Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٤ تلخيص قواعد رسم المفتي أصول الإفتاء لم تتنزّل الأحكام الشرعيّة على أفعال المكلّفين إلاّ فى الذِّهن؛ لأنها مُطْلَقاتٌ وعموماتٌ، وما يرجع إلى ذلك منزّلاتٌ على أفعالٍ مطلقاتٍ كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقةً، وإنّما تقع معيّنةً مشخّصةً، فلا يكون الحكمُ واقعاً عليها إلاّ بعد المعرفة بأنّ هذا المعيّنَ يشمله ذلك المطلقُ أو ذلك العامّ، وقد یکون ذلك سهلاً وقد لا يكون، وكلُّه اجتهاد"(١) والأمر الخامس: أنّ الفتوى قد تختلف باختلاف الأشخاص نظراً إلى خصوص أحوالهم، وباختلاف الْعُرفِ وأحوالِ الزّمان حسب تحقيق المناط، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. ء والأمر السّادس: أنّ كثيراً من المسائل الجديدة تنشأ فى كلّ عصر، وحدثت فى عصرنا هذا بصفةٍ خاصّة، حيثُ تغيّرت مناهجُ الحياة إلى حدٍّ كبير عمّا كانت معهودةً فى عهدِ المجتهدين السّابقين. فلا يوجدُ لمثل هذه المسائل ذكرٌ صريحٌ فى كتبهم حتى يُنقلَ بعينه. وإنّما يحتاجُ المفتى المعاصرُ فى معرفة حكمها، إمّا إلى تنزيلها على العمومات الواردة فى كلامهم، أو القياس والاستنباط من نظائرها وأشباهِها. وإنّه عمل دقيقٌ لابدَّ له من بصيرةٍ ثاقبة، وفهم المبادئ الشرعيّة فهماً صحيحاً. ونظراً إلى هذه الأمور السّة، لابدّ للمفتى، وإن كان مقلّدًا، من أن تكونَ له بصيرةٌ فى جميع هذه الأمور. وإنّ مثل هذه البصيرة لا تحصل بمجرّد مطالعة الكتب وحفظ جزئيّات الفقه، وإنّما تحتاج إلى مَلَكةٍ فقهيّةٍ وتجربةٍ لاتكاد تحصل إلاّ بممارسة الفتوى والتمرّنِ عليها لدى أساتذة مهرة. ولذلك قالوا: (١) الموافقات للشاطبي رحمه الله تعالى - (٤: ٨٩ إلى ٩٣) أصول الإفتاء ١٦٥ تلخيص قواعد رسم المفتي ليس كلّ من قرأ الكتب الفقهيّةَ أهلاً للإفتاء حتى يكون قد تدرّب على الإفتاء · بصفةٍ مستقلّة، وشهد له العلماء بأنّه أهل للإفتاء. وقد حكى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّه قال: "ليس كلُ من أحبّ أن يجلس للحديث والفُتيا جلس، حتى يُشاورفيه أهلَ الصّلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس، وما جلست حتى شهد لى سبعون شيخاً من أهل العلم أنّى موضع لذلك. " وقال ابن وهب: وجاء رجلٌ يسأل مالكاً عن مسألة، فبادرابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالك كالمُغضَب وقال له: جَسَرْتَ على أن تُفتى يا عبدالرحمن، يكرّرُها عليه، ما أفتيتُ حتى سألت هل أنا للفتيا موضع؟ فلمّا سكن غضبُه، قيل له: من سألت؟ قال: الزهريَّ وربيعةَ الرأى."(١) وعلى هذا الأساس قال ابن حجر الهَيْتَمِىّ ، كما نقل عنه ابن عابدين رحمهماالله تعالى: "سئل رحمه الله تعالى فى شخص يقرأ ويطالعُ الكتب الفقهيّة بنفسه، ولم يكن له شيخٌ يقرّر له المسائل الدّينيّة والدّنيويّة، ثمّ إنّه يُسأل عن مسائل دينيّة ودنيويّة، فيُفتيهم ويعتمد على مطالعته فى الكتب، ولم يتوقّفْ فيما يُسأل عنه، هل يجوز له ذلك؟ وإذا قلتم بعدم الجواز، فماذا يستحقّه من قِبَل الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم؟ فأجاب، نفع الله تعالى به، بقوله: لا يجوز لهذا المذكور الإفتاءُ بوجهٍ من الوجوه، لآنه عامٍ جاهل، لا یدری ما يقول، بل الذي أخذ العلم عن المشايخ المعتبرین، لا يجوز له أن يُفتِيَ من (١) ترتيب المدارك القاضى عياض ١:١٤٢ أصول الإفتاء ١٦٦ تلخيص قواعد رسم المفتي كتابٍ ولا من كتابين، بل قال النّوويّ رحمه الله تعالى: ولا من عشرةٍ، فإنّ العشرة والعشرين قد يعتمدون كلُّهم على مقالةٍ ضعيفةٍ فى المذهب، فلا يجوز تقليدهم فيها، بخلاف الماهر الذى أخذ العلمَ عن أهله، وصارت له فيه ملكةٌ نفسانيّةٌ، فإنّه يميِّز بين الصّحيح من غيره، ويعلم المسائلَ وما يتعلّق بها على الوجه المعتمد به، فهذا هو الّذي يُفتى النّاس، ويصلُح أن يكون واسطةً بينهم وبين الله تعالى. وأمّا غيره، فيلزمُه إذا تسوّر هذا المنصبَ الشّرِيفَ التّعزيرُ البليغُ، والزّجرُ الشّديدُ الزّاجرُ له ولأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدّی إلی مفاسد لا تُحصى. والله سبحانه وتعالى أعلم. : ١١(١) وقال الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى فى الفقيه والمتفقه: "ينبغي الإمام المسلمين أن يتصفّح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقرّه عليها، ومن لم يكن من أهلها مَنَعه منها ... وأوعده بالعقوبة إن لم ينْتَهِ عنها ... والطّريق للإمام إلى معرفة حال من يُريد نصبه للفتوى أن يسأل عنه أهلَ العلم فى وقته، والمشهورين من فقهاء عصره" وقال مالك رحمه الله تعالى: "ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيئ حتّى يسئل من هو أعلم منه."