Indexed OCR Text
Pages 41-60
أصول الإفتاء ٤٤ مناهج الفتوى فى السلف وأبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف وعُروة بن الزّبير (١) وعبيد الله (٢) وقاسم بن محمّد وسلیمان بن يسار(٣) (١) عُروة بن الزبير: هو ابنُ حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد الفقهاء السّبعة. حدّث عن أبيه بشئ يسير لصغره، وعن أمّه أسماء بنت أبي بكر الصّديق، وعن خالته أم المؤمنين عائشة، ولازَمُها وتفقّه بها كما حدّث عن جماعة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم. ولد عروة سنة ٢٣ هـ على الرّاجح. وروي أنّه كان أصيب بداء فى رجله فى بعض أسفاره، واضطُرّ إلى قطعها لما أشار عليه الأطباء، فقُطعت ولم يشرب الدّواء المُرقِد، فما زاد أن يقول: حس، حس. وفى نفس السّفر نُعي إليه ابنه محمّد، ركضته بغلةٌ في إصطبل فقَتَلْه، فلم يُسمَع منه في ذلك كلمة. فلمّا كان بوادى القرى قال: " ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف ٦٣] اللّهم كان لي بنون سبعة، فأخذتَ واحدا وأبقيتَ لي ستّة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذتَ طرفاً، وأبقيتَ ثلاثة، ولئن ابتليتَ، لقد عافيتَ، ولئن أخذْتَ لقد أبقيتَ." وعن عبد الله بن عروة، قال: نظر أبي إلى رِجْله في الطّست، فقال: "إن الله يعلم أني ما مشيت بكِ إلى معصية قطَّ وأنا أعلم. " و اختلف فى سن وفاته رحمه الله تعالى بين سنة ٩٣ هـ إلى سنة ٩٥ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء، ٤: ٤٢١ إلى ٤٣٧) (٢) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله، الهذليّ المدنيّ، أخو المحدّث عون، وجدّهما عتبةُ أخو عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، عالم المدينة، وأحدُ الفقهاء السّبعة، ومعلِّمُ عمر بن عبد العزيز، ولد في خلافة عمر، أو بُعَيدَها، ولازَمَ ابن عبّاس طويلاً وحدّث عنه كما حدّث عن أمّ المؤمنين عائشة، وأبي هريرة، وفاطمة بنت قيس وجماعة من الصّحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. كان رحمه الله يقول: "ما سمعتُ حديثاً قطّ فأشاء أن أعيّه إلّ وعيته." وكان قد ذهب بصره. توفّي رحمه الله سنة ٩٨ هـ أو ٩٩ هـ ، وقيل غير ذلك. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤ : ٤٧٥ إلى ٤٧٩) (٣) سليمان بن يسار أبو أيوب مولى أمّ المؤمنين ميمونة الهلالية، وأخو عطاء ابن يسار، كان من الفقهاء السبعة الأعلام. ولد فى أواخر أيام عثمان فى سنة ٣٤هــ. توفّي رحمه الله تعالى سنة ١٠٧ هـ أو سنة ١٠٤ هـ، وقيل غير ذلك. وكان رحمه الله تعالى أحسن الناس وجهاً .. وأخرج ابن عساكر وغيره بسند منقطع أَنَّه دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَسَامَتْهُ نَفْسَهُ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِذَ أَفْضَحُكَ. فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ، وَتَرَكَهَا فِي مَنْزِلِهِ، وَهَرَبَ مِنْهَا. