Indexed OCR Text

Pages 101-120

أصول الإفتاء
١٠٤
طبقات الفقهاء
الزّيادة عليها فى الحكاية عنهم. وأمّا الغالب على أهل خراسان، ولا سيّما ما
وراء النهر فى القرون الوسطى والمتأخّرة، فهو المغالاةُ فى الترفّع على
غيرهم، وإعجابُ حالهم ... فلُقّبوا بالألقاب النّبيلة، ووُصِفوا بالأوصاف
الجليلة، مثل شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة، واستمر الحال
فى أخلافهم على ذلك المنوال ..... فإذا ذكروا واحداً من أنفسهم بالَغُوا فى
وصفه وقالوا: الشّيخ الإمام الأجلّ الزاهد الفقيه ونحو ذلك، [و] إذا نقلوا
كلاماً من غيرهم فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكرخىّ، والجصّاص،
وربّما يقتدى بهم من عداهم ممّن يتلقّى منهم الكلام، فيظُنّ الجاهل بأحوال
الرّجال، ومراتِهم فى الكمال، وطبقاتِ العلماء، ودرجاتِ الفقهاء، ظنَّ سُوء،
فيأخذ فى الاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة الموصوف، فيحمله ذلك
على الإنكار بما عداهم، واستخفافٍ رجال الله سواهم. وقد كان ابن الكمال
على ولايةٍ عمل الإفتاء من جهة الدَّولة، فأحرجه ذلك إلى مراجعةٍ كتب
الفتاوى، والإكثار من مطالعةٍ ما فيها فى تحصيل أربه، والتخلّص عن كُرَبه،
ووقع نظرُه فيما سار به أهلُ ما وراء النهر من رفع أنفسهم والوضعِ من
غيرهم، فانتزع إليهم. "(١)
قال العبد الضعيف عفاالله عنه: إن كان التّقسيم الذی ذكره ابنُ كمال باشا
للوظائف، لا للأشخاص كما قدَّمنا، فربما يرتفع الإشكال الذي ذكره الإمامان
اللكنويّ والمرجانىّ رحمهما الله تعالى، حيثُ إنّ كونَ القُدورىّ وصاحبٍ
الهداية من أصحاب التّرجيح لايُنافى كونَهما من المجتهدين فى المسائل،
(١) ناظورة الحق (مخطوط) ص٦٥ إلى ٦٧

أصول الإفتاء
١٠٥
طبقات الفقهاء
وإنّ سببَ ذكرهما فى عِداد أصحاب التّرجيح راجعٌ إلى ما كثُر فى كتبهما من
ترجيح بعض روايات المذهبِ على بعض، وليس معنى ذلك أنّهما غيرُ
قادرين على الاجتهاد فى المسائل. والله سبحانه أعلم.
الملاحظة الرابعة: أنّ ماذكره ابنُ كمال باشا رحمه الله تعالى فى الطّبقةِ
السّابعَة، إنما يُريدُ به مؤلّفى الكُتب التى لا اعتمادَ عليها فى الفتوى، مثلُ القنية
والقُهِستانى(١) وغيرها ممّا سيأتى تفصيله إن شاء الله تعالى، ولذلك
قال: "ويللمن قّدهم كلُّالويل."
وقد ذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّ أصحاب الطبقة الثّالثة والرابعة
والخامسة من الطبقات السّبعة الّتى ذكرهاابنُ كمال باشا (يعنى المجتهدين
فى المسائل وأصحاب التّخريج وأصحاب التّرجيح) داخلون فى معنى
(١) هو شمس الدين محمد بن حسام الدين القُهُسْتانيّ الحنفيّ، ( ضبطه السمعانى بضم القاف والهاء
وسكون السين المهملة، وضبطه الحموىّ فى معجم البلدان بكسر الهاء، وهو الأوفق بأصله الفارسىّ)
نسبة إلى قهستان، وهي ناحية بخراسان، بين هراة ونيسابور، فيما بين الجبال، وهي كوهستان،
بمعنى مواضع من الجبل، فعرّب فقيل: قهستان، فتحها عبد الله بن عامر بن كريز، في سنة ٢٩ من ..
الهجرة، في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه. (كما فى الأنساب للسمعاني ٤ / ٥٦٤) كان مفتيا
ببخارا، وهو من شركاء المولى عصام الدين. من تصانيفه: جامع الرموز في شرح النقاية مختصر
الوقاية، وجامع المباني في شرح فقه الكيداني، وشرح مقدمة الصلاة وكلها في فروع الفقه الحنفي.
لكن قال المولى عصام الدين في حق القهستاني: "إنه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهروي لا من
أعاليهم ولا أدانيهم، وإنّا كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يعرف بالفقه ولا غيره بين أقرانه،
ويؤيده أنه يجمع في شرحه هذا بين الغث والسمين والصحيح والضعيف من غیر تحقيق ولا تصحیح
وتدقيق." (كشف الظنون ج٢ ص١٩٧٢) وهناك اختلاف في تاريخ وفاته، فذكر ابن العماد فى
شذرات الذهب (ج١٠ ص ٤٣٠) أنه توفّي فى حدود سنة ٩٥٣ هـ ، وذکر حاجى خليفة فى
كشف الظنون (ج٢ ص١٩٧٢) أنه توفّى سنة ٩٦٢ هـ، وقيل سنة ٩٥٠ هـ. (ملخص من
شذرات الذهب ج ١٠ ص٤٣٠ ومعجم المؤلفين ٩ / ١٧٩وكشف الظنون ج٢ ص١٩٧٢)

أصول الإفتاء
١٠٦
طبقات الفقهاء
المجتهد فى المذهب. ثم قال رحمه الله تعالى: "وإنّ مَن عداهم يكتفى
بالنّقل، فإنّ علينا اتّباعَ ما نقلوه لنا عنهم من استنباطاتهم الغير المنصوصة عن
المتقدّمين، ومن ترجيحاتهم، ولو كانت لغير قول الإمام ... لأنهم لم يُرجّحُوا
ما رجّحوه جزافاً. وإنمّا رجّحوا بعد اطّلاعهم على المأخذ، كما شهدت
مصنّفاتُهم بذلك، خلافاً لما قاله فى البحر."(١)
طبقات الفقهاء الشافعيّة
وكما قسّم الحنفيّة فقهاءَهم على أقسام سبعةٍ مذكورةٍ فيماسبق، فالشافعيّة
قسّموا فقهاءَهم على خمس طبقات فصّلها الحافظ ابن الصّلاح رحمه الله تعالى.
فالطبقة الأولى: هى طبقةُ المجتهد المطلق المستقلّ، وقد عرفه ابن
الصلاح رحمه الله تعالى بقوله: "هو الذى يستقلّ بإدراك الأحكام الشرعيّة
من الأدلة الشرعيّة من غير تقليدٍ وتقيُّدٍ بمذهبٍ أحد." وقوله "الّذى يستقلّ"
خرج به المجتهد المنتسب.
والطبقة الثانية: المجتهد المطلق المنتسب: وهو الذى سبق بيانُه من
عبارة شرح المهذّب للإمام النووىّ المنقولة عن أبى إسحق الإِسْفَرَائِيْنِىّ
رحمهما الله تعالى، من أنّه إنما انتسب إلى الشافعىّ رحمه الله تعالى لأنّه
سلَكَ مسْلكَه فى الاجتهاد فوافق اجتهاده اجتهاد الشافعى رحمه الله تعالى،
(١) شرح عقود رسم المفتى ص٥٤ والذى قاله ابن نجيم فى البحر أنه لايُفتى بقول المشايخ بخلاف
قول الإمام، بل الفتوى على قول الإمام دائما وإن خالفه المشايخ. راجع البحر الرائق، كتاب
القضاء ٦:٤٥٢.

