Indexed OCR Text
Pages 321-340
وإلا فلا عند أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى.
وطرف الأداء والعزيمة فيه أن يؤدى على الوجه الذي سمع بلفظه ومعناه، والرخصة
أن ينقله بمعناه فإن كان محكما لا يحتمل غيره يجوز نقله بالمعنى
مجهول؛ لأن المقصود هو الذكر. والاحتراز عن النسيان غير ممكن، وإنما كان دوام الحفظ
لرسول اللَّه وَ لّ مع قوله - تعالى -: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنسَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾(١) وإلا فلا (٢)
عند أبي حنيفة؛ لأن الحفظ للطلب بمنزلة المرآة للعين والمرآة إذا لم تغد للعين دركا كان عدما،
فالحفظ إذا لم يغد للقلب ذكرًا كان هدرًا ثم الحفظ يدخل في الأحاديث وما يجد القاضي
في ديوانه مما لا يذكره وما يكون في الصكوك، وقد روى ابن بشر بن الوليد(٣) عن أبي
يوسف عن أبي حنيفة أنه لم يعمل به في كله، وعن أبي يوسف أنه يعمل في ديوان القاضي
وسماع الأحاديث دون الصك، وروى ابن رستم عن محمد أنه يعمل في الخط في الكل(٤).
قوله: (والرخصة أن ينقله بمعناه) وقال بعض أصحاب الحديث: إنه لا يجوز، وقيل هو
اختيار ثعلب(٥) من أئمة اللغة (٦) قال - عليه الصلاة والسلام -: ((نضر الله امرأً سمع مني(٧)
(١) الآية ٦، ٧ من سورة الأعلى.
(٢) في (١) قوله وإلا فلا.
(٣) ابن بشر بن الوليد بن خالد بن الوليد الكندي القاضى أحد أعلام المسلمين وأحد المشاهير، وهو
أحد أصحاب أبي يوسف خاصة وعنه أخذ الفقه كان متحاملا على محمد بن الحسن متحرفا عنه،
حمل الناس عنه من الفقه والنوادر والمسائل ما لا يمكن جمعها كثرة مات سنة ثمان وثلاثين
ومئتين. طبقات الحنفية ١٦٦/١.
(٤) انظر كشف الأسرار للنسفي ٧٠/٢، ٧١.
(٥) أبو العباس أحمد بن يحي ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة ولد سنة ٢٠. وابتدأ النظر في
العربية والشعر واللغة سنة ست عشر، وحفظ كتب القراء فلم يشذ منها حرف، له تصانيف كثيرة،
وسيرته في الدين والصلاح مشهورة، وكان ثقة صالحا مشهورا بالحفظ والمعرفة. شذرات الذهب
٢٠٧/١، وأبجد العلوم ٥/٣.
(٦) كان يقول: إن عامة الألفاظ التي لها نظائر في اللغة إذا تحققتها وجدت كل لفظة منها مختصة
بشيء لا يشاركها صاحبتها، فيه فمن جوز العبارة ببعضها عن البعض لم يسلم عن الزيغ عن المراد
والذهاب عنه. نقلا عن علاء الدين البخاري فى الكشف ٥٥/٣.
(٧) في (أ) و(ب) منا.
- ٣٢١ -
مقالة فوعاها وأداها كما سمعها))(١)؛ ولأن النبي صَلّ مخصوص بكمال الفصاحة والبلاغة
كما روي أنه قال: ((أنا أفصح العرب والعجم ولا فخر))(٢)، وروي عنه أنه قال: «أوتيت
خمسا لم يؤتهن أحد من قبلي وذكر منها وأوتيت جوامع الكلم)) (٣)، فلا يؤمن في النقل
(١) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله مَطل: ((نضر الله امرأً
سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)). ابن حبان ٢٦٨/١، وأخرجه
الترمذي عن ابن مسعود عن أبيه قال: قال: سمعت النبي و﴿: يقول: ((نضر الله امرأً سمع منا شيئا
فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع)). وقال: حسن صحيح. سنن الترمذي ٣٤/٥، وابن
ماجة عن أنس بلفظ: ((نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه
ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). ابن ماجة ٨٦/١، وأحمد عن أنس بزيادة: ((ثلاث لا يغل
عليهم صدر مسلم؛ إخلاص العمل لله رَّت، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن
دعوتهم تحيط من ورائهم)). مسند أحمد ٢٥٥/٣ وأخرجه غيرهم بألفاظ مختلفة.
(٢) الذي ذكر ابن حجر في تلخيص الحبير: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)). وقد أخرج الطبراني
في الكبير من حديث أبي سعيد الخدري رفعه: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا أعرب
العرب، ولدتني قريش ونشأت في بني سعد بن بكر فأنى يأتيني اللحن)). وفي إسناده مبشر بن عبيد
وهو متروك وروى ابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو عبيد في الغريب والرامهرمزي في الأمثال من
حديث موسى بن محمد بن إبراهيم القيمي عن أبيه عن جده قال: كانوا عند رسول الله {﴿ في
يوم دجن فقال: ((ما ترون بواشقها ... ))، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال له رجل يا رسول الله ما
رأينا الذي هو أعرب وأفصح منك فقال: ((حق لي، وإنما نزل القرآن بلسان عربي مبين)). انظر
المعجم الكبير للطبراني ٣٥/٦، وتلخيص الحبير ٦/٤، وقال العجلوني في كشف الخفاء: قال
السيوطي: لا يعلم من خرجه ولا إسناده. كشف الخفاء٤١٧/٢، ولم يستدل بهذا أحد من
الأصوليين في كتبهم لا من الحنفية أو غيرهم.
(٣) الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله وحطّ قال: ((فضلت على
الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض
طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)). وابن حبان نحوه ٨٧/٦، والترمذي
وقال: حسن صحيح. ١٢٣/٤، والبيهقي ٤٣٣/٢، وأحمد ٤١١/٢، انظر صحيح مسلم كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ٣٧١/١، أما الحديث المذكور فلا يوجد إلا بلفظ: ((وأعطيت خمسا لم
يعطهن نبي قبلي)). وفي لفظ أحمد: ((قبلي))، وليس فيه: ((جوامع الكلم)). انظره في صحيح
البخاري عن جابر باب قول النبي م38: ((جعلت الأرض مسجدا لي وطهورا)). ١٦٨/١، ومسلم
كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣٧٠/١، وفي مسند أحمد رواية: ((أوتيت خمسا لم يؤتهن نبي
- ٣٢٢ -
لمن له بصر في وجوه اللغة، وإن كان ظاهراً يحتمل غيره فلا يجوز نقله بالمعنى إلا للفقيه
المجتهد، وما كان من جوامع الكلم، أو المشكل، أو المشترك، أو المجمل لا يجوز نقله بالمعنى
التبديل والتحريف، ووجه قول العامة ما روى عن عبد الله بن مسعود وغيره أن النبي وَطَّ
قال: (هكذا أو نحوا منه أو قريبا منه)، وهذا نقل بالمعنى ومشهور من الصحابة أنهم قالوا أمرنا
رسول اللَّه وَ ◌ّ بكذا ونهانا عن كذا وهذا نقل بالمعنى وإجماع الصحابة حجة وهذا لأن
النظم من السنة غير معجز، وإنما النظم لمعناه بخلاف القرآن.
قوله: (لمن له بصر في وجوه اللغة)؛ لأن المراد معلوم حقيقة وإذا كساه العالم باللغة عبارة
أخرى لا يتمكن فيه تهمة الزيادة والنقصان.
قوله: (إلا للفقيه المجتهد)؛ لأنه إذا لم يكن عالمًا بذلك لم يؤمن عليه أن ينقله إلى ما لا
يحتمل ما احتمله اللفظ المنقول من خصوص أو مجاز.