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَرَأَيْتُ يُؤْسُفَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وَكَأَنِّي أَقُوْلُ لَّهُ: أَنْتَ يُؤْسُفُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا يُؤْسُفُ الَّذِي هَمَمْتُ، وَأَنْتَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ تَهُمَّ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٤٤٤ إلى ٤٤٨) أصول الإفتاء ٤٥ مناهج الفتوى فى السلف وخارجة بن زيد(١) رحمهم الله تعالى، ويقال لهم الفقهاءُ السّبعة. وقد ذكر بعضهم أبا بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام (٣) من جُملِتِهم عوضاً عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، وقد جمعهم بعض النّاس في شِعر: ألا كلُّ من لا يقتدى بأئمةِ! فَقِسْمَتُه ضِيْزى عن الحقِّ خارجهْ فخُذْهم عبيد اللهِ ، عروةُ ، قاسمٌ ، سعيٌ أبو بكرٍ، سليمانٌ، خارجة! وذکر ابن القيم البیتین هکذا. إذا قيل: مَن فى العلم سبعةُ أبحرٍ ؟ روايتُهم ليست عن العلم خارجة فقل: هم عبيد الله، عروةُ، قاسمٌ سعيدٌ أبوبكرٍ، سليمانُ، خارجة (١) خارجة بن زيد بن ثابت الصحابيّ الجليل، الفقيه، الإمام ابن الإمام، وأحد الفقهاء السّبعة الأعلام، توّي رحمه الله تعالى سنة ٩٩ هــ أو سنة ١٠٠ هـ عن سبعين سنة. لّا بلغ عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وفاتُه استرجع وصفّق بإحدى يديه على الاخرى وقال: ثُلْمَةٌ والله فى الإسلام. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٤٣٧ إلى ٤٤١) (٢) أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، من الفقهاء السّبعة، كان والدُه عبدُ الرّحمن بن الحارث من كبار التابعين وأشراف قومه. ولد أبو بكر في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكان يقال له "راهبُ قريش" لكثرة صلاته، وكان ضريراً. توفّي رحمه الله سنة ٩٤ هـ. وهي السُّنة التى يقال لها سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها. وقيل: مات سنة ٩٥ هــ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٤١٦ إلى ٤١٩) ٤٦ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء وكان من فقهاءِ المدينةِ غيرُ السّبعة المذكورين: نافع، وابنُ شهاب الزّهريّ، والقاضي يحيي بن سعيد، وأبان بن عثمان(١)، وسالم بن عبدالله بن عمر (٣)، وعلىّ بن الحسين زينُ العابدين، وربيعة بن أبى عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر، وأبوالزِّنَاد عبدالله بن ذكوان، رحمهم الله تعالی. وأمّا فى مكّة المكرّمة، فاشتهر منهم عطاء بن أبى رباح(٣)، وعليّ بن أبي طلحة، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وعبدالله بن عبيد الله بن أبى مُليكة، وعبد الملك بن جُرَيْج، وغيرهم رحمهم الله تعالى. واشتهر في الكوفة إبراهيم النخعيّ وعامر بن شَراحيل الشعبيّ وعلقمة والأسود ومُرّة الهمدانيّ وسعيدبن جبير ومسروق بن الأجدع (١) أبان بن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، الإمام الفقيه، الأمير، ولي أبان رحمه الله تعالى إمارةً المدينة سبع سنين، كان من رواة الحديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى، أصابه الفالج في أواخر عمره. توقّي رحمه الله سنة ١٠٥ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٣٥١ إلى ٣٥٣، والأعلام ١: ٢٧) (٢) سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الإمام الزّاهد، الحافظ، أحدُ الفقهاء السّبعة الأعلام، أبو عمر، وأبو عبد الله، القرشيّ، العدويّ، المدنيّ مولده فى خلافة عثمان رضي الله عنهم. كان على سمت أبيه في عدم الرّفاهية والتقشّف فى العيش. تُوُفّي رحمه الله سنة ١٠٦ هـ على الأصحّ، وقيل سنة ١٠٧ هـ كما قيل سنة ١٠٨ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٤٥٧ إلى ٤٦٧) (٣) عطاء بن أسلم (أبى رباح)، الإمام، أبو محمد القرشيّ مولاهم، المكّيّ، كان مولده رحمه الله تعالى باليمن بعد عامين من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، ونشأ بمكّة فى عبادة وزهد وتقشّفِ عيشٍ حتىّ قال ابن جريج: "كان المسجد فراشَ عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن النّاس صلاة. "وكان مُقعداً. قال أبو داود: "أبوه نوبيّ، وكان يعمل المكاتل، وكان عطاء أعور. أشلّ أفطس أعرج أسود، قال: وقطعت يدُه مع ابن الزبير." وكان مرجعاً فى الفتوى، حتّى قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "يا أهل مكة! تجتمعون عليّ وعندكم عطاء!". وكان محدّثًا وفى مراسيله بعضُ كلام ذكره الحافظ الذهبيّ فى السّير. توفي رحمه الله تعالى بمكّة سنة ١١٥ هـ وقيل سنة ١١٤ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٥: ٧٨ إلى ٨٨ والأعلام ٤: ٢٣٥) أصول الإفتاء ٤٧ مناهج الفتوى فى السلف وعَبِيدة بن عمرو السّلمانىّ والقاضى شُريح بن الحارث الكندىّ وإبراهيم بن یزید النخعی رحمهم الله تعالى. واشتهر في البصرة الحسن البصريّ، ومحمّدبن سيرين، وأبو العالية الرَّيَاحِىّ والحسن بن أبى الحسن يسارٌ مولى زيدبن ثابت، وأبو الشَّعْثَاء جابر بن زيد، وقتادة بن دعامة السدّوسى(١) رحمهم الله تعالى. ومِن أهل الشام أبوإدريس الخولانيّ(٢)، ومكحول بن أبى مسلم، ورَجاءُ بن حَيْوَة الكندىّ(٣)، وعمر بن عبدالعزيز، وشُرَخْبِيل بن السِّمْط وقَبِيْصَة بن ذُؤَیب رحمهم الله تعالى. واشتهر من أهل مصر تلامذةُ عبدالله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما، (١) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، وقيل: قتادة بن دعامة بن عكابة، حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه. مولده رحمه الله فى سنة ٦٠ هــ. وكان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. روى عنه أئمة الاسلام أيوب السختياني، وابن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، ومسعر بن كدام، وعمرو بن الحارث المصري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن حازم، توفي رحمه الله سنة ١١٨ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٥: ٢٦٩ وما بعدها) (٢) أبو إدريس الخولانيّ: هو عائذ الله بن عبد الله بن عمرو الخولانيّ العوذيّ الدمشقيّ، ولد رحمه الله عامَ حنين، فهو من مخضرمی التابعين من فقهاء الشّام. وكان واعظَ أهل دمشق وقاصّهم فى خلافة عبد الملك، فعزله عبد الملك عن القصص وأقرّه على القضاءِ، فقال أبو إدريس: "عزلوني عن رغبتي وتركوني في رهبتي." تُوُفّي رحمه الله تعالى سنة ٨٠ هـ. (ملخص من تذكرة الحفّاظ ١:٥٦ و٥٧ والأعلام ٣: ٢٣٩) (٣) رَجَاءُ بن حَيْوَة الكندىّ: رجاء بن حيوة ابن جرول بن الأحنف، الإمام، الفقيه والوزير العادل فى الدّولة الأمويّة، أبو نصر وأبو المقدام الكنديّ الأزديّ، من أجلّة التابعین، وقيل إن جدّه جرول بن الأحنف كان صحابيّاً. قال مطر الوراق: "ما رأيت شاميًا أفقه منه". وهو الذي أشار على سليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز. تُوُفّي رحمه الله سنة ١١٢ هـ (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٥٥٧ إلى ٥٦١ وتذكرة الحفّاظ ١: ١١٨) ٤٨ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء مثلُ أبى الخير