Indexed OCR Text

Pages 81-100

أصول الإفتاء
٨٤
مناهج الفتوى فى السلف
زوجة المفقود وغيرها،وكما سيأتي إن شاء الله تعالى فى موضعه، ولكنّ
الأحوطَ فى هذا الزّمان فى المسائل التى تعُمّ بهالبلوى أن لا يستبدّ الرجل
فى مثل هذه المسائل برأيه الفريد، بل يشاورُ غيرَه من العلماء، ولا يُفتى
فتوىّ عامّةً إلاّ بعد حصول اتفاقٍ جماعةٍ من العلماء الراسخين.
الدرجة الثالثة: تقليدُ مجتهدٍ فى المذهب، وهو الذى وإن كان مقلّدا لإمامه
فى الأصول، ولکنّه حصل له نوعٌ من الاجتهاد فى الفروع أو فى النوازل، و
يندرجُ فيه أصحاب التّخريج والتّرجيح، والمجتهدون فى المسائل كما
سیأتی إن شاء الله تعالى ...
والدّرَجة الرابعة: تقليدُ مجتهدٍ مطلق، فإنّه وإن كان مستقلاً فى استنباط
الأحكام الشّرعيّة من الكتاب والسنّة، ولكن لا محيصَ له من نوعٍ من التّقليد،
وهو أنّه ينظر فى أقوال السّلف من الصّحابة والتّابعين، ويتمسّك بها فى شرح
أحكام القرآن والسنّة، فربما لا يوجد نصّ صريح من الكتاب والسنّة، ولكن
يوجدُ قولٌ من أحد الصّحابة أو التّابعين، فيُقدّمه على رأيه الخاصّ. وهذا كما
أنّ أبا حنيفة رضي الله عنه كثيراً مّا يأخذ بقولِ إبراهيم النخعيّ، والشّافعيَّ
بقول ابن جريج، ومالكاً بقول أحد الفقهاء السّبعة بالمدينة المنوّرة. قال
العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فى المجتهد المطلق: "ولا يُنافى اجتهادُه
تقليده لغيره أحياناً، فلا تجدُ أحداً من الأئمّة إلاّ وهو مقلّدٌ مَن هو أعلمُ منه
فى بعض الأحكام، وقد قال الشّافعىّ رحمه الله ورضى عنه فى موضع من
الحجّ: "قلتُه تقليداً لعطاء."(١)
(١) إعلام الموقعين ٤:١٧٩ الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون أربعة أقسام

طبقات الفقهاء

أصول الإفتاء
٨٦
طبقات الفقهاء
طبقات الفقهاء الحنفية
قد ذكر العلامة ابن عابدين(١) رحمه الله تعالى فى شرح عقود رسم
المفتى أنّ الفقهاءَ الحنفيّة على طبقاتٍ قد حصرها العلامة ابن كمال باشا(٢)
(١) العلامة ابن عابدين الشاميّ: قال الزّركليّ فى الأعلام: "محمّد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين
الدمشقي: فقيه الدّيار الشّامَّيّة وإمام الحنفيّة فى عصره. مولده ووفاته فى دمشق. له "ردّ المختار
على الدّر المختار" خمس مجلّدات، فقه، يعرف بحاشية ابن عابدين، و"رفع الأنظار عمّا أورده
الحلبيّ على الدّر المختار" و "العقود الدُّرّية في تنقيح الفتاوى الحامدية" جزآن، و "نَسَمَات
الأسحار على شرح المنار" أصول، و"حاشية على المطوّل" فى البلاغة، و"الرّحيق المختوم" فى
الفرائض، و "حواش على تفسير البيضاويّ" التزم فيها أن لا يذكر شيئاً ذكره المفسِّرون، و"
"مجموعة رسائل" مجلدان، وهي ٣٢ رسالةً، و "عقود اللآلى فى الأسانيد العوالى" وهو ثبته."
وأرخ الزركليّ مولده سنة ١١٩٨ هـ ووفاته رحمه الله سنة ١٢٥٢ هـ. (الأعلام ٦: ٤٢)
(٢) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا، كان جده من أمراء الدولة العثمانية ونشأ هو في صباه في
حجر العز. ونقل العلامة طاشكبرى زاده فى "الشقائق النعمانية فى علماء الدولة العثمانية" سبب
اشتغاله بالعلم، وهو أنه كان فى رفقة السلطان بايزيد خان فى سفر، ومعه وزير وأمير يقال له
أحمد بك ، فرأى أنه جاء رجل من العلماء رثّ الهيئة دنيئ اللباس فجلس فوق الأمير المذكور،
فتعجب منه كمال باشا وسأل رفقاءه عن سبب جرأته على الأمير، فأخبر أنه عالم مدرس يقال
له المولى لطفى، ووظيفته ثلاثون درهما، وإنما يُعظّمه الأمير من أجل علمه، ولا يرضى الأمير بأن
يتأخر عن مجلسه هذا. فوقع فى قلب ابن كمال باشا عظمة العلم، فذهب إلى خدمة المولى
المذكور وقرأ عليه حواشى شرح المطالع. (ملخص من الشقائق النعمانية ص٢٢٦) و أخذ العلم
أيضا عن المولى مصلح الدين القسطلانىّ وهو الّذي يصل سنده فى الفقه إلى أكمل الدين البابرتىّ،
صاحب العناية، ثم إلى حسام الدین حسن السغناقیّ صاحب النهاية. وابن کمال رحمه الله صار
مدرّسا بمدينة أدرنة، ثم صار قاضيا، فدخل مع السلطان القاهرة حين أخذها من يد الجراكسة،
فشهد له أهلها بالفضل والإتقان. ثم صار مفتيا بقسطنطينية، وله تصانيف كثيرة معتبرة، منها
تفسير للقرآن لطيف حسن قريب من التمام وقداخترمته المنية ولم يكمله، وحواش على الكشاف، =

أصول الإفتاء
٨٧
طبقات الفقهاء
في سبع طبقات:
الطّبقة الأولى: طبقةُ المجتهدين في الشّرع، كالأئمّة الأربعة رضي الله عنهم،
ومن سَلَكَ مسلكهم فى تأسيس قواعد الأصول، واستنباطِ أحكام الفروع من
الأدلّة الأربعة من غير تقليدٍ لأحد، لافى الفروع ولا فى الأصول.
الطبقة الثانية: طبقةُ المجتهدین فی المذهب،کأبی یوسف ومحمد وسائر
أصحاب أبى حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلةِ المذكورة
على حسب القواعد الّتى قرّرها أستاذُهم، فإنّهم وإن خالَفُوه فى بعض أحكام
الفروع، لكنّهم يقلّدونه فى قواعد الأصول.
الطبقة الثالثة: طبقةُ المجتهدين فى المسائل التى لا روايةَ فيها عن
صاحب المذهب، كالخصّاف(١) وأبى جعفر الطحاوىّ ..
= والإصلاح والإيضاح، وهو متن وشرحه فى الفقه، وشرح الهداية ولم يكمل، وحواشى
التلويح. وغیرها. وله رسائل كثيرة فى فنون عديدة لعلّها تزيد على ثلاثمائة، کما ذکر ابن عابدين
رحمه الله عن طبقات التميمىّ. وذكر ابن عابدين رحمه الله فى رد المحتار عن طبقات التميمىّ أنه
قلّ ما يوجد فنّ إلا وله فيه مصنَّف أو مصنَّفات وأنه كان في كثرة التأليف والسرعة بها
كالجلال السيوطي. توفّي رحمه الله تعالى وهو مفت بدار السلطنة، مدينة قسطنطينية، سنة ٩٤٠
هـ. (ملخص ما في الفوائد البهية ص٢١ و ٢٢ والشقائق النعمانية ص٢٢٦ و ٢٢٧ وشرح
العلامة ابن عابدين لمقدمة الدر المختار.)
(١) وهو أحمد بن عمر بن مهير الخصّاف. أخذ العلم عن أبيه عمر بن مهير عن الحسن عن الإمام أبى
حنيفة رحمهم الله تعالى. وكان فرضيًا حاسبا عارفا بالمذهب. وكان مقدّما عند الخليفة المهتدى
بالله، وصنّف له کتاب الخراج. ومن تصانيفه كتاب أحكام الوقف، و کتاب أدب القاضى، و کتاب
الحيل، وكتاب الوصايا، وكتاب الشّروط الكبير والصغير، وغيرها. وكان صنّف كتابا في مناسك
الحجّ، لكن لما قتل المهتدى، نُهبت دار الخصّاف، وذهب هذا الكتاب في كتب أخرى. وكان إماما
فى العلوم حتى قال عنه شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله: "الخصّاف رجل كبير فى العلوم، وهو ثمن
يصحّ الاقتداء به." (نقله اللكنوى عن القارى رحمهما الله تعالى) و روى الحديث عن خلق کثیر، =

