Indexed OCR Text

Pages 281-300

أحكام الإفتاء ومنهجه

أصول الإفتاء
٢٨٥
أحكام الإفتاء ومنهجه
وبعدَ تمهيدٍ بعض هذه القواعد، نُريد أن نبحثَ عن أحكام الفتوى بمعنى
أنّه متى يجب على المفتى أن يُفْتِىَ ومتى يحرم عليه ذلك، ومتى يحقّ له أن
يمتنعَ عن الجواب. ثمّ نذكر إن شاء الله تعالى المنهج الذى يجب أن يختاره
المفتى عندما يُستفتى عن حكم شرعيّ
متى يجب الإفتاء؟
الأصلُ فى الإفتاء أنّه فرضُ كفايةٍ على مفتٍ مؤهَّل إذا وُجد عددٌ من
المؤهّلين. فإن قام به بعضُهم سقط عن الباقين. ويكون فرض عين فى
الأحوال الآتية:
الأوّل: إذا استُفتى فى مكانٍ لا يوجدُ فيه مؤهّلٌ غيرُه، وهو يعرف الحكم، لقول
الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَأَهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا
بَّنَّهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَبِ أُوْلَئِكَ يَلْعُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعُهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]
الثّاني: إذا استُفتى والمستفتى فى حاجةٍ عاجلةٍ يُخاف عند عدم الإفتاء أن
يقعَ فى محظورَ، كمن استُفتى فى حكم من أحكام الصلوة، والوقتُ ضيِّقٌ
لا يمكن للمستفتى أن يسألَ فيه غيرَه، والمُفتى يعرف الحكم. وذلك لما تلونا
من الآية الكريمة.
الثالث: إذا نُصِب المرأ المؤهّلُ مُفتياً من قِبَل وليّ الأمر، فيجب عليه عيناً أن
يقومَ بالإفتاء، وذلك لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]

أصول الإفتاء
٢٨٦
أحكام الإفتاء ومنهجه
قال النّوويّ رحمه الله تعالى: "إفتاءُ المستفتين فرضُ كِفاية، فإن لم يكن
هُناك مَن يصلُح إلاّ واحدٌ تعيّن عليه. وإن كان جماعةٌ يصلحون، فطُلِب
ذلك من أحدهم فامتنع، فهل يأثَم؟ ذكروا وجهين فى المفتى، والظّاهرُ
جريانهما فى المعلِّم، وهما كالوجهين فى امتناع أحد الشُّهود، والأصحّ:
لا يأثم."(١)
متى يحرم الإفتاء؟
قد ذكرنا فيما سبق شروطَ المفتى، وأنّه لا يجوز الإقدام على الإفتاء إلاّ
لمن استَجْمع هذه الشُّروط، وصار مؤهّلًا لذلك. ثمّ إنّ المفتى المؤهّل أيضاً
لا يجوزله الإفتاء فى الأحوال الآتية:
الأوّل: إذا كان المفتى أهلاً للإفتاء بوجهٍ عامٌ، ولكنّه لا يعرفُ حكم المسئلةِ
المسئولِ عنها بخُصوصها، ولا يتمكّنُ من استنباطه، أو اشتبهت عيه الأدلة
ولم يتمكّن من التّرجيح. وذلك لقول الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
"القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ فى الجنّة، واثنان فى النّار. فأمّا الَّذى فى الجنّة، فرجلٌ
عرف الحقّ وقضى به، ورجلٌ عرف الحقّ، فجارَ فى الحُكم، فهو فى النّار،
ورجلٌ قضى للنّاس على جهل، فهو فى النّار."(٢)
ولافرق بين القضاء والإفتاء فى هذا، فوجب عليه التّوقّفُ فى الجواب فى
هذه الصّورة حتّى يتبيّنَ له الحكم، أو توجيه المستفتى إلى غيره من المُفتين.
(١) مقدمة المجموع، شرح المهذّب ١:٢٧
(٢) أخرجه أبوداود، واللفظ له، فى كتاب الأقضية، باب فى القاضى يُخطئ، والترمذيّ فى كتاب
ألأحكام، باب ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى القاضى، كل واحد منهما عن
بريدة رضی الله تعالى عنه.

أصول الإفتاء
٢٨٧
أحكام الإفتاء ومنهجه
وقد رُوى عن عائشة رضي الله عنها أنّه لمّا نزل عذرُها قبّل أبو بكر رضي
الله عنه رأسها. قالت: قلتُ: ألاّ عذَرْتَني عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلم !فقال
أبو بكر: "أيُّ سماءٍ تُظِلّني وأيُّ أرضٍ تُقِلّني إذا قلتُ ما لا أعلم؟"(١).
وعن عُروةَ التّميميّ، قال: قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "وابَرُدَها
على الكَبِد!(٣) ثلاثَ مرات. قالوا: يا أمير المؤمنين، وما ذاك ؟ قال: أن يُسألَ
الرّجلُ عمّا لا يعلم، فيقول: اللهُ أعلم."(٣).
وروى عن خالد بن أسلم، وهو أخو زيد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله
ابن عمر نَمْشِى، فلَحِقَنا أعرابيٌّ، فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم. قال:
قال: سألتُ عنك فدُلِلْتُ عليك، فأخبرِني أتَرِثُ العمّة؟ فقال ابنُ عمر: لا
أدرى. فقال: أنت لا تدرى ولا ندرى؟! قال: نعم، اذهب إلى العُلماء بالمدينة
فاسألهم. فلمّا أدبر قبّل ابنُ عمرَ يديه، فقال: نعِمًا قال أبو عبد الرحمن، سُئل
عمّا لا يدرى، فقال: لا أدرى." وذكر باقى الحديث.(٤)
وقد أخرج ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى عن أبى الحسن علىٍّ بن الحسن،
قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثنی ابی، قال: حدثنى محمد بن
إدريسَ الشّافعىُّ رحمه الله تعالى، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعتُ
ابنَ عَجْلان يقول: وإذا غَفَل العالمُ "لاأدرى " أُصِيْبَتْ مَقاتِلُه. "(٥)
(١) أخرجه الإمام البيهقيّ فى المدخل إلى السنن الكبرى، ص ٤٣٠ رقم ٧٩٣
(٢) الظاهر أنه كناية عن الاطمئنان التام، يعن أن هذا العمل بما يثلج له الصدر ..
(٣) أخرجه الإمام البيهقيّ فى المدخل إلى السنن الكبرى، ص ٤٣٠ رقم ٧٩٤
(٤) أخرجه الإمام البيهقيّ فى المدخل إلى السنن الكبرى، ص ٤٣٢ رقم ٧٩٦
(٥) جامع بيان العلم ص ٣١٥ و٣١٦ رقم ٨٩٨ ومعناه أن من غفل من أن يقول لاأدرى فيما
لا يعلم فكأنه أصيبت أعضاؤه التى يهلك بإصابتها الإنسان.