(٢) ونقل ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّه قال فى آخر منية المفتى: "لو أنّ الرّجل حفظ جميع كتب أصحابنا، لابدّ أن يتتلمذ للفتوى حتّى يهتدى إليه، لأنّ كثيراً من المسائل يُجاب عنه على عادات أهل الزّمان فيما لا يُخالف الشّريعة. "(٣) (١) الفتاوى الفقهية الكبرى -باب القضاء (٤ / ٣٣٢) (٢) كتاب الفقيه والمتفقّه للخطيب البغداديّ رحمه الله، باب القول فيمن تصدّى لفتاوى العامّة، ٢: ٣٠ و ٣١ (٣) شرح عقود رسم المفتى، رسائل ابن عابدين ١:٤٥ أصول الإفتاء ١٦٧ تلخيص قواعد رسم المفتي وفى ضوء أقوالِ السّلف هذه لا ينبغى أن ينتصبَ الرّجلُ للفتوى إلَّا إذا أجازه بذلك مشايخُه وأساتذتُه. الأصل الثانى إذا كانتِ المسألة ليس فيها إلاّ قولٌ واحدٌ للفقهاء الحنفيّة، المتقدّمين منهم والمتأخّرين، تعيّن الأخذ به. إنّ تقسيمَ المسائل إلى طبقاتٍ مختلفة إنّما يؤثّر فى المسائل التى وجدت فيها أقوالٌ مختلفةٌ فى المذهب، فأمّا إذا لم يكن في المسئلة إلا قولٌ واحد، يتعيّن الأخذُ به سواءٌ أكانت تلك المسئلةُ من ظاهر الرواية أم من النّوادر أو الواقعاتِ والفتاوى، إلاّ إذا عُلِمٍ بالبداهةِ أنّ تلكَ المسئلةَ معلولةٌ بعلّةٍ قد فُقِدت، كما سيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. الأصل الثالث إذا كان فى المسئلة قولان أو روايتان عن الإمام أبى حنيفة، أُخذ بالآخر منهما، أو بما ثبت اختياره من قِبَل الإمام. وإن لم يثبت منه اختيارٌ عُمِل بما اختاره الإمام أبو يوسف، ثمّ بما اختاره الإمام محمّد، ثمّ بما اختاره زفروالحسن بن زياد رحمهم الله تعالى. أمّا إذا كان هناك اختلافٌ بين اختيار أبى حنيفة، واختيار صاحبيه، فإن كان المفتى من أهل الاجتهاد، يتخيّر، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، يأخذ بقول الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى. أصول الإفتاء ١٦٨ تلخيص قواعد رسم المفتي الواقعُ أنه قد تُنسَب إلى الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى أقوالٌ أو رواياتٌ كثيرةٌ ربما تبدو متعارضة. وله حالات: الحالة الأولى: أنّ الإمام رحمه الله تعالى ذهب إلى قولٍ فى بداية الأمر، ثمّ رجعَ عن قوله ذلك إلى قوله الآخر، كما روى عنه فى مسئلة الوضوء بالنّبيذ وغيرها. فالأصل أن يؤخذ بقوله الأخير الذى رجع إليه. والحالة الثانية: ماذكره ابنُ عابدين رحمه الله تعالى من أنّه قد لا يترجّح عنده أحد القولين، فيستوى رأيُه فيهما. ولذا تراهم يحكُون عنه فى مسئلةٍ القولَين على وجهٍ يُفيد تساويَهما عنده، فيقولون: وفى المسئلة عنه روايتان أو قولان.(١) وإن لم يثبت عن الإمام اختيارُ أحدِ القولين وترجيحه فى مثل هذا، فالأصلُ الذى مشى عليه فقهاءُ الحنفيّة، وذكره ابن عابدين فى منظومة رسم المفتى، أنّه يؤخذُ بما اختاره الإمام أبويوسف، وإن لم يثبت منه اختيار، يؤخذ بما اختاره الإمام محمّد، ثمّ بما اختاره الإمام زفر والحسن بن زياد رحمهم الله جمیعا، فهما فی مرتبةٍ واحدة، وقيل: زفر مقدّمٌ على الحسن بن زياد. والحالة الثالثة: ماثبت عن أصحابه من الإمام أبى يوسف ومحمّد وزفر والحسن بن زياد رحمهم الله تعالى من أنّهم لم يقولوا قولاً إلاّ وهو روايةٌ عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقد نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن الحاوى القدسيّ: "روى عن جميع أصحابه الكبار كأبى يوسف ومحمّد وزفر والحسن أنّهم قالوا: ما قُلنا فى مسئلةٍ قولاً إلاّ وهو روايتنا عن أبى حنيفة، وأقسمُوا عليه أيماناً غلاظاً، فلمْ يتحقّق إذن فى الفقه جوابٌ ولا !! (٢) مذهبٌ إلاّله كيف ما كان، وما نُسِب إلى غيره إلاَّ بطريق المجاز للموافقة.؟ (١) شرح عقود رسم المفتى ص٣٥ (٢) شرح عقود رسم المفتي ص ٣٨ أصول الإفتاء ١٦٩ تلخيص قواعد رسم المفتي ومعناه، على ما حقّقه العلاّمة الكوثريّ رحمه الله تعالى، أنّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يُبدى أمامَ تلامذته احتمالاتٍ مختلفةً فى مسئلةٍ واحدة، وكان أصحابُه يأخذون بأحد هذه الاحتمالات. فكأنّ كلّ واحدٍ منها روايةٌ عنه، لأنّه هو الذى أثار تلك الاحتمالات بأدلتها. ونحكى هنا كلام العلاّمة الكوثريّ رحمه الله تعالى بلفظه لما فيه من فوائد. قال رحمه الله تعالى: "ومنشأ ادعاء أنّ تلك الأقوال کلّها أقوالُ أبى حنيفة، هو ما کان یجری علیه أبو حنيفة فى تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة فى مسألةٍ وانتصاره له بأدلة، ثمّ كرّروه بالرّدّ عليه بنقض