أصول الإفتاء
٨٨
طبقات الفقهاء
وأبى الحسن الكرخيّ (١) وشمس الأئمة الحَلواني)(٢) وشمس الأئمّة
· السّرخسىّ وفخر الإسلام البزدوى(٣) ..
= منهم وهب بن جرير، والقعني، وأبو داود الطيالسيّ ومسدّد بن مسرهد، وعلىّ بن المدین،
رحمهم الله تعالى أجمعين. وقال الذّهبى رحمه الله: "ويذكر عنه زهد وورع، وأنه كان يأكل من
صنعته -رحمه الله -. " وهو عمل خصف (أي خرز) النعل وغيرها. كما في الفوائد البهية عن
السّمعانى. توفّى رحمه الله سنة ٢٦١ هـ، وقد قارب الثمانين. (ليراجع لترجمته سير أعلام
النبلاء، الطبقة الخامسة عشرة، ج١٣ ص١٢٣ والفوائد البهية ص٢٩.)
(١) هو عبيد الله بن الحسين، أبو الحسن الكرخىّ. نسبة إلى كرخ، قرية بنواحى العراق. أخذ الفقه
عن أبی سعید البردعىّ، عن إسماعيل بن حماد ابن أبى حنيفة عن أبيه عن جده، وانتهت إليه رئاسة
الحنفيّة بعد الإمامين أبى حازم وأبى سعيد البردعىّ. وممن تفقه عليه من الأئمة أبو بكر الجصّاص،
وأبو الحسن القدورى، وأبو القاسم علىّ التنوخىّ. رحمهم الله تعالى. ومن تصانيفه المختصر
وشرح الجامع الصغير وشرح الجامع الكبير. وكان كثير الصوم والصلاة، ولمّاً أصابه الفالج آخر
عمره، كتب أصحابه إلى سيف الدولة ابن حمدان للإنفاق عليه، فبكى الإمام الكرخىّ لمّ علم
ذلك، وقال: "اللهم لا تجعل رزقى إلاّ من حيث عوّدتنى" فتوقّي رحمه الله قبل أن تصل إليه صلة
سيف الدولة، وذلك فى سنة ٣٤٠ هـ. ملخص من الفوائد البهية ص١٠٨ و١٠٩.
(٢) هو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، شمس الأئمة الحلوانى، ضبطه بعضهم بفتح الحاء
وبالنّون قبل ياء النسبة، ويجوز ضمّ الحاء أيضا، وضبطه الآخرون بفتح الحاء وبالهمزة قبل ياء
النسبة. وهو منسوب إلى عمل الحلواء، وذلك لأنّ والده رحمه الله تعالى كان فقيرا يبيع الحلواء،
وكان يعطى الفقهاء من الحلواء، ويقول: ادعوا لابنى. كان إمام الحنفيّة ببخارى في وقته. تفقّه
على الحسين أبى علىّ النسفىّ. وأخذ عنه شمس الأئمة السرخسيّ، وفخر الإسلام علىّ بن محمد
بن الحسين البزدويّ، وأخوه صدر الإسلام أبو اليسر محمد بن محمد، وشمس الأئمة أبو بكر محمد
بن على الزرنجرىّ وغيرهم رحمه الله تعالى. من تصانيفه المبسوط وكتاب النوادر. ذكر القارى
أن وفاته كانت في سنة ٤٤٨ هـ. (ليراجع لترجمته والاختلاف فى سن وفاته، وفى ضبط لفظ
الحلوانى الفوائد البهية ص ٩٥ و ٩٦)
(٣) هو علىّ بن بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن فخر الإسلام البزدوىّ. كان إمام
الأصحاب بما وراء النهر، وأحد من يضرب به المثل فى حفظ المذهب. ولّى قضاء سمرقند ودرّس بها. له
تصانيف كثيرة معتبرة، منها كتاب كبير فى أصول الفقه، مشهور بـ "أصول البزدويّ" وشرح الجامع
الكبير، وشرح الجامع الصغير، والمبسوط، وكتاب فى تفسير القرآن يقال إنه مائة وعشرون جزاً، كلّ
جزء فى ضخم مصحف. توفّ رحمه الله سنة ٤٨٢ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص١٢٤ و١٢٥)

أصول الإفتاء
٨٩
طبقات الفقهاء
وفخر الدين قاضيخان(١) وغيرهم، فإنّهم لا يقدرون على مخالفة الإمام، لا فى
الأصول ولا فى الفروع، لكنّهم يستنبطون الأحكامَ عن المسائل التى لا نصّ
فيها عنه على حسب أصولٍ قرّرها، ومقتضى قواعدَ بَسَطها.
الطبقة الرابعة: طبقةُ أصحاب التّخريج من المقلّدین کالرازى(٢) وأضرابه،
فإنّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنّهم لإحاطتهم بالأصولِ وضبطهم
للمأخذ، يقدرُون على تفصيل قولٍ مجملٍ ذى وجهين، وحكم محتمِل
لأمرين منقولٍ عن صاحب المذهب أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين
(١) هو حسن بن منصور بن محمود، فخر الدين قاضيخان الأوزجندي، نسبة إلى أوزجند، مدينة
بنواحی أصبهان بقرب فرغانة. كان إماما کبیرا، غوّاصا فى المعانى الدقيقة، محتهدا فهّامة، أخذ عن
ظهير الدين الحسن بن على المرغينانىّ عن برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعن
جدّه محمود بن عبد العزيز الأوزجندىّ. من تصانيفه الفتاوى المشهورة المتداولة، المعروفة
بـ"الفتاوى الخانية" أو "فتاوى قاضيخان". ونقل العلامة اللكنوى رحمه الله عن قاسم بن قطلوبغا
فى تصحيح القدورىّ: "ما يصححه قاضيخان مقدّم على تصحيح غيره لأنّه فقيه النفس." وله أيضا
شرح الزيادات، وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القضاء للخصاف رحمه الله، وغير ذلك. توقّي
رحمه الله فى ليلة النصف من رمضان سنة ٥٩٢ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص٦٤ و ٦٥)
(٢) أبو بكر الجصاص الرازى: هو أحمد بن علىّ، أبو بكر الرازىّ الجصّاص، (بفتح الميم وتشديد الصاد)
قال السمعانى فى الأنساب؛ "هذه النسبة إلى العمل بالحص وتبييض الجدران" (الأنساب ج٢ ص٦٣)
. کان إمام الحنفية فى عصره، تفقّه على أبى سهل الزجاج وأبى الحسن الكرخىّ، و به انتفع وعليه
تخرّج. وقد دخل بغداد سنة ٣٢٥ هـ، ثم خرج إلى الأهواز، ثم عاد إلى بغداد ثم خرج إلى نيسابور
مع محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى (صاحب المستدرك)، برأى شيخه أبى الحسن الكرخىّ
ومشورته، وتوفّى الكرخىّ رحمه الله تعالى وهو بنيسابور. ثم عاد إلى بغداد سنة ٣٤٤ هـ. تفقّه عليه
جماعة، منهم أبو عبد الله محمد بن يحى الجرجانىّ، شيخ القدورىّ، وأبو الحسن محمد أحمد
الزعفرانىّ. وله من المصنَّفات أحكام القرآن، وشرح مختصر شيخه أبى الحسن الكرخىّ، وشرح
مختصر الطحاوىّ، وشرح الجامع للإمام محمد رحمهم الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى، وكتاب فى
أصول الفقه. توفّى رحمه الله تعالى سنة ٣٧٠ هــ. (ملخص من الفوائد البهية ص٢٧ و٢٨)