أصول الإفتاء
١٠٧
طبقات الفقهاء
لاأنه قلّده. ويندرج فيه أمثالُ المُزَنِيّ وأبى ثور(١) وابن المنذر(٢) رحمهم الله
تعالى، كماذكره النووىّ رحمه الله تعالى فى مقدّمة المجموع شرح المهذب .
ولكن قال ابن الصّلاح رحمه الله تعالى: "قلت: دعوى انتفاء التّقليد عنهم
مطلقاً من كل وجهٍ لا يستقيم، إلاّ أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق،
وفازوا برتبة المجتهدين المستقلِّين، وذلك لايُلائم المعلومَ من أحوالهم أو
أحوالِ أكثرهم." ولعلّ مثلَ هذا التقليد فى بعض المسائل لايُنافى كونَ الرّجل
مجتهداً مطلقاً، كما أسلفنا عن ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال ابن الصّلاح رحمه الله تعالى بعد بيان هذا القسم: "فتوى المنتسبين
(١) الإمام أبوثور: هو إبراهيم بن خالد بن أبى اليمان الكلبى البغدادىّ الإمام الجليل، أحد الأئمة
المجتهدين وصاحب مذهب مستقلّ، أبو ثور الفقيه الإمام، عدّه الإمام النوويّ من أصحاب
الشافعيّة، لكن قال: "ومع هذا الذى ذكرته من كون أبى ثور من أصحاب الشافعيّ، وأحد
تلامذته ... والناقلين كتابه وأقواله، فهو صاحب مذهب مستقلّ، لا يُعدّ تفرّده وجهًا فى
المذهب." وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمهما الله تعالى:" كان يذهب إلى مذهب أهل العراق
وصحب الشافعيّ ... وهو أكثر ميلاً إلى الشافعيّ فى ذلك الكتاب وفی کتبه كلّها." روى عنه
الإمام مسلم بن الحجاج، وأكثر عنه فى صحيحه. توفّى رحمه الله ببغداد سنة ٢٤٠ هـ.
(ملخص من تهذيب الأسماء واللّغات ٢: ٢٠٠ و٢٠١ والانتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء،
فى عداد أصحاب الإمام الشافعيّ الّذين أخذوا عنه رحمهم الله ببغداد).
(٢) الإمام ابن المنذر الشافعيّ: الامام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، أبو بكر، محمد بن إبراهيم ابن المنذر
النيسابوري الفقيه، نزيل مكة، وصاحب التصانيف مثل " الإشراف في اختلاف العلماء"، وكتاب:
"الإجماع"، وكتاب: "المبسوط"، وغير ذلك. ولد رحمه الله سنة ٢٤٢ هـ. قال الإمام النوويّ: "لا
يلتزم التقيّد فى الاختيار بمذهب أحد بعينه ... بل يدور مع ظهور الدّليل ودلالة السّنّة الصّحيحة، ويقول
بها مع مَن كانت، ومع هذا فهو عند أصحابنا معدودٌ من أصحاب الشافعى، مذكور فى جميع كتبهم
فى الطبقات." وتوفّي رحمه الله بمكة سنة ٣٠٩ هـ أو ٣١٠ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء
١٤: ٤٩٠ إلى ٤٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات ٢: ١٩٦ و ١٩٧ الأعلام ٥: ٢٩٤)
(٣) المجموع ١:٧٢

أصول الإفتاء
١٠٨
طبقات الفقهاء
فى هذه الحالة فى حكم فتوى المجتهد المستقلّ المطلق، يُعمل بها ويُعتدّبها
فى الإجماع والخلاف."
الطبقة الثالثة: المجتهد المقيّد: وهو الذى يستقلُّ بتقرير مذهب إمامه
بالدليل، غير أنّه لا يتجاوز فى أدلته أصولَ إمامه وقواعدَه. قال ابن الصّلاح
رحمه الله تعالى: "ومِن شأنه أن يكون عالماً بالفقه، خبيراً بأصول الفقه، عارفاً
بأدلّة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقْبِسة والمعانى، تامًّ الارتياض فى
التّخريج والاستنباط، قيّماً بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه
بأصول مذهبه وقواعده. ولا يعرى عن شوبٍ من التقلید له لإخلاله ببعض
العلوم والأدوات المعتبرة في المستقلّ، مثل أن يُخلّ بعلم الحديث أو بعلم
اللّغة العربية. وكثيراً مّا وقع الإخلال بهذين العِلمين في أهل الاجتهاد المقيّد.
ويتّخذ نصوصَ إمامه أصولاً يستنبط منها نحو ما يفعلُه المستقلُ بنصوص
الشّارع، وربما مرّبه الحكم وقد ذكره إمامُه بدليله فيكتفى بذلك، ولا يبحث
هل لذلك الدّليل من معارض؟ ولا يستوفى النّظرَ فى شروطِه كما يفعلُه
المستقلّ. وهذه صفة أصحابِ الوجوه والطُّرِّق فى المذهب، وعلى هذه
الصّفة كان أئمّةُ أصحابنا أو أكثرُهم." .
ثمّ ذكررحمه الله تعالى فوائدَ مُهِمَّةً بالنسبة إلى هذا القسم
منها: أنّه قد يُوجد من المجتهد المقيّد الاستقلالُ بالاجتهاد والفتوى فى
مسئلةٍ خاصّةٍ أو بابٍ خاصٌ، كما تقدّم فى النّوع الذى قبله.
ومنها: أنّ مثلَ هذاالمجتهد المقيّد من وظائفه التّخريجُ على مذهب إمامه،
والتّخريجُ له معنيان: الأول: أن لايكونَ فى مسئلةٍ نصّ من إمامه، فُخرِّج حكمها
علی وفق أصوله، بأن يجد دليلاً من جنس مايحتج به إمامُه، وعلى شرطه،

