك الأقسام قسم آخر لم يذكره المصنف وهو
العلة حكما لا اسما ولا معنى، وذلك كالشرط الذي سلم عن معارضة العلة مثل حفر البئر فتصير
الأقسام ثمانية . انظر: شرح ابن ملك صـ٩١٨.
(٣) في (أ) أن يتصل.
(٤) في (أ) لا يبقى.
- ٤٨١ -

لدفع الحرج، كما في السفر والطهر. والثالث الشرط وهو ما يتعلق به الوجود دون
الوجوب وهو خمسة: شرط محض، مثل دخول الدار للطلاق المعلق به، وشرط هو في
من الفقه أحدها: الضرورة والعجز عن الوقوف على ما هو الحقيقة كما في الاستبراء؛ إذ المؤثر
في إيجاب شغل الرحم بماء الغير وذلك باطن فقام السبب الظاهر الدال عليه وهو استحداث
ملك الوطء بملك اليمين مقام ذلك المعنى في وجوب الاستبراء، والثاني: الاحتياط كما في
تحريم الدواعي في المحرمات والعبادات، والثالث: دفع الحرج عن الناس فيما يتحقق فيه الحاجة
لهم، كما في السفر والطهر وهذه [وجوه](١) متفاوتة(٢) يتم بمعرفتها فقه الرجل ولكن في
ضبط حدودها بعض الحرج لما فيه من الدقة(٣).
قوله: (والثالث الشرط)، وتفسيره في اللغة العلامة اللازمة ومنه أشراط الساعة أي
علامتها اللازمة لكون الساعة آتية لا محالة ومنه الشرطي؛ لأنه نصب نفسه على زي وهيئة
[ لا تفارقه](٤) في أغلب أحواله فكان لازم له، ومنه الشروط في الوثائق؛ لأنها تكون(٥)
لازمة، وفي الشرع: هو ما تعلق به(٦) الوجود دون الوجوب فمن حيث لا يتعلق به الوجوب
علامة ومن حيث يتعلق به الوجود يشبه العلل فسمى(٧) شرطا.
قوله: (بشرط(٨) محض(٩)). الشرط المحض ما يتوقف وجود العلة على وجوده ويمتنع
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) فى (أ) متقاربة.
(٣) انظر: أصول السرخسى ٣٢٠،٣١٩/٢.
(٤) في (أ، ب) لا يفارقه ذلك.
(٥) في (أ) يكون .
(٦) في (أ، ب) يتعلق.
(٧) في (أ) فيسمى.
(٨) في (أ،ب) شرط.
(٩) اختلف الفقهاء في تقسيم الشرط بعضهم قسمه قسمين، وقسمة القاضى أبو زيد على أربعه
أقسام، وشمس الأئمة السرخسى قسمه على ستة أنواع، وفخر الإسلام قسمه على خمسة أنواع
قيل: والحق أن الشرط على قسمين حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما توجد العلة عند وجوده أو ما يتوقف
المؤثر على وجوده في ثبوت الحكم أو ما قاله المصنف والكل متقارب المعنى والمجاز ما هو غير هذا
فكل ما يقسم بعد ذلك في الشرط يكون يجب المجاز دون الحقيقة. حاشية الرهاوي صـ٩٢١.
- ٤٨٢ -

حكم العلل، كحفر البئر وشق الزق.
وجود العلة حقيقة بعد وجودها صورة حتى يوجد ذلك الشرط فيصير[موجودة حقيقة](١)
وأثره تراخى العلة عندنا وعند الشافعي: تراخى الحكم وذلك في كل تعليق بحرف من
حروف الشرط كإن وكلما، وتدخل ذلك في العبادات والمعاملات(٢)، وشرط هو في حكم
العلل، وهو كل شرط لم يعارضه علة(٣)، فإن صلح أن يكون علة (٤) يضاف الحكم ومتى
عارضته علة لم يصلح علة؛ وذلك لأن للشرط شبها بالعلل لما يتعلق به من الوجود والعلل
أصول في إضافة الأحكام إليها لكنها لمّاًّ لم تكن عللا بذواتها استقام/ أن تجليها الشروط
وذلك نحو شق الزق(٥) فإن علة التلف إنما هو سيلان الدهن، إلا أن الزق كان مانعا من العمل
للعلة صورة فهو بالشق باشر شرط التلف فيجب الضمان عليه؛ لأن الشرط في هذه الصورة
لم يعارضه(٦) علة؛ لأن السیلان أمر طبيعي للدهن فلا يصح إضافة الحکم إليه و كذلك حفر
البئر في الطريق فإنه شرط الوقوع بإزالة السكة عن ذلك الموضع، والشيء سبب محض والعلة
ثقله إلا أن الأرض كانت مانعة للثقل عن العمل، فإذا أزال السكة بالحفر فقد باشر شرط
التلف، لكن السبب لم يصلح علة لإضافة الحكم إليه؛ لأنه مباح بلا شبهة وكذا العلة وهو
الثقل، لأنه أمر طبيعي لا تعدى فيه لما أنه مخلوق كذلك لا اختيار [له](٧) في ذلك، وإذا (٨)
لم يعارض الشرط ما هو علة، وللشرط شبهة بالعلل يجعل خلفا عن العلة في إضافة الحكم
إليه؛ لأنه موصوف بالتعدي، فيجب الضمان على الحافر، ولكن لا يصير مباشرًا للإتلاف
حتى لا يلزمه الكفارة ولا يحرم/ عن الميراث(٩).
١١٧/ب
٨٠/ز
(١) في (أ،ب) موجودة في عنده حقيقة.
(٢) فى (أ، ب) قوله وشرط.
(٣) فى (أ،ب) فانه يصلح.
(٤) فى (أ،ب) يضاف الحكم اليه.
(٥) الزق: وعاء، والزق بالفتح والكسر هو السقاء أو جلد يجز ولا نتف للشراب وغيره. غذاء الألباب
في شرح منظومة الآداب للسفاريني ٢٥٣/١.
(٦) فى (أ) تعارضه.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٨) فى (أ) فإذا.
(٩) انظر: أصول السرخسي ٣٢٠/٢، وكشف الأسرار للنسفي ٤٣٧/٢ وما بعدها .
- ٤٨٣ -