أصول الإفتاء
٢٨٨
أحكام الإفتاء ومنهجه
وهذا من أعزّ الأسانيد من حيثُ يرويه ثلاثةٌ من الأئمّة بعضُهم من بعض:
الإمام أحمد عن الإمام الشافعىّ، وهو عن الإمام مالك رحمهم الله تعالى.
وكذلك روى ابنُ عبد البَرّ رحمه الله تعالى بسنده إلى عُقبة بن مسلم قال:
صحبتُ ابنَ عمرَ أربعةً وثلاثين شهراً، فكثيراًما كان يُسْئَل فيقول: لاأدرى،
ثم يلتفتُ إلىّ فيقولُ: أتدرى مايُريد هؤلاء؟ يُريدون أن يجعلوا ظُهورنا
جسراً لهم إلى جهنّم. "(١) وعن الأثرم(٢) تلميذِ الإمام أحمد بن حنبل قال: "
سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يُكثر أن يقول: لا أدرى."(٣) وعن
الهيثم بن جميل(٤) قال: "شهدتُ مالكٍسُئل عن ثمان وأربعين مسئلةً،
(١) جامع بيان العلم وفضله، ص٣١٦ رقم ٨٩٩
(٢) الأثرم تلميذ الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الإسكافيّ الأثرم
الطّائيّ، وقيل: الكليّ، تلميذ الإمام أحمد من ثقات حُفّاظ الحديث. ولد في دولة الرشيد. وكان
يحفظ الفقه والاختلاف، ثم لّا صحب الإمام أقبل على مذهبه صارفا عنايته عما كان عليه من
حفظ الاختلاف. قال القاضي أبو يعلى: "نقل عن إمامنا مسائل كثيرة وصنّفها ورتّبها أبواباً." هذا
وكان عارفا بمؤلفات الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى بسبب ملازمته له مدّة. له مصنّف فى علل
الحديث وله أيضا "السنن فى الفقه على مذهب أحمد وشواهده من الحديث." توفّي رحمه الله بمدينة
إسكاف بن الجنيد قرب بغداد سنة ٢٧٣ هـ، وقيل سنة ٢٦١ هـ وقيل سنة ٢٩٦ هـ وقيل غير
ذلك. (ملخص من طبقات الحنابلة ١: ١٦٢ وما بعدها، وسير أعلام النبلاء ١٢: ٦٢٣ وما بعدها)
(٣) أخرجه الخطيب فى الفقيه والمتفقه ٢: ٣٧١ رقم ١١٢٦
(٤) الهيثم بن جميل الحافظ الامام الكبير الثبت، أبو سهل الأنطاكيّ. حدّث عن: زهير بن معاوية،
والإمام مالك ابن أنس وغيرهما من طبقتهما. وحدّث عنه: الإمام أحمد بن حنبل وآخرون رحمهم
الله تعالى أجمعين. قال موسى بن داود: "أفلس الهيثم بن جميل في طلب الحديث مرتين." وقال
سفيان المصيصي: "شهدت الهيثم بن جميل وهو يموت، وقد سحى نحو القبلة، قال: فقامت
جاريتُه تغمز رجله فقال اغمزيها فإنّه يعلم أنّه ما مشت إلى حرام قطّ." وقد وثّقه غير واحد من
الأئمة إلاّ أنّ الحافظ ابن حجر رحمه الله نّه على أنّه اختلط فى آخر عمره، حيث قال: "الهيثم بن
جميل .... البغدادي أبو سهل نزيل أنطاكية ثقة من أصحاب الحديث وكأنّه ترك فتغيّر." توفّي
رحمه الله سنة ٢١٣ هـ. (ملخص من تاريخ بغداد ١٦: ٨٤ وسير أعلام النبلاء ١٠: ٣٩٦ =

أصول الإفتاء
جيب
٢٨٩
أحكام الإفتاء ومنهجه
فقال فى اثنتين وثلاثين مسئلةً: "لا أدرى". وربّما كان يُسئل عن خمسين
مسئلةً، فلا يُجيبُ فى واحدٍ منها، وكان يقول: " من أجاب في مسئلة، فينبغي
قبلَ الجواب أن يغْرِضَ نفسه على الجنّة والنّار".وسُئل مالكٌ عن مسئلةٍ
فقال: "لا أدرى" فقيل: هذه مسئلةٌ خفيفةٌ سهْلةٌ، فغضب وقال: "ليس في
العلم شيئٌ خفيف. "(١)
فلا يجوز للمفتى أن يخْجَل من قول "لاأدرى" فى مثل هذه المسائل.
الثّاني: إذا كان الإفتاء بهوىً وميل مع المستفتى، بحيث يغلبُ الظّنّ أنّه
يتهاون ويُداهن معه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى
اْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّ الَّذِينَ
يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]
وجاء فى الإقناع فى مذهب الإمام أحمد: "ويحرم الحكمُ والفُتيا بالهوى
إجماعاً، وليحذَرِ المفتى أن يميل فى فُتياه مع المستفتى، أو مع خصمه. "(٢)
الثّالث: إذا كان المُفتى فى حالةٍ تمنَعه من أداء واجبه فى الفتوى من التأمّل
والنّظر الصّحيح. والدّليلُ على ذلك حديث أبى بكرة رضى الله تعالى عنه،
قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لاَيَقْضِيَنَّ حَكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ
غَضْبَانُ. "(٣) ولذلك قالوا: وممّا ينبغي للمفتى مراعاتُه أن لا يُفتي حالَ
= وليراجع أيضاً تقريب التهذيب ص٥٧٧ وآخر الملحق الأوّل ل"الكواكب النّرات فى معرفة
من اختلط من الرواة الثقات" بتحقيق الشيخ عبد القيوم بن عبد ربّ النبيّ ص ٤٩٦)
(١) أنظر لهذه الآثار عن مالك ترتيب المدارك للقاضى عياض رحمه الله تعالى ١:١٤٦
(٢) الإقناع للحجاوي، كتاب القضاء والفتيا ٣٦٩: ٤
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب هل يقضى القاضى وهو غضبان.