أصول الإفتاء
١٠٩
طبقات الفقهاء
فيُفتى بموجبه. وفى هذه الحالة قد يكون تخريجه مخالفاً لتخريج غيره من
بعض الأصحاب، وحينئذٍ يُسمّى كلُّ واحد من التّخريجين "وجها" فى
الاصطلاح، وهؤلاء "أصحابُ الوجوه" والمعنى الثّانى من التخريج أن
يوجد من الإمام نصّان مختلفان فى صورتين مختلفتين، وكلاهما يمكن أن
يُخرّجَ منه الحكم فى الصّورة المطلوبة، فيختارُ هذا المجتهد أحدَ النصّين
للتخريج على أساسه، فهذا القول يُسمّى "مُخرَّجا" وشرطُ التّخريج المذكور
عند اختلاف النّصّين ألاّ يجد بين المسئلتين فارقاً، ولاحاجة فى مثل ذلك
إلى علّةٍ جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأمةِ بالعبد فى قوله صلّى الله عليه
وسلّم: "من أعتقَ شِرْكاله فى عبدٍ قُوِّم عليه" ومهما أمكنه الفرقُ بین
المسئلتين، لم يجزله على الأصحّ التخريج، ولزمَه تقريرُ النصّين على ظاهر
هما معتمداً على الفارق. وكثيراًما يختلفون فى القول بالتخريج فى مثل ذلك
لاختلافهم فى إمكان الفرق.
ومنها: أنّه إن أفتى مثل هذا المجتهد فى مسئلةٍ غير منصوصةٍ من إمامه،
ولكن خرّج المسئلةَ حسب ما ذكرنا، فهل العاملُ بفُتياه يُعتبر مُقلّدا لإمامه أم
مقلّد الهذا المجتهد المقيّد؟ فاختار إمام الحرمين الجُوَيْنِىّ وابنُ الصلاح أنّه
يُعتبرُ مُقلّداً لإمامه، لأنّ القولَ مُخرَّجٌ على أصوله. وخالفهم الشّيخ أبو إسحق
الشّيرازى(١) رحمهم الله تعالى، وقال: إنّه لا يجوز أن تُنسب تلك المسئلةُ
(١) الإمام أبو إسحاق الشيرازيّ:، إبراهيم بن على ابن يوسف بن عبد الله، إمام الشافعيّة فى زمانه،
أبو إسحاق الشيرازيّ، صاحب "المهذّب" و"التّنبيه"، وتكرّر ذكره فى "الروضة". ولد سنة ٣٩٣
هـ، ومن تفقّه عليه القاضى أبو الطّيب الطبريّ رحمه الله شيخُ الشافعيّة ببغداد فى زمانه. وكان
جامعاً بين العلم والعمل مراعياً فى عمله لدقائق الاحتياط، وكان مُجابَ الدعوة، توفّي رحمه الله
ببغداد سنة ٤٧٢ هـ. (ملخص من تهذيب الأسماء واللغات ٢: ١٧٢ إلى ١٧٤)

أصول الإفتاء
١١٠
طبقات الفقهاء
إلى الشافعى رحمه الله تعالى.
الطبقة الرابعة: أن لا يبلُغ رتبةَ أئمّة المذاهب أصحاب الوجوه والطُّرق،
غير أنّه فقيهُ النّفس، حافظٌ لمذهب إمامه، عارفٌ بأدلّته، قائمٌ بتقريرها
وبنصرته، يصوّر ويجرّد ويمهّد ويقرّر ويوازن ويرجّح، لكنّه قصر عن درجة
أولئك، إمّا لكونه لم يبلغْ فى حفظ المذهب مبلغَهم، وإمّا لكونه لم يرتضْ
فى التّخريج والاستنباط كارتياضهم، وإمّا لكونه غيرَ متبحّر فى علم أصول
الفقه، على أنّه لا يخلو مثلُه فى ضمن ما يحفظ من الفقه ويعرفه من أدلّته، عن
أطرافٍ من قواعد أصول الفقه، وإمّا لكونه مقصّرا في غير ذلك من العلوم
الّتي هي أدواتُ الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطّرق. وهذه صفةٌ
كثيرٍ من المتأخرين إلى أواخر المائة الرّابعة من الهجرة المصنّفين الّذين
رتّبوا المذهب وحرّروه وصنّفوا فيه تصانيفَ بها معظمُ اشتغالِ النّاس اليومِ،
ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثّانية فى تخريج الوجوه، وتمهيد الطّرق فى
المذهب. وأمّا فى فتاواهم فقد كانوا يتبسّطون فيها كتبسّط أولئك، أو قريباً
منه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور فى المذهب،
غير مقتصرين فى ذلك على القياس الجليّ وقياس "لا فارق" الّذي هو نحوُ
قياس الأمة على العبد في إعتاق الشّريك، وقياس المرأة على الرّجل فى
رجوع البائع إلى غير ماله عند تعدُّر الثّمن. وفيهم من جُمِعت فتاواه وأفردت
بالتدوين، ولا يبلغ فى التحاقها بالمذهب مبلغَ فتاوى أصحاب الوجوه، ولا
يقوى كقوّتها والله أعلم.

أصول الإفتاء.
١١١
طبقات الفقهاء
الطّبقة الخامسة: أن يقوم بحفظِ المذهب ونقله وفهمه فى واضحات
المسائل ومشكلاتها، غير أنّ عنده ضعفاً في تقرير أدلته وتحرير أقْبِسَته. فهذا
يُعتمد نقلُه وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصاتٍ
إمامه، وتفريعات أصحابه المجتهدين فى مذهبه وتخريجاتهم. وأمّا ما لا
يجده منقولاً فى مذهبه، فإن وجد فى المنقول ما هذا فى معناه بحيث يُدرك
من غير فضل فكرٍ وتأمّل أنّه لا فارقَ بينهما، كما فى الأمة بالنسبة إلى العبد
المنصوص عليه في إعتاق الشّريك، جاز له إلحاقُه به، والفتوى به. وكذلك
ما يعلم اندراجَه تحت ضابطٍ منقولٍ ممهٍّ فى المذهب، وما لم يكن كذلك،
فعليه الإمساك عن الفتيا منه. ومثلُ هذا يقع نادراً فى مثل الفقيه المذكور إذ
يَبْعُد _ كما ذكر الإمام أبو المعالى الجُوَيْنِي_ أن تقعَ واقعةٌ لم يُنصّ على
حکمها فى المذهب، ولا هي فی معنی شيئ فى المنصوص عليه فيه من غیر
فرق، ولا هي مندرجةٌ تحت شيئ من ضوابط المذهب المحرّرة فيه. ثمّ إنّ
هذا الفقيه لا يكون إلاّ "فقيه النفس " لأنّ تصوير المسائل على وجهها، ثم
نقلَ أحكامها بعد استتمام تصويرها، جليّاتِها وخفيّاتِها، لا يقومُ به إلاّ فقيه
النفس ذو حظً من الفقه. قلت: وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب فى هذه
الحالة، وفى الحالة الّتى قبلَها بأن يكونَ المُعْظُمُ على ذهنه لدُربته، متمكّناً من
الوقوف على الباقي بالمطالعة أو ما يلتحق بها على القُرب."
ثم قال ابن الصّلاح رحمه الله تعالى: "وهذه أصنافُ المفتين وشروطُهم،
وهي خمسة. وما من صِنْفٍ منها إلاّ ويُشترط فيه حفظُ المذهب وفقهُ النّفس.
وذلك فيما عدا الصِّنف الأخير الذي هو أخسُّها ... فمَن انتصب فى منصبٍ
الفتيا وتصدّى لها، وليس على صفة واحدٍ من هذه الأصناف الخمسة، فقد باء