وشرط له حكم الأسباب كما إذا حلَّ قيد عبد حتى أبَق وشرط اسما لا حكما،
كأول الشرطين في حكم تعلق بهما، كقوله: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت
طالق.
قوله: (وشرط له حكم الأسباب) وهو الذي اعترض عليه فعل فاعل مختار من غير أن
يكون ذلك الفعل مضافا إلى ذلك الشرط ويكون الشرط مقدما على ذلك الفعل كما إذا حل
قيد عبد حتى أبق لم يضمن قيمته باتفاق أصحابنا؛ لأن المانع من الإباق هو القيد فكان حله
إزالة المانع(١) فكان شرطا في الحقيقة إلا أنه لما سبق الإباق الذي هو علة التلف نُزِّل منزلة
الأسباب فالسبب/ ما يتقدم والشرط ما يتأخر ثم هو سبب محض [إلا أنه](٢) اعترض عليه ما
هو علة قائمة بنفسها غير حادثة بالشرط(٣).
٨٥/أ
قوله: (وشرط اسما لا حكما (٤) كأول الشرطين في حكم تعلق بهما)؛ لأن حكم الشرط
أن يضاف الوجود إليه وذلك مضاف إلى أحدهما فلم يكن الأول شرطا إلا اسما، من حيث
إنه يفتقر الحكم إليه في الجملة، وذلك مثل قوله: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق،
فإن دخولها في الدار الأولى شرط اسما لا حكما لأن الحكم غير مضاف إليه وجوبا ولا
وجودا عنده، ولهذا لم يعتبر علماؤنا قيام الملك عند وجود الشرط الأول خلافا لزفر، وهذا
لأن اشتراط الملك في المحل عند وجود الشرط الأول إما لبقاء اليمين أو لزوال الجزاء أو لصحة
الشرط لا سبيل إلى الأول؛ لأن اليمين باق قبل وجود الشرط بدون الملك فكذا بعده؛ لأن
الشرط اسما لا يوجب تغير الحكم ولا إلى الثاني؛ لأن الجزاء إنما ينزل عند الشرط الثاني دون
(١) فى (أ،ب) للمانع.
(٢) فى (أ، ب) لأنه.
(٣) وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله - قيمة فتح باب قفص فطار الطير، أو باب
اصطبل فندت الدابه في فور ذلك، أنه لا يضمن الفاتح شيئا؛ لأن هذا شرط جرى مجرى السبب،
وقد اعترض عليه فعل مختار غير منسوب إليه، فلم يصر التلف مضافا إليه، خلافا لمحمد الذي
يقول: طيران لطير هدر شرعا، وكذا فعل كل دابة هدر شرعا، فيجعل كالخارج بلا اختيار .. انظر
كشف الأسرار للنسفى ٤٤٢/٢، ٤٤٣.
(٤) وهو ما يفتقر الحكم إلى وجوده ولا يوجد عند وجوده فمن حيث إنه يتوقف الحكم عليه يسمى
شرطا، ومن حيث إنه لا يوجد الحكم عنده لا يكون شرطا حكما - شرح ابن ملك صـ ٩٢٤.
- ٤٨٤ -

وشرط هو كالعلامة الخالصة؛ كالإحصان في الزنا، وإنما يعرف الشرط بصيغته
كحروف الشرط أو دلالته كقوله المرأة التي أتزوج: طالق ثلاثًا فإنه بمعنى الشرط دلالة
الأول، ولا إلى الثالث؛ لأن الشرط صحيح بدون الملك حتى لو وجد الشرطان بدون الملك
ينحل اليمين لا إلى الجزاء.
قوله: (وشرط هو كالعلامة الخالصة كالإحصان في [ باب ](١) الزنا) وبيان هذا: أن
الشرط ما يمنع(٢) ثبوت العلة حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده. والزنا موجب للعقوبة
بنفسه ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الإحصان، ولهذا لو وجد الإحصان بعد الزنا لا
يثبت بوجوده حکم الرجم فعرفنا أنه ليس بشرط محض، لكنه معرف بظهوره يُعرّف أن الزنا
حين وجد كان موجبا للرجم فكان علامة ولهذا لم يضمن شهود الإحصان إذا رجعوا ويثبت
الإحصان بشهادة الرجال مع النساء ولم يشترط فيه الذكورة الخالصة؛ لأنه لم يثبت به
وجوب عقوبة ولا وجودها(٣).
قوله: (وإنما يعرف الشرط بصيغته كحروف الشرط أو دلالته)، أي تارة يعرف الشرط
باللفظ الدال عليه صريحا نحو كلمة (إن) ونظائرها، وتارة يعرف دلالة كقوله: المرأة التي
أتزوج طالق ثلاثًا إلا أن الأول لا ينفك عن معنى / الشرط البتة فإن قيل: قد وجد صيغة الشرط
في قوله - تعالى -: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٤) فالكتابة جائزة قبل العلم بالخيرية
حتى قال بعض المتأخرين من مشايخنا إنه مذكور على سبيل العادة قلنا: المراد بهذا الأمر
الاستحباب بدليل ما بعده وهو قوله - تعالى -: ﴿وَءَاتُوُهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمَّ﴾(٥)
فإنه للاستحباب دون الوجوب(٦) فيقتضي تعلق استحباب (٧) الكتابة بالعلم بالخيرية وما قالوا
إنه مذكور على سبيل العادة فليس كذلك؛ لأنه قول بأنه لغو وكتاب الله - تعالى - منزه عن
١١٨/ب
(١) ما بين القوسين ساقط من (أ،ب)
(٢) فى (أ) ما يمتنع.
(٣) انظر: أصول السرخسي ٣٢٨/٢.
(٤) من الآية ٣٣ من سورة النور.
(٥) من الآية ٣٣ من سورة النور.
(٦) فى (أ،ب) الإيجاب.
(٧) من (أ) الاستحباب.
- ٤٨٥ -

لوقوع الوصف في النكرة ولو وقوع في المعين لما صلح دلالة ونص الشرط يجمع الوجهين
والرابع العلامة وهو ما يعرف الوجود من غير أن يتعلق به وجوب ولا وجود كالإحصان
مثله(١).
قوله: (لوقوع الوصف في النكرة)، فإن التزوج دخل على امرأةٍ غير معينة فكانت نكرة،
والوصف في النكرة معتبر فصار كأنه قال: المتزوجة طالق فيتعلق الطلاق بالتزوج، ولو وقع
الوصف في العين بأن قال: هذا المرأة (٢) أتزوجها طالق لا يكون شرطًا فلا يتوقف وجود العلة
على وجوده، وقد ذكرناه في الوجوه الفاسدة.
قوله: (ونص الشرط يجمع الوجهين)، أي لو أتى بصيغة الشرط في النكرة أو في العين
توقف وجود العلة على وجود الشرط كقوله: إن تزوجت امرأة منكن أو هذه [المرأة إن](٣)
تزوجتها.
قوله: (والرابع [العلامة وهي](٤) في اللغة اسم للمعرّف قال الله - تعالى -: ﴿وَعَلَمَتَّ
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾(٥) أي معرفات لوحدانية الله - تعالى - بمنزلة الميل والمئذنة(٦) يعرفان
الطريق والجامع، وهي في الشرع عبارة عما يعرف الحكم الثابت بعلته من غير أن يتعلق به وجودٌ أو
وجوبٌ كالإحصان حتى لم يضمن شهوده إذا رجعوا بحال سواء رجع شهود الزنا أو لم يرجعوا، أو
رجع(٧) قبل قضاء القاضي أو بعده أو قبل إمضاء ما قضى به أو بعده، أو مجتمعا أو متفرقا لما ذكرنا
أنه لم يثبت به وجوب عقوبة ولا وجودها(٨).
(١) أصول السرخسى ٣٢١/٢.
(٢) فى (1) و(ب) المرأة التى
...
(٣) فى(أ) المرأة التي إن.
(٤) فى (أ) العلامة وهو ما يعرف الخ .. وهى.
(٥) الآية ١٦ من سورة النحل.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٧) فى (أ، ب) أو رجعوا.
(٨) تبع الشارح فخر الإسلام وأبا زيد وشمس الأئمة في جعله الإحصان علامة لا شرطاً لوجهين:
الأول أنهم صرحوا بأن شهود الشرط إذا رجعوا ضمنوا وشهود الإحصان إذا رجعوا لا يضمنون
فلو كان الإحصان شرطاً لضمنوا . الثانى: أن حكم الشرط أن يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد
الشرط وهذا لا يكون في الزنا بحال لأن الزنا إذا وُجد لم يتوقف حكمه على إحصان يثبت بعده،
- ٤٨٦ -