٩٠
طبقات الفقهاء
أصول الإفتاء
برأيهم ونظرهم فى الأصول، والمقايَسةِ على أمثاله ونظائره من الفروع، وما
وقع فى بعض المواضع من الهداية من قوله "كذا فى تخريج الكرخى" و
"تخريج الرازى" من هذا القبيل.
الطّبقة الخامسة: طبقةُ أصحاب التّرجيح من المقلّدين، كأبى الحسين
القدورىّ(١) وصاحب الهداية (٢) وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرّوايات
(١) هو أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسين، البغدادىّ القدورىّ (بضم القاف)، قيل إنه نسبة إلى
قرية من قرى بغداد يقال له قدورة، وقيل نسبة إلى بيع القدور (وهو الذى ذكره السمعانى فى
الأنساب ج٤ ص ٤٦٠). كان ثقة صدوقا، سمع الحديث من عبيدالله بن محمد الحوشي، وروى
عنه أبو بكر أحمد بن علىّ بن ثابت الخطيب الحافظ (صاحب التاريخ). وتفقّه على الفقيه أبى عبد
الله محمد بن يحيى الجرجانىّ. كان حسن العبارة في النظر، جرئ اللسان، مديما لتلاوة القرآن.
انتهت إليه رئاسة الحنفيّة فى عصره. وكان يناظر الإمام أبا حامد الإسفرائيني الفقيه الشافعىّ.
صنّف المختصر المبارك، المتداول بين الطلبة، وشَرْحَ مختصر الكرخىّ، وكتاب التّجريد، وهو
مشتمل على الخلاف بين الإمام أبى حنيفة والإمام الشافعىّ مجرّدا عن الدلائل. وله كتاب التقريب
فى المسائل الخلافية بين الإمام أبى حنيفة وأصحابه مجرّدًاً عن الدلائل، ثم صنّف التّقريب الثانى ذكر .
فيهٍ هذه المسائل الخلافيّة بأدلتها. توفّى رحمه الله سنة ٤٢٨ هــ. (ملخص من الفوائد البهيّة
ص٣٠ و ٣١ والأنساب للسمعانىّ ج٤ ص ٤٦٠)
(٢) هو علىّ بن أبى بكر بن عبد الجليل الفرغانىّ المرغينانيّ، كان إماماً فقيها حافظا جامعا للعلوم، متقنا،
زاهداً ورعا بارعا، أصوليًا أديبا شاعرا؛ لم تر العيون مثله فى العلم والأدب. تفقّه على الأئمة
المشهورين، منهم: نجم الدين أبو حفص عمر النسفىّ، وابنه أبو الليث أحمد بن عمر النسفىّ، وأخذ
أيضا عن الصّدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، وغيره من أعيان العلم. أقرّ
له بالفضل والتقدّم أهل عصره، وتفقّه عليه حمّ غفير، منهم أولاده الأمجاد شيخ الإسلام جلال الدين
محمد، ونظام الدين عمر وشيخ الإسلام عماد الدين بن أبى بكر ابن صاحب الهداية، ونقل الإمام
اللكنويّ رحمه الله تعالى عن "تعليم المتعلم" للزرنوجى، تلميذ صاحب الهداية عن شيخه أنه قال:
"ينبغي أن لا يكون لطالب العلم فترة، فإنها آفة ... إنما فقت شركائى بأنّي لم تقع لى الفترة فى
التحصيل." ومن تصانيفه بداية المبتدئ، وشرحه المسمّى بـ "الهداية"، وهو اختصار لشرح آخر
للبداية صنّفه باسم "كفاية المنتهى". وله أيضا "التجنيس والمزيد"، و"مختارات النوازل"، و"كتاب
المنتقى" وغيرها. توفّى رحمه الله تعالى سنة ٥٩٣ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص١٤١ و١٤٢)

أصول الإفتاء
٩١
طبقات الفقهاء
على بعضٍ آخر بقولهم "هذا أولى" و"هذا أصحّ روايةً" و"وهذا أوضح" و
"هذا أوفقُ بالقياس" و "هذا أرفق للنّاس".
الطّبقة السادسة: طبقةُ المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوىّ
والضّعيف وظاهر الرّواية وظاهر المذهب والرّواية النّادرة، كأصحاب
المتون المعتبرة، كصاحب الكنز (١) وصاحب المختار(٢) وصاحب الوقاية(٣)
(١) هو عبد الله بن أحمد بن محمود، أبو البركات حافظ الدّين النَسَفىّ، نسبة إلى نسف، بفتحتين من
بلاد السغد في ما وراء النهر، وقيل بكسر السين، وفى النسبة تفتح. كان إماما كاملا عديم النظير
فى زمانه، رأسا فى الفقه والأصول، بارعا فى الحديث ومعانيه. تفقّه على شمس الأئمة محمد بن
عبد الستّار الكردرىّ، وعلى حميد الدين الضرير، وبدر الدين خواهر زاده. وله تصانيف معتبرة،
منها "كتر الدقائق"، متن مشهور من المتون المعتبرة في الفقه، و"الوافى" مين لطيف فى الفروع،
وشرحه "الكافى"، و"المنار" متن فى أصول الفقه وشرحه "كشف الأسرار". دخل بغداد سنة
٧١٠ هـ، ووفاته فى هذه السنة. وذكر اللكنويّ رحمه الله تعالى أن المترجمين اختلفوا فى تاريخ
وفاته. فليراجع للتفصيل الفوائد البهية. (ملخص من الفوائد البهية ص١٠١ و١٠٢)
(٢) هو عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود، أبو الفضل، مجد الدين الموصلىّ، نسبة إلى مولده
الموصل (بفتح الميم وكسر الصاد) من بلاد الجزيرة، قال السمعانى: "وإنما قيل لبلادها الجزيرة لانها
بين الدجلة والفرات" (الأنساب للسمعاني ٥ / ٤٠٧). حصّل عند أبيه أبى الثناء محمود مبادىّ
العلوم ورحل إلى دمشق، فأخذ عن جمال الدين الحصيرى وتولّى القضاء بالكوفة. وكانت من
أفراد الدهر فى الفروع والأصول وكانت مشاهير الفتاوى على حفظه. ومن تصانيفه "المختار"،
ألّفه فى عنفوان شبابه، ثم صنّف شرحا له وسماه "الاختيار". توفّى رحمه الله سنة ٦٨٣ هـ.
(ملخص من الفوائد البهية ص١٠٦)
(٣) هو محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم، تاج الشريعة المحبوبيّ، من أولاد الصحابيّ الجليل عبادة
بن الصامت رضي الله تعالى عنه (ذكر نسبه الإمام اللكنوى رحمه الله فى مقدمة عمدة الرعاية).
أخذ العلم عن أبيه صدر الشريعة أحمد، كان عالما عاملا فاضلا نجريرا بحرا زاخرا. وهو صاحب
التصانيف الجليلة، منها: "الوقاية" وهو متن فى الفقه انتخبه من "الهداية". صنّفه لأجل حفظ ابن
ابنه، صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود. وله الفتاوى والواقعات وشرح الهداية المسمّى
بـ "نهاية الكفاية". (وليراجع للتفصيل ولأبحاث نفيسة حول بعض الاختلاف الذي وقع في ترجمته
وترجمة صدر الشريعة عبيد الله: الفوائد البهية ص٢٠٧ وص١٠٩ وما بعدهاو والنافع الكبير ص١٤
و ١٥ ومقدمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية، الدراسة السادسة ص١٨ إلى ص ٢٠.)