أصول الإفتاء
٢٩٠
أحكام الإفتاء ومنهجه
اشتغال قلبه بغضبٍ أو رهبةٍ أو شهوةٍ ممّا يُخرجه عن الاعتدال. وكذلك شدّةُ
الحُزن وشدّةُ الفَرح ونحوه. فإن غلب انفعاله علي صحة تفكيره، وجب عليه
أن يكُفَ عن الإفتاء إلى أن يعود إلى طبيعته، وكذلك إن كان به نعاس أو
جوعٌ أو مرضٌ شديدٌ أو حرِّ مُزْعِجٌ أو بَرْدٌ مُؤلمٌ، أو مُدافعةُ الأخبثين.
الامتناع عن الفتوى
وليس من واجبِ المُفتى أن يُجيب عن كلِّ سؤالٍ يُطرح أمامه فى كلّ حال.
وإنّما يُجيب حيثُ يرى مصلحةً فى الجواب، ويأمن الفتنة، فينبغى أن يمتنع
عن الإفتاء فى الأحوال الآتية:
الأوّل: إذا خَشِى المُفتى أنّ المستفتىَ يُثير فتنةً بعد الحصول على
الجواب، أو أنّ الإفتاءَ فى المسئلة تُؤدّى إلى مفسدةٍ ظاهرةٍ، أو أنّه يصْرف
الفتوى إلى غير وجهها، لأنّ دفعَ المفسدة مقدّمٌ على جلب المصلحة. قال
الآجرّيّ رحمه الله تعالى: "وإذا سُئِل عن مسئلةٍ فعَلِم أنّها من مسائل
الشَّغَب، وممّا يُورِثُ بين المسلمين الفتنةَ استعفى منها، وردّ السّائلَ إلى
ماهو أولى به على أرفقٍ ما يكون."(١)
الثانی: إذاكان السّؤالُ ممّا ینبغی عدم الخوض فیه لكونه مما لایعنی، ولیس
هناك نفع عمليّ فی معرفة الجواب عنه. وقد رُوی عن ابن عبّاس رضی الله
تعالى عنهما قال: "ما رأيتُ قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم، ما سألوه إلّ عن ثلاث عشرة مسألةً حتّى قُبض، كلّهنّ فى القرآن ...
(١) أخلاق العلماء للآجرّيّ، ص٥٤

أصول الإفتاء
٢٩١
أحكام الإفتاء ومنهجه
وما كانوا يسألون إلاّ عمّا ينفعهم."(١)
وقد ورد فى الحديث المرفوع: "هَلَكَ المُتَنَطَّعُوْنَ "(٢) وقد فسّره بعضُ
العلماء بالغالين فى الخوض فيما لايَعْنِيهم، والمتعنّتين فى السُّؤال عن
عويصِ المسائل الذى يندر وقوعُها.(٣)
وكان السّلف يكرهون أن يُكْثِرِ عامّةُ النّاس الأسئلةَ فى الأمور الّتى هُم فى
غِنى عنها فى حياتهم العمليّة، فينبغى أن لايُشَجِّعهم المُفتى على مثل هذه
الأسئلة، وأن يَهْدِيَهم إلى ما يَعْنِيهم. وقال أحمدبن حبّان القَطِيْعِيّ: "دخلتُ
على أبى عبدالله (يعنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى) فقلت: أتوضأ بماء
النّورة؟ قال: لاأحبّ ذلك. فقلتُ: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحبُّ ذلك.
قال: ثمّ قمت، فتعلّق بثوبى، وقال: أيْش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكتُّ،
فقال: أيش تقول إذا خرجتَ من المسجد؟ فسكتُ، فقال: اذهب فتعلّم
هذا." وأراد الإمام رحمه الله تعالى أنّ الوضوء بماء النّورة وماء الباقلاء أمرٌ
نادر رُّما لایحتاج إليه السّائل، فعاب علیه أن يخوضَ فیه مع جهله ما يحتاجُ
إليه خمسَ مرات كلَّ يوم، وهو الدُّعاءُ المأثورُ عندَ دخولِ المسجد وعند
الخروج منه. وسُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى مرّةً عن يأجوج ومأجوج:
أمسلمون هم؟ فقال للسّائل: "أحكمتَ العلمَ حتى تسأل عن ذا؟" وسُئِل عن
مسألةٍ فى اللعان، فقال: "سَلْ رحِمَك الله عمّا ابتُليتَ به."(٤)
(١) أخرجه الدّارمىّ فى سننه، المقدمة باب كراهية الفتيا، حديث ١٢٧
(٢) أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه كتاب العلم، حديث ٦٧٤٠
(٣) فيض القدير، ٦:٣٥٥ عند حديث "هلك المتنطعون."
(٤) الآداب الشرعيّة والمنح المرعيّة لابن مفلح، فصل فى كراهة السؤال عن الغرائب وعمّا لايُنتفع به.
٢ : ٧٢ و ٧٣