حتى لا يضمن شهوده إذا رجعوا بحال.
فصل: في بيان الأهلية لوجوب الحقوق له وعليه
فصل: في بيان الأهلية(١)، العقل معتبر لإثبات الأهلية وأنه خلق متفاوتًا وقالت
الأشعرية لا عبرة للعقل أصلًا دون السمع وإذا جاء السمع فله العبرة دون العقل وقالت
فصل في بيان الأهلية لوجوب الحقوق له وعليه
قوله: (وقالت الأشعرية(١) لا عبرة للعقل أصلاً)، فلا يُعرف حسن الإيمان والصدق
والعدل والإحسان وقبح أضدادها بالعقل، ولا يصح إيمان الصبي بمجرد العقل، ومن لم
تبلغه(٢) الدعوة فغفل عن الاعتقاد حتى هلك يكون معذورًا، وكذا لو اعتقد الشرك قبل أن
تبلغه(٣) الدعوة يكون معذورا، وإنما العبرة بالسمع فكان الحسن ما أمرنا به والقبح (٤) ما نهينا
عنه؛ وهذا لأن العقل لا ينفك عن الهوى؛ لأن الإنسان كما وجد [وجد معه](8) الهوى،
والفرق بينهما متعذر(٦).
لكن الإحصان إذا ثبت كان معرفاً لحكم الزنا، فأما أن يوجد الزنا بصورته فيتوقف انعقاده علةً على
وجود الإحصان فلا، فثبت أنه علامة وليس بشرط، وقال المتقدمون من الحنفية وعامة المتأخرين: إنه
شرط ونصره المحقق في التحرير بتوقفه عليه بلا عقلية تأثير ولا إفضاء وأجاب عن الوجهين
المذكورين .. انظر: أصول السرخسى ٣٢٨/٢ وكشف الأسرار للبخاري، وبهامشه أصول البزدوى
٢١٩/٤ وشرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوى صـ٩٢٨ وفتح الغفار ٨٥،٨٣/٣
(١) الأهلية في اللغة عبارة عن صلاحية الإنسان لصدور الشيء عنه وطلبه منه وقبوله إياه وفي
الاصطلاح عبارة عن صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له عليه، وهى الأمانة التي أخبر اللَّه .
تعالى - عنها بقوله - تعالى - "إنا عرضنا الأمانة " إلى قوله " وحملها الإنسان" كشف الأسرار
للبخارى ٢٣٧/٤.
(٢) الأشعرية فرقة كلامية إسلامية تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة وقد اتخذت
الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم.
يرون عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني .
(٣) فى (١) يبلغه.
(٤) فى (١) والقبيح.
(٥) فى (١) و(ب) وجد معه.
(٦) لخص الرهاوي في حاشيته على شرح ابن ملك محل النزاع بين الشعرية وأصحاب الشافعي
والمعتزلة فقال: لا نزاع للمعتزلة في أن العقل لا يستقل بدرك كثير من الأحكام مثل وجوب الصوم
- ٤٨٧ -

.
المعتزلة إنه علة موجبة لما استحسنه محرمة لما استقبحه فوق العلل الشرعية فلم يثبتوا بدليل
الشرع ما لا يدركه العقل وقالوا: لا عذر لمن عقل في الوقف عند الطلب وترك الإيمان
والصبي العاقل مكلف بالإيمان، ومن لم يبلغه الدعوة إذا لم يعتقد إيمانا ولا كفرا كان من
أهل النار ونحن نقول في الذي لم يبلغه الدعوة إنه غير مكلف بمجرد العقل وإذا لم يعتقد
١/٨٦
٨١/ز
قوله: (فوق العلل الشرعية)؛ لأن العلل الشرعية إمارات في الحقيقة/ فجاز أن يتخلف
الحكم عنها بخلاف العلل العقلية فإنها علل موجبة/ بذواتها فلم يثبتوا بدليل الشرع مالا
يدرك العقل، كرؤية الله - تعالى - في الآخرة بالأبصار فإن [رؤية اللَّه - تعالى-](١) موجود لا في
جهة ولا اتصال شعاع عين الرأس إلى المرئي ولا مسافة مقدرة بينهما مما لا يدركه العقول،
وكذا لم يجوزوا عذاب القبر؛ لأن تعذيب من لا حياة له أصلًا من فعل المجانين وهو قبيح(٢).
قوله: (ونحن نقول في الذي لم تبلغه الدعوة أنه غير مكلف بمجرد العقل)، ولهذا إذا
عقلت المراهقة ولم تصف وهي تحت زوج مسلم بين أبوين مسلمين، لم تجعل مرتدة ولم تبن
من زوجها، فعلم أنه غير مكلف ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت
من زوجها، فعلم أن العقل معتبر(٣).
آخر يوم من رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال ما لم يقم للعقل دليل على استحالته، ولا
للأشاعرة في أن الشرع محتاج إلى العقل، وأن العقل دخلا في معرفة الأحكام؛ لأنهم صرحوا بان
الدليل إما عقلى صرف أو مركب من عقلي وسمعي، ويمتنع كونه سمعياً صرفاً؛ لأن صدق
الشارع بل وجوده وكلامه إنما ثبت بالعقل، وإنما النزاع فيما يدرك العقل حسنه وقبحه فإن
الأشاعرة تقول لا حكم للعقل فيه أصلا وإنما الحكم للشرع وحده والمعتزلة تقول: العقل مستقل
بالحكم فيه ونحن نقول الحكم بالشرع وللعقل مدخل فيه حاشية الرهاوي ص ٩٣١.
(١) فى (أ) و(ب) رؤيته تعالى.
(٢) وتظهر ثمرة الخلاف في هذه المسائل الثلاث: ١- أن المتعزلة قالوا: لا عذر لمن غفل في التوقف عن
طلب الإيمان. ٢- أنهم قالوا: إن الصبي العاقل الذي لم يبلغ الحلم مكلف بالإيمان. ٣- أنهم قالوا:
من لم تبلغه الدعوة التي جاء بها الرسول ﴿ عن اللَّه - تعالى - بأن نشأ في شاهق جبل لم يخالط
فيه مسلماً من العقلاء البالغين إذا تمكن من النظر ولم ينظر ولم يعتقد إيماناً ولا كفراً واستمر على
ذلك حتى مات كان من أهل النار لتركه الإيمان مع توفر دواعيه، لا لتركه الشرائع لكونه معذوراً
فيها لسقوط التكليف فيها وهو بلوغها إليه على وجه تمكنه من العمل بها. انظر: حاشية الرهاوي
مع شرح ابن ملك ص ٩٣٢، ونور الأنوار ٤٥٧،٤٥٦/٢.
(٣) انظر: حاشية الشيخ عبد الرحمن البحراوى بهامش فتح الغفار ٨٩/٣.
- ٤٨٨ -