أصول الإفتاء
٩٢
طبقات الفقهاء
وصاحب المجمع(١)، وشأنُهم أن لا ينقلوا فى كتبهم الأقوالَ المردودة
والرّواياتِ الضّعيفة.
الطّبقة السّابعة: طبقةُ المقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يُفرّقون
بين الغثّ والسّمين، ولا يميّزون الشّمالَ من اليمين، بل يَجْمعون ما يجِدون
كحاطبِ ليل. فالويلُ لمن قلّدهم كلُّ الويل."
هذه عبارة ابن كمال باشا كما نقلها ابن عابدين رحمه الله تعالى فى شرح
عقود رسم المفتى عن بعض رسائله، وذكر الطّحطاوى(٢) رحمه الله تعالى
(١) هو أحمد بن علىّ بن ثعلب، مظفر الدين الساعاتىّ البعليكّىّ أصلا والبغدادىّ منشأً. والبعلبكّىّ
نسبة إلى بعلبك (بفتح البائين) مدينة من مدن الشام على اثنى عشر فرسخا من دمشق. (الأنساب
ج١ ص ٣٧٠). أبوه عمل الساعات المشهورة على باب المستنصر ببغداد، واشتهر بعلم النحو
والهيئة وعمل الساعات، وابنه هذا نشأ ببغداد، وبلغ رتبة الكمال، وصار إمام العصر فى العلوم
الشرعية، كان ثقةً حافظا متقنا. وكان شمس الدين الاصفهانىّ الشافعىّ شارح المحصول يفضّله
على ابن الحاجب، ويقول: هو أذكى منه. أخذ العلم عن تاج الدين علىّ، عن ظهير الدّين
صاحب "الفتاوى الظهيرية"، عن قاضيخان. وله كتاب مجمع البحرين، من المتون المعتبرة فى
الفقه، و"البديع" فى أصول الفقه. قال الإمام اللكنويّ رحمه الله تعالى: "قد طالعت البديع والمجمع،
وهما كتابان فى غاية اللطف واللطافة." توفّى رحمه الله تعالى سنة ٦٩٤ هـ. (ملخص من الفوائد
البهية ص٢٦ و٢٦، والنافع الكبير ص١٦)
(٢) العلامة الطّحطاويّ: قال الزركليّ فى الأعلام: "أحمد بن محمد بن إسماعيل الطهطاوي: فقيه
حنفي. اشتهر بكتابه "حاشية الدر المختار" أربع مجلدات في فقه الحنفية. ولد بطهطا (بالقرب من
أسيوط، بمصر) وتعلّم بالأزهر، ثم تقلّد مشيخة الحنفية، وخلعه بعض المشايخ، وأعيد إليها،
فاستمرّ إلى أن توفي بالقاهرة. ومن كتبه أيضا "حاشية على شرح مراقي الفلاح" فقه، و "كشف
الرين عن بيان المسح على الجوربين" رسالة. وفي تاريخ الجبرتي أن أباه روميّ (تركي) حضر إلى
مصر متقلّدا القضاء بطحطا (وهي طهطا) وربّما قيل له الطحطاوي." وأرّخ الزركلي وفاته رحمه
الله سنة ١٢٣١ من الهجرة. (الأعلام ١: ٢٤٥)

أصول الإفتاء
٩٣
طبقات الفقهاء
أنّه ذكر ذلك فى رسالة "وقف البنات"(١). وقد أخذ منه كثيرٌ من العلماء
المتأخّرين، فذكروا طبقاتِ الفقهاء على ماذكره ابنُ كمال باشا رحمه الله
تعالى دونَ نقٍ أو تثبّت، ولكن انتقده جمعٌ من العلماء الراسخين الّذين
جاءوا بعده، لأنّ فى كلامه ملاحظاتٍ من وجوهٍشتىّ:
الملاحظة الأولى في تقسيم ابن كمال باشا رحمه الله تعالى:
أنّه عدّ الإمام أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيبانيّ رحمهما الله تعالى
من المجتهدين فى المذهب الّذين يُقلّدون إمامَهم فى الأصول. وقد
شدّد فى الردّ على ذلك العلاّمة شهاب الدّين المَرْجانىّ رحمه الله تعالى
فى كتابه "ناظورةُ الحق "(٢) ومولانا الشّيخ عبد الحيّ اللكنوي(٣)
رحمه الله تعالى في مقدّمة "الجامع الصغير" وفى "عمدة الرعاية"
(١) حاشية الطحطاوى على الدر المختار، أواخر المقدمة ١:٥١
(٢) كتاب "ناظورة الحق فى فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق" مخطوط فى مكتبة دار العلوم كراتشى
ص ٥٨ وفيه ردّ مبسوط على ابن كمال باشا وتقسيماته لطبقات الحنفية، وتعيين العلماء فى هذه
الطبقات. واسم المؤلف هارون بن بهاؤالدين، ويلقب بشهاب الدين، المرجانىّ من علماء القرن
الثالث عشر، ولد فى ١٢٣٣ هـ فى قرية من ولاية قازان، وتعلم فى بخاراو سمرقند، وقال
الزركلى: "تخرج على يديه كثير من العلماء، وكان مجاهرا بالاجتهاد وانتقاد بعض المتقدمين عنيفا
فى مناظراته، فعاداه معاصروه، فانعزل عن منصبه ثمّ عاد إليه." (الأعلام للزركلى ٣:١٧٨)
و جامعه موجود حتى اليوم فى قازان وزرته، وله صيت حسن فى علماء تلك الديار، وتبحره فى
العلوم ظاهر من كتابه ناظورة الحق وغيره، فإنه وإن كان على موضوع فرضية صلاة العشاء فى
المناطق التى لا يغيب فيها الشفق، وولاية قازان منها، وهى قريبة من بُلغار، غيرأنه أتى بأبحاث فى
الفقه وأصوله فى غاية الوجاهة. محمد تقی
(٣) الإمام عبد الحىّ اللكنوىّ: هو عبد الحىّ بن عبد الحليم بن أمين الله بن محمد أكبر السّهالوى
اللّكنوىّ. حفظ القرآن وهوابن عشرسنين. وفرغ من تحصيل العلوم فى السابع عشر من سنّه،
ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدرآباد مدّة من الزمان، ورزقه الله الحجّ مرّتين. وحصلت له
الإجازة عن عدّة من مشايخ الحرمين. ثم إنّه أخذ الرخصة من الولاة بحيدرآباد وقدم بلدته لکنو، =