أصول الإفتاء
١١٢
طبقات الفقهاء
بأمرٍ عظيم. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوتُونَ لِيَوْمٍ عَظِيم؟ ومَن أراد التّصديَ للفتيا
ظانّاً كونَه من أهلها فليئَّهِمْ نفسِه، وليتّقِ الله ربّه تبارك وتعالى، ولا يُخْدعَنّ
عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنّظر لها. ولقد قطع الإمام أبو المعالى وغيرُه بأنّ
الاصوليّ الماهرَ المتصرّفَ فى الفقه لا يحلُّ له الفتوى بمجرّد ذلك، ولو
وقعتْ له فى نفسه واقعةٌ لزمه أن يستفتي غيره فيها، ويلتحق به المتصرف
النظّار البحّاث فى الفقه من أئمّة الخلاف وفحولِ المناظرين. وهذا لأنّه ليس
أهلاً لإدراك حكم الواقعة استقلالاً لقصور آلته، ولا من مذهب إمام متقدّم
لعدم حفظه له، وعدم اطّلاعه عليه على الوجهِ المعتبر، (١) والله أعلم.
وهذه الطّبقاتُ الّتى ذكرها ابنُ كمال باشا من الحنفيّة والحافظُ ابن
الصّلاح رحمهما الله تعالى من الشّافعيّة تُوجد فى المالكيّة والحنابلة أيضاً،
وإن لم أجِد منهم التّصريحَ بهذه الأسماء. (٢)
طبقات مسائل الحنفيّة
إعلم أنّ الحنفيّةَ كما قسّموا الفقهاءَ على طبقات، كذلك قسّموا المسائلَ
على درجات، ليختارَ المفتى عند التّعارضِ ما هو من الدّرَجة العُليا ولا يرجّحَ
عليه ماهو مرجوح. وقد ذكر العلامة ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى "شرح
عقود رسم المفتى" و فى شرح مقدّمة "الدّ المختار" أنّ مسائل أصحابنا
الحنفيّة على ثلاث طبقات:
(١) أدب الفتوى لابن الصلاح ص ٤٠ إلى ٤٩
(٢) وراجع ما ذكره الحطاب رحمه الله تعالى فى باب القضاء (٦:٩٢) من أقسام المفتى الثلاثة وهى
ترجع إلى المجتهد المطلق والمقيد والمنتسب. وراجع مقدمة الإنصاف للمرداوى، ففيها مايدلّ على
مثل هذه الأقسام.

أصول الإفتاء
١١٣
طبقات الفقهاء
الأولى: مسائلُ الأصول. وتُسمّى ظاهرَ الرّواية أيضاً، وهي مسائل مرويّةٌ عن
أصحاب المذهب، وهُم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد، ويقال لهم العلماء
الثلاثة. ويلحق بهم زفر والحسن بن زياد(١) وغيرهما رحمهم الله تعالى
جميعا ممّن أخذالفقه عن الإمام أبى حنيفة، لكنّ الغالبَ الشائعَ فى ظاهر
الرّواية أن يكون قول الثّلاثة، أو قولَ بعضهم. ثمّ هذه المسائلُ الّتى تُسمّى
"ظاهر الرواية" و"الأصول" هى ماؤجد فى كُتب الإمام محمّد التى هى:
المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسِّيَر الصّغير والجامع الكبير،
(١) هو الحسن بن زياد الكوفى اللؤلؤىّ. صاحب الإمام أبى حنيفة. و اللؤلئيّ نسبة إلى بيع اللؤلؤ
(الأنساب ٥:١٤٥). كان فقيها نبيها حتى حكي عن يحى بن آدم أنّه قال: ما رأيت أفقه من
الحسن بن زياد. وكان محبّا للسّة واتباعها، ذكر الذهبىّ عن أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال:
"ما رأيت أحسن خلقاً من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذاً منه، ولا أسهل جانباً، مع توفر
فقهه وعلمه وزهده وورعه. وكان يكسو مماليكه ككسوة نفسه." ولّى القضاء بالكوفة بعد
حفص بن غياث سنة ١٩٤ هـ ثمّ استعفى. وذلك لما ذكر الذهبىّ والسّمعانى رحمهما الله تعالى
أنه بالرغم من كونه حافظاً لروايات أبى حنيفة رحمه الله تعالى كان إذا جلس ليحكم، ذهب عنه
التوفيق حتى يسأل أصحابه عن الحكم في ذلك، فإذا قام من مجلس القضاء عاد إلى ما كان عليه
من الحفظ، فبعث إليه البكائي وقال: ويحك إنك لم تُوَفّق للقضاء، وأرجو أن تكون هذه الخيرة
أرادها الله لك فاستعف، فاستعفي واستراح. (تاريخ الإسلام ١٤:١٠٠، الأنساب ٥:١٤٦)
أخذ عنه محمد بن سماعة ومحمد بن شجاع الثلجيّ وعليّ الرازيّ وعمر بن مهير والد الخصّاف
رحمهم الله تعالى. وقد تكلّم فيه بعض العلماء بأشياء أعرض عنها الإمام الذهبىّ رحمه الله تعالى
قائلا: "قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي ذكرها." (تاريخ الإسلام ١٤ :.
١٠١). وكفى لتوثيقه أن أبا عوانة والحاكم رحهما الله تعالى قد أخرجا له في المستخرج
والمستدرك وهذا منهما فى حكم التوثيق (حاشية الدكتور بشير عوّاد على سير أعلام النبلاء
٩:٥٤٥)، وأنّ ابن حبّان أورده فى الثقات. (الثقات ٨:١٦٨). وقد عُدّ رحمه الله تعالى من جدّد
لهذه الأمة دينها على رأس مائتين. وله كتاب المجرّد، والأمالى. توفّي سنة ٢٠٤ هـ؛ وهى
السنة الّتى توفّي فيها الإمام الشافعىّ رحمهما الله تعالى. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٩:٥٤٣
إلي ٩:٥٤٥ وتاريخ الإسلام ١٤:٩٨ إلى ١٤:١٠١ والأنساب ٥:١٤٦ والفوائد البهية ص ٦٠)