إيمانًا ولا كفرًا كان معذورًا وإذا أعانه اللَّه بالتجربة وأمهله لدرك العواقب لم يكن
معذورًا، وإن لم تبلغه الدعوة وعند الأشعرية إن غفل عن الاعتقاد حتى هلك أو اعتقد
١١٩/ب
قوله: (لم يكن معذورا وإن لم تبلغه (١) الدعوة) على نحو ما قال أبو حنيفة روايته في السفيه
إذا بلغ خمسا وعشرين سنة لم يمنع منه ماله؛ لأنه قد استوفى مدة التجربة والامتحان فلابد
من أن يزداد رشدًا(٢)، إلا أن هنا ليس على الحد الفاصل بين مدة يستوفي التجربة فيها وبين
مدة لا يمكن استيفاء التجربة/ فيها دليل؛ إذ ذلك يختلف باختلاف العقل فرب عاقل يهتدي
في زمان قليل، ورب عاقل يحتاج فيه إلى زمان كثير. فالحاصل أن العقل غير موجب بنفسه
كما قالت المعتزلة وغير مهمل كما قالت الأشاعرة، بل العقل معتبر لإثبات الأهلية، وهو في
البدن كالشمس في الملكوت الطاهرة(٣) والقلب كالعين وقوة الإدراك فيه كقوة الإبصار في
العين، وتأخر قوة الإدراك عن عين القلب في مدة الصبا إلى أوان التمييز كتأخر قوة الإبصار
عن العين [إلى طلوع](٤) الشمس وفيضان نورها. ثم لا يقال: الشمس هي الموجبة للرؤية؛ إذ
العين مستغنى عن الشمس في تحقيق الرؤية فكذا العقل، فمن جعل العقل حجة موجبة (٥)
يمتنع الشرع بخلافه فليس(٦) معه دلیل یعتمد عليه، سوی أمور ظاهرة نسلمها له کحسن
الإيمان والصدق والعدل وقبح الكذب والكفر وأمثالهما، لكن (٧) لا تدل هذه الأمور على أن
(١) فى (١) يبلغه.
(٢) قال أبو حنيفة رحمه اللَّه: السفيه إذا بلغ خمساً وعشرين سنة ولم يؤنس منه الرشد دفع المال إليه،
وقال أبو يوسف ومحمد لم يدفع إليه ما لم يؤنس منه الرشد، لأبى حنيفة قوله - تعالى ... "وَلا
تأكلوها إسرافا وبداراً أن يكبروا" (النساء) معناه أن يكبروا يلزمكم دفع المال إليهم وقال - تعالى - "
وآتو اليتامى أموالهم " والمراد البالغين فهذا تنصيص على وجوب دفع المال إليه بعد البلوغ، إلا أنه
قام الدليل على منع المال منه بعد البلوغ إذا لم يؤنس رشده وهو ما تلونا. وقال أبو يوسف و
محمد لا يدفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لقوله - تعالى - "فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم
أموالهم " (النساء) فهذه آية محكمة لم ينسخها شئ. المبسوط للسرخسى ١٦١/٢٤ وبدائع
الصنائع ١٦٩/٧ .
(٣) فى (أ) الظاهر.
(٤) فى ( أ، ب) إلى آذان طلوع.
(٥) فى (ب) موجودة.
(٦) فى (ب) وليس.
(٧) فى (أ) لا يدل.
- ٤٨٩ -

الشرك ولم يبلغه الدعوة كان معذورًا ولا يصح إيمان الصبي العاقل عندهم وعندنا يصح
وإن لم مكلفًا به. والأهلية نوعان أهلية وجوب
العقل موجب بنفسه بل جعلها الله - تعالى- كذلك والعقل آلةُ معرفتِها ومن ألغى العقل من
كل وجه. فلا دليل له أيضا؛ لأن أسباب العلم ثلاثة: الحواس الخمس، والخبر الصادق، ونظر
العقل، فيقال لهم بم عرفتم أنه لا يعرف(١) حسن الشيء قبحه؟!
فإن قالوا: بالحسن، ظهر عنادهم ولم يجدوا نصًا بأن العقل غير معتبر لإثبات الأهلية
فتعين النفي بالعقل فتناقض مذهبه(٢). فإن قيل: لم قلتم: إنه لا يمكن نفي كون العقل حجة
بالشرع وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى وَمَا رَسُولًا﴾(٣) أخبر أنه لا يعذب حتى
يقيم عليهم حجة السمع، فلو كان شيء يعرف قبحه قبل السمع لوجب الاجتناب عنه وعند
ارتكابه يستحق التعذيب، وحينئذ يلزم الخلف في خبره وهو محال. والجواب: أن ورود الآية
فيما طريقه السمع لا فيما طريقه العقل؛ فإن الدلالة قامت على استحقاق التعذيب(٤)
بالإغماض عن دلائل العقول قال الله - تعالى - خبرًا عن قول الكفار: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ
نَعْقِلُ مَا كُنَا أَوْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾(٥) إلى غير ذلك من الآي أي يحمل(٦) ذلك على
تعذيب الاستئصال أي [لا](٧) يعذبون تعذيب الاستئصال [إلا من](٨) مظاهرة الحجج
العقلية والسمعية.
قوله: (أهلية وجوب) هي وإن كان يدخل في فروعها تقسيم لأقسام(٩) الأحكام إلى حق
اللَّه - تعالى - وحق العبد وما اجتمع فيه الحقان وهو في البعض أهل للوجوب لكونه أهلا
(١) فى (أ، ب) لا يعرف بالعقل حسن.
(٢) فى (أ) مذهبهم.
(٣) من الآية ١٥ سورة الإسراء.
(٤) فى (ب) العقاب.
(٥) الآية ١٠ سورة الملك.
(٦) فى (ب) يحتمل.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨) فى (أ، ب) إلا بعد.
(٩) فى (أ، ب) لانقسام.
- ٤٩٠ -