أصول الإفتاء
٢٩٢
أحكام الإفتاء ومنهجه
وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "يُكرَهُ الجدلُ فى أنّ لُقمانَ وذا القَرْنين
وذا الكِفْلِ أنبياءُ أم لا؟ وينبغي أن لا يسألَ الإنسانُ عَمّا لا حاجة إليه، كأن
يقول: كيف هَبط جبريل؟ وعلى أيِّ صورةٍ رآه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟
وحين رآه على صورة البشر، هل بقي ملكاً أم لا؟ وأين الجنّةُ والنّار؟ ومتى.
السّاعة ونُزولُ عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيُّهما الذّبيح؟ وفاطمةُ
أفضلُ من عائشة أم لا؟ وأبوا النّبي كانا على أيّ دِين؟ وما دينُ أبي طالب؟
ومن المهديّ؟ إلى غير ذلك ممّا لا تجِب معرفته ولم يَردِ التّكليفُ به."(١).
الثّالث: إذا كانت المسئلةُ ممّا لا يَسَعُه عقلُ السّائل وفهمُه، ولا تتعلّق بها
حاجةٌ عمليّةٌ له، مثلُ المتشابهات أو دقائقُ علم الكلام، أو المسائل التى
لا يمكن أن يُقطعَ فيها، وقال سيّدنا عليّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه:
"حَدِّثوا النّاسَ بما يَعْرفون، أَتُحبّون أن يُكلَّب اللهُ ورسولُه؟"(٢)
قال الإمام القرافيّ رحمه الله تعالى: "وينبغى للمُفتى إذا جاءته فُتيا فى
شأنِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوفيما يتعلّق بالرُّبوبيّة، يُسأل فيها عن
أمورٍ لا تصلُح لذلك السّائل، لكونه من العَوامِّ الجِلف، أو يُسألُ عن
المُعْضَلات ودقائق أصول الديانات ومتشابهِ الآيات، والأمورِ الّتى لا يخوض
فيها إلاّ كبار العلماء، فلا يُجيبُه أصلاً، ويُظْهرُ له الإنكارَ على مثل هذا، ويقول
له: اشتغِلْ بمَا يَعْنيكَ من السّؤال عن صلاتك وأمورٍ مُعامَلاتك."(٣)
(١) رد المحتار، قبيل كتاب الفرائض، ٦:٧٥٤
(٢) علّقه البخاريّ فى صحيحه، كتاب العلم، باب من خصّ بالعلم قوما دون قوم كراهية أن
لا یفهموا"
(٣) الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي، التنبيه العاشرص٢٦٤

أصول الإفتاء
٢٩٣
أحكام الإفتاء ومنهجه
وقد سأل ابنُ الشّافعيّ الذى وَلَىَ قضاءَ حلب الإمامَ أحمدَ رحمه الله تعالى
عن عاقبة ذرارئ المشركين أو المسلمین، فصاح به رحمه الله تعالى، وقال له:
"هذه مسائلُ أهل الزّيغ، مالَكَ ولهذه المسائل؟" وكذلك سُئل سفيان
الثوريّ رحمه الله تعالى عن أطفال المشركين، فصاح بالسائل وقال له: "يا
صبيّ! أنت تسأل عن ذا؟"(١)
وكان والدى العلامة المفتى محمد شفيع رحمه الله تعالى حينما يُسئل عن
مثل هذه الأمور يكتُب فى الجواب حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
"مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْ تَرْكُهُ مَالاَ يَعْنِيْهِ "(٢) ثمّ وَجَدتُ عن أحد كبار تلامذةِ
الإمام مالك فعلَ مثلَ ذلك مع أحد الملوك. وهو زياد بن عبد الرحمن
القُرطُبيّ الملقّب بشبطون. فقد حكى عنه القاضى عياض رحمه الله تعالى ما
يلى: "قال حبيب: كنّا جُلوساً عندزياد، فأتاه كتابٌ من أحد الملوك، فمدّه
مَدّةً، أى بلّ قلمه بلّةً من الحِبر، فكتب فيه، ثمّ طبعَ الكتابَ ونفّذبه الرّسولَ.
فقال زياد: أتدرون عمّا سأل صاحبُ هذا الكتاب؟ سأل عن كِفَّتى ميزانِ
الأعمال يوم القيامة، أمِنْ ذَهَبٍ هو أم من ورِق؟ فکتبتُ إلیه: حدثنا مالك،
عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ
الْمَرْأْ تَرْكُهُ مَا لاَيَعْنِيْهِ. وسَتَرِدُ فَتَعْلَمُ. "(٣)
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعيّة ٢:٧٢
(٢) أخرجه الترمذيّ فى أبواب الزهد، حديث ٢٣١٧ عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، وعن عليّ
بن الحسین مرسلا.
(٣) نقله شيخنا عبد الفتاح أبو غدة فى حاشيته على إحكام القرافي ص ٢٦٥ عن ترتيب المدارك
للقاضى عياض، ترجمة زيادبن عبد الرحمن، ٣:١٢٠

أصول الإفتاء
٢٩٤
أحكام الإفتاء ومنهجه
الرابع: روى عن بعض الفقهاء أنّهم مَنَعواالمفتىَ من أن يُفتى للنّاس فى
مسائلَ لم تقعْ لهم. وقدذكرنا فى أوّلِ الكتاب أقوالَ السّلف الّذين كانوا
يَكْرَهون أن يتكلّموا فى المسائل التى لم تقعْ بعدُ، واختلاف وجهاتِ النّظر
فى ذلك. وذكرنا هناك أنّ الإجابةَ على مثل هذه الأسئلة ينبغى أن تَقْتصِرَ على
من يُريدُ التّفقُّهَ من طَلَبة العلم. أمّا عامّةُ النّاس، فلا ينبغى أن يُشجَّعوا على مثل
هذه الأسئلة.
الخامس: إذا كانَ حُكمُ المسئلةِ مبنيًّا على عُرْفٍ خاصّ ببلدٍ أوقوم،
ولا يعرف المفتى غُرفَ ذلك البلد أو القوم. قال ابنُ الصّلاح رحمه الله تعالى:
"لا يجوزله أن يُفتى فى الأيمان والأقارير ونحوذلك ممّا يتعلق بالألفاظ، إلاّ
إذا كان من أهل بلدِ اللاّفظِ بها، أو منزّلاً منزلتَهم فى الخِبْرَةِ بمراداتهم من
ألفاظهم وتعارُفِهم فيها، لأنّه إذا لم يكن كذلك، كثُر خطأُّه عليهم فى ذلك،
كما شهدتْ به التّجربة. "(١)
السادس: ذكر الإمامُ الشّاطِبِيُّ رحمه الله تعالى من جملة ما يُكرهُ فيها
السُّؤال: أن يُسأل عن صِعابِ المسائل وشِرارِها، كما جاء فى النّهى عن
الأَغْلُوْطَات.(٢)
السابع: أن يُسأل عن علّةِ الحكم، وهو من قبيل التعبُّدات التى لا يُعقلُ لها
معنىً، مثل أن يسأل: لماذا كانت ركعاتُ المغرب ثلاثة؟
الثامن: ذكر الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى من جملة هذه المواضع السُّؤالَ
(١) أدب الفتوى لابن الصلاح ص٧١
(٢) حديث "أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم نهى عن الأغلوطات" أخرجه أبوداود، كتاب العلم، باب
التوقى فى الفتيا، حديث ٣٦٥٦ عن معاوية رضى الله تعالى عنه.