قوله: (وما كان من جوامع الكلم إلى آخره) أما جوامع الكلم فقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((الخراج بالضمان))(١)؛ ولأن(٢) النبي ◌ُ ◌ّ كان مخصوصا بهذا النظم على ما
روى أنه قال: ((أوتيت جوامع الكلم))(٣)، أي خصصت بذلك فلا يقدر أحد بعده على ما
كان هو مخصوصا به ولكن كل مكلف بما في وسعه، وفى وسعه نقل ذلك اللفظ ليكون
مؤديا إلى غيره ما سمعه بيقين، وجوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرنا
في الظاهر وأما المشكل والمشترك فلأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون
بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره، وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل
قبلي)). وليس من بينها ((جوامع الكلم))، وكذا في مسند الطياليسي ٦٤/١، وأحمد ١٤٥/٥.
(١) الحديث أخرجه ابن حبان عن عائشة بهذا اللفظ ٢٩٨/١١، والحاكم في المستدرك عن عائشة:
أن رجلا اشتری من رجل غلاما في زمن النبي څ فکان عنده ما شاء الله ثم رده من عیب وجد
به، فقال الرجل حين رد عليه الغلام: يا رسول الله: إنه كان استغل غلامي منذ كان عنده فقال
النبي ◌ُ #: ((الخراج بالضمان)). وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه المستدرك ١٨/٢، وأبو داود ٣/
٢٨٤، والترمذي وقال: حسن صحيح وقد روى هذا الحديث من غير هذا والعمل على هذا عند
أهل العلم الترمذي ٥٨١/٣، وابن حبان ٧٥٤/٢، والدارقطني ٥٣/٣، وأحمد ٢٣٧/٦.
(٢) في (١) و(ب) فلأن.
(٣) سبق تخريجه.
- ٣٢٣ -
للكل. والمروى عنه إذا أنكر الرواية،
بالمعنى؛ لأنه لا توقف(١) على المعنى إلا بالتفسير(٢).
٦٣/ب
قوله: (إذا أنكر الرواية)(٣) اختلف فيه السلف قال بعضهم: لا يسقط العمل به وقال
بعضهم(٤): يسقط وجه القول الأول/ ما روى في حديث ذي اليدين أن النبي وح ثّ كان
يصلى الظهر والعصر فسلم بعد الركعتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه أم
نسيتها فقال ﴿ كل ذلك لم يكن فقال ذو اليدين: (بعض ذلك قد كان) يعني النسيان فقال.
عليه الصلاة والسلام - لأبي بكر وعمر: ((أحق ما يقول ذو اليدين؟))، فقالا: نعم. فقام وأتم
صلاته(٥) وقبل شهادتهما على نفسه بما لم يذكر فعلم بأن العمل بعد الإنكار صحيح،
وحجة الفريق الثاني ما روى عمار بن ياسر أنه قال لعمر: أما تذكر إذ كنا في الإبل فأجنبت
فتمعكت في التراب ثم سألت رسول اللَّه و﴿ّ عن ذلك فقال أما كان يكفيك ضربتان، فلم
(١) في (١) يُوقف.
(٢) تحرير الآراء في نقل الحديث بالمعنى، الأئمة الأربعة وأبو الحسن البصري والشعبي والنخعي
وجمهرة من العلماء قالوا: يجوز نقل الحديث بالمعنى. ومنع جماعة نقل الحديث بالمعنى وهذا
منقول عن ابن عمر وابن سرين والإمام مالك وثعلب واختاره الجصاص وهو مذهب الظاهرية.
انظر غاية الوصول السنة د/جلال الدين عبد الرحمن ص ٦١، ٦٢.
(٣) الطعن الذي يلحق الحديث إما أن يكون من قبل الراوي أو من قبل غيره، فالذي من قبل الراوي
على خمسة أنواع: أحدهما: أن ينكر المروى الرواية إنكار جحود وتكذيب بأن يقول للراوي
كذبت على أو ما رويت لك هذا الحديث، وثانيها أن ينكره إنكار توقف بأن يقول له: لا أذكر أني
رويت لك هذا الحديث أو لا أعرفه أو نحو ذلك. انظر شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص
٦٦. في الوجه الأول يسقط العمل به بلا خلاف؛ لأن كل واحد من الأصل والفرع مكذب
للآخر فلابد من كذب واحد غير معين وهو موجب للقدح في الحديث وأما الوجه الثاني ففيه
خلاف المذكور. كشف الأسرار للبخاري ٥٩/٣، ٦٠.
(٤) هذه وما بعدها عبارة السرخسي، وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة من أصحابنا
وأحمد بن حنبل في رواية عنه إلى أن العمل يسقط به وهو مختار القاضي الإمام والشيخين وبعض
المتكلمين، وذهب مالك والشافعي وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يسقط العمل به. كشف
الأسرار للبخاري ٦٠/٣.
(٥) الحديث سبق تخريجه.
- ٣٢٤ -
أو عمل بخلافه بعد الرواية مما هو خلاف بيقين يسقط العمل به،
يذكره عمر(١) فلم يقبل خبره مع عدالته وفضله ولأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة كما
في حدیث مس الذ کر(٢)، فبتكذيب الراوي وعليه مداره أولی، وحديث ذو الیدین ليس
بحجة؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ ذكره فعمل بذكره وهو الظاهر من حاله لأنه ما كان يقر على الخطأ،
والحاكي يحتمل أنه سمعه من غيره فنسيه وهما في الاحتمال على السواء.
قوله: (مما هو خلاف بيقين) بأن لم تكن الرواية محتملة للتأويل والتخصيص وذلك لأن
الخلاف إن كان حقا فقد بطل الاحتجاج(٣)، وإن كان باطلا فقد سقطت روايته، وبيان
هذا: في حديث/ عائشة أن النبي ◌ُ﴾ قال: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها
فنكاحها باطل باطل))(٤)، ثم إنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن وهو غائب، وكان ذلك
بعد الرواية فلم تبق(٥) حجة(٦).
١/٤٧
(١) الحديث أخرجه مسلم عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رجلا أتى عمر فقال: إني
أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية
فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال النبي ◌َ ◌ّ: ((إنما
يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)). فقال عمر: اتق الله يا
عمار. قال: إن شئت لم أحدث به). مسلم كتاب الطهارة باب التيمم ٢٨٠/١، وابن خزيمة ١/
١٣٥، وابن حبان ١٣١/٤، والنسائي ١٦٥/١، وابن ماجة ١٨٨/١، وأحمد ٢٦٥/٤.
(٢) الحديث أخرجه الترمذي ابن حبان عن بسرة قالت: قال رسول الله 38: ((من مس ذكره فليتوضأ
وضوءه للصلاة)). ابن حبان ٤٠٠/٣، والحاكم في المستدرك ٢٣١/١، وأبو داود ٤٦/١،
والترمذي وقال: حسن صحيح ١٢٦/١، والدارقطني ١٤٧/١، والبيهقي عن أبي هريرة ١٣٠/١،
وأحمد بلفظ: ((من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ)). ٤٠٦/٦، وانظر نصب الراية ٥٤/١.
(٣) في (١) و(ب) الاحتجاج به.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﴿ قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن
وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا
فالسلطان ولي من لا ولی له)). وقال: حديث حسن. سنن الترمذي ٤٠٧/٣، وابن حبان ٣٨٤/٩،
والحاكم في المستدرك ١٨٢/٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارمي ١٨٥/٢،
وأبو داود ٢٢٩/٢، وابن ماجه ٦٠٥/١، والدارقطني ٢٢١/٣، والبيهقي ١٠٥/٧، وأحمد ٤٧/٦.
(٥) في (١) و(ب) يبق.