وهي بناء على قيام الذمة والآدمي يولد وله ذمة صالة للوجوب له وعليه غير أن الوجوب
لحكمه وفي البعض ليس بأهل فأصلها واحد وهو الصلاحية لحكم(١) الوجوب وهو المطالبة،
فمن كان أهلا لحكم الوجوب بوجه إما أداء أو قضاء كان أهلا للوجوب ومن لا فلا.
قوله: (وهو بناء على قيام الذمة)؛ لأنها محل الوجوب ولهذا يضاف الوجوب إليها دون
غيرها وبدون المحل لا يثبت الوجوب. والذمة في اللغة العهد والمراد بهذا العهد ما جرى بين
العبد وربه - تعالى - يوم الميثاق قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾(٢) والكل في ذلك العهد سواء وفي الشرع عبارة
عن وصف يصير به الذات أهلا للإيجاب(٣) والاستيجاب أي يصير به محلا صالحاً لإيجاب
غيره عليه شيئا، وإيجابه على غيره شيئا؛ فالجنين [ما دام في بطن أمه ليست](٤) له ذمة صالحة
لكونه في حكم جزء من الأم، لانتقاله وقراره بانتقال الأم وقرارها ولكنه منفرد(٥) بالحياة معد
ليكون نفسًا له ذمة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب
أو وصية وباعتبار الوجه الأول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه/، فأما بعد ما يولد فله ذمة
صالحة، بإجماع الفقهاء فصار أهلا للوجوب له وعليه، ولهذا لو انقلب على مال إنسان
فأتلفه يجب الضمان عليه، ويلزمه مهر امرأته غير أن الوجوب غير مقصود بنفسه. وإنما
المقصود منه حكمه وهو الأداء وإذا كان المقصود هو الحكم جاز أن يبطل الوجوب، لعدم
حكمه فما كان من حقوق العباد من الغرم كضمان الإتلاف والعوض كثمن المبيع. والصلة
التي لها شبه بالمؤن كنفقة الزوجات فالوجوب ثابت في حق الصبي [لوجود سببه](٦) وثبوت
حكمه وهو وجوب الأداء بوليه الذي هو نائب عنه؛ لأن المقصود هو المال دون الفعل،
والمراد (٧) بالغرم رفع الخسران بما يكون جبرانا له، وبالعوض حصول الربح وفي نفقة الزوجات
١/٨٧
(١) فى( أ، ب) بحكم .
(٢) فى (أ، ب) قالوا بلى وهي من الآية ١٧٢ من سورة الأعراف.
(٣) فى (أ) بالإيجاب.
(٤) فى (أ، ب) ما دام مجتنا في بطن أمه.
(٥) فى (أ، ب) متفرد .
(٦) فى (أ) بوجود سببه وفي (ب) لوجوب شبيه.
(٧) فى (أ، ب) فالمراد.
- ٤٩١ -

غير مقصود بنفسه فجاز أن يبطل لعدم حكمه؛ فما كان من حقوق العباد من الغرم
والعوض، ونفقة الزوجات والأقارب لزمه، وما كان عقوبة أو جزاء لم يجب عليه،
وحقوق الله - تعالى - تجب متى صح القول بحكمه كالعشر والخراج، ومتى بطل القول
بحكمه لا تجب كالعبادات الخالصة والعقوبات.
وأهلية أداء؛ وهى نوعان: قاصرة تبتني على القدرة القاصرة من العقل القاصر،
معنى المعاوضة، فيكون أداء الولي في حصول هذا المقصود كأدائه وما كان عقوبة نحو
القصاص لم يجب عليه، لأنه لا يصلح لحكمه(١).
قوله: (وحقوق اللَّه - تعالى - تجب(٢) متى صح القول بحكمه كالشعر والخراج)؛ لأن
الصبي أهل لحكم الوجوب وهو الأداء بالولي الذي هو قائم مقامه في أداء المؤونات؛ إذ معنى
القربة والعقوبة فيهما غير مقصود، وإذا خرج معنى القربة والعقوبة من أن يكون مقصودًا ظهر
أن المال هو المقصود فهما وأداء الولي في ذلك كأدائه.
قوله: (ومتى بطل القول بحكمه لا يجب كالعبادات الخالصة) المتعلقة بالبدن أو المال، لأن
المقصود في حقوق اللَّه - تعالى - هو الأداء، وذلك فعل يحصل عن اختيار(٣) على سبيل
التعظيم تحقيقا للابتلاء، والصغر ينافه وما يتأدى بالثابت(٤) لا يصلح طاعة، لأنها نيابةُ جبر لا
اختيار، فلو وجب مع ذلك لصار المال مقصودًا وذلك باطل في جنس القرب؛ فلذلك لم
يلزمه الصلاة والزكاة والحج والصوم، وكذا العقوبات لا يثبت وجوبها في حقه سواء كانت
لله - تعالى - خالصًا أو مختلطًا بحق العباد، لأنه ليس بأهل لحكمه.
(١) اختلف في تعريف الذمة في الشرع فمنهم من قال إنها وصف وعرفها بأنها وصف يصير الشخص
أهلا للإيجاب له وعليه ومنهم من جعلها ذاتاً وهو اختيار فخر الإسلام وابن ملك وعرفها بأنها
نفس ورقبة لها ذمة وعهد، وهذا عند المحقين من تسمية المحل لاسم الحال، ومعنى وجب في ذمة
كذا أي وجب على نفسه باعتبار كونه محلاً لذلك العهد الماضى .. مختصراً من حاشية الرهاوي
صـ ٩٣٧
(٢) فى (أ) يجب.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٤) فى (أ) بالتائب.
- ٤٩٢ -

والبدن القاصر؛ كالصبي العاقل والمعتوه البالغ. وتبتني عليها صحة الأداء. وكاملة تبتني
على القدرة الكاملة من العقل الكامل والبدن الكامل ويبتني عليها وجوب الأداء وتوجه
الخطاب والأحكام منقسمة في هذا الباب إلى ستة أقسام فحق الله - تعالى - إن حسنًا لا
قوله: (الصبي العاقل والمعتوه البالغ)، وإنما أَلحق بالصبي؛ لأنه عاقل لم يعتدل عقله، فكان
الصبي العاقل وأصل(١) العقل يعرف بالعيان وذلك بأن يختار المرء ما يصلح له بدرك العواقب
المستورة فيما يأتيه ويذره، وكذلك نقصانه بالامتحان وبعد الترقي عن درجة النقصان ظاهرا
يتفاوت أحوال البشر في صفة الكمال فيه على وجه لتعذر الوقوف عليه، فأقام الشرع اعتدال
الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه؛ تيسيرًا على العباد
فصار صفة الكمال الذي يتوهم وجوده قبل هذا الحد ساقطًا الاعتبار وبقاء توهم النقصان
بعد هذا الحد كذلك، وهذا لأن السب الظاهر متى قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم
معه وجودا وعدما.
قوله: (وتبنى عليها صحة الأداء)، أي تبتني على الأهلية القاصرة صحة الأداء من غير
عهدة وغرامة؛ لأن القول بالزام العهد يقتضي التكليف بالأداء وذلك يؤدى إلى الحرج، وقال
اللَّه - تعالى -: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ﴾(٢) من حرج وقال - تعالى -:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى عَنْهُمْ عَلَيَّهِزَّ﴾(٣) وفي إلزام خطاب الأداء قبل
كمال العقل من معنى الإصر والحرج ما لا يخفى.
قوله: (وكاملة (٤) إلى آخره)، أي الأهلية الكاملة تبتني على قدرتين قدرة فهم الخطاب
على الكمال وذلك [بأن](٥) يكون بالعقل الكامل وقدرة العمل به وذلك بالبدن الكامل.
قوله: (وفي هذا) أي في باب أهلية الأداء.
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢) الآية هكذا في (أ، ب) وفي (ز) "ما يريد اللَّه ليجعل عليكم في الدين من حرج" وهو خطأ
والصواب ما في الصلب وهو من الآية ٦ من سورة المائدة، ولعل الناسخ ذهب إلى ما في سورة
الحج وهو قوله "وما جعل عليكم فى الدين من حرج" من الآية ٧٨.
(٣) من الآية ١٥٧ من سورة الأعراف.
(٤) فى (أ) وكاملة تبتنى.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ - ب).
- ٤٩٣ -