أصول الإفتاء
٢٩٥
أحكام الإفتاء ومنهجه
مسوبـ
عمّا شَجَرَ بين السّلف الصّالح. وقد سُئِل عمرُبن عبد العزيز رحمه الله تعالى
عن قتال أهل صفّين، فقال: تلك دماءٌ كف الله عنها يدى، فلا أحبُّ أن يَلْطَخَ
بها لسانی.(١)
التاسع: وذكر رحمه الله من جُملتها سؤالَ التعنّت والإفحام وطلبِ الغَلَبةِ
فى الخصام. وفى القرآن فى ذمّ نحو هذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِئُكَ قَوْلُهُ فِى
اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
وقال: ﴿بَل هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وفى الحديث: أَبْغَضُ الرِّجَالِ
إِلَىَ اللهِ الْأَلَدُّ الخَصِمُ. "(٢)
ثمّ قال الشّاطِبِيّ رحمه الله تعالى: "هذه جملةٌ من المواضع التى يُكره
السّؤال فيها، ويُقاس عليه ما سواها. وليس النّهىُ فيها واحداً، بل فيها ما تَشتدُ
كَرَاهِيتُه، ومنها ما يخِفة، ومنها ما يحرُم، ومنها ما يكون محلً اجتهاد. "(٣)
الرّجوعُ عن الفتوى
يَجبُ على المُفتى إن ظَهَرَ خطأ فى فتواه أن يرجعَ عن فتواه السّابقة، وأن
لا يَخْجَلَ من ذلك. وجاء فى خطابٍ سيّدنا عُمربن الخطّاب إلى أبى موسى
الأشعريّ رضى الله تعالى عنهما: "لايَمْنَعنّك قضاءٌ قضيتَه بالأمس راجَعْتَ
فيه نفسَك وهُديت لهشدك أن تُراجعَ الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديمٌ، وإنّ الحقَّ
لا يُبطِلُه شيئٌ، ومراجعةُ الحَقِّ خيرٌ من التّمادی فی الباطل.
١١(٤)
(١) الموافقات للشاطبي ٤:٣٢٠
(٢) صحيح البخاريّ، کتاب الأحكام، باب الألدالخصم، حدیث ٧١٨٨
(٣) الموافقات، النظر الثانى فى أحكام السؤال والجواب ٤:٣٢١
(٤) السنن الكبرى للبيهقيّ، ١٠:١٥٠ كتاب الشهادات، باب لايحيل حكم القاضى على المقضيّ له
والمقضيّ عليه الخ

أصول الإفتاء
٢٩٦
أحكام الإفتاء ومنهجه
أحكام نقض الفتوى بعد الرجوع عنها
وقال النّوويّ رحمه الله تعالى: "إذا أفتى بشيئ ثمّ رجع عنه، ولم يكن
عمِلَ بالأوّل، لم يجُز العملُ به. وإن كان عَمِلَ قبلَ رُجوعه، فإن خالف دليلاً
قاطعاً، لزم المستفتى نقض عمله ذلك، وكذا إن نكح بفتواه، واستمرّ على
نكاحٍ بفتواه، ثمّ رجع لزمَه مفارقتُها. "(١) ومما يدلُّ على ذلك ماروى البيهقيّ
وغيره أنّ رجلاً من بنى شَمْح من فَزارةَ تزوّج امرأةً، ثمّ رأى أمَّها فأعْجَبَتْه،
فاستفتى ابنَ مسعودٍ عن ذلك، فأمره أن يُفارقَها ويتزوّجَ أُمَّها، فتزوّجها،
فولَدتْ له أولاداً، ثمّ أتى ابنُ مسعود المدينةَ، فسألَ عن ذلك، فأُخْبِرِ أنّها
لا تحِلُّ له، فلمّا رجع إلى الكوفة قال للرّجل: إنّها عليكَ حرامٌ، إنّها لا تنبغى
لك، ففارقها. "(٢) وقال الخطيب رحمه الله تعالى: "لعلّ ابن مسعود رضى الله
تعالى عنه تأوّل فتواهُ قولَ الله تعالى: "﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾"[النساء: ٢٣] أنّ الاستثناءَ راجعٌ إلى أمّهات النّساءِ وإلى
الربائبِ جميعاً."(٣)
ثمّ قال النّوويّ رحمه الله تعالى: "وإن كان (أى الأمر المرجوعُ عنه)
محلّ اجتهادٍ لم يلزمْه نقضُه، لأنّ الاجتهادَ لا يَنقُض الاجتهاد. وهذا التّفصيل
(١) ٣٧١ مقدمة المجموع شرح المهذّب ١:٤٥ فصل فى أحكام المفتين، بشيئ من التقديم واتأخير
(٢) السنن الكبرى، ٧:١٥٩ باب ما جاء فى قول الله تعالى: وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى
حجور کم من نسائكم التى دخلتم هنّ
(٣) الفقيه والمتفقه ٢:٢٠٢