(٦) عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها زوجت حفصة بنت عبد
الرحمن من المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يفتات
- ٣٢٥ -
وإن كان قبل الرواية، أو لم يعرف تاريخه لم يكن جرحا.
وتعيين بعض محتملاته لا يمنع العمل به والامتناع عن العمل به مثل العمل بخلافه،
وعمل الصحابي بخلافه يوجب الطعن إذا كان الحديث ظاهراً لا يحتمل الخفاء عليهم.
قوله: (وإن كان قبل الراوية أو لم يعرف تاريخه لم يكن جرحا)، أما إذا كان قبل الرواية
فلأن الظاهر أنه تركه بالحديث إحسانًا للظن به، وأما إذا لم يعرف تاريخه فلأنه حجة في
الأصل فلا يسقط بالشبهة.
قوله: (وتعيين بعض محتملاته لا يمنع العمل به)؛ لأن احتمال الكلام لغة لا يبطل بتأويله
بيان هذا في حديث ابن عمر أن النبي ◌ُّ قال: ((المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا))(١) وهذا
يحتمل [التفرق] (٢) بالأقوال ويحتمل التفرق بالأبدان، ثم حمله ابن عمر على التفرق
بالأبدان ولم يأخذ(٣) بتأويله؛ لأن الحديث في احتمال كل واحد من الأمرين مشترك فتعيين
أحد المحتملين فيه يكون تأويلا، والاشتراك لغة لا يسقط بتأويله/.
٤٧/ز
قوله: (والامتناع عن العمل به مثل العمل بخلافه)؛ لأن الامتناع حرام كالعمل بخلافه.
قوله: (لا تحتمل(٤) الخفاء) عليه مثل ما روى أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال: ((البكر
عليه في بناته، فكلمت عائشة - رضي الله عنها - المنذر بن الزبير، فقال: إن ذلك بيد عبد الرحمن،
وقال: عبد الرحمن: ما كنت لأرد أمرا قضيته، فاستمرت حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقا،
ولقد رد الحديث أيضا من جهة ثانية، وهي إنكار الراوي فلقد ذكر أن ابن جريج قال: ثم لقيت
الزهري - والزهري هو راوي الحديث عن عروة عن عائشة - فسألته عنه فأنكره. انظر أثر الاختلاف
في القواعد الأصولية ص ٤٤٢، ٤٤٣.
(١) الحديث أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب
البيع، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صَ لّ قال: ((المتبايعان كل واحد منهما
بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)). صحيح البخاري ٧٤٣/٢، ومسلم مع اختلاف في
الألفاظ يسير كتاب البيوع باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ١١٦٣/٣، وابن حبان ٢٨٣/١١،
والترمذي وقال: حسن صحيح ٥٤٧/٣، والبيهقي ٢٦٨/٥، وأحمد ٥٦/١.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٣) في (١) و(ب) تأخذ.
(٤) في (١) لا يحتمل.
- ٣٢٦ -
والطعن المبهم من أئمة الحديث لا يجرح الراوي إلا إذا وقع مفسرا بما هو جرح متفق
عليه ممن اشتهر بالنصيحة دون التعصب حتى لا يقبل الطعن بالتدلیس،
. . . ..
بالبكر جلد مئة وتغريب عام))(١)، وقد صح عن عمر أنه قال: والله لا أنفى أحدا أبدا(٢) وقال
على كفى بالنفي فتنة(٣) مع علمنا أنه لم يخف عليهما؛ لأن إقامة الحد من حظ الأئمة،
ومبناه على الشهرة، وعمر وعلى من أئمة الهدى، فلو صح لما خفي عليهما.
قوله: (والطعن المبهم من أئمة الحديث لا يجرح الراوي)(٤) بأن يقول إنه مطعون مجروح
ولم يذكر السبب، كما لا يوجبه في الشاهد بل أولى؛ لأن الشهادة يشترط فيها الحرية،
والذكورة، والعدد ولم يشترط شيء منها في رواية الأخبار.
قوله: (بما هو جرح متفق عليه)(٥) كما إذا نفى العدالة أو الضبط أو غير ذلك حتى لا يقبل الطعن
بالتدليس وذلك [بأن يقول](٦) حدثني فلان عن فلان من غير أن يتصل الحديث بقوله حدثنا
واخبرنا، وسموه عنعنة؛ لأن هذا يوهم شبهة الإرسال وحقيقته ليس يجرح على ما مرفشبهة أولى.
(١) الحديث أخرجه مسلم عن عبادة بن الصامت قال: كان نبي الله ® إذا أنزل عليه كرب لذلك
وتربد له وجهه قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سرى عنه قال: ((خذوا عني، فقد جعل
الله الحق سبيلا، الثيب بالثيب والبكر بالبكر جلد مئة ثم رجم بالحجارة والبكر جلد مئة ثم نفي
سنة)). مسلم كتاب الحدود باب حد الزنى ١٣١٧/٣، وابن حبان ٢٧٣/١٠، والدارمي ٢٣٦/٢،
وابن ماجة ٨٥٢/٢/ وأحمد ٣٢٧/٥.
(٢) نسبه إلى عمر الشافعي في الأم ١٣٥/٦، والصنعاني في سبل السلام ٥/٤.
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه ومحمد بن الحسن في كتاب الآثار عن إبراهيم النخعي عن ابن
مسعود في البكر يزني بالبكر قال: يجلدان مئة وينفيان عام. وقال علي: حسبهما، من الفتنة أن
ينفيا. انظر نصب الراية ٣٣٠/٣، والدراية في تخريج أحاديث الهداية ١٠٠/٢، والأم ٦٣/٧،
ومصنف عبد الرزاق ٣١٥/٧.
(٤) هذا هو القسم الثاني من أقسام الطعن من جهة غير الراوي وهو الطعن من أئمة الحديث وهو ثلاثة
أنواع؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون مبهما أو مفسرا والمفسر لا يخلو إما أن يفسر بشيء يوجب الجرح
أو بشيء لا يوجبه. حاشية الرهاوي ص ٦٦٤.
(٥) فلا جرح بالأفعال المجتهد فيها كشرب النبيذ واللعب بالشطرنج وللجرح ألفاظ: كذاب وضاع
دجال يكذب هالك، ثم ساقط متهم بالكذب، والوضع ذاهب ومتروك انظر فتح الغفار ١١٨/٢،
١١٩.
(٦) في (١) أن يقول و(ب) وذلك يقول.
- ٣٢٧ -
والتلبيس، والإرسال، وركض الدابة والمزاح، وحداثة السن،
٦٤/ب
قوله: (والتلبيس) وهو أن يروى الحديث عن رجل يعرف باسم فلم يذكره بذلك الاسم
وذكره باسم لا يعرف به مثل قول محمد بن الحسن حدثنا الثقة من أصحابنا منه غير تفسير
فإن هذا محمول على أحسن/ الوجوه، وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه بعض من لا يبالي
وصيانة السامع من أن يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة (١).
قوله: (والإرسال)؛ لأنه دليل تأكيد الخبر وإتقان الراوي في السماع من غير واحد.
قوله: (وركض الدابة)؛ لأن ذلك من عمل الجهاد؛ إذ السباق على الأفراس والأقدام
مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد فما يكون من جنسه لا يصلح أن يكون طعنا.
قوله: (والمزاح)؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يمازح ولا يمازح إلا حقا(٢) وهذا
إذا لم يتكلم بما ليس بحق(٣).
قوله: (وحداثة السن) فإن كثيرًا من الصحابة كانوا يروون في حداثة سنهم منهم ابن
(١) هذا الذي سماه الشيخ تلبيسا نوع من التدليس عند أهل الحديث ويسمى ذلك عندهم تدليس
الشيوخ، فالتدليس على أقسام ثلاثة: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، وإنما لم
يكن جرحا؛ لأن الكناية عن الراوي لا بأس بها صيانة له عن الطعن فيه وصيانة للطاعن عن الوقوع
في الغيبة واختصارا في الكلام، فلا تدل على كون المروى عنه متهما وليس كل من اتهم بوجه ما،
يسقط به كل حديثه انظر كشف الأسرار للبخاري ٧٢/٣، وشرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي
ص٦٦٦، وفتح الغفار ١١٩/٢.