يحتمل غيره كالإيمان وجب القول بصحته من الصبي بلا لزوم أداء، وإن كان قبيحًا لا
يحتمل غيره؛ كالكفر لا يجعل عفوًا وما هو بين الأمرين؛ كالصلاة ونحوها يصح الأداء
١٢١/ب
قوله: (وجب القول بصحته)؛ لأن الشيء إذا وجد بحقيقته لا ينعدم إلا بحجر من
الشرع، والقول بالحجر عن الإيمان/ مع كونه حسنا لذاته ولا عهدة فيه ممتنع وكذا عن حكمه
وهو السعادة الأبدية ليمتنع بناء على ذلك. فإن قيل: وجب أن لا يصح إيمانه؛ لأن في القول
بالصحة لزوم العهدة على الصبي، وهو حرمان الميراث عن أقاربه الكفار ووقوع الفرقة بينه
وبين امرأته الكافرة. قلنا: ذلك ما لا(١) يعبأ به لأنه أمر ضمني من ثمرات الإيمان لا حكمة
الأصلي وصحة الشيء إنما يتعرف من حكمة الأصلي لا مما يكون من ثمراته والحكم الأصلي
الذي وضع له الإيمان السعادة الأبدية وذلك نفع محض.
قوله: (وإن كان قبيحا لا يحتمل غيره كالكفر لا يجعل عفوا)؛ لأن جهله بغير الله - تعالى.
لا يمكن أن يجعل عفوًا [فكيف يجعل جهله باللّه - تعالى -](٢)؟ فصح ارتداده في أحكام
الآخرة، لأنه لما وجد بركنه ولا يمكن العفو عنه لا بد من القول بصحته وما يلزمه من حرمان
الميراث(٣) والفرقة بينه وبين امرأته المسلمة عندهما (٤) خلافا لأبى يوسف؛ لأن ذلك يتمحض
ضرارًا لا يشوبه منفعة، فإنما يلزم حكمًا لصحة ارتداده/ لا مقصودًا بنفسه، ومثل هذا غير
معتبر في كونه ضرارًا لثبوته في ضمن شيء آخر، إذ الاعتبار للمتضمن لا للمتضمن.
٨٨/أ
قوله: (وما هو بين الأمرين)، أي بين كونه حسنًا لعينه وقبيحًا لغيره من حيث إنه تحتمل
النسخ كالصلاة [ونحوها](٥) يصح الأداء من غير عهدة فلا يلزمه الإتمام بعد الشروع ولا
القضاء بتقدير الفساد ولو أحرم فارتكب محظور إحرامه لا يلزمه الجزاء وأما ما كان ماليا ففي
صحة الأداء إضرار به في العاجل باعتبار نقصان ملكه فيبتنى ذلك على الأهلية الكاملة.
(١) فى (أ، ب) مما.
(٢) فى (أ، ب) فكيف الجهل باللّه تعالى.
(٣) فى (أ، ب) وثبوت الفرقة.
(٤) فى (أ) عندنا أي الحنفية خلافاً لأبى يوسف والشافعى، وأما عندهما فعلى أنهما أبو حنيفة ومحمد
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ب).
- ٤٩٤ -

من غير لزوم عهدة.
وما كان من غير حقوق اللَّه - تعالى - إن كان نفعا محضًا؛ كقبول الهبة والصدقة
يصح مباشرته وفى الضار المحض؛ كالطلاق والعتاق والوصية تبطل أصلا وفى الدائر
بنيهما كالبيع ونحوه يملكه برأى الولي وقال الشافعي - رحمه الله -: كل منفعة يمكن
تحصيلها له بمباشرة وليه لا يعتبر عبارته فيه كالإسلام والبيع وما لا يمكن تحصيله بمباشرة
وليه يعتبر عبارته فيه كالوصية واختيار أحد الأبوين.
قوله: (وإن كان نفعا محضا كقبول الهبة والصدقة والاصطياد والاحتطاب والاكتساب)
يصح مباشرته من الصبي؛ لأنه نفع محض لا يشوبه ضر، وكذا وجب القول بصحة عبارته
في حال غيره وطلاق غيره وعتاق غيره إذا كان كبيرًا(١)؛ لأن حظه من ذلك صحة عبارته،
وعند العقلاء ذلك من أعظم المنافع.
قوله: (وفي الضارة المحضة) كالطلاق، والوصية، والقرض، والصدقة يبطل أصلا ولم
يملك ذلك عليه غيره ما خلا القرض فإنه يملكه القاضى عليه؛ لوقوع الأمن عن القوى بولاية
القضاء.
قوله: (وفي الدائر بينهما)، أي بين النفع والضرر كالبيع، والإجارة، والنكاح؛ لما أنها
تشتمل على زوال الملك وهو ضرر وحصول البدل وهو نفع يملكه(٢) برأي الولي ولا يملكه
بنفسه؛ لما فيه من احتمال الضرر وإنما يملكه برأي الولي؛ لأنه أهل لحكمه بمباشرة الولي فكان
أهلًا لسببه لا محالة؛ لأن الأسباب إنما تعتبر(٣) لأحكامها/ لا لذواتها وما كان مانعًا عنه وهو
احتمال الضرر فذلك للنفع برأي الولي(٤).
قوله: (وقال الشافعي: كل منفعة يمكن تحصيلها بمباشرة وليه(٥) إلى آخره)، وأصله في هذا
الباب أن من كان موليًا عليه لم يصلح وليًّا؛ لأن كونه موليًا عليه سمة العجز، وكونه وليًا آيه
٨٣/ز
(١) في (ب) لأنه.
(٢) فى (ب) يقع ملكه
(٣) فى (أ) يعتبر.
(٤) أصول السرخسى ٣٤٨/٢، ٣٤٩.
(٥) فى (أ)، (ب) الولي.
- ٤٩٥ -