٩٤
طبقات الفقهاء
أصول الإفتاء
بأنّ مخالفتَهما للإمام أبى حنيفة فى الأصول غيرُ قليلة، حتى قال الإمام
الغزالي(١) رحمه الله تعالى في كتابه "المنخول" إنّهما خالفا أبا حنيفة فى ثُلثی
مذهبه. (٢) وكذلك حقّق العلامة المرجانىّ رحمه الله تعالى، وقال فى
الصّاحبين وزفررحمهم الله تعالى: "وحالهم فى الفقه، وإن لم یکن أرفعَ من
مالك والشافعيّ، فليسوا بدونهما، وقد اشتهر فى أفواه الموافق والمخالف
وجرى مجرى الأمثال قولهم: "أبو حنيفة أبويوسف" بمعنى أنّ البالغَ إلى
= فأقام بها مدّة عمره، ودرّس، وأفاد، وصنّف. وكان إذا اجتمع بأهل العلم وحرت المباحثة فى فنّ
من فنون العلم لا يتكلّم قطّ، بل ينظر إليهم ساكنا، فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلّم بكلام يقبله الجميع،
ويقنع به كلّ سامع. وله تصانيف كثيرة فى عدّة من الفنون منها فى الحديث : "التعليق الممحّد
على موطأ محمد" و "الأجوبة الكاملة للأسئلة العشرة الكاملة" و"ظَفَر الأمانى بشرح المختصر
المنسوب إلى الجرجانىّ" و"الآثار المرفوعة فى الأحاديث الموضوعة"؛ وفى الفقه: "السعاية فى كشف
ما فى شرح الوقاية"، لم تتمّ، وحواش مفيدة على شرح الوقاية والهداية، وفى النسب والأخبار:
"النصيب الأوفر فى تراجم علماء المائة الثالثة عشر"، لم تتمّ، و"الفوائد البهية فى تراجم الحنفيّة"
وغير ذلك من التصانيف الكثيرة فى فنون عديدة. يقول الإمام اللكنويّ رحمه الله: "ومن ذلك
السنّ (أى سن فراغه من تحصيل العلوم، وهي السابعة عشر من عمره) اشتغلت بالتأليف، وبلغت
تصانيفى المدوّنة التامّة إلى الآن معقولا ومنقولا إلى أربع وأربعين." (آخر التعليقات السنّة على
الفوائد البهيّة ص٢٤٨) توفّي رحمه الله سنة ١٣٠٤ هـ، وله من العمر ٣٩ سنة، وقد صلّ عليه
ثلاث مرّات لكثرة الناس فى جنازته. (ملخص من نزهة الخواطر وآخر التعليقات السنّة على
الفوائد البهية ص٢٤٨ و٢٤٩)
(١) الإمام الغزّاليّ: هو محمد بن محمد بن محمد الغزاليّ الطوسي، أبو حامد، حجة الاسلام، وأعجوبة
الزمان، الفقيه العبّاد الزّهّاد، صاحب "الوجيز" فى فروع الشّافعيّة. له نحو مئتي مصنف. مولده رحمه
الله سنة ٤٥٠ هـ فى الطابران (قصبة طوس، بخراسان). رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز
فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاى) أو إلى
غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه "إحياء علوم الدين" أربع مجلدات، و"تهافت
الفلاسفة"، كما أنّ له فى أصول الفقه "شفاء الغليل" و"المستصفى من علم الاصول" و"المنخول".
تُؤُقّي رحمه الله سنة ٥٠٥ هـ فى الطابران. (ملخص من الأعلام ٧: ٢٢ و٢٣)
(٢) المنخول للغزالىٌ ص٤٩٦

أصول الإفتاء
٩٥
طبقات الفقهاء
الدّرجة القُصوى فى الفقاهة أبويوسف." ... ونقل النووىّ فى تهذيب
الأسماء عن أبى المعالى الجُوَيْنىّ(١) أنّ كلّ مااختاره المُزَنى)(٢) أرى أنّه
تخريجٌ ملحقٌ بالمذهب، لاكأبى يوسف ومحمد، فإنّهما يخالفان أصول
(١) إمام الحرمين الجوينيّ: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الشافعيّ، أبو المعالي،
ركنُ الدين، الملقّب بإمام الحرمين، قال الحافظ أبو محمّد الجرجاني: "هو إمام عصره ونسيجُ.
وحده ونادرةُ دهره" ولد رحمه الله فى جُوين (من نواحي نيسابور) سنة ٤١٩ هـ، ورحل إلى
بغداد، فمكّة حيث جاور أربع سنين. وذهب إلى المدينة فأفتى ودرّس، جامعاً طرق المذاهب،
ومن ثمّ لُقّب بإمام الحرمين. وكان سببُ خروجه من بلده الفتنة الّتى أثارها الوزير السوء أبو نصر
الكندريّ للسلطان طغرلبك السّلجوقيّ، ضدَّ الأشاعرة، وكان محنة عظيمة، وآلت هذه الفتنة إلى
خروج إمام الحرمين، والحافظ البيهقيّ والعلاّمة القُشيريّ رحمهم الله تعالى أجمعين من نيسابور. ثم
رجع إلى بلده حيث بقي مسلّمًا له المحرابُ والمنبر والخطبة والتدريس، ومجلس الوعظ يوم الجمعة.
(ليراجع لتفصيل هذه المحنة "طبقات الشافعية الكبرى" للإمام السبكيّ، ترجمة الإمام أبى الحسن
الأشعريّ رحمه الله تعالى ٣: ٣٨٩ وما بعدها) له تصانيف فى غاية من التحقيق، منها "غياثُ
الأمم فى التياث الظُّلَم". المعروف ب"الغيائيّ" من أروع التراث الإسلاميّ فى السّياسة الإسلاميّة،
و"البرهان فى أصول الفقه"، و"الورقات" فى أصول الفقه، و "الإرشاد إلى قواطع الأدلة فى أصول
الاعتقاد" وغيرها. وقد انتقده بعضُ العلماء مثل الذّهبيّ والمأزريّ ببعض ما نُسب إليه، وقد ردّه
السبكيّ رحمه الله تعالى فى ترجمة إمام الحرمين ٥: ١٩٢ ومابعدها. توفّي رحمه الله فى الخامس
والعشرين من ربيع الآخر، سنة ٤٧٨ هـ. (ملخص من طبقات الشافعية الكبرى ٥: ١٦٥ وما
بعدها ومقدمة التحقيق ل "لغياث الأمم" للدكتور مصطفى الحليميّ والدكتور فؤاد عبد المنعم.
(٢) الإمام المزنيّ: هو إسماعيل ابن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزنيّ المصريّ أبو إبراهيم،
الإمام العلامة، فقيه الملّة، عَلَمُ الزُّهّاد، مجاب الدعوات، تلميذُ الإمام الشافعيّ رحمهم الله الّذي
قال عنه: "المزنيّ ناصر مذهبي"، وصاحب "المختصر" الّذي طبّقت شهرته الآفاق. مولده سنة
١٧٥ هـ. وذكر الإمام النوويّ عن إمام الحرمين رحمهما الله تعالى أنّ تخريج الإمام المزنيّ فى
المذهب الشافعيّ أولى من تخريج غيره. وهو خال الإمام الطحاويّ رحمه الله تعالى. (كما فى
"الإرشاد فى معرفة علماء الحديث للحافظ أبي يعلى القزويني١: ٤٣١ ترجمة الإمام المزني رحمه الله،
والجواهر المضيئة ١: ٢٧٤، ترجمة الإمام الطحاويّ رحمه الله تعالى) تُوُفيّ رحمه الله في رمضان
لستّ بقين منه ٢٦٤ هـ، وله تسع وثمانون سنة. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٢: ٤٩٤
إلى ٤٩٧ وتهذيب الأسماء واللغات ٢: ٢٨٥)