(٢) تعرض ابن قدامة في المغني لمزاحه ﴿ فقال: كان النبي ﴿ل يمزح ولا يقول إلا حقا، ومزاحه أن
يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهو التأويل، وذكر أمثلة من مزاحه وَ ﴿ فقال: وقال لامرأة وقد
ذكرت له زوجها: ((أهو الذي في عينه بياض؟))، فقالت: يا رسول الله إنه الصحيح العين، وأراد
النبي # البياض الذي حول الحدقة. وهذا كله من التأويل والمعاريض، وكذا تعرض ابن سعد في
الطبقات الكبرى لمزاحه ﴿ وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث لكنه لم يذكر أحد ذلك على أنه
حديث لرسول الله 38 بهذه الصفة يمازح أو يمزح ولعلها عبارة قالها بعض الصحابة حكاية عن
حال النبي ◌ُ /ٌّ وفعله، بل عده ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ من الأخبار الضعيفة وذكره بلفظ:
قالوا: يا رسول الله إنك تمزح معنا! قال: ((إني لأُمزح، وما أقول إلا حقا))، وعده ابن نبيط من
الأخبار الموضوعة. انظر المغني ٤٢١/٩، والطبقات الكبرى ٢٢٤/٨، وذخيرة الحفاظ ٢١٢٦/٢،
ونسخه نبيط ص ٤٠، وتأويل مختلف الحديث ص٢٩٠.
(٣) وكان الثوري وابن أبي ليلى يمزحون كثيرا. فتح الغفار ١٢٠/٢.
- ٣٢٨ -
وعدم الاعتياد بالرواية، واستكثار مسائل الفقه.
فصل
وقد يقع التعارض
عباس، وابن عمر، ولكن هذا بشرط الإتقان عند التحمل في الصغر وعند الرواية بعد البلوغ.
قوله: (وعدم الاعتياد بالرواية)، فإن أبا بكر (١) ما اعتاد الرواية ولا يظن بأحد أنه يطعن في
حديثه بهذا السبب.
قوله: (واستكثار مسائل الفقه)، فإن ذلك دليل الاجتهاد وقوة الخاطر، فيستدل به على
حسن الضبط والإتقان، فكيف يصلح أن يكون طعنا وأما وجوه الطعن الموجب للجرح فربما
ينتهي(٢) إلى أربعين وجها ومن طلبها في مظانها وقف عليها إن شاء اللَّه - تعالى.(٣).
فصل في التعارض (٤)
وهي(٥) في اللغة عبارة عن الممانعة على سبيل المقابلة يقال: عرض لي كذا(٦)؛ أي
(١) في (١) و(ب) أبا بكر الصديق.
(٢) في (أ) تنتهي.
(٣) مظانها كتب الجرح والتعديل التي ألفها أئمة الحديث انظر أصول السرخسي ١١/٢، وكشف
الأسرار للبخاري ٧٥/٣، ٧٦.
(٤) في (١) فصل في بيان المعارضة، وفي (ب) فصل في المعارضة.
(٥) لما فرغ المصنف عن بيان أقسام السنة شرع فى بحث المعارضة المشتركة بين الكتاب والسنة تبعا
لفخر الإسلام، وكان ينبغي أن يدرجها في بحث معارضة العقليات في باب الترجيح كما فعله
صاحب التوضيح، والفرق بين التعارض والتناقض، أن التناقض عند من لم يجوز تخصيص العلة هو
وجوده في وجوده في بعض الصور مع تخلف المدلول سواء كان المانع أولا، وعند جوازه هو وجود
الدليل مع تخلف المدلول عنه بلا مانع، والتعارض: تقابل الحجتين المتساويتين على وجه لا يمكن
الجمع بينهما بوجه، فالتناقض يوجب بطلان نفس الدليل، والتعارض يمنع ثبوت الحكم من غير
تعرض للدليل هذا هو الفرق بينهما في اصطلاح الأصوليين إلا أن كل واحد منهما في النصوص
مستلزم للآخر. انظر نور الأنوار ٨٣/٢، حاشية الرهاوي ص ٦٦٧.
(٦) هذه نهاية الصفحة اليمنى من اللوحة رقم ٤٨ من النسخة (ز) وبقيتها في الصفحة اليسرى من
اللوحة رقم ٤٩، وأما الصفحة اليسرى الموجودة باللوحة رقم ٤٨ فمكانها في لوحة رقم ٥١.
- ٣٢٩ -
بين الحجج فيما بيننا لجهلنا فلابد من بيانه، وركن المعارضة تقابل الحجتين على السواء لا
مزية لإحداها في حكمين متضادين وشرطها اتحاد المحل، والوقت.
مع تضاد الحكم وحكمها بين الآيتين المصير إلى السنة وبين سنتين المصير إلى أقوال
، أو القياس وعند العجز يجب تقرير الأصول كما في سؤر الحمار لما
الصحابة
استقبلني فمنعني مما قصدته ومنه سميت الموانع عوارض(١).
قوله: (فيما بيننا) [قيد به](٢) لأن الحجج الشرعية لا تتعارض مع(٣) نفسها وضعا ولا
تتناقض إذ هي سمة العجز، - تعالى - اللَّه عن ذلك !! وإنما يقع بيننا لجهلنا بالناسخ من المنسوخ.
قوله: ([المصير] (٤) إلى السنة) لأن المعارضة لما تحققت في حقنا فقد تعذر علينا العمل
بالآيتين؛ إذ ليست إحديهما بالعمل بها أولى من الآخر(٥) والتحق بما لم يوجد حكم الحادثة
في الكتاب فيجب(٦) المصير إلى السنة في معرفة الحكم.
قوله: (وبين السنتين (٧) المصير إلى أقوال الصحابة أو القياس) على حسب اختلاف العلماء
في ترتيب الحجج فعند أبي سعيد البردعي(٨) يصار إلى أقوال الصحابة على الإطلاق فيما
يدرك بالقياس وفيما لا يدرك وعند أبي الحسن الكرخي إنما يقدم قول الصحابي على القياس
(١) واصطلاحا: اقتضاء أحد الدليلين ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محل واحد في زمان واحد بشرط
تساويهما في القوة أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع. انظر فتح الغفار ١٢٠/٢.
(٢) في (١) و(ب) قيده.
(٣) في (١) و(ب) في.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٥) في (١) و(ب) الأخرى.
(٦) في (١) فيكون.
(٧) في (أ) الشيئين.
(٨) أبو سعيد البردعي هو أحمد بن الحسن أبو سعيد البردعي بالباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح
الدال المهملة في آخرها العين المهملة نسبة إلى بردعة وهي بلدة من أقصى بلاد أذربيجان، وهو أحد
الفقهاء الكبار وأحد المتقدمين من مشايخ الحنفية ببغداد تفقه على أبي علي الدقاق وموسى بن نصر
الرازي تفقه عليه أبو الحسن الكرخي وأبو طاهر الدباس القاضي قتل في وقعة القرامطة مع الحجاج
سنة سبع عشر وثلاث مئة - رحمه الله - تعالى. طبقات الحنفية ٦٦/١، وتاريخ بغداد ٩٩/٤،
والنجوم الزاهرة ٢٢٦/٣.
- ٣٣٠ -
تعارضت الدلائل فيه وجب تقرير الأصول فقيل إن الماء عرف طاهرًا في الأصل فلا
يتنجس ولم يزل به الحدث للتعارض ووجب ضم التيمم إليه.