1
١١٤
طبقات الفقهاء
أصول الإفتاء
والسِّيَر الكبير. وإنما سُمّيت ظاهرَ الرواية لأنّها رُويت عن محمّد برواية
الثّقات، فهي ثابتةً عنه إمّا بالتواتر أو بالاستفاضة.
الثّانية: مسائل النّوادر، وهي المرويّةُ عن أصحابنا المذكورين، لكن لا فى
الكتب المذكورة ، بل إمّا فى كُتبٍ أخر لمحمّد، كالكيسانيّات والهارونيّات
والجُرجانيّات والرّقّات. وإنّما قيل لها غيرُ ظاهرِ الرّواية لأَنْهالم تُرْوَ عِن
محمّد برواياتٍ ظاهرةٍ ثابتةٍ صحيحةٍ كالكُتب الأولى ، وإمّا فى كُتب غير
الإمام محمد ككتاب المجرّد للحسن بن زياد وغيرها، ومنها كتب الأمالى
لأبى يوسف، وإمّا بروايةٍ مفردةٍ، كرواية ابن سَمَاعة(١) والمُعَلَّى بن منصور (٢)
وغيرهما فى مسائلَ معيّنة.
(١) هو محمد بن سماعة بن عبد الله أبو عبد الله التميمىّ، حدّث عن الليث بن سعد وأبى يوسف
ومحمد وأخذ الفقه عنهما وعن الحسن بن زياد. وكان من الحفّاظ الثقات. وُلّى القضاء للمأمون
ببغداد بعد موت يوسف بن الإمام أبى يوسف سنة ١٩٢ هــ. وكان قد رُزق العمر الطويل مع
كمال الصحّة والقوّة، حيث ذكر أنه وُلد سنة ١٣٠ هـ ومات سنة ٢٣٣ هـ، وقد بلغ هذا
السنّ وهو يركب الخيل ، ويصلّى فى كلّ يوم مائتى ركعة. وحكى القارى عنه أنه قال: "أقمت
أربعين سنة لم تفُتنى التكبيرة الأولى، إلّ يوما واحدا ماتت فيه أمّى، وقد فاتتنى صلاة واحدة مع
جماعة، فقمت فصلّيت خمسا وعشرين مرّة، أريد بذلك التضعيف، فغلبتنى عينى، فأتانى آت،
وقال: يا محمد! صَلّيت خمسا وعشرين مرّة، ولكن كيف لك بتأمين الملائكة." له كتاب أدب
القاضى وكتاب المحاضر والسجلات، والنوادر وغيرها. تفقّه عليه أبو جعفر أحمد بن أبى عمران
البغدادىّ شيخ الطحاوىّ وغيره. وقال الإمام يحيى بن معين لما توفّي: "مات ريحانة العلم من أهل
الرأى." (ملخص من الفوائد البهية ص١٧٠ و١٧١)
(٢) هو معلّ بن منصور، أبو يحيى الرازىّ، روى عن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الكتب
والأمالى والنوادر. وكان مشاركا لأبى سليمان الجوزجانيّ، وهما من الورع والدين وحفظ
الحديث بالمرتبة الرّفيعة. وروى عن مالك والليث وحماد وابن عيينة، وروى عنه ابن المدينىّ،
والبخارىّ فى غير الجامع، وروى له أبو داود والترمذىّ وابن ماجه. وفى الكاشف للذهنىّ: "قال
العجلىّ: هو ثقة نبيل، صاحب سنّة، طلبوه غير مرّة للقضاء فأبى. " توفّى رحمه الله سنة
٢١١ هـ. (الفوائد البهية ص٢١٥، بتصرف يسير)

أصول الإفتاء
١١٥
طبقات الفقهاء
الثالثة: الفتاوى والواقعات: وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخّرون لمّا
سُئلوا عنها، ولم يجدوا فيها روايةً عن أهل المذهب المتقدّمین.
ونذكر فيما يلى ما ينبغى معرفتُه فى كلَّ طبقةٍ من هذه الطبقات الثّلاث:
مسائل الأصول أو ظاهر الرواية
الأكثرون من فقهاء الحنفيّة على أنّ مسائل الأصول وظاهر الرّواية تعبيران
لمعنى واحد، ولا فرقَ بينهما، وذكر ابنُ كمال باشا فى شرح الهداية أنّ هناك فرقاً
بينهما، والذى يظهر من الفرقِ من كلامه هو أنّ مسائل "الأصول" ماجاءت فى
الكتب الستّة للإمام محمّد، وظاهر الرّواية ما ثبت عن أئمّة المذهب بروايةٍ
صحيحةٍ وأفتى بهاالمجتهدون بعدهم، سواء كانت الرّواية من غير الإمام
محمد رحمه الله تعالى، واستنْتَج من هذا أنّ روايةَ "النّوادر" قد تكونُ ظاهرَ
الرّواية، وبنى ذلك على عبارةٍ من مبسوط السَّرَخْسِيّ حيثُ ذكر روايةَ
الحسن بن زياد، وسمّاها "ظاهرَ الرّواية" ولكن ردّ عليه ابن عابدين رحمه
الله تعالى بأنّ كونَ الرّواية مرويّةً عن الحسن لايُنافى كونَها فى الكُتب السّة
لمحمد، فيمكن أن تكونَ سُمّيت الرّواية "ظاهرَ الرّواية" من هذه الجهة.(١)
مبسوط الإمام محمد رحمه الله تعالى
أوَّلُ الكُتب الستّة تأليفاً هو المبسوط، ويُسمّى "الأصل " أيضاً، وسُمّى
أصلاً لأنه صُنّف أولاً، ولأنّه أهمُّها وأطولها وأكثر تفصيلاً، وهو أيضاً أصلُ
الكتب الأخرى من ظاهر الرّواية. وقال حاجى خليفه فى كشف الظّنون:
(١) شرح عقود رسم المفتى ص ٢٦ و ٢٧

أصول الإفتاء
١١٦
طبقات الفقهاء
"وللإمام محمّد الشيبانيّ المتوفّى سنة تسع وثمانين ومائةٍ مبسوطٌ ألّفه
مفرداً، فأولاً ألّف مسائلَ الصّلوة وسمّاه كتاب الصّلوة، ومسائلَ البيوع وسمّاه
كتابَ البيوع، هكذا الأيمان والإكراه، ثمّ جُمِعت فصارت مبسوطاً، وهو
المراد حيثُما وقع فى الكتب: قال محمّد فى كتاب فلان."(١) يعنى حِينَما يقول
الفقهاء فى كتبهم: قال محمّد فى كتاب المضاربة أو فى كتاب المأذون مثلاً،
فإنّما يُريدون هذه الكُتب من المبسوط، وروى الخطيب البغدادىّ رحمه الله
بسنده عن أبى علىّ الحسن بن داود قال: "فخرُ أهل البصرة بأربعةِ كُتب، منها
كتاب "البيان والتّبيين" للجاحظ، و"كتاب الحيوان" له، و"كتاب سيبويه"،
وكتاب الخليل فى "العين". ونحنُ (يعنى أهل الكوفة) نفتخِرُ بسبعةٍ وعشرين
ألفَ مسألةٍ فى الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يُقال له محمّدبن
الحسن، قياسيّةٌ عقليّةٌ لا يسع النّاسَ جهلُها." وإليه أشار المُزَنىّ رحمه الله
تعالى حين سُئل عن الإمام محمّد فأجاب: "أكثرُهم تفريعاً. "(٢)
وقال الشّيخ محمّد زاهد الكوثرى (٣) رحمه الله تعالى: "أكبرُ ما وصل إلينا من
كُتب محمّد هو كتاب "الأصل " المعروف بالمبسوط، وهو الذى يُقال عنه
(١) كشف الظنون ٢٠١٥٨١
(٢) تاريخ بغداد للخطيب ٢:١٧٦
(٣) العلامة محمد زاهد الكوثريّ: هو محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثريّ الحنفيّ العلامة المحدّث
الفقيه. ولد رحمه الله سنة ١٢٩٦ هـ فى قرية من أعمال "دوزجة" بشرقي الآستانة ونشأ بها،
وكان جركسيّ الأصل. تفقّه فى جامع "الفاتح" بالآستانة، ثم تولى رئاسة مجلس
التدريس. واضطهده "الاتحاديّون" فى خلال الحرب العامة الأولى، لمعارضته خُطّتهم فى إحلال
العلوم الحديثة. محل العلوم الدينيّة، في أكثر حصص الدراسة. ولما ولي "الكماليّون" وجاهروا
بالإلحاد، أريد اعتقالُه، فركب إحدى البواخر إلى الاسكندرية (سنة ١٣٤١ هـ = ١٩٢٢ م)
وتنقّل زمنا بين مصر والشام، ثمّ استقرّ فى القاهرة. وكان يجيد العربيّة والتركيّة والفارسيّة
والجركسيّة، وله تآليف، منها "تأنيب الخطيب على ما ساقه فى ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب"، =
۔