أدلته، وبترجيحه الاحتمالَ الثّانيَ بأدلّةٍ أخرى، ثمّ نقضِها بترجيح احتمالٍ ثالثٍ بأدلّة، تدريباً لأصحابه على التفقّه على خُطواتٍ ومراحلَ إلى أن يستقرّ الحكمُ المتعيّن فى نهاية التّمحيص، ويدوَّن فى الدّيوانِ فى عداد المسائل الممحّصة، فمنهم من ترجّح عنده غيرُ ما استقرّ عليه الأمر من تلك الأقوال باجتهاده الخاصّ، فیکونُ هذا المترجّحُ عنده قوله من وجهٍ، وقول أبى حنيفة من وجهٍ آخر، من حيثُ إنّه هو الذى أثار هذا الاحتمال ودّل عليه أولاً وإن عَدَل عنه أخيراً. ومصداقُ ذلك ما أخرجه ابن أبى العَوَّامِ(١) عن محمد بن أحمد بن حمّاد (١) ابن أبى العوّام: هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث بن أبى العوّام السعديّ، قاضى مصر، روى عن الإمام أبى جعفر الطحاويّ، وأبى بشر الدّولابيّ وغيرهما. وقد ذكر جملة من المترجمين ترجمة حفيده أبى العباس أحمد بن محمّد بن عبد الله بشيئ من التفصيل، ونسبوا كتاب "فضائل أبى حنيفة" إليه، وأوضح الحال فضيلة الشيخ العلامة لطيف الرحمن البهرائیجيّ قائلاً: "أصل الكتاب لأبى القاسم جدّ أبى العباس ... وأبو العباس روى عنه بواسطة أبيه أبى عبد الله محمد بن عبد الله. وجاء من قبله زيادات مثل "الموطّا" و "الآثار" للإمام محمد بن الحسن الشّيبانيّ رحمه الله." تُوُفّي رحمه الله سنة ٣٣٥ هـ. (ليراجع مقدمة المحقّق لكتاب "فضائل أبى حنيفة وأخباره ومناقبه" لفضيلة الشيخ العلامة لطيف الرّحمن البهرائجي) أصول الإفتاء ١٧٠ تلخيص قواعد رسم المفتي عن محمّد بن شجاع سمعتُ الحسن بن أبي مالك وعبّاس بن الوليد وبشر بن الوليد وأبا عليّ الرازيّ يقولون: سمعنا أبا يوسف يقول: " ما قلتُ قولاً خالفتُ فيه أبا حنيفة إلاّ وهو قولٌ قد قاله أبو حنيفة ثمّ رَغِب عنه."(١) اهـ وحكى الكَرْدَرُّ (٢) عن النّيسابوريّ: أنّ أبا يوسف لمّا وليَ القضاءَ دخل عليه إسماعيل بن حمّاد بن الإمام، وتقدّم إليه خصمان، فلما جاء أوانٌ الحكم، قضى برأي الإمام. فقال له: كنتَ تُخالف الإمام فى هذا. قال: إنّما كُنّا تخالفه لنستخرجَ ما عنده من العلم، فإذا جاء أوانُ الحكم ما يرتفع رأيُنا على رأي الشيخ. "(٣) اهـ ومثلُه عن محمّد بن الحسن. وأخرج ابن أبى العَوَّام عن إبراهيم بن أحمد بن سهل عن القاسم بن غسّان عن أبيه عن أبى سليمان الجَوْزَجَانيّ عن محمّد بن الحسن قال: كان أبو حنيفة قد حمُّل إلى بغداد، فاجتمع أصحابُه جميعاً، وفيهم أبو يوسف وزفر وأسد بن عمرو وعامّةُ الفقهاء المتقدّمين من أصحابه، فعمِلوا مسألةً أيّدوها بالحجاج ونتنوّقوا (٤) فى تقويمها، وقالوا نسألُ أبا حنيفةَ أوَّلَ ما يقدَم. فلمّا قدِم أبو حنيفة كان أوّلُ مسألةٍ سُئل عنها تلك المسألةَ، فأجابهم بغير ما عندهم، (١) راجع فضائل أبى حنيفة لابن أبى العوّام، معرفة نسب أبى يوسف ص٣٠٣ فقرة٦٩٨ طبع المكتبة الإمدادية ١٤٣١هـ (٢) الكَردَريّ (صاحب المناقب): هو محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردريّ البريقيني الخوارزمي الشهير بالبزازى: من أئمة فقهاء الحنفيّة. أصله من "كردر" بجهات خوارزم. تنقّل في بلاد القرم والبلغار وحجّ، واشتهر. وكان يفتي بكفر "تيمورلنك" من كتبه الجامع الوجيز المعروف ب"الفتاوى البزّازيّة"، والمناقب الكردرية" في سيرة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، و"مختصر في بيان تعريفات الاحكام" و"آداب القضاء". توفّي رحمه الله سنة ٨٢٧ هـ. (ليراجع الأعلام ٧: ٤٥) (٣) راجع مناقب أبى حنيفة الكردريّ ص ٤٠٥ (٤) أى تحوّدوا وبالغوا، كما فى القاموس. أصول الإفتاء ١٧١ تلخيص قواعد رسم المفتي فصاحُوا به من نواحى الحلقة: يا أبا حنيفة! بلَّدَتْك الغُربة(١). فقال لهم: رفقاً رفقاً! ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القولُ. قال: بحُجّةٍ أم بغير حُجّة؟ قالوا: بل بحجّة. قال: هاتوا! فناظرهم فغَلبَهم بالحِجاج، حتّى ردّهم إلى قوله، وأذْعَنوا أنّ الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن؟ قالوا: نعم. قال: فما تقولون فيمن يزعم أنّ قولكم هو الصّواب، وأنّ هذا القولَ خطأ؟ قالوا: لا يكونُ ذلك، قد صحّ هذا القول، فناظَرَهم حتّى ردّهم عن القول، فقالوا: يا أبا حنيفة! ظلمتَنَا، والصّوابُ كان معنا. قال: فما تقولون فيمن يزعم أنّ هذا القولَ خطأ والأوّلَ خطأ، والصّوابُ فى قولٍ ثالث؟ فقالوا: هذا ما لا يكون. قال: فاستمعوا، واخترعَ قولاً ثالثاً، وناظرهم عليه، حتّى ردّهم إليه فأذعنوا وقالوا: يا أبا حنيفة! علمنا. قال: الصّوابُ هو القولُ الأوّل الذى أجبتُكم به لعلّةٍ كذا وكذا، وهذه المسألةُ لا تخرج من هذه الثّلاثة الأنحاء، ولكلٍّ منها وجهٌ فى الفقه ومذهبٌ، وهذا الصواب، فخذوه وارفضوا ما سواه. (٢) اهـ "وهكذا كان تدريبُه لأصحابه على الفقه وتمرينُه على مدارج التّفقّه، فمثلُه يكون كثيرَ الذّكر للاحتمالاتِ فى المسائل، وقد يترجّحُ عند هذا ما لا يترجّح عند ذاك من أصحابِه، فيكونُ هو مُثِيرَ أغلبِ تلك الاحتمالات، ١٩(٣) فمُعْظَمُ تلك المسائلِ الخلافيّة من تذكير الإمام لأصحابه." (١) يعنون أنّ غربتك أى كونك فى غير وطنك أوقعتك فى حيرة، إذ لم تتّجه إلى الصواب. وفى تاج العروس: "بلّد الرّجل تبيليداً إذا لم يتّجه لشيئ، وبّد الإنسانُ إذا بخل ولم يَحُد، وبَّد الرّجل لحقته حيرةٌ، وضرب بنفسه الأرض إعياءً. وفى لسان العرب: "بُّد الرّجل: إذا لم يتّجه لشبئٍ وبّد: إذا نگّس فى العمل وضعف، حتى فى الجري. (٢) فضائل أبى حنيفة لابن أبى العوّام ص ١١١ فقر١٧٨٥ (٣) حسن التقاضى فى سيرة الإمام أبى يوسف القاضى رحمه الله تعالى ص٦٠ إلى ٦٢ أصول الإفتاء ١٧٢ تلخيص قواعد رسم المفتي والحاصلُ أنّ أصحاب الإمام أبى حنيفة رحمهم الله تعالى إنّما اختاروا فى كلّ مسئلةٍ من أحد الاحتمالات التى أثارها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ثمّ ما استقرّ عليه رأى الإمام صار مذهباً له، وما استقر عليه رأى أحدٍ أصحابه، نُسِب إلیه. وفى هذه الحالة، إن اختلف أقوالُ أصحابِه عمّا استقر عليه رأى الإمام، فإنّ فيه ثلاثة أقوال: الأوّل أنّه يؤخذ بقولِ الإمام أبى حنيفة فقط، والثّانى: أنّ المفتىَ مخيّرُ فى أخذِ ما شاء منها، والثّالث: أنّه إن كان المفتى من أهل الاجتهاد، يتخيّر، وإن لم يكن من أهال الاجتهاد، يتّبع قولَ الإمام. وهذا هو الصّحيح. ونقل ابنُ عابدين عن البيريّ(١) رحمه الله تعالى قال: "والمراد بالاجتهاد أحد الاجتهادين، وهو مجتهد فى المذهب، وعُرف بأنّه المتمكّن من تخريج الوجوه على منصوص إمامه، أو المتبحّر فى مذهبِ إمامه، المتمكّنُ من ترجيحِ قولٍ له على آخر. "(٢) الأصل الرابع: المفتى المقلّد يُفتى بما رجّحه أصحابُ التّرجيح من مشايخ الحنفيّة، ولا يأخذُ بالأقوال المرجوحة. (١) العلّامة البيريّ: هو إبراهيم بن حسين بن أحمد بن محمد بن أحمد بن بيري، (نسبة إلى البيرة وهى: موطنه) مفتى مكّة، ولد فى المدينة المنوّرة سنة ١٠٢٠ هـ [وقال فى خلاصة الأثر: "كانت ولادته في المدينة المنورة فى نيف وعشرين وألف"] وتوفّي (رحمه الله) مكّة سنة ١٠٩٩ هـ، ودفن بالمعلّة. (كذا على ظهر النّسخة المخطوطة لشرح العلامة البيري رحمه الله على الأشباه والنظائر. (٢) شرح عقود رسم المفتى ص ٤٦ أصول الإفتاء ١٧٣ تلخيص قواعد رسم المفتي لاشك أنّ الأصلَ فى مذهب الحنفيّة أنّ الفتوى على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى كما فصّلناه فى الأصل الثّالث، ولكنّ أصحابَ التّرجيح فى المذهب قد يُرجِّحون مسائلَ بخلاف ذلك، وذلك لأنّهم، كما قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "اطّلعُوا على دليل الإمام، وعرفوا من أين قال؟ واطّلعوا على دليل أصحابه، فقد يُرجّحون دليلَ أصحابه على دليله، فيُفتون به. ولا يُظنُّ بهم أنّهم عدلوا عن قوله لجهلهم بدلیله، فإنّا نراهم قد شحنُوا کتبهم بنصب الأدلة، ثمّ يقولون: الفتوى على قول أبى يوسف مثلاً. وحيث لم نكن نحنُ أهلاً للنّظر فى الدّليل، ولم نَصِلْ إلى رُتْبِتِهم فى حصول شرائط التّفريع والتّأصيل، فعلينا حكايةُ ما ينقُلونه، لأَنّهم هُم أتباعُ المذهب الّذين نصَبوا أَنفُسَهم لتقريره وتحريره باجتهادهم."(١) والحاصلُ أنّ أصحابَ التّرجيح لهم صفتان: الأولى أنّهم نصبوا أنفسَهم لتنقيحِ مذهب الحنفيّة وتحريره، والثّانية أنّهم من أهل الاجتهاد الذين هم مخاطّبون لقول الإمام أبى حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى: "لا يحل لأحدٍ أن يُفتىَ بقولنا حتى يعلمَ من أين قلنا؟" وبما أنّ جميعَ أقوالِ أصحاب أبى حنيفةَ روايةٌ عنه أيضاً، كما سبق تفصيلُه فى الأصل الثّالث، فهم يأخذون منها ما يترجّح دليلُه عندهم. فالمسئلةُ الّتى رجّحها هؤلاء يجبُ على المفتى المقلّد اتّباعُها، سواءٌ أكان المرجّح قولاً للإمام الأعظم، أم لأحدٍ من أضحابه، فھُم يرجحون مذهب الصّاحبین تارةً، ومذهب أحدهما أخری، بل رجحوا. قولَ زُفر رحمه الله تعالى فى عشرين مسئلةً ذكرها ابنُ عابدين ونَظَمها فى (١) شرح عقود رسم المفتى ص ٥٠ الصافى أصول الإفتاء ١٧٤٠ تلخيص قواعد رسم المفتي ٤ باب النّفقة من ردّالمحتار. فما رجحه أصحابُ التّرجيح مقدّمٌ على كلّ ما سواه، لأنّهم مع شدّةٍ وَرَعِهم والتزامهم بالمذهب، رجحوا هذا القول لأسبابٍ وَضَحتْ لهم من قوّة الدليل، ومن ضرورةِ الناس، وتغيُّر الزّمان والعُرف و غير