إذا ورد فيما لا يدرك بالقياس، فأما فيما يدرك بالقياس كان القياس مقدما، وعند الشافعي
يصار إلى القياس على الإطلاق(١).
قوله: (يجب تقرير الأصول)، أي: إبقاء كل واحد من الأمور التي وقع فيها التعارض على
ما كان في الأصل كما في سؤر الحمار لما تعارضت الدلائل لما روي أن النبي وُلُّ نهى عن
أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وأمر غالب بن الجراح(٢) بالتناول منه وقال(٣) كل من
سمين مالك(٤)، وكان ابن عباس يقول: الحمار يعتلف القِتَّ والتبن وهما طاهران فيكون
(١) قال ابن ملك: وفي الشرح الأكملي: إذا تعارضت السنتان فعند أبي سعيد البردعي يصار إلى أقوال
الصحابة مطلقا أي فيما يدرك بالقياس وفيما لا يدرك، وعند الشافعي إلى القياس مطلقا وعند
الكرخي إنما يقدم قول الصحابي فيما لا يدرك بالقياس، وأما فيما يدرك به فهو مقدم على قول
الصحابي. انظر شرح ابن ملك ص ٦٧٠، ٦٧١.
(٢) في (أ) و(ب) غالب بن أبجر.
(٣) في (١) و(ب) فقال.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود عن منصور عن عبيد أبي الحسن عن عبدالرحمن عن غالب ابن أبجر
قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر وقد كان رسول اللَّه ◌َ ات
حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي 83. فقلت يا رسول اللّه أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما
أطعم أهلي إلا سمان الحمر وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: أطعم أهلك سمين حمرك فإنما
حرمتها من أجل جوال القرية يعني الجلالة. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣٢/٩ والطحاوي
في شرح معاني الآثار ٢٠٣/٤، قال الزيلعي في نصب الراية: وفي إسناده اختلاف كثير، وغالب
ابن أبجر ويقال أبجر بن غالب ومنهم من يقول غالب بن ذريح ومنهم من يقول غالب بن ديخ ولا
يعلم لغالب بن أبجر غير هذا الحديث، وكما اختلف في سنده اختلف في متنه، قال البيهقي في
المعرفة: حديث غالب بن أبجر إسناده مضطرب وإن صح فإنما رخصه له عند الضرورة حيث تباح
الميتة كما في لفظه. انظر سنن أبي داود ٣٥٦/٣، ونصب الراية ١٩٧/٤، لكن البخاري ذكره في
حديث له لما مرض وأشار النبي ◌َ ◌ّ عليه بالحبة السوداء أي غالب بن أبجر ((صحيح البخاري ٥٪
٢١٥٣))، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢٣/٥، والطبراني في الكبير ٢٦٥/١٨، ونيل
الأوطار ٢٨٣/٨، والدارية في تخريج أحاديث الهداية ٦٣/١ وغالب هو غالب بن أبجر المزني له
صحبة وهو كوفي ويقال فيه ابن ذيخ بكسر أوله ومثناة تحتانية. انظر الإصابة ٣١٤/٥، وتهذيب
الكمال ٨٢/٢٣، وتهذيب التهذيب ٢١٦/٨.
- ٣٣١ -
وسُمِّيَ مشكلا لهذا لا أن يعني به الجهل وأما إذا وقع التعارض بين القياسين فلم
٤٨/أ
سؤره طاهرا(١)، وابن عمر كان يقول إنه رجس(٢) و كذا لا يمكن اعتبار سؤره بلحمه؛ لأن
في لعابه نوع ضرورة لكون الإنسان مختلطا به ولا ضرورة في لحمه ولا بعرقه؛ لأن/ الضرورة
في العرق أكثر ولا بلبنه لاختلاف الرواية في طهارته ونجاسته وكذا لا يمكن الاعتبار بسؤر
الهرة؛ لأنها تلج المضايق دون الحمار فكانت الضرورة في سؤرها أكثر ولا بسؤر الكلب،
لانعدام الضرورة فيه أصلا بقي مشكو كا فيه ولا يمكن المصير إلى القياس؛ لأن القياس لابد له
من تعدیة حکم ورد به النص، ولم يرد نص لإثبات حكم فيما هو من جنس سؤر الحمار،
والقياس لا يصلح شاهدًا لنصب الحكم ابتداءً فوجب المصير إلى ما كان ثابتا في الأصل، وقد
كانت الطهارة ثابتة في جانب الماء والنجاسة في جانب اللعاب/ فقلنا لا يطهر به ما كان نجسا
ولا يتنجس به ما كان طاهرا للتعارض، فإن قيل إن الماء في الأصل كان طاهرا ومطهرا وقد
تغير في سؤر الحمار عن كونه مطهرا فلا يكون عملا فيه بتقرير الأصول، قيل لو بقينا(٣) الماء
على صفة كونه مطهرا لقلنا لحصول/(٤) الطهارة للمحدث؛ إذ استعمال المطهر في محل
قابل للتطهير يوجب الطهارة لا محالة فحينئذ ألغينا طرف المحدث في حق تقرير أصله(٥).
٦٥/ب
٤٩/ز
قوله: (وسمي مشكلا لهذا) أي لأجل تقرير الأصول لأنا لما قررنا الأصول دخل الماء في
إشكاله؛ لأنه دخل في الماء المطلق حيث وجب استعماله ودخل في ماء الورد حيث لا يزول به
الحدث، فلذا سُمِّيَ مشكلا لا أن يعنى به الجهل؛ لأن حكمه معلوم وهو وجوب استعماله
وعدم نجاسته.
(١) ذكره في البحر الرائق ١٤٠/١ ط دار المعرفة، والسرخسي في المبسوط ٤٩/١، وبدائع الصنائع
٦٥/١ط دار الكتاب العربي، والقِتّ الفِصفِصَةُ، وهي الرطبة من علف الدواب وقد ضبطت في
المخطوطة بكسر القاف وفي لسان العرب بفتحها. لسان العرب ٧١/٢ مادة قتت.
(٢) انظر قول ابن عمر في بدائع الصنائع ٦٥/١، والمبسوط ٤٩/١.
(٣) في (١) و(ب) أبقينا.
(٤) في (١) و(ب) بحصول.
(٥) انظر شرح ابن ملك ص ٦٧٣.
- ٣٣٢ -
يسقطا بالتعارض ليجب العمل بالحال بل يعمل المجتهد بشهادة قلبه والتخلص عن
المعارضة. إما أن يكون من قبل الحجة بأن لا يعتدلا، أو من قبل الحكم بأن يكون أحدهما
حكم الدنيا والآخرة حكم العقبى كآيتي اليمين في سورتي البقرة والمائدة.
قوله: (لم(١) يسقط بالتعارض)؛ لأن القياس في الشرع وضع للعمل لا للاعتقاد وكل
مجتهد مصيب في حق العمل وإن كان أحدهما مخطئا فيما يرجع إلى الاعتقاد فلم يتحقق
التعارض فيما وضع له القياس وهو العمل، ولأنهما لو سقطا بالتعارض لتعذر العمل بحجة
شرعية؛ لأن ما وراءها استصحاب الحال، وذلك عدم الدلیل، والعدم لا يكون دليلا شرعيا
فيجب العمل بأحدهما بشهادة القلب، فإنه يختص بنور الفراسة وهذا بخلاف النصين، فإنا
متى أسقطنا اعتبار النصين بحكم المعارضة أمكننا العمل بما وراءهما وهو القياس لأنه حجة
شرعية.
قوله: (إما أن يكون من قبل الحجة بأن لا يعتدلا) الدليلان فلا تقوم المعارضة نحو أن يكون
أحدهما محكما كقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾(٢) والآخر متشابها كقوله(٣).