مَرْثَد بن عبدالله اليَزَنىّ ويزيدبن أبى حبيب رحمهما الله تعالى. واشتهر في اليمن طاوس بن كيسان الجَنَّدِىّ، ووَهْب بن مُنَبِّه الصّنعانيّ ویحیی بن أبی کثیر رحمهم الله تعالى. ومُعْظَم فتاوى هؤلاء مرويّةٌ في الموطآت والمسندات والسنن، مثل مصنّف ابن أبى شيبة ومصنّف عبد الرزاق وكتاب الآثار وشرح معانى الآثار للطّحاويّ. وقد استقصى العلاّمة ابن القيّم أسماءَ المفتين من التّابعين فى إعلام الموقّعین. أسباب اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء قال الإمام الشيخ وليّ الله المحدّث الدهلويّ رحمه الله تعالى في "حُجّة الله البالغة": "إعلم أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لم يكن الفقه فى زمانه الشّريف مدوّناً، ولم يكن البحثُ فى الأحكام يومئذٍ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء، حيثُ يُبيّنون بأقصى جُهدهم الأركانَ والشُّروط وآدابَ كلّ شيئ، ممتازاً عن الآخر. أمّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فكان يتوضّا فیری الصّحابةُ وضوءَه، فيأخذون به من غير أن يبيِّنَ أنّ هذا ركنٌ وذلك أدبٌ(١) ولم يُبيِّن أن فُروضَ الوضوء ستّة أو أربعة، ولم يفْرض أنّه يحتمل أن يتوضّأ إنسانٌ بغير مُوالاة، حتى يحكُمَ عليه بالصحّة أو الفساد، إلاّ ما شاء الله (١) لا يريد الشيخ رحمه الله أن ما قسّم الفقهاء أفعال الصلوة إلى الأركان والشروط والسنن شيئ ابتدعوه من عندهم، وحاشاهم من ذلك! وإنما مراده أن هذه المصطلحات الفقهية لم تكن معروفة فى عهده صلى الله عليه وسلم، بل كان الصحابة يفهمون من القرائن أنّ هذا الفعل لا بدّ منه لجواز الصلوة، ولا تصحّ الصلوة إلا به، وذلك الفعل مستحسن، وإن كانت الصلوة تجوز بدونه. فكانت مفاهيم هذه الاصطلاحات معلومة عند الصحابة رضى الله عنهم بقرائن بدت لهم من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم كانوا لايُعبّرون عنها بهذه المصطلحات التى اصطلح عليها الفقهاء فيما بعد. ١ أصول الإفتاء ٤٩ مناهج الفتوى فى السلف وكان صلّى الله عليه وسلّم يستفتيهِ النّاسُ في الوقائع، فيُفتيهم وتُرفع إليه القضايا فيقضي فيها ويَرى الناسَ يفعلون معروفاً فيمدحُه، أو مُنكَرًا فيُنْكِرُ عليه ... فرأى كلُّ صحابيٍّ ما يسّره اللهُ له من عبادته وفتاواه وأقضيته، فحفظها وعقَلها، وعرَف لكلّ شيء وجهاً من قِبَل خفوفِ القرائن به، فحَمَل بعضها على الإباحة، وبعضَها على النّسخ، لأماراتٍ وقرائنَ كانت كافيةً عنده، ولم يكن العُمدةُ عندهم إلاّ وِجدانَ الاطمئنان والثّلج، من غير التفاتٍ إلى طُرُق الاستدلال، كما ترى الأعرابَ يفهمون مقصودَ الكلام فيما بينهم، وتَثْلَجُ صدورُهم بالتّصريح والتّلويح والإيماء مِن حيثُ لا يشعُرون، فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك. ثمّ إنّهم تفرّقوا في البلاد، وصار كلُّ واحدٍ مُقتدى ناحية منَ النّواحي، فكثُرتِ الوقائع، ودارتِ المسائل، فاستُفتوا فيها فأجاب كلُّ واحدٍ حسْبما حفظه أو استنبط، وإن لم يجِدْ فيما حفظه أو استنبط ما يصلُح للجواب، اجتهد برأيه وعَرَف العلّةَ التى أدار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكمَ في منصوصاته، فطرّد الحكمَ حيثُما وجدها، لا يألو جُهداً في موافقةٍ غرضه عليه الصّلاة والسّلام. فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم. (1)! ثم بيّن الشّيخ الدهلويّ رحمه