أصول الإفتاء
١١٧
طبقات الفقهاء
إنّ الشافعيّ كان حفِظه، وألّف "الأمّ" على مُحاكاة "الأصل"(١) وأسلمَ حكيمٌ من
أهل الكتاب بسبب مطالعة المبسوط هذا قائلاً: هذا كتابُ محمّدكم الأصغر،
فكيف كتابُ محمّدكم الأكبر (صلى الله عليه وسلم)"(٢) وهو فى ستّة مجلدات،
وکلُ مجلّد منها نحو خمسمائة ورقة، یرویه جماعةٌ من أصحابه مثل أبى سليمان
الجَوْزَجَانِىّ(٣)، ومحمّد بن سَمَاعة التّميميّ، وأبى حفص الكبير البُخاريّ(٤).
= و"النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبى شيبة على أبي حنيفة" و "الاستبصار في التحدث عن
الجبر والاختيار" ورسائل فى تراجم الإمام أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر
والحسن بن زياد ومحمد بن شجاع والطحاويّ والبدر العيني رحمهم الله تعالى وكلها مطبوعة. وله نحو
مئة مقالة جمعها كتاب "مقالات الكوثري". توفّي رحمه بالقاهرة سنة ١٣٧١ من الهجرة. (ملخص
من مقدمة "مقالات الكوثريّ" للعلامة محمد يوسف البنوريّ رحمه الله تعالى والأعلام ٩:١٢٩)
(١) لم يذكر الشيخ الكوثرىّ رحمه الله تعالى مأخذ هذا القول، ولعله مأخوذ مما رواه الخطيب بإسناده
إلى الإمام الشافعى رحمه الله تعالى قال: "حملت عن محمدبن الحسن وقر بُختىّ كتبا" (تاريخ بغداد
٢:١٧٦) والله سبحانه أعلم. أمّا أن يكون الشافعىّ رحمه الله تعالى ألّف "الأمّ" محاكاة للأصل،
. ففيه بُعد لا يخفى على من تأمل فى أسلوب الكتابين.
(٢) مقدمة حاشية الطحطاوى على المراقى ص ١١ وكشف الظنون ٢:١٥٨١
(٣) هو موسى بن سليمان أبو سليمان الجوزجاني، نسبة إلى مدينة بخراسان مما يلي بلخ يقال لها
الجوز جانان وجوزجان (الأنساب ج٢ ص١١٦ ومعجم البلدان باب الجيم والواو). أخذ الفقه
عن الإمام محمد رحمه الله، وكتب مسائل الأصول والأمالي، وكان مشاركا لمعلّى بن منصور،
عرض عليه المأمون القضاء فلم يقبل. وله السير الصغير والنوادر وغير ذلك. توفّى رحمه الله بعد
المائتين. (الفوائد البهية ص: ٢١٦ بتصرف)
(٤) هو أحمد بن حفص بن الزبرقان، أبو حفص الكبير البخارىّ، كان من كبار تلامذة الإمام محمد
رحمهما الله تعالى. توصيفه بالكبير بالنسبة إلى ابنه محمد، الذى يكنّى بأبى حفص الصغير. انتهت
إليهما رئاسة الأصحاب ببخارى. وقد حكى المترجمون حكاية غريبة للإمام أبي حفص الكبير مع
الإمام البخارىّ، صاحب الصحيح. وذلك أن الإمام البخاري قدم بخارى فى زمانه، وجعل يفتى،
فنهاه الإمام أبو حفص وقال: لست بأهل له، فلم ينته حتّى سئل عن صبيين شربا من لبن شاة،
أو بقرة، فأفتى بالحرمة، فاجتمع الناس عليه وأخرجوه من بخارى. لكن قال الإمام اللكنويّ رحمه
الله تعالى: "أستبعد وقوعها بالنسبة إلى جلالة قدر البخارىّ، ودقّة فهمه، وسعة نظره، وغور
فكره، مما لا يخفى على من انتفع بصحيحه، وعلى تقدير صحّتها، فالبشر يخطئ." (ملخص من
الجواهر المضيئة ٢:١٦٦ والفوائد البهية ص١٨ و ١٩)

أصول الإفتاء
١١٨
طبقات الفقهاء
وقد قدّر الله سبحانه ذُيوعاً عظيماً لهذا الكتاب، يحتوى على فُروع تبلُغ
عشراتِ الألوف من المسائل فى الحلال والحرام، لا يسعُ النّاسَ جهلُها، وهو
الكتاب الذى كان أبو الحسن ابن داود يُفاخربه أهل البصرة. وطريقتُه فى
الكتاب سَرْدُالفروع على مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف مع بيانٍ رأيه فى
المسائل، ولا يسرُد الأدلّةَ حيث تكونُ الأحاديث الدالّةُ على المسائل بمتناول
جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنما يَسْرُدها فى مسائلَ رُبّما تعزُب أدلّتُها
عن علمهم. فلوجُرِّدت الآثار من هذا الكتاب الضخم، تكون فى مجلّدٍ
!! (١)
لطيف."(١)
والنّسخةُ المشهورة لهذا الكتاب من رواية أبى سليمان الجَوْزَجانيّ رحمه
الله تعالى، وكثيرٌ من مسائله جاءت جواباً على أسئلة أبى سليمان
الجَوْزَجَانيّ، وكثيرٌ منها جاءت ابتداءً من الإمام محمّد رحمهما الله تعالى.
وذكر الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى أوّل الكتاب منهجه فى بيان مذاهب
الأئمّة الحنفيّة الثّلاثة فقال: "قد بيّنتُ لكم قولَ أبى حنيفة وأبى يوسف
وقولی. ومالم یکن فيه خلاف، فهو قولُنا جمیعاً."
وقد نشرها العلامة أبوالوفاء الأفغانى رحمه الله تعالى، والدكتور مجيد
الخدّوريّ بتحقيق النُّسخ المختلفة، وقد طُبع مراراً، ولكنّ القدر المطبوعَ من
الكتاب ليس كاملاً، بل هو مشتمل على ستّة عشر كتاباً، بينما كتاب "الأصل"
يحتوى على ثلاثةٍ وخمسين كتاباً ذكرها ابن النّديم فى الفهرست.
وقد تناولَ جماعةٌ من فقهاء الحنفيّة هذا الكتاب بالشّرح، منهم شيخ الإسلام
(١) بلوغ الأمانى فى سيرة الإمام محمد الشيبانى ص٦١