فصل
والأمور المعترضة على الأهلية نوعان سماوي؛
القدرة، وبينهما مغايرة على سبيل التضاد، فلا يجوز اجتماعهما. وأجرى هذا الأصل في
الفرع فقال [لا تعتبر] (١) عبارته في الحكم بإسلامه إذا سمع منه الإقرار به، لأن المنفعة المطلوبة
بالإِسلام يمكن تحصيلها بمباشرة الولي فإنه مسلمًا (٢) بإسلام أحد الأبوين تبعًا وإن كان
عاقلًا، وكذا في البيع ولا يعتبر ردته لأن حكم الردة في حقه لما كان يثبت بطريق التبعية
للأبوين يسقط(٣) باعتبار مباشرته لذلك بنفسه، ويعتبر عبارته في الوصية، لأن المنفعة/
المطلوبة بها لا يمكن تحصيلها بمباشرة الولي وكذا في اختيار أحد الأبوين وعندنا لما كان قاصر
الأهلية صلح موليًا عليه، ولما كان صاحب أصل(٤) الأهلية صلح وليًا، ومتى جعلناه وليًّا لم
نجعله فيه موليًا عليه وإذا جعلناه موليًا [عليه](٥) لم نجعله وليًا(٦).
١٢٢/ب
فصل في العوارض
قوله: (الأمور (٧) المعترضة على الأهلية نوعان)(٨) أي العوارض التي يعترض على الأهلية
التي بينا أنها بناء على قيام الذمة فتمنع الأحكام المتعلقة بها نوعان. والعوارض جمع عارضة
من عرض لي أمر كذا من باب ضرب أي استقبلني فمنعني، ولذلك يسمى السحاب
عارضًا. وجملة العوارض ثمانية عشر فأحد عشر سماوية، وسبعة مكتسبة فالسماوي هو
الذي من (٩) قبل صاحب الشرع من غير أن يكون للعبد فيه صنع وهو الصغر، والجنون،
(١) فى (أ)، (ب) لا يعتبر.
(٢) فى (أ)، (ب) فإنه يصير مسلماً وهو الصواب.
(٣) فى (ب) لسقط.
(٤) فى (ب) أهل.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٦) انظر: كشف الأسرار للنسفى ٤٧٦/٢
(٧) فى (أ)، (ب) والأمور.
(٨) لما فرغ من بيان الأهلية بنوعيها شرع في بيان أمور تعترض عليهما كالموت أو أحدهما كالجنون
والنوم أو توجب تغيرا في بعض أحكامهما مع بقاء أصل الأهلية كالسفر، حاشية الرهاوي صـ ٩٤٤.
(٩) في (ب) يكون من.
- ٤٩٦ -

وهو الصغر وهو في أول أحواله كالجنون
[والنسيان، والعته](١) والنوم، والإغماء، والرق، والمرض، والحيض، والنفاس، والموت(٢)
والمكتسب هو الذي يكون باختيار العبد وكسبه وهو الجهل والسكر والهزل، والسفه،
والخطأ، والسفر، والإكراه(٣) ولا يقال: إن الحامل والمرضع والشيخ الفاني ممن تتغير فيهم
الأحكام. ولم يذكر الحمل والإرضاع والشيخوخة من العوارض؛ لأن ذلك من قبيل المرض
فكان ذكر المرض ذكرًا له. وهو الصغر وهو في أول أحوال.
قوله: (وهو الصغر) الصغر عبارة عن أول أحوال الآدمي من وقت الولادة إلى وقت
البلوغ، وإنما عد الصغر من العوارض وإن كان ثابتًا في أصل الخلقة، لأن الآدمي قد يخلو عنه
في الجملة كآدم وحواء(٤)، ولأن الصغر غير داخل في حقيقته الإنسان بدليل أن الكبير إنسان
بدون صفة [الصغر](٥) مع أن وجود الشيء بدون حقيقته محال.
قوله: (وهو في أول أحواله كالجنون)؛ لأنه عديم التمييز والعقل، فإن قيل: امرأة (٦) المجنون
إذا أسلمت عرض على أبيه وأمه الإسلام فإن أسلم أحدهما وإلا فرق القاضي بينهما، وإذا
أسلمت امرأة الصبي لا يعرض الإسلام على أبويه بل يؤخر إلى حين بلوغه، فكيف يكون
الصغير مثل المجنون؟ قلنا: إنما لا يؤخر في الجنون؛ لأنه غير محدود وزواله موهوم، أما
(١) فى (أ)، (ب) والعته والنسيان.
(٢) قدم الصغر على سائر أنواع السماوي وذكر الموت آخرا، لأن الصغر أول أحوال الإنسان، والموت
آخرها، والمذكور بينهما أحوال تعرض بين الولادة والموت فناسب أن يذكر الأول أولاً والآخر آخراً
والمتوسط متوسطاً انظر: حاشية الرهاوي صـ ٩٤٤.
(٣) قدم الجهل على سائر أنواع المكتسب لكونه أصلاً في الإنسان لقوله - تعالى - " والله أخرجكم من
بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً" وختمه بالإكراه، لأن المكتسب على نوعين ما يكون من نفس
المكلف وما يكون من غيره، والأول أثبت في المانعية من الثاني، لأن المانع إذا كان من غيره ربما
يدفعه قبل الوقوع بخلاف ما إذا كان منه، لأنه قد يقع فلا يمكن دفعه، أو لأن الموت في السماوي
لما ذكر آخراً لما قلنا، ذكر الإكراه مماثلة في المكتسب آخرا، لمناسبة بينهما، لأن كلاً منهما لسلب
الرضى . حاشية الرهاوي صـ ٩٤٤
(٤) فى(أ)، (ب) صلوات اللَّه عليهما وسلامه.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٦) في (أ)، (ب) إن امرأة.
- ٤٩٧ -

لكنه إذا عقل فقد أصاب ضربا من أهلية فيسقط الأداء فسقط به ما يحتمل السقوط عن
البالغ، فلا يسقط عنه فرضية الإيمان حتى إذا أداه كان فرضًا ووضع عنه إلزام الأداء.
وجملة الأمر أن تُوضَعَ عنه العهدة ويصح منه، وله ما لا عهدة فيه فلا يحرم عن الميراث
الصبا(١) فمحدود وزواله متيقن فلهذا افترقا.
قوله: (لكنه إذا عقل فقد أصاب ضربًا من أهلية الأداء)، وهي الأهلية القاصرة لكن الصبا/
عذر مع ذلك فسقط به ما يحتمل السقوط عن البالغ كالصلاة والزكاة والصوم والحج
والحدود والكفارات.
١/٨٩
قوله: (ولا يسقط عنه فرضية الإيمان) فلو أتى به يقع فرضًا لا نفلا ولهذا قلنا: إذا بلغ ولم
يعد كلمة الشهادة لم يجعل مرتدا ولو كان الأول واقعًا نفلا لما كان مجزيًّا عن الفرض،
كالصبي الذي صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت إلا(٢) أنه وضع عنه إلزام الأداء لما
مر.
قوله: (وجملة الأمر)، أي القول الكلى فيه أن يوضع عنه العهدة، لأن الصبا من أسباب
المرحمة فجعل سببًا للعفو عن كل عهدة تحتمل(٣) العفو وتصح من الصبي ومن غيره له ما لا
عهدة فيه [ولا يحرم من الميراث](٤) بسب القتل عندنا، لأن الحرمان جزاء الفعل وفعله لا
يصلح سببًا للجزاء، لأنه لا يوصف بالحرمة [بخلاف حرمانه بالكفر والرق](٥)؛ لأن الكفر
ينافي استحقاق الإرث من المسلم، لأنه من باب الولاية ولا ولاية للكافر على المسلم بالنص
والرق ينافي مالكية المال فيكون القول بوراثة الرقيق قولا بوراثة الأجنبي من الأجنبي، لأن مال
الرقيق لمولاه، فيكون الميراث للمولى في الحقيقة وأنه باطل(٦).
(١) في (أ)، (ب) الصغر.
(٢) فى (أ) قوله إلا ... وهو ليس من المتن.
(٣) فى (أ)، (ب) يحتمل.
(٤) فى (أ)، (ب) فلا يحرم عن الميراث.
(٥) فى (أ)، (ب) بخلاف الكفر والرق.
(٦) انظر: شرح ابن ملك صـ ٩٤٧.
- ٤٩٨ -

بالقتل عندنا بخلاف الكفر والرق، والجنون. ويسقط به كل العبادات لكنه إذا لم يمتد
ألحق بالنوم وحد الامتداد في الصلوات. أن يزيد على يوم وليلة، وفى الصوم باستغراق
الشهر، وفى الزكاة باستغراق الحول وأبو يوسف أقام أكثر الحول مقام الكل، والعته بعد
البلوغ وهو كالصبا مع العقل في كل الأحكام حتى لا يمنع صحة القول والفعل لكنه يمنع
قوله: (والجنون) وهو آفة تضعف القوى / وتزيل الحجا(١) فيسقط(٢) به العبادات؛ لأنه
ينافي القدرة على الأداء؛ إذ لا قدرة على العبادة بدون العقل، وينعدم الوجوب أيضًا لانعدام
الأداء، وهذا هو القياس، لكن العلماء استحسنوا وقالوا: بالوجوب إذا زال قبل الامتداد
وألحقوه بالنوم والإغماء، لأنه حينئذ لا يوجب الحرج. وقد اختلفوا فيه فقال: محمد لا فرق
بين الأصلي وهو الذي لم يعترض على البلوغ وبين العارض وهو الذي اعترض على البلوغ،
وقال أبو يوسف: الأصلي ملحق بالصبا وإنما القياس والاستحسان في العارض. وثمرة
الخلاف تظهر فيما إذا بلغ مجنونًا ثم أفاق في بعض شهر رمضان فإنه يجب عليه قضاء ما
مضى عند محمد خلافا لأبى يوسف(٣).
وقوله: (أن یزید علی يوم وليلة) / باعتبار الأوقات عند محمد وباعتبار الساعات
عندهما. وفائدة الخلاف تظهر إذا جن قبل الزوال ثم أفاق بعد الزوال في اليوم الثاني فإنه لا
تجب (٤) عليه قضاء الفوائت عندهما خلافًا لمحمد.
قوله: (والعته بعد البلوغ)، العته(٥) آفة ينقص العقل ولا يزيله وكلامه يشبه مرة بكلام
العقلاء ومرة بكلام المجانين.
قوله: (حتى لا يمنع صحة القول والفعل)، فلو أسلم يصح إسلامه ولو أتلف مال الغير
(١) الحجا بالكسر والقصر العقل والحجا وزان العصا الناحية والجمع أحجاء، وقيل: الحجا: الحجاب
والستر. المصباح المنير للفيومي مادة حجو ص ١٢٣ قال الأخضرى في متن السلم:
الحمد لله الذي قد أخرجا .■ نتائج الفكر لأرباب الجحا. انظر: شرح القويسنى على متن السلم
في المنطق صـ٣.
(٢) فى أ، ب فسقط.
(٣) انظر: كشف الأسرار للنسفى ٤٨١/٢ وكشف الأسرار للبخاري ٢٦٤/٤ وما بعدها.
(٤) في (أ)، لا يجب.
(٥) في (أ)، (ب) والعته.
- ٤٩٩ -
١٢٣/ب
٨٤/ز

العهدة وأما ضمان ما استهلك من الأموال فليس بعهدة وكونه صبيًا معذورًا أو معتوهًا لا
ينافي عصمة المحل ويوضع عنه الخطاب كالصبي ويولي عليه ولا يلي على غيره. والنسيان
وهو لا ينافي الوجوب في حق اللَّه - تعالى-، لكن النسيان إذا كان غالبًا؛ كما في الصوم
والتسمية في الذبيحة وسلام الناسي، یکون عفوًا.
يكون معتبرا ولو توكل من إنسان يصح أيضًا ويتوقف بيعه وإجارته على رأى الولي.
قوله: (وكونه صبيًّا معذورًا أو معتوهًا لا ينافي عصمة المحل) [وبيان ما يستهلك](١) من
الأموال كان لعصمة المحال لا لجزاء الأفعال، وعصمة المحال ثابتة لحق العباد وحاجتهم لا
ابتلاء من الله - تعالى - والعذر الثابت في المتلف لا يوجب بطلان الحق الثابت لحق المتلف
عليه، لأنه محتاج كهو بخلاف ما يثبت(٢) حقًّا للشرع فإنه جاز أن يبطل(٣) به؛ لأنه غنى
عن العالمين ألا يرى أن المكره [أو المضطر](٤) إذا تناول مال الغير لم يأثم، لأنه حق الشرع
ووجب الضمان لأنه حق العبد.
قوله(٥): [وهو](٦) عبارة عن معنى تعترى الإنسان بدون اختياره فيوجب الغفلة عن
الحفظ وقيل: إنه عبارة عن الجهل الطارئ وهو لا ينافي الوجوب في حق الله - تعالى - لا نفس
الوجوب ولا وجوب الأداء لأنه لا يعدم العقل.
قوله: (يكون عفوًا)؛ [لأن الصوم تجويع](٧) فيدعوه الطبع للأكل والشرب فيغلبه
النسيان، وفي الذبح تخوف يعتريه واضطراب يلحقه بسبب تغير حال المذبوح من الحياة إلى
الموت، وأما السلام فيغلب وجوده في القعدة الأولى، لأنها محله وليس للمصلى هيئة مذكرّة
لحرمة السلام فذلك لم يقطع بخلاف السلام في غير حالة القعدة من القيام والركوع
(١) فى (أ)، (ب) وبيان هذا أن ضمان ما يستهلك.
(٢) فى (أ)، ثبت.
(٣) فى (أ)، تبطل.
(٤) فى (أ) والمضطر.
(٥) فى (أ)، (ب) قوله والنسيان.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٧) فى (ب) لأنه تجويع.
- ٥٠٠ -