٩٦
طبقات الفقهاء
أصول الإفتاء
صاحبهما."(١) ومن ثمّ قال الإمام اللكنويّ رحمه الله تعالى: "فالحقُّ أن يقال:
إنّهما مجتهدان مستقلان، وقد بلغا مرتبة الاجتهاد المطلق، إلاّ أنّهما لِحُسن
تعظيمهما لأستاذهما وفرْطِ إجلالهما له أصلا أصلَه، وتوجّها إلى نقل مذهبه
وانتسبا إليه. "(٢) فكأنّه جعلهما من المجتهدين المنتسبين، دون المجتهدين
فى المذهب. وإنّ "المجتهد المنتسب" قسمٌ مستقلٌّ من الفقهاء لم يذكره
ابنُ كمال باشا رحمه الله تعالى، وذكره كثيرون ممن ذكروا طبقاتِ الفقهاء،
ولكنّهم اختلفوا فى مصداقه على ثلاثة أقوال:
أحدهما ماذكره الشّيخ اللّكنوىّ رحمه الله تعالى من أنّ المجتهد المنتسب
مجتهدٌ مطلق فى الحقيقة، ولا يُقلّد أحدا لافى الفروع ولا فى الأصول، ولكنّه
ينسب نفسه إلى أستاذه إجلالاًله وتعظيماً.
والثّانى: ما ذكره الإمام النووىّ عن ابن الصّلاح رحمهما الله تعالى من
أنّ المجتهد المنتسب مجتهدٌ مطلق، ولكنّه يُنسب إلى المجتهد
المستقلّ لسُلوكه طريقه فى الاجتهاد، وحكى عن أبى إسحاق الإِسْفَرَائِيْنِىّ(٣)
(١) النافع الکبیر، مقدمة الجامع الغیر للإمام اللکنوی ص ٦
(٢) مقدمة عمدة الرعاية، حاشية شرح الوقاية ص ٩
(٣) الإمام أبو إسحق الإسفرائينىّ: هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإمام فى الكلام،
والأصول، والفقه، والإسفرابينىّ نسبة إلى إِسفَرايينِ (بكسر الألف وسكون السّين المهملة وفتح
الفاء والراء وكسر الياء، بُليدةٌ بنواحي نيسابور كما فى الأنساب للسمعانيّ رحمه الله تعالى ١:
١٤٣). قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: "من أصحابنا أصحاب الوجوه، تكرّر ذكره فى
الوسيط والرّوضة، ولا ذكرَ له فى المهذب، ويقال له: الأستاذ أبو إسحاق." كان أحد الثلاثة
الّذين اجتمعوا فى عصر واحد على نصر مذهب الحديث والسنة فى المسائل الكلاميّة، القائمين
بنصرة مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعريّ، وهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى، والقاضى أبو
بكر الباقلانى، والإمام أبو بكر بن فُوَرَّك رحمهم الله تعالى أجمعين. توفّي رحمه الله تعالى يوم
عاشوراء سنة ٤١٨ هـ. (ملخص من تهذيب الأسماء واللغات ٢: ١٦٩ و ١٧٠)

أصول الإفتاء
٩٧
طبقات الفقهاء
قال: "إنّهم صاروا إلى مذهب الشافعيّ، لا تقليداً له، بل لِما وجدوا طُرقه فى
الاجتهاد والقياس أسدًّ الطّرق، ولم يكن لهم بُدُّ من الاجتهاد سَلَکوا طريقه،
فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشّافعيّ. وذكر أبو علىّ السِّنجىّ نحو هذا، فقال:
اتّبعنا الشافعيَّ دونَ غيره، لأنّا وجدنا قولَه أرجحَ الأقوال وأعدلَها، لا أنّا
قلّدناه. "(١) فالحاصل أنّ المجتهد المنتسب إنّما يُنسَبُ إلى مجتهدٍ مستقلّ
لأنّ اجتهاده وافق اجتهاد من انتسب إليه فى معظم المسائل، لاأنه قّده فى
الأصول أو الفروع. وهو الذى اختاره ابنُ الصلاح(٣) والسّيوطى» (٣) رحمهما الله
تعالى، وزاد السيوطىّ: "فبين المستقلّ والمطلق عموم وخصوص، فكلُّ
مستقلڑ مطلقٌ، ولیس کلّ مطلقٍ مستقلاً. "(٤).
(١) مقدمة المجموع شرح المهذب ١:٤٣
3
(٢) أدب الفتوى لابن الصلاح ص ٤٠
(٣) الإمام جلال الدّين السيوطيّ: هو عبد الرحمن ابن أبي بكر بن محمد، أبو الفضل، الخضيري
السّيوطيّ، الشّافعيّ. وُلد مستهَلّ رجب سنة ٨٤٩ هـ.وكان أبوه من أهل العلم وأمر زوجته أن
تأتيه بكتاب من كتبه، فذهبت لتأتى به، فأجاءها المخاض وهى بين الكتب، فوضعته، ولذلك
کان يلقّب بابن الكتب. (النور السافرص ٩٠) و توفي والده، وله من العمر خمس سنوات و کان
ثمن تعهّده بعد والده الكمالُ بن الهمام. وقد أكبّ على طلب العلم من مشاهير عصره من
العلماء الكبار. وكان آيةً كبرى فى سرعة التأليف، له أكثر من خمسمائة مؤلّف، قد اشتهر
.. أكثرها فى حياته في أقطار الأرض. وأخبر عن نفسه أنّه يحفظ مائتي ألف حديث. قال: "ولو
وجدت أكثر لحفظته." ولما بلغ أربعين سنةً ترك الافتاء والتّدريس وأخذ فى التحرّد للعبادة
والانقطاع إلى الله تعالى وشرع فى تحرير مؤلّفاته. وما زال على هذا إلى أن توفي رحمه الله تعالى
في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة ٩١١ هــ. (ملخص من شذرات الذهب
للعلامة ابن العماد ١٠: ٧٤ إلى ٧٩).
(٤) الردّ على من أخلد إلى الأرض ص ١١٣