ذلك، فالعملُ بترجيحِهم أولى. وعلى هذا، فلا يجوز العمل أو الإفتاء بالمرجوح، إلاّ فى بعض المواضع، وسيأتى إن شاء الله تعالى بيانُها فى الأصل الحادى عشر. الأصل الخامس يجب على المفتى أن لا يعتمدَ إلاّ على الكتب المعتبرة فى المذهب، ولا يعتمدَ بأقوالٍ منقولةٍ فى كتب غير معتبرة. إنّ من أهمِّ ما يُشترط للمفتى أن يعرف الكتبَ المعتمدةَ من غيرها. والكتب المعتمدة فى المذهب هي الّتي عوّل عليها المتبحّرون من أصحاب المذهب، وتناولوها بالثّقة والاعتماد، وأفتوا بها، وقد ذكر غيرُ واحدٍ من الفقهاء كتباً لا يجوزُ الإفتاء بمسائلها ما لم يُعرف مأخذُها أو دليلُها. وقد عدّ العلاّمة ابنُ عابدين رحمه الله تعالى منها: شرح الثّقاية للقُهِستاني المسمّى بجامع الرّموز، والدّرّ المختار، والأشباه والنّظائر، وشرح الكنز لمنلا مِسْكين، والقِنْيَة للزّاهديّ، والنّهر الفائق لابن نُجيم(١)، وشرح الكنز للعينيّ. (١) هو عمر بن إبراهيم بن محمد المنعوت بسراج الدين، الشهير بابن نجيم الحنفي المصري الفقيه المحقق. أخذ العلم عن أخيه الشيخ زين الدين، صاحب البحر الرائق، وألف كتابه الذي سماه ب"النهر الفائق" شرح الكتر، ضاهى به كتاب أخيه البحر الرائق. وله فيه مناقشات على شرح أخيه. وله غيره من الرسائل والتأليف. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول سنة ١٠٠٥ هـ بدرب الأتراك. (ملخصا من خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٢:٢٤٧ المكتبة الشاملة) أصول الإفتاء ١٧٥ تلخيص قواعد رسم المفتي وضمّ إليها بعضُهم السّراجَ الوهاج، والجوهرةَ النّيّرة شرح القدوريّ، وکنز العُبّاد فى شرح الأوراد لعليّ بن أحمد الغَوْرِيّ، وخزانة الروايات، وخلاصةً الكَيْدَانِيّ، والحاوى للزّاهديّ، والفتاوى الصّوفية، وفتاوى الطّوريّ وغيرها. ولا بدّمن معرفة وجوهٍ كونها غيرَ معتبرة، وهي متعدّدة: الوجه الأول: عدم الاطلاع على حال مؤلفه ربما يكون الكتاب غير معتبرٍ لعدم معرفة حال المؤلّف، فإنّه لا يُعرف هل كان فقيهاً موثوقاً به أم جامعاً للرّطْب واليابس. فمنها: خلاصةُ الکَیْدَانِيّ، فإنّه لا يُعرفُ مؤلّفُه، وقد ثبت أنّه ذکر فیها رواياتٍ واهية، بالرّغم من أنّ الكتاب كان متداولاً فى بلاد ماوراء النّهر حفظاً وتدريساً. ومنها: خِزَانةُ الرّوايات، فإنّ مؤلّفَه غيرُ معروف، وقد نسبه صاحب "كشف الظّنون" إلى قاضي جَكَن الهنديّ الكجراتي،(١) ولا يُعرفُ حاله. ويوجدُ فيها أيضاً رواياتٌ واهيةُ غيرُ موثوق بها. ومنها كُتب القُهِسْتَانِيّ، فإنّها وإن تداولها النّاس، ولكنّه رجلٌ لا يُعرف حاله، وقد جاء فى كشف الظّنون عن المولى عصام الدّين رحمه الله تعالى أنّه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الھَروي،(٢)، وإنما کان دلال الکتب فی زمانه، (١) كشف الظنون ١:٧٠١ (٢) الظاهر نظراً إلى عصر العلاّمة القُهستانيّ (المتوفّى حوالى سنة ٩٥٠ أو ٩٦٠ من الهجرة) أنّ المراد بشيخ الإسلام الهرويّ هنا هو أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدّين مسعود بن عمر. التفتازانيّ، المعروف بحفيد السعد التفتازانيّ، سيف الدّين الحنفيّ (عند صاحب هديّة العارفين، وقال الزّركليّ: "من فقهاء الشّافعيّة" ويبدو أنّ القول الأوّل هو الصحيح كما يظهر من خدمته لكتب الحنفيّة فى تصانيفه الآتى ذكرها . والله سبحانه أعلم.) وذلك لكونهما فى عصر واحد تقريباً كما يظهر من سنّ استشهاد شيخ الإسلام وهي سنة ٩١٦ هـ وقيل سنة ٩٠٦ هـ، = :..... أصول الإفتاء ١٧٦ تلخيص قواعد رسم المفتي ولا كان يُعرف بالفقه من بين أقرانه، فجمع فى شرحه هذا بين الغثِّ والسّمين من غير تصحيح ولا تدقيق. ومنها: شرح الكنز لملاّ مسكين. ويُقال: إنّه فقيه من علماءِ الحنفيّة من أهل هراة، وسكن سمرقند، وفرغ من تأليفه سنة ٨١١ هـ(١) ولكن لا يُعرف حالُه أکثرمن ذلك. الوجه الثاني : جمع المؤلف رواياتٍ ضعيفة الوجه الثّاني فى كون الكتاب غير معتبر: أن يجمع مؤلّفُه رواياتٍ ضعيفة. وحاصلُه أنّ مؤلّفي هذه الكتب، وإن كانوا معروفين بالعلم والفقه، ولكنهم لم يلتزموا في هذه الكتب بالاقتصار علي الروايات الصحيحة، بل نقلوا كلّ ما وجدوا من قولٍ أو روايةٍ من غير تحقيقٍ أو تنقيح. فمنها: القِنْية للزّاهديّ؛ فإنّ مؤلّفَه مختار بن محمود بن محمد أبوالرجاء نجم الدّين الزّاهديّ معروفٌ بكونه عالماً، وهو معتزليّ الإعتقاد حنفيُّ الفروع، كان من غزمين قصبةٍ من قصبات خَوارِزْم. وقال الشّيخ اللكنويّ رحمه الله تعالى: "كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء ... وهو مع جلالته متساهل فى نقل الرّوايات." وقد ذكر قبل كلّ مسئلةٍ رمزاً لمأخذ تلك