(٤)
تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾(٤)
قوله: (أو من قبل الحكم) فإن الثابت بهما إذا اختلف عند التحقيق سقط التعارض نحو
قوله - تعالى -: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾(٥) والمراد به الغموس، وقال: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَلِكُمْ وَلَكِنْ بِلَّغْوِ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾(٦) والغموس داخل في هذا
اللغو، فبين النصين تعارض من حيث الظاهر في يمين الغموس، لكن انتفى التعارض باعتبار
الحكم، لأن المؤاخذة المثبتة مطلقة وهي في دار الجزاء، والمؤاخذة المنفية مقيدة بدار الابتلاء
فصح الجمع وبطل التدافع.
(١) في (١) فلم .
(٢) من الآية ١١ من سورة الشورى.
(٣) في (١) و(ب) نحو.
(٤) من الآية ٥ من سورة طه.
(٥) من الآية ٢٢٥ من سورة البقرة.
(٦) من الآية ٨٩ من سورة المائدة.
- ٣٣٣ -
أو من قبل الحال بأن يحمل أحدهما على حالة والآخر على حالة كما في قوله - تعالى
-: ﴿حَّ يَظْهُرْنَّ﴾ بالتخفيف والتشديد، أو من قبل اختلاف الزمان صريحا كقوله -
قوله: (أو من قبل الحال إلى آخره) بيانه أن كلمة حتى للغاية وبين امتداد الشيء إلى غاية
وبين افتقاره دونها منافاة، والاطهار هو الاغتسال، والطهر يكون بانقطاع الدم فبين امتداد
حرمة القربان إلى الاغتسال وبين ثبوت الحل عند انقطاع الدم منافاة، ولكن باعتبار الحال
ينتفي التعارض وهو أن يحمل القراءة بالتشديد على حالة (١) ما إذا كان أيامها دون العشرة،
والقراءة بالتخفيف على ما إذا كان أيامها عشرة (٢).
قوله: (أو من قبيل(٣) اختلاف الزمان صريحًا) بأن يعرف بالدليل التاريخ فيما بين النصين
فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم كقوله - تعالى -: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حمّلَهُنَّ﴾ (٤) أن الآية تقتضي أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا تنقضي(٥)
بوضع الحمل، فإن ابن مسعود(٦) قال من شاء باهلته أن سورة النساء القصري ﴿وَأُوْلَتُ
اُلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾(٧) نزلت بعد التي في سورة البقرة وأراد به قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنكُمْ﴾(٨) الآية (٩) فجعل التأخر دليل النسخ.
(١) في (أ) حال.
(٢) عبارة السرخسي في أصوله، ثم أعقبها بمثال آخر أكثر وضوحا فقال: وكذلك قوله - تعالى -:
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فالتعارض يقع في الظاهر بين القراءة بالنصب الذي يجعل الرجل
عطفا على المغسول، والقراءة بالخفض الذي يجعل الرجل عطفا على الممسوح ثم تنتفي هذه
المعارضة بأن تحمل القراءة بالخفض على حال ما إذا كان لابسا للخف بطريق أن الجلد الذي استتر
به الرجل يجعل قائماً مقام بشرة الرجل، فإنما ذكر الرجل عبارة عنه بهذا الطريق، والقراءة بالنصب على
حال ظهور القدم، فإن الفرض في هذه الحالة غسل الرجلين عيناً. أصول السرخسي ١٩/٢، ٢٠.
(٣) في (أ) و(ب) من قبل.
(٤) من الآية ٤ من سورة الطلاق.
(٥) في (أ) و(ب) ينقضى.
(٦) في (ب) ابن عمر.
(٧) من الآية ٤ من سورة الطلاق.
(٨) من الآية ٢٣٤ من سورة البقرة، ومن الآية ٢٤٠ من سورة البقرة.
(٩) انظر تفسير البيضاوي ٣٥١/٥، والقرطبي ١٧٥/٣، والطبري ٥١٢/٢، والدر المنثور ٦٩١/١،
وانظر قول ابن مسعود في نصب الراية ٢٥٦/٣.
- ٣٣٤ -
تعالى -: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فإنها نزلت بعد التي في سورة
البقرة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَرَبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ وَيَذَرُونَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
أو دلالة كالحاظر، والمبيح، والمثبت أولى من النافي عند الكرخي، وعند عيسى بن
أبان يتعارضان.
قوله: (أو دلالة كالحاظر والمبيح)، مثل ما رُوِيَ أن النبي ◌ُّ نهى عن أكل الضب وَرُوِيَ
أنه رخص فيه(١)، فالتعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى
دلالة التأخير، فجعل / النص الموجب للحظر متأخرًا عن الموجب للإباحة، لأنه لو انعكس يلزم
النسخ مرتين لكون الإباحة أصلا في الأشياء.
٦٦/ب
قوله: (والمثبت أولى من النافي عند الكرخي)، والمراد بالنافي هو الذي يبقى الحكم على
الأمر الأول وينفي الأمر الطارئ وإن لم يكن في لفظه [لفظة](٢) نفي، وهذا لأن المثبت أقرب
إلى الصدق من النافي ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون النفي، وعند ابن إبان يتعارضان
لأن خبر النفي معمول به كالمثبت وما يستدل به على صدق الراوي في المثبت فإنه يستدل
بعينه على صدق الراوي في النافي.
(١) أما النهي فما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله : ﴿ نهى عن أكل لحم الضب
((أبو داود ٣٥٤/٣))، وأما الترخيص فيه فما رواه البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﴾
(الضب لست آكله ولا أحرمه)) البخاري كتاب الذبائح والصيد باب الضب ٢١٠٤/٥، ومسلم
عن ابن عمر كتاب الصيد والذبائح باب إِباحة الضب ١٥٤١/٣، ومسلم أيضا عن ابن عباس أن
خالد بن الوليد الذي يقال له سيف اللَّه أخبره أنه دخل مع رسول اللَّهفَ ﴿ على ميمونة زوج
النبي ﴿ وهي خالته وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت
الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول اللَّه ◌َ﴿، وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به
ويسمى له، فأهوى رسول الله : ﴿ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول
اللَّهُ وَّ بما قدمتن له، قلن: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول اللَّه { # يده فقال خالد بن الوليد
أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال: خالد فاجتررته
فأكلته ورسول اللَّه ينظر فلم ينهني. مسلم ١٥٤٣/٣، وأخرجه ابن حبان عن ابن عمر ٧٢/١٢،
والدارمي عن ابن عمر ١٢٧/٢، وعن خالد ١٢٨/٢، والترمذي وقال حسن صحيح ٢٥١/٤.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١).
- ٣٣٥ -
والأصل فيه أن النفي إن کان من جنس ما یعرف بدلیله، أو کان مما يشتبه حاله لكن
لما عرف أن الراوي اعتمد دليل المعرفة كان مثل الإثبات وإلا فلا، فالنفي في حديث بريرة
قوله: (والأصل فيه)، أي الأصل فيما إذا وقع التعارض بين النافي والمثبت.