أصول الإفتاء
٢٩٧
أحكام الإفتاء ومنهجه
ذكره الصَّيْمَريّ(١) والخطيب وأبوعمروٍ، واتّفقوا عليه ولا أعلمُ خلافَه.
وما ذكره الغزاليّ والرازيّ ليس فيه تصريح بخلافه. "(٢) والدليل على ذلك
(١) الإمام الصيمريّ الشافعيّ: هوعبد الواحد بن الحسين بن محمد القاضى أبو القاسم الصّيمريّ (بفتح
الصاد وسكون الياء وفتح الميم.) قال العلامة السبكيّ رحمه الله تعالى: "أراه، والله أعلم منسوباً،
إلى نهر من أنهار البصرة يقال له الصَّمَر عليه عدّة قُرَّى، أمّا الصّيمرة فبلد بين ديار الجبل
وخوزستان فما أخال هذا الصَّمَريّ منسوباً إليها." وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: "هذا هو
الأظهر، فإن الصَّمَريّ بَصرِيّ لا شكّ فيه." قال الإمام الشيخ أبو إسحاق فى الطبقات: "سكن
الصَّمَريُّ البصرةَ، وحضر مجلس القاضى أبى حامد المروذى [قال الإمام السمعانيّ فى الأنساب ٥.
٢٦٢: المَرْوَ الرُّوذيّ: بفتح الميم، والواو، بينهما الرّاء السّاكنة، بعدها الألف واللام، وراء أخرى
مضمومة، بعدها الواو، وفى آخرها الذال المعجمة، هذه النسبة إلى مرو الروذ، وقد يخفف فى النسبة
إليها فيقال "المروذيّ" أيضا، هذه بلدة حسنة مبنية على وادى مرو، بينهما أربعون فرسخا، والوادى
بالعجميّة يقال له "الرود"، فركّوا على اسم البلد الّذى ماؤه فى هذا الوادى والبلد اسما وقالوا
"مروالروذ". فتحها الأحنف بن قيس من جهة عبد الله بن عامر ..... وكان بها جماعةٌ من الفضلاء
والعلماء قديما وحديثا. فمن المتقدّمين ... والقاضى أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر الفقيه العامري
المرو الروذي فقيه أصحاب الشافعي: له مصنفات سكن البصرة."] وتفقّه بصاحبه أبى الفياض
البصريّ، وارتحل إليه النّاس من البلاد، وكان حافظًا للمذهب، حَسَنَ التّصانيف:" كان من كبار
أصحاب الوجوه فى المذهب الشافعيّ، تكرّر ذكره فى المهذِّب والرّوضة. تخرّج به جماعة منهم
القاضى الماورديّ صاحب الحاوى. ومن تصانيفه "الإيضاح فى المذهب" نحو سبعة محلّدات وله
"كتاب الكفاية" وكتاب فى القياس والعلل وكتاب صغير فى أدب المفتى والمستفتى وكتاب فى
الشروط. تُوُفيّ رحمه الله بعد سنة ٣٨٦ هـ. (ملخص من طبقات الشافعية الكبرى ٣: ٣٣٩
وتهذيب الأسماء واللّغات ٢: ٢٦٥) فائدة: اشتهر بنسبة الصيمريّ إمامان، أحدهما شافعيّ وهو
صاحب الترجمة، والآخر حنفيّ وهو الحسين بن عليّ بن محمّد بن جعفر، أبو عبد الله القاضى
الصيمريّ. كان من كبار الفقهاء، أخذ العلم عن جهابذة عصره مثل أبى بكر الجصاص الرّازِيِّ وأبى
الحسن الكرخيّ وأبي سعيد البردعيّ، وأخذ عنه قاضى القضاة أبو عبد الله محمد بن عليّ الدامغانيّ
· كما روى عنه أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ رحمهم الله تعالى أجمعين وقال: "كان صدوقاً
وافر العقل جميل المعاشرة." وله كتاب ضخم فى أخبار الإمام أبى حنيفة وأصحابه نقل عنه العلاّمة
الكفويُّ كثيرا فى طبقاته. تُوُفّي رحمه الله سنة ٤٣٦ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص٦٧)
(٢) مقدمة المجموع شرح المهذّب ١:٤٥ فصل فى أحكام المفتين

أصول الإفتاء
٢٩٨
أحكام الإفتاء ومنهجه
ماروى عن الحكم بن مسعودٍ قال : شهدتُ عُمرَ أشرك الإخوة من الأب
والأمّ مع الإخوة من الأمّ فى الثّلث، فقال له رجلٌ قد قَضَيْتَ فى هذه عامَ
الأوّلِ بغير هذا. قال: وكيف قضيتُ؟ قال: جعلتَه للإخوة للأمّ، ولم تجعل
للإخوة من الأب والأمّ شيئاً. فقال: ذلك على ما قضَيْنا، وهذا على ما نَقْضِى."(١)
هذا إذا كان المُفتى مجتهداً وتغيّر اجتهادُه. أمّا إن كان المُفتى مقدِّداً لأحد
المجتهدين، فأفتى بشيئ ظنّاً منه أنّه قولُ إمامِه، ثمّ تبيّن أنّ مذهبَ إمامِه
خلاف ذلك، ولم تكن فتواهُ السّابقةُ مُعارِضاً لنصّ، بل كان موافقاً لأحد
المجتهدين، وإن كان مخالفاً لإمامه، فذهب ابن القيّم رحمه الله تعالى إلى أنّ
حكمه حكم تغيّر اجتهاد المجتهد، فلاينقُض فتواه السّابقةَ الّتى عمل بها
المستفتى. قال رحمه الله تعالى: "فلو تزوّج بفتواه ودخل، ثمّ رجع المُفتى لم
يحْرُم عليه إمساكُ امرأته إلاّ بدليل شرعيٍّ يقتضى تحريمَها، ولا يجبُ عليه
مفارقتُها بمجرّد رجوعه، ولاسيّما إن كان إنّما رجعَ لكونه تبيّن له أنّ ما أفتى
به خلافُ مذهبه، وإن وافق مذهبَ غيره. "(٢) لكنّ ابن الصّلاح رحمه الله
تعالى نصّ على خلاف ما قاله ابنُ القيّم، فقال: "وإذاكان يُفتى على مذهب
إمامٍ فرجع، لكونه بأنَ له قطعاً مخالفةُ نصِّ إمامه، وجب نقضُه، وإن كان فى
محلِّ الاجتهاد، لأنّ نصَّ مذهبٍ إمامه فى حقّه كنصّ الشّارع فى حقّ
المجتهد المستقلّ. أمّا إذالم يعلم المُستفتى برجوع المفتى، فحالُ المستفتى
فى علمه کما قبل الرُجوع."
(١) مصنف ابن أبى شيبة، رقم ٣١٧٤٤ كتاب الفرائض، ١٦:٢٣٣
(٢) إعلام الموقعين ٤:١٨٨ الفائدة الأربعون من الفوائد التى تتعلق بالفتوى
(٣) مقدمة المجموع شرح المهذّب ١:٤٥ فصل فى أحكام المفتين

أصول الإفتاء
٢٩٩
أحكام الإفتاء ومنهجه
إعلام المستفتى بالرّجوع عن الفتوى
ويَجِبُ على المفتى أن يُخبر المستفتىَ عن رجوعه إن لم يَعْمَل بفتواه،
وكذلك إن عمل به ووجب النّقض حسب التفصيل الّذى ذكرناه. وقد أخرج
الخطيب رحمه الله تعالى أنّ الحسنَ بن زياد اللُّؤْلؤيّ رحمه الله تعالى اُستفتى
فى مسئلةٍ فأخطأ، فلم يَعْرف الذى أفتاه، فاكترى مُنادياً يُنادى أنّ الحسن بن
زيادٍ اسْتُفِى يومَ كذا وكذا فى مسئلةٍ فأخطأ، فمن كان أفتاه الحسنُ بن زيادٍ
بشيئٍ فليرجع إليه. فمكث أيّاماً لايُفتى، حتىّ وجد صاحبَ الفتوى، فأعلمه
أنّه قد أخطأ، وأنّ الصّواب كذا وكذا."(١)
حكم الضّمان على المفتى المخطئ
وإذا عَمِل المستفتى بفتوىّ فى إتلافٍ فَبَانَ خطؤُه، وأنّه خالفَ القاطعَ
فذكر الحافظ أبوعمرو ابن الصّلاح رحمه الله تعالى عن الأستاذ أبى إسحق
أنّه يضْمنُ إن كان أهلاً للفتوى، ولا يضْمَنُ إن لم يكن أهلاً، لأنّ المستفتىَ
قصّر فى الرجوع إلى غير أهل للفتوى، فضررُه يرجع إلى فعله نفسِه، بخلاف
ما إذا كان المفتى أهلاً للفتوى، فإنّه لا تقصيرَ من قِبَل المستفتى فى الرّجوع
إليه، وإنّما الخطأ من المفتى، فيضمن. لكن قال النوويّ رحمه الله تعالى:
"كذا حكاه الشّيخ أبو عمرووسكت عليه، وهو مشكل، وينبغى أن يُخرّج
الضمانُ على قولى الغرور المعروفَيْن فى بابى الغصْب والنكاح وغيرهما، أو
يُقطعُ بعدم الضّمان، إذ ليس فى الفتوى إلزامٌ ولا إلجاءٌ."(٢)
(١) الفقيه والمتفقه ٢:٤٢٤ رقم ١٢٠٩ باب رجوع المفتى عن الفتوى
(٢) مقدمة المجموع شرح المهذّب ١:٤٥ فصل فى أحكام المفتين

أصول الإفتاء
٣٠٠
أحكام الإفتاء ومنهجه
وهذه الأحكامُ الّتى ذكرها النوويّ رحمه الله تعالى فى مسائل الرّجوع
عن الفتوى أقرّها كلَّها ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى فى "البحر"، غيرَ أنّه جَزَم
بأنّه لاضمانَ على المفتى فى صورة الإتلاف، فقال: "وإن أتلف بفتواه
لايَغْرَمُ، ولو كان أهلاً."(١)
الأجرةُ على الإفتاء
يجبُ علي المفتى أن لا يسئل على إفتاءه أجراً. وذكر العلامة علاؤالدّين
ابنُ عابدين رحمه الله تعالى عن "شرح الوهبانيّة" أنّه لا يجوز أخذُ الأجرةِ
على الإفتاء باللّسان، ويجوزُ أخذُ أجرة الكتابة، ومع هذا الكفّ عن ذلك
أولى.(٢)
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: "المختارُ للتصدّى للفتوى أن يتبرع بذلك،
ويجوزُ أن يأخذَ عليه رِزْقاً من بيت المال، إلاّ أن يتعيّن عليه(٣) وله كفايةٌ،
فَيَخْرُمِ على الصّحيح. ثمّ إن كان له رزقٌ، لم يجز أخذُ أجرةٍ أصلاً، وإن لم
يكن له رزقٌ، فليس له أخذُ أجرةٍ من أعيان من يُفتيه على الأُصحّ كالحاكم.
واحتال الشّيخُ أبو حاتم القَزْوِيْنِيُّ من أصحابنا فقال: له أن يقول: يلزمُنى أن
أُفِيَكَ قولاً، وأمّا كتابةُ الخطّ، فلا. فإذا استأجره على كتابة الخطّ جاز." لكن
لا يجوز أن تتجاوزَ أجرةُ كتابة الفتوى على أجرة المثل، فإنّ ما زادَ على أجرة
المثل يكونُ أجرةً علي نفس الافتاء، وهو ممنوعٌ. وجاء فى الدّرّ المختار:
(١) البحر الرائق، كتاب القضاء، قبيل فصل فى التقليد ٦: ٤٥١
(٢) قرة عيون الأخيار ١:٦١ قبيل كتاب الشهادات
(٣) يعنى إذا أصبح الإفتاء فرض عين على المفتى بأن لايكون هناك مفت آخر.

أصول الإفتاء
٣٠١
أحكام الإفتاء ومنهجه
"يستحِقُّ القاضى الأجرَ على كَتْبِ الوثائقِ قدرَما يجوزُ لغيرِهِ، كالمفتى فإنّه
يستحقُّ أجر المثل على كتابةِ الفتوى، لأنّ الواجبَ عليه الجوابُ باللّسان،
دونَ الكتابةِ بالبنان. ومع ذلك الكفُّ أولى. "(١) والله أعلم.
ثم قال النّوويّ رحمه الله تعالى: " قال الصَّيْمَريّ والخطيب: لو اتّفق أهلُ
البلد فجعلوا له رزقاً من أموالهم على أن يتفرّغَ لفتاويهم جاز. أمّا الهديّة، فقال
أبو مظفّر السّمعانيّ: له قبولها بخلاف الحاكم، فإنه يُلْزم حكمه. قال أبو
عمرو: ینبغی أن یحرم قبولها إن کانت رشوةً علی أن يُفتیه بمایرید کما فى
الحاكم وسائر مالا يُقابل بعوض. قال الخطيب: وعلى الإمام أن يَفْرضَ لمن
ينصب نفسَه لتدريس الفقهِ والفتوى فى الأحكام ما يُغنيه عن الاحتراف،
ويكون ذلك من بيتِ المال. ثمّ روى بإسناده أنّ عمربن الخطاب رضى الله
عنه أعطى كلَّ رجلٍ ممّن هذه صفتُه مائةَ دينارٍ فى السَّنة."(٢)
(١) الدّر المختار مع ابن عابدين، كتاب الإجارة، مسائل شتّى ٦:٩٢
(٢) مقدكة المجموع شرح المهذّب ١:٤٦