المسألة، وقد شرح الرموز في مقدّمة كتابه. = وكان رحمه الله رئيس العلماء بهراة وقاضيها لثلاثين عاماً، ولما دخلها الشّاه إسماعيل بن حيدر الصفويّ كان الحفيد ممن جلسوا لاستقباله فى دار الإمارة، ولكنّ الوُشاة اّموه عند الشّاه بالتّعصُّب، فأمر بقتله فاستُشهد مع جماعة من علماء هراة ، ولم يُعرَف له ذنب، وتُعت بالشهيد. من تصانيفه الفقهية: تعليقة على أوائل الهداية، وحاشية على شرح الوقاية، وشرح فرائض السّراجية، (ملخص من الأعلام ١: ٢٧٠ وهديّة العارفين ١: ١٣٨ و٢: ٥٢٩) (١) الأعلام للزر كلى ٦:٢٣٧ أصول الإفتاء ١٧٧ تلخيص قواعد رسم المفتي وذكر في هذا الفهرست أسماءَ كتبٍ غريبةٍ لا يُسمع عنها خبر. نعم! إذا كانت المسألةُ في القِنية منقولةً من المآخذ المعتبرة، فلا بأس بالإعتماد عليها. ومِنَ الرّواياتِ الضّعيفة الّتى نقلها الزّاهدي: أنّ الكُخْل يجب تركُه يومَ عاشوراء. وذكر الطّحطاويّ في باب ما يُفسد الصوم من شرحه للدّرّ المختار: أنّ هذا لا يُعوِّل عليه، لأنّ "القِنية" ليست من الكتب المعتبرة. (١) وكذلك كتابُه "الحاوي" معروفٌ بنقل رواياتٍ ضعيفة،(٢) ولذا قال ابنُ وَهْبَان(٣) وغيره: "إنه لاعبرةَ بما يقوله الزّاهدىّ مخالفاً لغيره." كما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى في كتاب الإجارة من تنقيح الحامديّة. (٤) وإضافةً إلى ذلك فقد ظهرَ اعتزالُه فى بعض المسائل، كما أنّه ردّ على صاحب الهداية فى مسئلة إهداء الثّواب، ورجّح أنّه لا يجوز إهداء ثواب أي عمل لآخر. (١) حاشية الطحطاوى على الدر المختار، أواخر باب ما يُفسد الصوم، ١:٤٦٠ (٢) وهناك كتاب آخر "الحاوى القدسيّ" وهو كتاب معتبر للقاضى جمال الدّين الغزّى الحنفىّ، فإنّه من الكتب المعتبرة، وإنّما قيل له القدسيّ لأنّه ◌ُلّفه فى القدس. (٣) هو عبد الوهّاب بن أحمدٍ بن وَهْبَان، قاضى القضاة أمين الدّولة، أبو محمد الدمشقيّ. وُلد رحمه الله قبل سنة ٧٣٠ هـ وأخذ الفقه عن فخر الدّين أحمد بن عليّ بن الفصيح رحمهم الله تعالى وعن علماء الشام حتّى بلغ رتبة الكمال وبرع فى العربيّة والفقه والقرآن والأدب. ولي قضاء حماة . صنّف " قيد الشرائد" منظومة ألف بيت، ضمنها غرائب المسائل فى الفقه، والمشهور باسم منظومة ابن وهبان، و "عقد القائد " شرح "قيد الشرائد" و" أحاسن الاخبار في محاسن السبعة الاخيار" يعني القرّاء السّبعة، و" المتثال الأمر في قراءة أبي عمرو" منظومة فى ١٢٧ بيتاً، كما له شرح على "درر البحار" للعلامة محمد بن يوسف القونويّ، وتوفّي رحمه الله فى حياة العلامة القونويّ في ذى الحجّة سنة ٧٦٨ هـ. (ملخص من الفوائد البهيّة ص١١٣ إلى ١١٥ والأعلام ٤: ١٨٠) (٤) تنقيح الفتاوى الحامديّة، كتاب الإجارة، مطلب: قال للقارئ "اختم لى القرآن او لأبى"، ٢:١٢٧ أصول الإفتاء ١٧٨ تلخيص قواعد رسم المفتي فلمّا ذكر الحَصْكَفِيّ(١) رحمه الله تعالى مسئلةَ إهداء الثّواب، قال: "ولقد أفصحَ الزّاهديُّ عن اعتزالِه هُنا." وقال ابنُ عابدين تحته: "حيثُ قال فى المجتبى بعد ذكره عبارةَ الهداية: "قلت: ومذهب أهل العدل والتّوحيد أنّه ليس له ذلك الخ" فعدل عن الهداية، وسمى أهل عقيدته بأهل العدل والتّوحيد لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى وأنّه لو لم يفعل ذلك، لكان جوراً منه تعالى. "(٢) والعياذ بالله من ذلك. وقد عدّ العلماءُ المتأخّرون "المحيطَ البُرهانيّ" من هذا القسم، فإنّ مؤلّفَه وإن كان من أعيانِ العلماء الحنفيّة، حتي عُدّ من المجتهدين في المسائل، ولكن نصّ الفقهاءُ كابنٍ نُجيم وابن هُمام بأنّه لا يجوز الإفتاء به، وعلّله بعضهم بكونه جامعاً للرطب واليابس، ولكن ذكر العلامة اللّکنوي رحمه الله تعالى هذا الكلامَ من هؤلاء العلماء، ثمّ كتب في حاشية "النّافع الكبير" ص١٩ ما نصّه: "وقد وفّقني الله بعد كتابةٍ هذه الرسالة بمطالعة المحيط البرهانيّ، فرأيتُه ليس جامعاً للرّطب واليابس، بل فيه مسائلُ منقّحةٌ وتفاريعُ مرصّصة، ثمّ تأمّلتُ في عبارة فتح القدير وعبارة ابن نُجيم، فعَلِمتُ أنّ المنعَ (١) العلّامة الحصكفيّ: محمد بن عليّ بن محمد الحصيني المعروف بعلاء الدين الحصكفي، نسبةٌ إلى . "حصن كيفا". قال الحموى فى معجم البلدان (٢: ٢٦٥): "هي بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر." هو صاحب "الدّر المختار" الّذي طار له صيت حسن بين العلماء والفقهاء، واعتُنِي بشرح وإيضاح من قبلهم عناية بالغة. كان مفتيَ الحنفيّة في دمشق. ولد بها سنة ١٠٢٥ هـ. وكان فاضلا عالي الهمة، عاكفا على التدريس والإفادة. ومن كتبه "إفاضة الانوار على أصول المنار" و"الدر المنتقى" شرح ملتقى الأبحر و"شرح قطر الندى" فى