أصول الإفتاء
١١٩
طبقات الفقهاء
أبوبكر المعروف بخُوَاهَرْزَادَه(١)، ويُسمّى مبسوط البكريّ، ومنهم شمسُ
الأئمّة الحَلْوَانِيّ (المتوفّى سنة ٤٤٨ أو ٤٤٩ هـ)(٢) وحيثُ وقع فى الخُلاصة
"نسخة شيخ الإسلام" وغيره، فالمراد مبسوطاتهم. (٣)
الجامع الصغير
والّذى يظهرُ أنّ الكتاب الذى صنّفه الإمام محمّد رحمه الله تعالى بعد
المبسوط هو "الجامع الصغير". وذكر الإمام عبدالحى اللكنوى رحمه الله
تعالى فى مقدّمة شرحه لهذا الكتاب عن شمس الأئمة السَّرَخْسيّ رحمه الله
تعالى قال: "كان سببُ تأليف محمد أنّه لمّا فرغ من تأليف الكتب، طلب منه
أبو يوسف أن يؤلّف كتاباً يجمعُ فيه ما حفظ عنه ممّا رواه له عن أبى حنيفة
رحمهم الله تعالى، فجمع ثمّ عرضَه عليه فقال: نِعِمًا حفظ، إلاّ أنّه أخطأ فى
(١) محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البخاريّ المعروف ببكر خواهرزاده (أى ابن الأخت وهي
نسبة اشتهر بها جماعة من العلماء لكونهم أبناء أخوات للعلماء وصاحب الترجمة ابن أخت
القاضى أبى ثابت محمد بن أحمد البخاريّ رحمهم الله تعالى) شيخ الحنفيّة بما وراء النهر ونعمان
الوقت. له "المختصر" و "التجنيس" و"المبسوط" المعروف ب"مبسوط بكر خواهر زاده" و
"المبسوط البكريّ". خرّج له أصحاب وأئمة. حدّث عنه الإمام عمر بن محمد النسفيّ صاحب
"العقائد النسفيّة" و العلاّمة عثمان بن عليّ البيكنديّ رحهما الله تعالی. تُوفي رحمه الله ببخاری في
جمادى الأولى سنة ٤٨٣ هـ، وقد شاخ. فائدة: المشهور "بخواهرزاده" عند الإطلاق إمامان،
أحدهما صاحب الترجمة، والثّانى الإمام بدر الدّين محمّد بن محمود الكَردَريّ (المتوفّى سنة ٦٥١
هـ) وهو ابن أخت شمس الأئمة محمد بن عبد السّار الكَردَريّ. رحمهم الله تعالى (ملخص من
الفوائد البهيّة ص١٦٣ و١٦٤، وسير أعلام النبلاء ١٩: ١٤ و١٥ والأعلام (ترجمة الإمام أبى
حفص عمر بن محمد النسفيّ رحمه الله تعالى) ٥: ٦٠)
(٢) الجواهر المضيئة، ترجمة عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلواني، الملقب شمس الأئمة.
(٣) راجع كشف الظنون ج٢ ص ١٥٨١.

أصول الإفتاء
١٢٠
طبقات الفقهاء
ثلاث مسائل. فقال محمّد: أنا ما أخطأتُ، ولكنّك نسيتَ الرّواية. وذكر عليّ
القُمِّي(١) : أنّ أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارقُ هذا الكتاب فى حضرٍ
ولا فى سفر، وكان عليّ الرازيّ يقول: "من فهم هذا الكتابَ فهو أفهمُ
أصحابنا، ومن حفظ كان أحفظ أصحابنا، وإنّ المتقدّمين من مشايخنا كانوا
لا يقلّدون أحداً القضاءَ حتى يمتحنوه، فإن حفظه قلّدوه القضاء، وإلاّ أمروه
بحفظه. وكان شيخنا الحَلْوَائِيّ يقول: إنّ أكثر مسائله مذكورةٌ فى المبسوط،
وهذا لأنّ مسائلَ هذا الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسمٌ لا يوجد لها روايةٌ
إلاّههنا، وقسمٌ يوجدُ ذكرُها فى الكتب، ولكن لم يُنصَّ فيها أنّ الجوابَ قولُ
أبى حنيفة أم غيره، وقد نصّ ههنا فى جوابٍ كلّ فَصْل على قول أبى
حنيفة. وقسمٌ أعاده ههنا بلفظٍ آخر، واستُفيد من تغيير اللّفظ فائدةٌ لم تكن
مستفادةً باللّفظ المذكور فى الكتب. ومراده بالقسم الثّالث ما ذكره الفقيه
(١) هو علي بن موسى بن يزداد وقيل يزيد القمّي، صاحب أحكام القرآن إمام الحنفيّة فى عصره، سمع
محمد بن حميد الرازي وغيره، روى عنه أبو الفضل أحمد بن أحمد الكاغذي وغيره، وتوفي سنة
٣٠٥ هــ، كذا ذكره السّمعاني. قال أبو إسحاق في الطبقات: وله كتب فى الردّ على أصحاب
الشافعي . وذكر القرشى عن الحاكم فى تاريخ نيسابور أنه سمع أحمد بن محمد بن حامد يقول:
"سمعت أحمد بن هارون الحنفيّ يقول: قدم علينا عليّ بن موسى القمّيّ، مفتي الحنفي بنيسابور،
فاجتمعنا على أنّا لم نر قبله من أصحابنا أفقه منه. "(الجواهر المضيئة ج٢ ص٦١٨ و ٦١٩) وقال
السمعانىّ فى الأنساب (ج٥ ص٥٤٢): "القُمّي: بضم القاف وتشديد الميم المكسورة. هذه
النسبة إلى بلدة قُمّ، وهي بلدة بين أصبهان وساوة، كبيرة، ... وبنيت هذه المدينة زمن الحجاج
بن يوسف، سنة ثلاث وثمانين."

أصول الإفتاء
١٢١
طبقات الفقهاء
أبو جعفر الهِنْدُوَانيّ(١) فى مصنَّفٍ سمّاه "كشف الغوامض "انتهى
ثم قال الإمام الّكنوىّ: قال قاضيحان فى شرحه: "اختلفوا فى مصنّف
الجامع الصغير. قال بعضهم: من تأليفِ أبي يوسف ومحمّد، وقال بعضهم:
هو من تأليف محمّد، فإنّه حين فرغ من تصنيف المبسوط، أمره أبو يوسف
أن يصنّف كتابا ويروى عنه، فصنَّف ولم يرتّب. وإنما رتّبه أبو عبد الله
الحسن بن أحمد الزّعفراني(٢) الفقيه الحنفيّ"" انتهى. وقال فخر الإسلام
البزدويّ فى شرحه: "كان أبو يوسف يتوقّع من محمّد أن يروي كتاباً عنه،
فصنّف هذا الكتاب وأسنده عن أبى يوسف عن أبى حنيفة. فلمّا عرض على
أبي يوسف استحسنه، وقال : حفظ أبو عبد الله إلاّ فى مسائل أخطأ فى
روايتها، فلمّا بلغ ذلك محمّداً قال : حفظتُها ونسي. وهي ستّ مسائل(٣) ...
واعتمد مشايخنا روایة محمّد. "انتھی
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر الفقيه البلخىّ الهندوانىّ، (بكسر الهاء وسكون
النون وضم الدال) نسبة إلى محلّة ببلخ يقال لها: باب هندوان، ينزل فيها الغلمان والجواري التي
تجلب من الهند. (الأنساب للسمعاني ٥ / ٦٥٣) شيخ كبير وإمام جليل القدر من أهل بلخ. كان
على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له أبو حنيفة الصغير لفقهه. حدّث
يبلغ وأفتى بالمشكلات، وأوضح المعضلات، تفقه على أبى بكر الأعمش، وتفقه عليه نصر بن
محمد أبو الليث الفقيه، وجماعة كثيرة. وكانت وفاته رحمه الله ببخارى سنة ٣٦٢ هــ. (ملخص
من الفوائد البهية ص١٧٩ والأنساب للسمعانى ج٥ ص٦٥٣)
(٢) هو الحسن بن أحمد بن مالك، أبو عبد الله الزعفرانيّ. كان إماما ثقةٌ. رتّب الجامع الصغير للإمام
محمد ترتيبا حسنا، وميّز خواصّ مسائل الإمام محمد عما رواه عن الإمام أبى يوسف رحمهم الله
تعالى، وجعله مبوّبًا ولم يكن قبل مبوّبًا. وله كتاب الأضاحىّ. توفّى رحمه الله سنة ٦١٠ هـ
تقريبا. (الفوائد البهية ص ٦٠ وكشف الظنون تحت "الجامع الصغير.")
(٣) وقد ذكر ابن نجيم هذه المسائل الستة فى باب الوتر والنوافل من البحر الرائق ٢:١٠٧ نقلا عن
السراج الهندى فى شرح المغنى.