أصول الإفتاء
٩٨
طبقات الفقهاء
والقول الثّالث: ما ذكره الشيخ عبد الوهاب الشعرانى (١) رحمه الله تعالى حيث
قال: "وجميعُ من ادّعى الاجتهاد المطلق (يعنى فى العصور المتأخرة
عن الأئمّة المتبوعين) إنمّا مراده المطلقُ المنتسب الّذى لا يخرج عن
قواعد إمامه، كابن القاسم وأصبغ مع مالك، وكمحمّد وأبى يوسف مع
أبى حنيفة، وكالمُزَنىّ والربيع (٣) مع الشافعىّ.(٣) وهذا الكلام يُشعر بأنّ الشيخ
الشعرانيّ رحمه الله تعالى جعل المجتهد المنتسب مقلّداً لإمامه فى
الأصول، وحاله كحال المجتهد فى المذهب فيما ذكره ابنُ كمال باشا، ولكنّ
الشّعرانيّ رحمه الله تعالى جعله مجتهداً مطلقاً. فلعل مراده ماذكره الشيخ
ولى الله الدهلويّ رحمه الله تعالى فى "الإنصاف " أنّ المجتهد المنتسب قسمٌ
بين المجتهد المطلق والمجتهد فى المذهب. قال رحمه الله تعالى:
(١) العلامة الشيخ عبد الوهّاب الشّعرانيّ: هو عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبة إلى محمد
ابن الحنفية لاتصال نسبه إليه رحمهم الله، الشعرانيّ (ويقال الشّعراوي) الشافعيّ، أبو محمد، الفقيه
المحدّث العبّاد الزهّاد. ولد فى قلقشندة (مصر) ونشأ بساقية أبى شعرة (من قرى المنوفية) وإليها
نسبته. له تصانيف، منها "الميزان الكبرى و"اليواقت والجواهر فى عقائد الأكابر" وغيرهما. وله
صيت حسن الدقّة نظره فى أسرار الشريعة. توفي رحمه الله فى القاهرة سنة ٩٧٣ هــ. (ملخص
من الأعلام ٤: ١٨٠ و١٨١ وشذرات الذهب ١٠: ٥٤٤ وما بعدها)
(٢) الإمام الرّبيع الشافعيّ: الرّبيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، أبو محمد، المراديّ، مولاهم
المصريّ المؤذّن، أكثر أصحاب الإمام الشافعيّ رحمه الله روايةً عنه والّذي تفرّس فيه الإمام
الشافعيّ قائلا: "أنت راوية كتبى" فكان كما تفرّس، وخادمه الّذى قال عنه: " ما خدمنى أحدٌ
خدمةَ الربيع". تكرّر ذكره فى المهذّب، والوسيط، والروضة. توفي رحمه الله فى شوال سنة ٢٧٠
هـ. فائدة: ليتنبّه أنّ الربيع بن سليمان الجيزيّ أيضا من أصحاب الإمام الشافعيّ، لكن ليس له
كثير ذكر فى الكتب؛ و"الربيع" حيث أطلق فى كتب المذهب، فالمراد به المراديّ، وإذا أرادوا
الجيزى قيدوه بالجيزيّ. (ملخص من تهذيب الأسماء واللغات ١: ١٨٧ و١٨٨)
(٣) الميزان الكبرى للشعرانى ١:٣٨ و٣٩

أصول الإفتاء
จุ จุ
طبقات الفقهاء
"ثم اعلم أنّ هذاالمجتهد (يعنى المجتهد المطلق) قديكون مستقلاً، وقد
يكون منتسباً إلى المستقلّ. والمستقلُ مَن امتاز عن سائر المجتهدين بثلاث
خصال كما ترى ذلك فى الشافعىّ ظاهراً. أحدها: أن يتصرّفَ فى الأصول
والقواعد التى يُستنبط منها الفقه، كماذكرذلك فى أوائل الأمّ ... وثانيها: أن
يَجْمع الأحاديث والآثار فيَّحصّل أحكامَها وينبّهُ لأخذالفقه منها ويجمع
مختلفَها ويُرجّح بعضَها على بعض، ويُعيّن بعضَ محتمَلها .. وثالثها: أن يُفرِّع
التّفاريع التى تردعليه مما لم يُسبق فى الجواب فيه من القرون المشهودلها
بالخير ... وخصلةٌ رابعةٌ تتلوها، وهى أن ينزل له القَبولُ من السّماء ...
والمجتهد المطلق المنتسب هو المقتدى المُسلِّم فى الخصلة الأولى الجارى
مجراه فى الخصلة الثانية. والمجتهد فى المذهب هو الذى مسلّم منه الأولى
والثانية، وجرى مجراه فى التّفريع على منهاج تفاریعه."(١)
والذى يظهر من كلام الشّيخ الدهلويّ رحمه الله تعالى أنّ المجتهد المنتسب
يُقلّد من انتسب إليه فى أوجه الاستنباط الأساسيّة، مثل حُجّة المرسل
وعدمها، والتّرجيح على أساس صحّة الإسناد أو على أساس فقه الرّواة، وما
إلى ذلك من الأصول الّتى ثبتت عن المجتهدين بصراحة، وإن كان يُخالف
إمامَه فى بعض الأصول المذكورة فى كتب الأصول، مثل الجمع بين الحقيقة
والمجاز، أو أنّ المجازَ خلفٌ عن الحقيقة فى التكلّم أو فى الحكم. ومعظم
هذه الأصول لم تثبت عن الفقهاء بصراحة، وإنّما استنبطها الأصوليّون من
الفروع المرويّة عنهم، والّذى خالف فيه الصّاحبان أباحنيفة رحمهم الله تعالى
(١) الإنصاف فى بيان سبب الاختلاف ص ٨١ و٨٢
سبوبعدين اميسين
٠٣يييمـ

أصول الإفتاء
١٠٠
طبقات الفقهاء
هو مثلُ هذه المسائل الأصوليّة الّتى قد يُخالف فيها المجتهد المنتسبُ إمامَه.
أمّا المجتهد فى المذهب، فلا يخالفُه فى شيئ من الأصول، بل يُفرِّع المسائلَ
على قواعد إمامه.
ومن هنا يظهر وجاهةُ ما قاله العلامة المرجانيّ والشّيخ اللّكنوىّ رحمهما
الله تعالى من أنّه لا يصحّ كونُ الإمام أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى
من المجتهدين فى المذهب، وإنّما كلٌ واحد منهما مجتهدٌ مطلقٌ منتسبٌ
إلى أبى حنيفة رحمهم الله تعالى. والظاهر أنّ الإمام زفر كذلك، والله سبحانه
وتعالى أعلم.
فأمّا المجتهد في المذهب، كما عرّفه ابنُ كمال باشا، فيمكن أن
يُعدَّ منه أمثالُ الإمام أبى جعفر الطّحاويّ، والشّيخ ابنُ الهمام(١) صاحب
فتح القدير، والإمام أبى الحسن الكرخيّ رحمهم الله تعالى من الحنفيّة،
(١) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، كمال الدين، الشهير بابن الهمام السكندرى
السيواسىّ. كان والده قاضيا بسيواس من بلاد الروم، ثم قدم القاهرة وولى خلافة الحكم بها عن
القاضى الحنفىّ، ثم ولّى القضاء بالاسكندرية وتزوّج بها بنت القاضى المالكىّ، فؤُلد له الكمال
محمد، فاشتغل بعد ما ترعرع، على أبيه وعلى علماء بلده. قرأ الهداية على سراج الدين الشهير
بقارئ الهداية، وأخذ العربية عن الجمال الحميدىّ والأصول وغيره عن البساطىّ والحديث عن أبى
زرعة العراقىّ. وكان إماما نظارا، فروعيا، أصوليًا محدثا مفسّرا حافظا نحويًا متكلّما منطقيًا. أخذ
عنه شمس الدين محمد الشهير بابن أمير حاج الحلىّ ومحمد بن محمد ابن الشحنة وسيف الدين
محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا. وكان له نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف
والكرامات. وله تصانيف مقبولة معتبرة، منها شرح الهداية المسمّى ب "فتح القدير" و"التحرير"
فى الأصول، و"المسايرة" فى العقائد. توفّى رحمه الله يوم الجمعة سابع رمضان فى سنة ٨٦١ هــ.
(ملخص من الفوائد البهية ص ١٨٠ و ١٨١)