النّحو. توفّي رحمه الله بدمشق سنة ١٠٨٨ هـ. (ملخص من الأعلام ٦: ٢٩٤) (٢) ردّالمحتار، كتاب الحجّ، باب الحجّ عن الغير ٧:٣٨٧ فقره ١٠٨٩٣ أصول الإفتاء ١٧٩ تلخيص قواعد رسم المفتي من الإفتاءِ منه ليس لكونه جامعاً للغثّ والسّمين، بل لكونه مفقوداً نادرَ الوجود في ذلك العصر. وهذا الأمر يختلف باختلاف الزمان." وعليه، فذكره الفقهاءُ المتأخّرون فى جملة الكتب التى لايُفتى بها لكونه من القسم الرابع الآتى، لا فى هذا القسم. ولكن قد طُبع هذا الكتاب اليومَ بفضل الله تعالى فى خمسة وعشرين مجدّداً، وقد حقّقه ابن أختى الفاضل الشّيخ نعيم أشرف حفظه الله تعالى بمقابلة عدة نُسخ خطّة حصل عليها من مكتبات متفرّقة، وقد طالعتُ منه قدراً يُعتدُّ به، وإنّه ذكر فى جميع الأبواب مسائلَ ظاهر الرّواية، ثمّ مسائلَ النّوادر، ثمّ النّوازل والفتاوى بترتيبٍ جيّد، فلا يُمكن القولُ بأنّه خلط بين الرَّطب واليابس. نعم! توجد فيها رواياتُ النّوادر، ولكنّها ممتازةٌ كلَّ الامتياز عن ظاهر الرّواية، فيُطبّق عليها ماذكرنا من أحكام النّوادر، دون أن يقع أيُّ التباس أواشتباه. فينبغى أن يُعدّ هذا الكتابُ من أمّهات الكتب المعتبرة. ومنها: "كنز العُبّاد في شرح الأوراد"(١) لعليّ بن أحمد الغَوْريّ؛ فإنّه مملوءٌ من مسائلَ واهيةٍ و أحاديثَ موضوعةٍ لا عبرةَ لها عند الفقهاء ولا عند المحدثين. وكذلك يندرج في هذا القسم "مطالب المؤمنين" و"الفتاوي الصّوفيّة" و"فتاوي الطّوريّ" وفتاوي ابن نجيم كما ذكره العلامة اللّكنويّ رحمه الله تعالى في "النافع الكبير" ١ وحكمُ هذين القسمين أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفاً للكتب المعتمدة، (١) ورد فى كشف الظنون ٢:١٥١٧ أنه مجموعة أوراد الشيخ شهاب الدين السهرورديّ رحمه الله تعالى، والشرح لبعض المشايخ فى مجلد منقول من كتب الفتاوى والواقعات، وهو شرح فارسيّ لعلى بن أحمد الغوري. أصول الإفتاء ١٨٠ تلخيص قواعد رسم المفتي فأمّا ما وُجد فيها ولم يوجدْ في غيرها، فيُتوقّفُ فيه، فإن دخل ذلك في أصل شرعيّ، ولم يخالف أصلاً فقهيّاً، فلا بأس بالأخذ به، وإن لم يدخُل لم يجز الأخذ أو الإفتاء به. الوجه الثالث: الاختصار المُخلّ بالفهم. إنّ هناكَ كتباً لا شكّ في جلالة قدرها والثّقةِ علي مؤلّفيها، ولكن يوجدُ فيها إيجازٌ مُخِلٌ بالفهم، ولذلك قال العلماء: إنّه لا يجوز الإفتاء منها، كالدّرّ المختار، والأشباه والنظائر وغيرها من الكتب الموجزة، ولكن ليس معناه أنّ هذه الكتبَ غيرُ معتبرةٍ فى نفسها، ولكنّها لمِاَ فيها من الإيجاز لا يأمنُ المفتى من الوقوع فى الغلط إذا اقتصر عليها. وحكم هذا القسم أن لا يُفتى منها إلاّ بعدَ نظرٍ غائرٍ وفكرٍ دائر ومراجعةٍ شروحها وحواشيها، فإن تيقّن المفتي بعد ذلك بمرادها، فلا بأسَ حينئذٍ بالإفتاء منها. وقد ذكر العلامة ابن عابدين رحمه الله في شرح عقود رسم المفتى: أنّ الدّر المختار والأشباه والنّظائر تشتمل علي سقْطٍ فى النّقل فى مواضعَ كثيرة، وترجيح ما هو خلافٌ الرّاجح، بل ترجيحُ ما هو مذهبُ الغير ممّا لم يقُل به أحدٌ من أهل المذهب، وعلى هذا، فإنّ هذه الكتبَ داخلةٌ فى القسم الثّاني أيضاً.(١) الوجه الرابع: النّدرة والنفاد هناك كثيرٌ من الكتب الفقهيّة الّتى كانت معتمَدةً متداولةً في زمنها، ولکن نفدت نسخُها بحيث لا توجد هذه النُسخ إلاّ نادراً. وحكم هذا القسم أنّه لا ينبغى للمفتى أن يتعجّل فى الاعتماد عليه ما لم يتبيّن بالدلائل القويّةِ أنّ هذه (١) شرح عقودرسم المفتى ص ١٧ أصول الإفتاء ١٨١ تلخيص قواعد رسم المفتي النُّسخةَ وصلت إلينا سالمةً من التّحريف. فإن تبيّن ذلك بقرائنَ واضحةٍ و شواهدَ قويّةٍ فلا بأس حينئذٍ بالاعتماد عليها، وقد ظهرتْ فى زماننا كتبٌ قديمةٌ كانت نافدةً منذ زمان، ويطبعُها النّاشرون من نسخةٍ خطية ظفِروا بها، فإن كان أصلُ المطبوع نسخةً واحدةً فقط، من غير أن يتّصل سندُها إلى المؤلّف فينبغي التثبّتُ فى الاعتماد عليها. ولكن هناك كتبٌ نشرها العلماء بتحقيق وتصحيح بعد مقابلة نُسَخ خطّية متعدّدة قد حصلت من أماكنَ مختلفة، فلا بأس حينئذٍ بالاعتماد على مثل هذه النسخ المطبوعة.