أصول الإفتاء
١٢٢
طبقات الفقهاء
وفى غاية البيان شرح الهداية لأمير كاتب(١) الإِثْقَانِيّ في باب الأذان: ذكر
محمّد فى الجامع الصغير أبا یوسف باسمه دون کنیته، حتى لا يكونَ وهم
التّسوية في التّعظيم بين الشّيخين، لأنّ الكنية للتّعظيم، وكان محمّد مأموراً
من جهة أبى يوسف بأن يذكره باسمه، حيث يذكرُ أبا حنيفة رحمهم الله
تعالى. فَعَنْ هذا قال مشايخُنا ببخارا : من الأدب أن لا يدعوَ بعضُ الطّلبة
بعضَهم بلفظ "مولانا" عند أستاذهم، احترازاً عن التّسوية فى التّعظيم بين
الأستاذ والتّلميذ. "انتهى
وفيه : إنما سُمّي المبسوط "أصلا" لأنّه صنّفه محمّد أولاً، ثم صنّف
الجامع الصغير، ثم الجامع الكبير، ثم الزّيادات." انتهى. وفى شرح شمس
الأئمة السّرخسيّ للسّير الكبير : "إنّ آخرَ تصانيفه هو السّير الكبير وقبله
صنّف السّير الصغير. " (٢)
وقد خُدم هذا الكتابُ من قبَل الفقهاء الحنفيّة من جهاتٍ شتّى شرحاً
(١) هو أمير كاتب العميد بن أمير غازى، قوام الدين، أبو حنيفة الإتقاني الفارابىّ، نسبته إلى فاراب
ناحية وراء نهر سيحون، وإتقان قصبته، بكسر الهمزة وسكون التاء، وقيل: بفتح الألف. أخذ عن
أحمد بن أسعد الخريفعنى عن حميد الدين على الضرير البخارى. وكان متشددا فى مذهب الحنفية،
بارعا فى الفقه واللغة والعربية. و کان قد ولي تدریس مشهد الإمام ببغداد، وقدم دمشق مرتین، و
فى المرة الثانية ولّى بها تدريس دار الحديث بالظاهرية بعد وفاة الإمام الذهبيّ رحمهما الله. وذلك
فى سنة ٧٤٧ هــ. من تصانيفه "غاية البيان ونادرة الأقران" شرح الهداية، و"التبيين"، شرح
مختصر الحسامىّ. قال الإمام اللكنويّ رحمه الله تعالى: "قد طالعت من تصانيفه التبيين وغاية
البيان، فوجدته كما قال الكفوىّ شديد التعصّب فى مذهبه، بسيط اللسان على مخالفه." تم ذكر
الإمام اللكنويّ بعض ما تشدّد فيه، مثل فساد الصلوة برفع اليدين. توفّى رحمه الله سنة ٧٥٨ هـ
وقيل: سنة ٧٥٣ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص ٥٠ إلى ٥٢)
(٢) النافع الكبير ص ٢٢ و ٢٣.

أصول الإفتاء
١٢٣
طبقات الفقهاء
. وتحشيةً وتلخيصاً. ومن أشهر شُروحه شرح الإمام أبى جعفر الطّحاوىّ
(المتوفّي سنة ٣٢١ هـ)، والإمام أبى بكر الجصّاص الرازىّ (المتوفّى
سنة ٣٧٠ هـ)، والإمام أبى عمرو الطَّبَرىّ (المتوفّى سنة ٣٤٠هـ)(١)،
والظّهير البلخيّ (المتوفّى سنة ٥٥٣ هـ)(٢)، وقاضى خان (المتوفّى سنة
٥٩٢ هـ)، والصّدر الشهيد (استشهد سنة ٥٣٦ هـ)(٣)، وأبى نصر العَتّابيّ
(١) هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الطبرىّ، قال السمعانى: " بفتح الطاء المهملة، والباء الموحّدة،
بعدها راء مهملة. هذه النسبة إلى "طبرستان" ... سمعت القاضي أبا بكر الأنصاريّ ببغداد: إنما
هي تبرستان لأنّ أهلها يحاربون بالتّبر يعني " الفاس " فعُرّب وقيل: طبرستان." (ج٤ ص٤٥)
تفقّه على أبي سعيد البردعىّ، عن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة عن أبيه عن جدّه. وكان من
الفقهاء الكبار ببغداد من طبقة أبى الحسن الكرخىّ وأبى جعفر الطحاوىّ رحمهم الله تعالى. له
شرح الجامعين. توفّى رحمه الله سنة ٣٤٠ هـ. (ليراجع الفوائد البهية ص٣٥)
(٢) هو أحمد بن علي بن عبد العزيز، أبو بكر المعروف بالظهير البلخيّ. إمام فاضل فى الفروع
والأصول وعالم كامل فى المعقول والمنقول. أخذ العلم عن نجم الدين عمر النسفىّ، وتفقّه أيضا
على محمد بن أحمد الإسبيجابيّ بعد الخمس مائة. ودرس بمراغه، وقدم حلب أيام نور الدين
محمود بن زنكي، ثم توجه إلى دمشق. وله شرح الجامع الصغير. وتوفّي رحمه الله بحلب سنة
٥٥٣ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص٢٧)
(٣) هو عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، أبو محمد حسام الدين ، المعروف بالصدر الشهيد،
هوعمّ برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز ، صاحب المحيط البرهانىّ. كان من كبار الأئمة
وأعيان الفقهاء. وكانت له اليد الطولى فى الخلاف والمذهب. تفقّه على أبيه برهان الدين الكبير
عبد العزيز. وتتلمذ عليه العلامة علىّ بن أبى بكر المرغينانىّ صاحب الهداية والعلامة رضي الدين
السرخسيّ صاحب المحيط الرضوىّ. من تصانيفه ثلاثة شروح للجامع الصغير، وشرح أدب
القاضى للخصّاف، والفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى، والمنتقى. استشهد رحمه الله بعد وقعة
قطوان بسمرقند سنة ٥٣٦ هــ. (ملخص من الفوائد البهية ص١٤٩ ومقدمة التحقيق للمحيط
البرهانی ج١ ص٨٢ و ٨٣)