أصول الإفتاء
٣٠٢
أحكام الإفتاء و منهجه
منهج الإفتاء
الإفتاء هو تقعيدُ حُكم شرعيٍّ عامٌّ على واقعةٍ جزئيّة. وعلى هذا، فالوصولُ
إلى جوابٍ صحيح يحتاجُ إلى مرحلتين: الأولى: الإدراك الصّحيح للصُّورة
المسئول عنها، والثّانية: إدخالُ تلك الصُّورةِ فى حكم كلّيّ، والذى يُعبّر عنه
فى الاصطلاح المعاصر "التّكييف الشّرعيّ"
تصوّر الصّورة المسئول عنها
فمُهِمّةُ المُفتى قبل كلّ شيئ أن يفهم الواقعةَ الجزئيّةَ الّتى سُئل عنها فهماً
دقيقاً، وأن يتصوّرَها تصوُّراً صحيحاً، لأنّ الحكم على الشيئ فرعٌ عن تصوّرِه،
فلو تصوّرَ المسئلةَ تصوُّراً خاطئا، أخطأ فى الجواب لامحالة، فلايجوزُ
للمفتى أن يتعجّلَ فى الجواب إن كان هناك إبهامٌ فى السّؤال، فيجبُ عليه أن
يُزيل ذلك الإبهامَ بمراجعةِ المستفتى، أوبالطّرق الأخرى، حتى تتبيّن له
صورةُ المسئلة بوضوح. وبماأنّ المستفتىَ العاميَّ رُبّما لا يتنبّه لما هو مَناطُ
الحكم الشرعيّ، فإنّه قد يذكُر فى سؤاله تفاصيلَ لا تأثيرَ لها على الحكم
الشّرعيّ، ومِن ثَمَّ ذكر الفقهاءُ أنّ الوقائعَ الّتى يذكرُها المستفتى فى سؤاله
على قسمين: الأوّل واقعاتٌ مؤثّرةٌ فى الحكم، وأخرى واقعاتٌ طَرْدِيّةٌ
لامدخلَ ولا تأثيرَ لها فى الحكم. فيجبُ على المفتى أن يُميِّزَ بينهما،
ويُوقِفَ فِكْرَه على الواقعات المؤثّرة فقط. قال الدّبوسيّ رحمه الله تعالى:
"الأصلُ عند أبى حنيفة أنّ من جَمَع فى كلامه بينَ ما يتعلّقُ به الحكمُ وما
لا يتعلّقُ به الحُكم، فلا عبرةَ لما لا يتعلّق به الحكم، والعِبرةُ لما يتعلّقُ به الحُكم،

أصول الإفتاء
٣٠٣
أحكام الإفتاء ومنهجه
والحکم یتعلّق به، فکأنّه لم یذكُرْ فی کلامه سوى ما يتعلّقُ به الحكم."(١)
وقد يُهْمِلُ المُستفتى فى سؤاله ما يتوقّفُ عليه الجوابُ الصّحيح، ويذكرُ
التّفاصيلَ الأخرى التى لاعلاقة لها بالحكم الشرعيّ، وبعبارةٍ أخرى، يذكرُ
الواقعاتِ الطّرديّةَ ولا يذكرُ الواقعاتِ المؤثّرة، مثل ما يفعل كثيرٌ من العوامّ
عند السّؤال عن وقوع الطلاق أنّهم يذكرون واقعاتٍ تتعلّق بالنّزاع بين
الزّوجين، ولا يذكرون الألفاظَ الّتى استُعملت عند إيقاع الطلاق. وحينئذٍ
يجب على المفتى أن يُقيم على السّؤال تنقيحاتٍ، ويطلُبَ من السّائل أن
يُجيبَ عنها على نفس السؤال الذى عَرضه على المفتى، ثمّ يَبْنِى المفتى
جوابَه على ما تنقّح من صورة المسئلة. وربّما يُبيِّن المستفتى بعضَ التّفاصيل
المُهِمّة أمامَ المفتى شِفاهاً، فلا ينبغي للمفتى أن يكتفي بقوله فقط، بل يردّ
إليه السّؤالَ لْيُكْمِله أو يُضيف إليه ذلك التّفصيل، ولا بأسَ أن يُضيفه بقلمه إذا
التمس المستفتى منه ذلك. (٣) قلت: إن لم يكنْ هُناك مجالٌ لإضافة ذلك
التّفصيل فى السّؤال، فيُمكن أيضاً أن يبتدئ المفتى فى جوابه ببيان أنّ السّائلَ
أضافَ هذا التّفصيلَ شفاهاً، فإن كان هذا التّفصيلُ صحيحاً فالحكمُ كذا،
وكثيراما رأيت والدى وشيخى رحمه الله تعالى يفعل مثل ذلك.
وقد لا يتمكّن المُستفتى بسبب قلّةِ علْمِه من أن يُوضِحَ الأُمورَ التى يتوقّف
عليها معرفةُ الحُكم الشّرعيّ، وحينئذ، ينبغى للمفتى أن يتحقّق من تلك
الأمور بطُرقٍ أخرى. ويقعُ مثلُ هذا كثيراً فى الأسئلة عن التّعاملات الجاريةِ
بين النّاس، فإنّ المستفتىَ إنّما يَسْئل عنها حَسْبَ فهمه لها، ولا يَعْبأُ
(١) تأسيس النظر للدبوسي ص ١٢ طبع قرآن محل كراتشى
(٢) دستور العلماء للأحمد نگري ج٤ ص ١٦٠