أصول الإفتاء
١٠١
طبقات الفقهاء
والإمام أبى إسحاق المَرْوَزِيّ(١) والغزاليّ من الشّافعيّة، والقاضي أبى بكر ابن
العربيّ(٣) وابن عبد البَرّ من المالكيّة، وابن عبد الهادى وابن رجب من الحنابلة،
فإنّهم قد يُخالفون إمامَهم في بعض الفروع ولكنّهم يقلّدونه في الأصول.
الملاحظة الثانية: أنّ بعضَ هذه الطبقات أقسام متباينة، مثلُ المجتهد
المطلق والمجتهد فى المذهب، وبعضُها ليست أقساماً متباينة، فيُمكن أن
تجتمعَ فى شخص واحد، مثل "المجتهدين فى المسائل" و"أصحاب
التّخريج" و"أصحاب التّرجيح". والّذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله
عنه أنّ هذه الأقسام للوظائف لا للأشخاص، والمراد أنّ وظائفَ
الفقهاء تنقسم إلى هذه الأقسام الثّلاثة، ولا يلزمُ من ذلك أن لا يكون الرجلُ
(١) الإمام أبو إسحاق المروزيّ: هو إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزى، قال الإمام النوويّ: "هو
إمام جماهير أصحابنا، وشيخ المذهب، وإليه ينتهى طريقة أصحابنا العراقيين، والخراسانيين."
وقال: "حيث أطلق أبو إسحاق فى المذهب، فهو المروزىّ." تفقّه على الإمام أبى العباس بن
سريج، ونشر مذهب الإمام الشّافعي رحمهم الله تعالى أجمعين فى العراق، وسائر الأمصار. خرج
إلى مصر وتوفّي بها سنة ٣٤٠ هـ. (ملخص من تهذيب الأسماء والّغات ٢: ١٧٥)
(٢) القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هو القاضى أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المعافريّ، الأندلسيّ،
الإشبيليّ، المالكيّ، الإمام العلامة، ختام علماء الأندلس. كان والده من كبار أصحاب أبى محمد
بن حزم الظاهريّ بخلاف القاضى أبى بكر فإنه كان شديدَ المخالفة له. ولد رحمه الله سنة ٤٦٨
هـ. وأكبّ على طلب العلم فرحل إلى مصر والشام وبغداد ومكّة المكرّمة، حتّى برع فى
العلوم. وكان من أساتذته الإمام أبو حامد الغزاليّ رحمه الله تعالى. له تصانيف نافعة ما زالت
مراجع العلماء طوال القرون؛ منها "أحكام القرآن"، و "عارضة الأحوذى فى شرح الترمذيّ" و
"القبس فى شرح موطأ ابن أنس" شرح لموطأ الإمام مالك رحمهم الله و"العواصم من القواصم فى
تحقیق مواقف الصحابة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلم". توفي رحمه الله بفاس فی شهر ربيع
الآخر سنة ٥٤٣ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٢٠: ١٩٧ إلى ٢٠٤، مقدمة التحقيق
لأحكام القرآن لفضلية الشيخ محمد عبد القادر عطا.)

أصول الإفتاء
١٠٢
طبقات الفقهاء.
الواحد يتولى جميعَ هذه الوظائف، أو بعضَها فى وقتٍ واحد، وهذا كما أنّ
العلماء ينقسمون إلى مفسّر ومحدّث وفقيه ومتكلّم، ولكن ربما يقع أنّ
الرجلَ الواحد تصدُق عليه جميعُ هذه الألقاب، فهو من حيثُ اشتغالُه
بالقرآن مفسّر، ومن حيث اشتغالُه بالحديث محدّث، ومن حيثُ اشتغالُه
بالفقه فقيه. فكذلك يجوز أن يكون الرّجلُ الواحد مجتهداً في المسائل
وأهلاً للتخريج والتّرجیح فى وقتٍ واحد.
ولذا ذكروا أبا جعفر الطحاويّ من أهل الاجتهاد في المسائل، ثم عدّ
بعضُهم من أصحاب التّخريج، ويظهر لى أنّه من المجتهدين في المذهب،
كما يتّضح من واقعته مع القاضي أبي عبيد ابن حربويه من الشّافعيّة التى
حكيناها فى مبحث التّقليد. وكذلك ذُكر العلاّمة النَّسَفِىّ رحمه الله تعالى
حسبَ التّقسيم المذكور من الطبقة السّادسة الّذين هم أصحاب التّمييز، مع
أنّ كثيراً من الفقهاء الحنفيّة جعلوه من المجتهدين فى المذهب، حتى قيل:
لم يوجَدْ مجتهد فى المذهب بعد العلاّمة التّسَفِىّ، كما ذكره بحر العلوم
رحمه الله تعالى فى شرح التّحرير وشرح مسلم الثبوت.(١) ورجّح المرجانىّ
رحمه الله تعالى أنّ كلّ هؤلاء مجتهدون فى المذهب.
الملاحظة الثالثة: قال الإمام اللكنويّ رحمه الله تعالى بعد ما سرّد
كلام ابن كمال باشا، وذكر أنّ كثيراً ممّن جاء بعده قلّده فى هذه التقسيمات
أنّ فى إدراج الفقهاء المذكورين تحت أقسام مختلفةٍ نظراً من وجوهٍ شتى،
فقال: "منها: أنّ قولهم فى الخصّاف والطحاوىّ والكرخىّ إنّهم لايقدرون على
(١) فواتح الرحموت بحث الاجتهاد، ج٢ ص ٤٤٣

أصول الإفتاء
١٠٣
طبقات الفقهاء
مخالفة إمامهم، لافى الأصول ولافى الفروع، يزُدّهم النّظرفى أحوالهم
المذكورة فى طبقات الحنفيّة، وأقوالهم وآراؤُهم المأثورة فى الكتب الفرعيّة
والأصليّة. ومنها: أنّ عدّهم أبابكر الرازىّ الجصّاص من الذين لايقدرون على
الاجتهاد مطلقاً بعيدٌ جداً، مع عدّهم شمسَ الأئمّة الحَلْوَانيَّ والسَّرَخْسِيَّ
والبزدويَ وقاضى خان فى المجتهدين فى المذهب (لعلّه يريد المجتهدين
فى المسائل) مع أنّ الرّازىّ أقدمُ منهم زماناً، وأعلى منهم شأناً، وأوسعُ منهم
علماً، وأدقُّ منهم سرّاً. ومنها: أنّ شأنَ القدورىّ أجلُّ من قاضى خان،
وصاحبُ الهداية إن لم يكن أجلَّ منه، فليس بأدنى منه، فجَعْلُ قاضى خان
فى مرتبة ثالثة، وحطُ القدورىِّ وصاحبِ الهداية عنها ليس ممّا ينبغى. "(١).
وبمثله اعترض العلاّمة المرجانىّ رحمه الله تعالى، وزاد: "ولكن لمّا كان
الغالبُ على فقهاء العراق السّذاجةَ في الألقاب، وعدمَ التلوّن فى العنوانات،
والغضاضة فى الجَرْى على منهاج السّلف فى التّجافى عن الألقاب الهائلة .
والأوصاف الحافلة، والتّحاشي عن الترفّع، وتنويه النّفس، وإعجاب الحال
تديّناً وتصلّباً وتورّعاً وتأدباً، كما كان الغالب عليهم الخمولةَ والاجتنابَ عن
ولاية القضاء، وتناولِ الأعمال السُّلطانيّة ... فكانوا يذهبون مذهبَهم فى
الاكتفاء بالتّمييز عن غيرهم بأسماء ساذجة، يبتذلها العامّة، ويمتهنُها السُّوقة،
من الانتساب إلى الصِّناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة، أو نحو ذلك،
كالخصّاف، والجصّاص، والقدورىّ، والثلجىّ والطّحاوىّ، والكرخىّ
والصَّيْمَرىّ، فجاء المتأخّرون منهم على منهاجهم فى الاكتفاء بها وعدم
(١) مقدمة عمدة الرعاية، حاشية شرح الوقاية ١:٩