(١) وتندرج فى هذا القسم كتبٌ لا توجد نسخُها الصّحيحة، فإنّها وإن كانت متداولةً فيما بين النّاس، ولكنّها مملوءةٌ من أغلاط النَّسّاخ والطّابعين، ككتاب "النوازل" للفقيه أبي الليث، و"البناية شرح الهداية" للعينيّ، فإن نُسخ هذين الكتابين (الموجودة فى ديارنا) مليئةٌ بالأخطاء المطبعيّة بما يتعسّر منه فهمُ المراد، وربّما ينقلب المعنى. فلا يُعتمد عليها إلاّ بعد أن تتحقّق صحّة النُّسخة. الوجه الخامس: الشكّ في نسبة الكتاب إلى المؤلف هناك كتبٌ منسوبةٌ إلى المؤلّفين المعروفين بالعلم والفقه، وهي متداولةٌ غيرُ نادرة، ولكن لا يُتيقّن نسبتُها إلي مؤلّفها، مثل كتاب المخارج والحِيّل المنسوب إلى الإمام القاضى أبى يوسف رحمه الله تعالى، فإنّه طالما تردَّدَ العلماء فى كونه من مؤلّفات أبي يوسف، والصّحيحُ أنّه كتابٌ منحولٌ (١) وليُتنبه أن ماذكرناه هنا يتعلق بكتب الفقه. أمّا بالنسبة لكتب الحديث، فالمعروف عند المحدّثين أنّ الوجادة غير معتبرة، فلابدّ لاعتبار الكتاب من أحد أمرين، إمّا أن تثبت نسبته إلى المؤلف بتواتر أو استفاضة، وإمّا أن يكون له سند موثوق به، والله سبحانه أعلم. ''۔۔۔ أصول الإفتاء ١٨٢ تلخيص قواعد رسم المفتي لا يصحّ نسبته إلى القاضي أبى يوسف رحمه الله تعالى، فإنّ رُواتَه عن أبى يوسف مجهولون، وبعضهم كذّابون، وقد ذكر العلامة الكوثريّ رحمه الله تعالى فى حاشيته علي مناقب أبي حنيفة للذهبي ص ٥٤: "أنّه روايةُ الكذّاب ابن الكذّاب ابن الكذّاب محمّد بن الحسين بن الحميد عن محمد بن بشر الرّقّي عن خلف بن بيان، روايةُ مجهول عن مجهول، فلا يصحّ الاعتماد عليه." ومنها الفتاوى العزيزيّة المنسوبة إلى الشّيخ عبد العزيز المحدّث الدهلويّ(١) رحمه الله تعالى، فإنّ هذا الكتابَ ليس من تأليفه، وإنّما جَمَع رجلٌ فتاواه بعده، والجامعُ لا يُعرف. وقد سمعت من والدى الشّيخ المفتي محمد شفيع قدس سره أنّه يوجد في هذا الكتاب إلحاقاتٌ لا يصحّ نسبتُها إلى الشّيخ الدِّهلويّ رحمه الله تعالى، فلا ينبغى الاعتماد عليها ما لم يتأيّدْ مضمونُه بدلیل آخر. (١) الشّيخ عبد العزيز المحدّث الدهلويّ: هو عبد العزيز بن أحمد (الإمام وليّ الله الدهلويّ)، الإمام العلامة المحدّث. ولد رحمه الله لخمس ليال بقين من رمضان سنة ١٠٥٩ هـ. حفظ القرآن وأخذ العلم عن والده وغيره من المشايخ، ثمّ اشتغل بالدّرس والإفادة وله خمس عشرة سنة، فدرّس وأفاد حتّى صَار فى الهند العَلَم المفرد، وتخرّج عليه الفضلاء وقصدته الطلبة من أغلب الأرجاء. ثمّ قد اعتَرته الأمراض المؤلمة وهو ابن خمس وعشرين سنة، فأدّت إلى المراق والجذام والبرص والعمى، ولكن من فضل الله به أنّه لم يزل مع هذه العوائق مكبًا على الإفادة بمواعظه وإرشاداته وفتاواه. من كتبه، تفسير القرآن المسمّى ب "فتح العزيز" صنّفه فى شدّة المرض إملاءً، هو فى مجلدات كبار لكن ضاع معظمها فى ثورة الهند وما بقي منها إلّ محلّدان من الأوّل والآخر، و"تحفه اثنا عشريه" كتابٌ عديم النظير ردّ فيه على الرّوافض، و"بستان المحدّثين" وهو فهرس كتب الحديث بتراجم أهلها، وغيرها. توفّي سنة ١٢٣٩ هـ عن ثمانين سنة، وقبره بدهلى عند قبر والده. رحمهم الله تعالى. (ملخص من نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر ٦: ٢٧٥ إلى ٢٨٣) أصول الإفتاء ١٨٣ تلخيص قواعد رسم المفتي الوجه السادس: كون الكتاب فى غير موضوع الفقه ربّما يكون الكتاب فى موضوع آخرسوى الفِقه، كالتّصوّف والأسرارِ والأدعيةِ والتّفسير والحديث، وإنّما تُذكر فيه المسائل الفقهيّةُ تبعاً لا مقصوداً، وكثيراً ما يوجد فى مثل هذه الكتب ماهو خلافُ المذهب الرّاجح، مع جلالة قدرٍ مؤلّفيها، وقد وجدتُ غيرَ واحدٍ من مثل ذلك فى عُمدة القارى للعينيّ رحمه الله تعالى، والمرقاة لعليّ القارئ، ومبارق الأزهار لابن مَلَك رحمهم الله تعالى. ومثلُ هذا كثيرٌ فى كتب التّصوف. مثاله: أنّ العينىّ رحمه الله تعالى ذكر مذهبَ الشّافعيّة أنّ الإحرامَ بالنيّةِ المُبهمة جائزٌ عندهم، استدلالاً بقصّة علىّ وأبى موسى رضى الله تعالى عنهما أنّهما أهلاً کإهلال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فيجوزُ ذلك اليومَ أيضاً بأن ينوىَ إنسانٌ إحراماً كإحرامٍ زيد، فإن كانَ زيدٌ أحرم بحجّ، كان هذا بحجّ أيضاً، وإن كان بعمرةٍ، فبعمرةٍ، وإن كان بهما فبهما، فإن كان زيدٌ أحرم مطلقاً، صارهذا مُحرماً بإحرامِ مطلق، فيصرفُه إلى ما شاء من حجٍّ أو غُمرة. ثمّ قال العينيّ رحمه الله تعالى: "ولا يجوز عند سائر العُلماء والأئمّة، رحمهم الله، الإحرامُ بالنيّةِ المبهمة، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ولأنّ هذا كان لعليّ رضى الله تعالی عنه خصوصاً، وكذا لأبى موسى الأشعريّ. "(١) فذكر مذهبَ سائر الأئمّة، ومنهم الحنفيّة، أنّ الإحرامَ بالنيّة المبهمة لايجوز. ولكنّه خلافُ المذهب المعتمد عند الحنفيّة. والصّحيحُ أنّ الإحرامَ بالنيّةِ المبهمة والمعلّقة جائزٌ عندهم (١) عمدة القارى ٩:٢٦٥ كتاب الحجّ، باب من اهلّ فى زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كإهلال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.