٤٩/أ
قوله: (إن كان من جنس ما يعرف بدليله إلى آخره)، وبيان هذا الكلام أن النفي ثلاثة
أنواع: أحدها ما يكون النفي من جنس ما يعرف بدليله وأنه يصلح معرضًا للإثبات، والثاني
ما يشتبه حاله وأنه قسمان أحدهما: ما يعرف أن الراوي اعتمد دليل المعرفة، وهو أيضا يصلح
معارضا للإثبات، والثاني ما لا يعرف إلا بظاهر الحال وهو استصحاب الحال وهذا/ لا يصلح
معارضا للإثبات فالنفي في حديث بريرة (١) مما يشتبه حاله، لأن نفي الحرية المعترضة على
الرق الأصلي زمان تحقق عتقها مما لا يعرف إلا باستصحاب الحال فلا تُعارض خبر إثبات
الحرية، لأنه أمر محسوس، وعدم العتق مما لا يحس، والنفي في حديث ميمونة(٢) وهو نفي
الحل الطارئ على الإحرام الأصلي مما يعرف بدليله وهو نية المحرم فعارض إثبات الحل، فوجب
المصير إلى ما هو من أسباب الترجيح في الرواة والنفي في طهارة الماء وحل الطعام مما يشتبه
حاله؛ لأنه جاز أن يعتمد المخبر فيه ظاهر الحال كما إذا أخبر عن طهارة الماء المعين باعتبار الأصل
فيه الطهارة، وحينئذ لم يقبل خبره بمقابلة خبر الإثبات؛ لأنه [اعتمد ما ليس](٣) بحجة وما
يشاركه فيه السامع، وجاز أن يكون عن معرفة كما إذا أخبر بطهارة الماء وبين سبب علمه بأن
قال: أخذته من البحر وجعلته في موضع نظيف وكنت غير مفارق عنه، فلا بد من السؤال
والتأمل في حال المخبر، فإن ثبت أنه بنى على ظاهر الحال [لم يعارض وإن ثبت](٤) أنه أخبر عن
معرفة كان مثل الإثبات فوجب العمل بالأصل وهو كون الماء طاهرا في الأصل بالنص(٥).
(١) حديث بريرة سبق تخريجه.
(٢) الحديث أخرجه البخاري كتاب المغازي باب عمرة القضاء عن ابن عباس قال: ((تزوج النبي مُ *
ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف)) ٥٥٣/٤، ومسلم كتاب النكاح باب تحريم
نكاح المحرم وكراهة خطبته ١٠٣٢/٢، وابن حبان ٤٣٧/٩، وأبو داود ١٦٩/٢، والترمذي وقال
حسن صحيح ٢٠١/٣، والدار قطني ٢٦٣/٣، وأحمد ٢٨٥/١.
(٣) في (١) اعتمد على ما ليس.
(٤) في (١) و(ب) لم يعارض الإثبات وإن ثبت.
(٥) انظر أصول السرخسي ٢١/٢-٢٣، وكشف الأسرار للنسفي ١٠٠/٢ - ١٠٥.
- ٣٣٦ -
وهو: ما رُوِيَ أنها أعتقت وزوجها عبد مما لا يعرف إلا بظاهر الحال فلم يعارض الإثبات
وهو: ما رُوِيَ أنها أعتقت وزوجها حر، وفى حديث ميمونة.
وهو ما رُوِيَ أن النبي ◌ُ ◌ّتزوجها وهو محرم مما يعرف بدليله وهو هيئة المحرم فعارض
الإثبات وهو ما رُوِيَ أنه تزوجها وهو حلال وجعل رواية ابن عباس - رضي الله عنهما -
أولى من رواية يزيد بن الأصم؛ لأنه لا يعدله في الضبط والإتقان وطهارة الماء وحل
الطعام من جنس ما يعرف بدليله كالنجاسة والحرمة فوقع التعارض بين الخبرين فوجب
العمل بالأصل.
والترجيح لا يقع بفضل عدد الرواة وبالذكورة والحرية وإذا كان في أحد الخبرين
قوله: (والترجيح لا يقع بفضل عدد الرواة)، يعني إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد
والآخر یرویه اثنان، فالذي یرویه اثنان/ لا يترجح على ما يرويه واحد، ومن الناس من يقول
بالترجيح به(١) واستدل بما قال محمد في مسائل الماء والطعام والشراب أن قول الاثنين أولى،
٥٠/ز
(١) لا يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون رواته أكثر من رواة الآخر عند عامة أصحابنا وهو قول
بعض أصحاب الشافعي وذهب أكثرهم إلى صحة الترجيح بكثرة الرواة، وبه قال أبو عبد الله
الجرجاني من أصحابنا وأبو الحسن الكرخي في رواية، وذلك كما في الشهادة فإنها لا تترجح
بكثرة العدد لاستواء الاثنين وما فوقهما في إيقاع العلم وكون كل واحد حجة وليس هذا مثل
الإخبار عن نجاسة الماء وطهارته فإن المخبر هناك يخبر عن معاينة وحقيقة فكان في معنى الشهادة،
وقول الواحد ليس بحجة من حيث الشهادة، وقول الاثنين حجة فكان العمل به أوجب أما ههنا
فالمخبر لا يخبر عن معاينة فكان خبرا محضا وخبر الواحد والاثنين فيه سواء هذا هو الفرق بين
المسألتين، والصحيح عدم الترجيح فإن كثرة العدد لا تكون دليل قوة الحجة قال - تعالى -: ﴿ وَلَكِنَّ
أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ وقال - تعالى -:
﴿َّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾، ﴿وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾. قال في الميزان: وعامة مشايخنا أنه لا يترجح؛ لأنه
يحتمل أن يكون الخبر الذي رواته أقل كان متأخرا فيكون ناسخا لذلك، وهذا المعنى لا يرتفع
بكثرة الرواة هذا ورأي الجمهور الأئمة الثلاثة والإمام محمد 5/3 من الحنفية الترجيح بكثرة الرواة،
وفي جمع الجوامع جزم بأنه الأصح، وفي البرهان قال: ذهب الأكثرون إلى الترجيح بكثرة العدد
وهو مذهب الفقهاء، وذهب بعض المعتزلة إلى منع الترجيح بكثرة العدد. وقد قال الجمهور: إن
العدد الكثير أبعد عن الخطأ من العدد القليل؛ لأن كل واحد من الكثير يفيد ظنا، فإذا انضم إلى
غيره قوي؛ فيكون مقدما لقوة الظن. ومن أمثلة ذلك مسألة رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام عند
ركوع ورفع منه؛ فعن ابن مسعود أن النبي 86: ((كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود))
- ٣٣٧ -
زيادة فإن كان الراوي واحدا يؤخذ بالمثبت للزيادة.
كما في الخبر المروي في التحالف،
ولأن القلب يشهد بمزية في الصدق، قلنا: هذا خلاف السلف فإنهم لم يرجحوا بفضل العدد
في باب العمل بأخبار الآحاد، فالقول به يكون قولا بخلاف إجماعهم، وهذا لأن ما يرويه
واحد يحتمل أن يكون متأخرا فيكون ناسخا لذلك، وهذا الاحتمال لا يرتفع بفضل عدد
الرواة فلا يقع به الترجيح، وكذا لا يقع الترجيح بالذكورة والحرية عندنا، وعندهم يقع في
العدد دون الأفراد فإنهم يرجحون رواية الرجلين على رواية المرأتين أو على رواية امرأة واحدة،
وكذا يرجحون رواية الحرين على رواية العبدين أو على رواية عبد واحد، فأما لا يرجحون
رواية رجل واحد على امرأة واحدة، وكذا لا يرجحون رواية حر واحد على عبد واحد،
واحتجوا بما ذکر/ في الاستحسان(١) أنه متی کان المخبر بأحد الأمرین حرین وبالآخر عبدین
فإنه يؤخذ بخبر الحرين، كذا في أصول الفقه لشمس الأئمة السرخسي(٢). قلنا: هذا
متروك(٣) بإجماع السلف كذا ذكره فخر الإسلام(٤).
٦٧/ب
قوله: (كما في الخبر المروي في التحالف)، وهو ما روى ابن مسعود أن النبي ◌ُّ قال إذا
اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا وفي رواية أخرى لم يذكر هذه الزيادة(٥)،
وروى ابن عمر أنه ◌َ ﴿ «كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من
الركوع)) ورواه كابن عمر وائل بن حجر وأبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة ورواه أيضا
أبو بكر وعمر وعلي وأنس وجابر وابن الزبير وأبو هريرة وجمع غيرهم بلغوا ثلاثة وثلاثين، ونقل
ابن حجر عن شيخه العراقي أنه تتبع رواة هذا الحديث من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا. انظر
كشف الأسرار للبخاري ١٠٢/٣، ١٠٣ ميزان الأصول ص ٧٣٤، وفواتح الرحموت ٢١٠/٢،
والمستصفى ٣٩٧/٢، وجمع الجوامع ٣٦١/٢، والعضد على ابن الحاجب ٣١٠/٢، والبرهان ٢/
٧٥٤، ٧٥٥.
(١) أي كتاب الاستحسان لمحمد بن الحسن.
(٢) أصول الفقه للسرخسي ٢٤/٢.
(٣) في (١) و(ب) مستدرك.
(٤) أصول البزدوي بهامش كشف الأسرار ١٢٠/٣، ١٠٣.
(٥) الحديث أخرجه الدارقطني عن محمد بن أبي ليلى عن القاسم بن عبدالرحمن عن عبد الله بن
مسعود عن أبيه عن جده أن رسول اللَّهَ﴿ قال: ((إذا اختلف المتبايعان في البيع والسلعة كما هي
- ٣٣٨ -
وأما إذا اختلف الراوي فيجعل كالخبرين ويعمل بهما كما هو مذهبنا في أن المطلق لا
فأخذنا بما فيه إثبات هذه الزيادة وقلنا لا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة، لأن أصل الخبر
واحد وذلك متيقن وكونهما خبرين محتمل وبالاحتمال لا يثبت الخبر [وإذا كان الخبر
واحدا)(١) فحذف الزيادة يحتمل(٢) على قلة ضبط الراوي وغفلته(٣) عن السماع (٤)،
فيجعل: (كالخبرين ويجب العمل بهما) عند الإمكان، لأنه علم أنه خبران وأن النبي وَطَّ إنما
قال كل واحد منهما في وقت آخر بيانه فيما رُوِيّ أن النبي ◌ُّ: ([نهى بيع](٥) الطعام قبل
القبض وقال لعتاب بن أسيد (٦): (انههم عن أربع: عن بيع ما لم يقبضوا ..... ))(٧) فإنا نعمل
لم تستهلك فالقول قول البائع أو يترادان البيع)) الدارقطني ٢٠/٣، والطبراني في الكبير عن ابن
مسعود ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع أو يترادان)) المعجم الكبير ١٧٤/١٠،
وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده قال: اشترى
الأشعث رقيقا من رقيق الخمس من عبد اللَّه بعشرين ألفا فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم فقال: إنما
أخذتهم بعشرة آلاف فقال عبد اللَّه فاختر رجلا يكون بيني وبينك. قال الأشعث أنت بيني وبين
نفسك قال عبد الله فإني سمعت رسول اللَّه و ﴿ليقول: ((إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو
ما يقول رب السلعة أو يتتاركان)). أبو داود ٢٨٥/٣، وكذا أخرجه الحاكم في المستدرك بمثل ما
عند أبي داود وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك ٥٢/٢، قال ابن حجر في تلخيص
الجبير: رواية التحالف ((تحالفا)) لا ذكر لها في شيء من كتب الحديث كما اعترف الرافعي بذلك
في التذنيب وإنما توجد في كتب الفقه انظر تلخيص الحبير ٣١/٣. قلت: هذا كلام جيد محققه
فلم اعثر على هذه الرواية في شيء من كتب الحديث.
(١) في (ب) وإذا كان الخبر واحدا والمخبر متعددا.
(٢) في (أ) و(ب) يحمل.
(٣) في (١) أو على غفلته، و(ب) أو غفلته.
(٤) ومحمد والشافعي يقولان نعمل بالحديثين؛ لأن العمل بهما ممكن فلا تشتغل بترجيح أحدهما في
العمل به، وقد رجح السرخسي القول الأول. انظر أصول السرخسي ٢٥/٢.
(٥) في (أ) و(ب) زيادة عن ((نهى عن بيع)).
(٦) عتاب بن أسيد بالتشديد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبد الرحمن ويقال أبو
محمد، أمه زينب بنت عمرو بن أمية أسلم يوم الفتح وحج بالناس سنة الفتح وأمره أبو بكر على
مكة إلى أن مات روى عنه سعيد بن المسيب وغيره. انظر الإصابة ٤٢٩/٤، والجرح والتعديل ٧/
١١، مشاهير علماء الأمصار ٣٠/١.
(٧) الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﴿ لعتاب ابن أسيد: إني قد
بعثتك إلى أهل اللَّه وأهل مكة فانههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا، وعن قرض
- ٣٣٩ -
يحمل على المقيد في حكمين.
فصل
وهذه الحجج تحتمل البيان وهو إما أن يكون بيان تقرير
بالحديثين ولا نجعل(١) المطلق بينهما(٢) محمولا على المقيد بالطعام حتى لا يجوز بيع سائر العروض
قبل القبض كما لا يجوز بيع الطعام(٣).
فصل في البيان(*)
وهو في كلام العرب عبارة عن الإظهار(٥) وحدّه في اصطلاح أهل الأصول هو ما يظهر
وبيع وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف وقال: تفرد به يحي بن صالح الأيلي وهو منكر بهذا
الإسناد. سنن البيهقي ٣١٣/٥، وأخرجه الطبراني في الأوسط ٢١/٩، وذكره محمد بن الحسن
في الحجة على أنه ((مشهور معروف)) الحجة ٦٥٠/٢، والشافعي في الأم ٧٠/٣، بينما ذكر ابن
حجر في تلخيص الحبير أن ابن ماجة والحاكم قد أخرجاه من طرق أخرى تلخيص الحبير ٢٥/٣
وانظر تضعيف يحي بن صالح الأيلي وهذا الحديث في الكامل في الضعفاء للجرجاني ٢٤٥/٧.
(١) في (ب) يجعل.
(٢) في (ب) منهما.
(٣) انظر أصول السرخسي ٢٦/٢.
(٤) مباحث البيان من المباحث المشتركة بين الكتاب والسنة كالعام والخاص ونحوهما لكن قدم ذكرها
وأخره اقتداء بالسلف، أو كان حق هذا الفصل التأخير عن بحث الإجماع؛ لأنه ليس مما يختص
بالسنة، لكن لما اشتملت التراجيح الخاصة بالسنة على البيان أولى البيان بالبيان، وإن كان البيان
جاريا في الإجماع أيضا لانحطاط رتبته عنها في الأصلية. انظر: فتح الغفار ١٣١/٢، وحاشية
الرهاوي ص ٦٨٨.
(٥) قال - تعالى -: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾ وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
﴾﴾ وقال التَّة: ((إن من البيان لسحرا)) والمراد بهذا كله الإظهار وقد يستعمل في الظهور،
والمراد في هذا الباب عندنا إظهار المراد للمخاطب، وقيل: هو ظهور المراد للمخاطب والعلم بالأمر
الذي حصل له عند الخطاب والأصح هو الأول، فهو متعلق بإعلام ما ليس بمعلوم وهو لا يحصل
إلا بدليل العلم يحصل منها ثلاثة أمور: إعلام ودليل يحصل به الإعلام وعلم يحصل من الدليل.
ولفظ البيان يطلق على كل واحد من هذه الثلاثة وكذلك اختلف في تعريفه: فمن نظر إلى الأول
كأبي بكر الصيرفي عرفه بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي ومن نظر
إلى الثاني كأبي بكر الدقاق وأبي عبد اللَّه البصري عرفه بأنه العلم الذي يتبين به المعلوم وفيه نظر
ومن نظر إلى الثالث كأكثر الفقهاء والمتكلمين عرفه بأنه الدليل فيشمل الكلام والنقل والإشارة
- ٣٤٠ -