الله تعالى أسباب الخلاف الذى ظهر بين الصّحابة فى الفروع الفقهيّة، وهى التى لاتخفى على من درَس كتبَ الأحاديث والآثار وشروحها من المحدّثين والفقهاء. والذى يظهر من تتبُّع منهج الصّحابة والتابعين فى ذلك العهدِ أنّهم كانوا يبذلون أقصى الجهد ليَجِدوا شيئاً منصوصاً من القرآن الكريم أو من سُنّة (١) حجة الله البالغة، باب أسباب اختلاف الصحابة والتابعين ١:٤٠٤ إلى ٤٠٧ أصول الإفتاء مناهج الفتوى فى السلف النبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم فى قضيّةٍ عَرَضت لهم، ولو بأن يسألوا مَن هو أدنى منهم رُتبةً، فإن وجدوا نصّاً من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم بطريق يثِقُون به، عَضّوا عليه بالنّواجذ، وابتهجوا بذلك وانشرحوا فهذا أبوبكر رضى الله تعالى عنه جاءته جدّةٌ تسأله ميراثَها، فقال: "مَالَكِ فِى كِتَابِ اللّهِ شَيْئٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فىِ سُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً، فَارْجِعِى حَتىَّ أَسْأَلَ النَّاسَ. " فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: "حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ. " فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: "هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟" فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لهَا أُبُوْبُكْرٍ، رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِيْنَ."(١) : وروى لنا علقمةُ عن عبدالله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: "أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ فَقَالُوْ: "إِنَّ رَجُلاً مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَاَ صَدَاقاً وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ (٢) حَتَّى مَاتَ " فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: "مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ، فَأْتُوْا غَيْرِي. " فَاخْتَلِفُوْ إِلَيْهِ فِيْهَا شَهْراً، ثُمَّ قَالُوالَهُ فىِ آخِرٍ ذَلِكَ: "مَنْ نَسْأَلُ إِنْ لَمْ نَسْأَلَّك؟ وَأَنْتَ مِنْ جِلَّةٍ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَلاَ نَجِدُ غَيْرَكَ " قَالَ: "سَأَقُوْلُ فِيْهَا بِجُهْدِ رَأپی، فَإِنْ كَانَ صَوَاباً فَمَنَ الله وَخْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأَّ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُوْلُهُ مِنْهُ بَرَاءٌ. أُرَى أنْ أُجْعَلَ لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا لاَ وْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيْرَاتُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أُرْبَعَةَ أُشْهُرِ وَعَشْراً." (١) هذا لفظ سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب فى الجدّة، حديث ٢٨٩٤، وأخرجه الترمذى من طريق مالك، وقال: حديث حسن صحيح. (كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، حديث ٢١٠١) (٢) أى لم يدخل بها. أصول الإفتاء ٥١ مناهج الفتوى فى السلف قَالَ: وَذَلِكَ بِسَمْعِ أَنَاس مِنْ أُشْجَعَ، فَقَامُوْا فَقَالُوْ: (١) "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيِ امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لهَاَ بِرْوَعُ بِنْتُ وَأَشِقٍ. "قَالَ: "فَمَا رُئِيَ عَبْدُ اللّهِ فَرِحَ فَرَحَهُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِإِسْلاَمِهِ. (٢) واستشار سيّدنا عمربن الخطاب رضى الله تعالى عنه المهاجرين والأنصار ومهاجِرةَ الفتْح أثناءَ رِحلته إلى الشّام، وقد وقع بها وباءُ الطّاعون، فجاء عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، وكان متغيّباً فى بعض حاجته، فَقَالَ إِنَّ عِنْدِى فِى هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْض وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُ جُوا فِرَارًا مِنْهُ "فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَف(٣) رضى الله تعالى عنه. ومع ذلك، فقد احتاج الصّحابة فى كثيرٍ من المسائل أن يلجئوا إلى القياس والرّأى. ورُبما وقع بينهم اختلاف لاختلاف الأنظار. فمثلاً، لم يجدوا نصاً فى أنّ الجدّ يحجُب الإخوة فى الميراث أولا يحجُب، فلجأوا إلى القياس. فذهب جمعٌ كبيرٌ من الصحابة، مثل أبى بكر الصدیق و عثمان بن عفان و معاذ بن جبل (رضى الله تعالى عنهم) وغيرهم إلى أن الجدّ يحجب الإخوة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] حيثُ جعل إبراهيمَ وإسحقَ عليهما السلامُ أباً، وقال ابنُ عبّاس رضى الله عنهما: "يرثنى ابنُ ابنى دون إخوتى، ولا أرث (١) وفى رواية أخرى للنسائى أنه كان معقل بن سنان الأشجعيّ رضى الله تعالى عنه. (٢) سنن النسائي، كتاب النكاح، باب٦٨، رقم الحديث ٣٣٦٠ (٣) صحيح البخارى، كتاب الطب، باب مايذكر فى الطاعون، حديث ٥٧٢٩ ٥٢ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء أنا ابنَ ابنى؟"(١) وحاصلُ قياسِه أنّ الحفيدَ إن كان حاجباً للإخوة، فكذلك ينبغى للجدّ أن يكون حاجباً لهم. وكان على بن أبى طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم يقاسمون الجدّ مع الإخوة. وقد ورد فى قياسِهم قصّةٌ لطيفةٌ للإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالی رُویت فى بعض مسانيده، نوردها لنفعها: "أبو حنيفة كان عند جعفر بن محمد الصّادق بالمدينة، فقال هشام بن الحَكَم(٢): "يا ابنَ رسول الله! هذا أبو حنيفة صاحب القياس" ثم قال له: "من أين أخذْتَ القياس؟" فقال له: "مِن قول علىّ بن أبى طالب وزيد بن ثابت رضى الله عنهما حين شاورهما عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى الجدّ مع الإخوة، فقال له علىّ: أرأيتَ يا أميرَ المؤمنين!لو أنّ شجرةً انشعب منها غُصْنٌ، ثمّ انشعب من الغُصْنِ غُصْنان، أيُّهما أقرب إلى أحد الغصنين؟ أصاحبُه الذى خرج منه، أم الشّجرة؟ قال زيدبن ثابت: لو أنّ جَدْوَلاً انبعث فيه ساقيةٌ، ثمّ انبعث من السّاقيةِ ساقيتان، أيهما أقرب؟ إحدى السّاقيتين أقرب إلى صاحبها أم الجدول؟ فأمسك عمر فى الجدّ والإخوة. فهذا علىّ بن أبى طالب وزيدبن ثابت قاسا لعمربن الخطاب." (١) صحيح البخارىّ، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدّ (٢) هشام بن الحكم: هشام بن الحكم الشيباني بالولاء، الكوفي، أبو محمد: متكلم مناظر، كان شيخ الإمامية في وقته. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فى لسان الميزان "كان من كبار الرّافضة ومشاهيرهم ... وكان من أصحاب جعفر بن محمد الصادق (رحمهما الله تعالى) ولد بالكوفة، ونشأ بواسط. وسكن بغداد وانقطع إلى يحيى ابن خالد البرمكي، فكان القيم بمجالس كلامه ونظره. وصنف كتبا، منها " الامامة " و" القدر" و " الشيخ والغلام" و" الرد على من قال بإمامة المفضول ". وتوفي نحو سنة تسعين ومائة على أثر نكبة البرامكة بالكوفة. ويقال: عاش إلى خلافة المأمون. (ملخص من الأعلام ٨: ٨٥ وليراجع لسان الميزان ٨: ٣٣٤) أصول الإفتاء ٥٣ مناهج الفتوى فى السلف فسكت جعفر عنه.(١) وحاصل كلٍّ من التّمثيلين أنّ الجدَّ والأخَ متساويان فى القرب إلى الميّت، فيُشار كان فى الميراث. وأخرج الإمام مالك رحمه الله تعالى عن ثور بن زيد الدِّيلىّ أن عمربن الخطاب رضى الله تعالى عنه استشار فى الخمر يشربها الرجل، فقال له علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه: "نرى أن تَجْلِده ثمانين، فإنّه إذا شرب سکر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افتری " أو كما قال، فجلد عمر فى الخمر ثمانين. (٢) ولم يكُن ذلك إثباتَ الحدّ بالقياس، وإنمّا ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضربُ أربعين إمّا بسوطٍ له طرفان، أو بنعلين، فالقضيّةُ التى عُرضت على الصّحابة هى: هل يُعتبر عدد الضّرب أربعين، أو ثمانين بالنّظر إلى تعدّد الآلة. وما ذكره سيدنا علىّ رضى الله تعالى عنه إنّما هو ترجيحُ أحد الاحتمالين بالقياس. وقد أوضحتُ ذلك فى تكملة فتح الملهم بتوفيق الله سبحانه. ثمّ إنّ الصّحابة رضى الله تعالى عنهم تفرّقوا فى البلاد وعلّموا أصحابَهم، فأخذ عنهم التّابعون، وتمسّكوا بما أخذوا منهم، فترجّح عند كلّ واحدٍ منهم غالباً ما أخذ من شيخِه وأهل بلده من الصّحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين. ويقول الشّيخ ولىّ الله الدهلويّ رحمه الله تعالى: "وكان سعيدٌ وأصحابه يذهبون إلى أنّ أهلَ الحرمين أثبتُ النّاس فى الفقه، وأصلُ مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قُضاةِ المدينة .. وكان إبراهيمٌ وأصحابه يَرَوْن أنّ عبد الله ابن مسعود وأصحابه أثبتُ النّاس في الفقه، (١) جامع المسانيد للخوارزمي، ٢: ٣٣٨ (٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الأشربة، باب ما جاء فى الحد فى الخمر أصول الإفتاء ٥٤ مناهج الفتوى فى السلف وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا عليّ رضي الله تعالى عنهما وفتاواه، وقضايا شُريح وغيره من قُضاة الكوفة ... وكان سعيدُ بن المُسَيَّب لسانَ فقهاءِ المدينة، وكان أحفظَهم لقضايا عمر بن الخطاب ولحديث أبي هريرة، وإبراهيمُ لسانَ فقهاء الكوفة. فإذا تكلّما بشيئٍ ولم ينْسِباه إلى أحدٍ، فإنّه في الأكثر منسوبٌ إلى أحدٍ من السّلف صريحاً أو إيماءً و نحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاءُ بلادهما وأخذوا عنهما وعقلوه وخرَّجوا عليه، والله أعلم."(١) تدوين الفقه وكان الفقه فى عهد الصّحابة وكبار التّابعين مرتبطاً برواية الحديث. وكان من رواة الحديث من ركّز نفسه على رواية الأحاديث والآثار كما بلغتْه، دون أن يدخل فى استنباط الأحكام الفقهيّة منها إلاّ نادراً، ومنهم من جمع بين الرّواية واستنباط الأحكام الفقهيّة منها، بحيث يُعلّم تلاميذَه الأحكامَ الفقهيّةَ مع رواية الأحاديث الّتى بلغَتْه من مشايخه. ودعت الحاجةُ بعد انتشار الإسلام فى مختلف بقاع الأرض أن يكون هناك فقة مدوّن يُمكن أن يصير مرجعاً للعامّةِ والخاصّةِ عندما يحتاجون إلى معرفة الأحكام الفقهيّة فى حياتهم. فدوّن بعضُ التّابعين الأحاديثَ والآثارَ مرتّبةً على الأبواب الفقهيّة، وكان ذلك بدايةً لتدوين الفقه. مثل الأبواب للشعبىّ، (٣) وسنن مكحول الشامى، (٣) رحمهما الله تعالى. (١) حجّة الله البالغة ١:٤١٥ (٢) راجع للتفصيل تدريب الراوى للسيوطى ١:٤٠ (٣) فهرست ابن النديم ص ٢٨٣ أصول الإفتاء مناهج الفتوى فى السلف وذكر الرّامَهُرْ مُزىّ(١) رحمه الله تعالى أنّ أوّلَ من صنّف وبوّب الرّبيعُ بن صَبِيح بالبصرة، ثم سعيدبن أبى عَرُوبَة بها، ومَعْمَربن راشد باليمن، وابن جُريج بمكّةٍ، ثمّ ذكر الإمام مالكاً وغيره، (٢) وقد ألّف الإمام أبو حنيفة "کتاب الآثار "ويُقال: إنّ ابن أبى ذئب ألف موطاً أكبرَ من موطأ مالك رحمهم الله تعالى، ثم تلاهُم سفيانُ الثّوريّ وابنُ عيينة وعبد الرّزّاق وأبوبكربن أبى شيبة وغیرهم رحمهم الله تعالی. أصحاب الحديث وأصحاب الرأى وعندما تشعّبت المسائل الفقهيّة، أخلص جمعٌ من العلماء جهودهم لاستنباط الأحكام الفقهيّة وتعليمِها وتدوينها. وحينئذٍ انقسم العلماء إلى قسمين: قسمٌ كان مُعْظمُ عنايته برواية الأحاديث والآثار، إمّا بدون الخوض فى استنباط الأحكام بتاتاً، وإمّا بذكر الأحكام المستنبطة تبعاً. وسُمُّوا "أصحاب الحديث" وقسمٌ نصبوا أنفسَهم لاستنباط الأحكام، ولم يدخُلوا فى رواية الأحاديث إلاّ عند الحاجة إلى الاستدلال على مسئلةٍ فقهيّة. ولُّقِّبوا "أصحابَ الرأى." وقد اغترّ بعضُ النّاس بهذه التّسمية، فزعم أنّ أصحاب الحديث لا يَرَوْن القياسَ حُجّةٌ فى الشّرع، وأنّ أصحاب الرأى يُقدّمون رأيهم على النّصوص، والعياذُ بالله من ذلك. والحقُّ ما ذكرنا من أنّ تقسيم العلماء على هذين القسمين ليس إلاّ بالنّسبة إلى مجال اشتغالهم الاختصاصيّ، وإلاّ فالكلّ يقدّم (١) هو أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن بن خلاد الرامهرمزىّ، (المتوفى سنة ٣٦٠هـ. وهو منسوب إلى بلدة رامهرمز (بفتح الميم وضم الهاء وسكون الراء الثانية وضم الميم الثانية، مدينة بنواحى : خوزستان. وهو من أول من ألف فى علوم الحديث وأصوله. محمد تقي (٢) المحدّث الفاصل للرامهرمزى ص ٦١١ و٦١٢ أصول الإفتاء ٥٦ مناهج الفتوى فى السلف نصوصَ الكتاب والسنّة على القياس والاجتهاد، على اختلافٍ بينهم فى . تفسير النصوص. واغتركثيرون بلفظ "الرأى" فزعمُوا أنّ الرأى عبارةٌ عن الآراء الشّخصيّة المبنيّة على العقل المجرّد، وليس الأمر كذلك، فإنّ لفظ "الرأى" فى هذه التّسمية مأخوذٌ من حديث معاذ رضى الله تعالى عنه الذى هو الأصل فى حُجِّية الاجتهاد وفيه "أجتهد رأيي"، والمراد منه قياسُ غير المنصوص على المنصوص، کما یظهر من كتاب عمر إلى أبی موسی رضی الله تعالى عنهما فيما أخرج البيهقىّ عن إدريس الأُؤدِىّ قال: "أخرج إلينا سعيدُ بن أبى بردة كتاباً، فقال: هذا كتاب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى رضى الله عنه - فذكر الحديث وفيه - الفهمَ فيما يختلج فى صدرك ممّا لم يبلُغْك فى القرآن والسّنّة، فتعرف الأمثال والأشباه، ثمّ قِس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى."(١) فحاشا أصحاب الرأىِ أن يُقَدّموا رأيهم الشخصي على نصوص الكتاب والسنّة. فقد روى وكيع (٢) عن الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى الذى اشتهر (١) السنن الكبرى للبيهقى، كتاب آداب القاضى، باب ما يقضى به القاضى ويفتى به المفتى الخ ١٠:١١٥ (٢) وكيع بن الجراح بن مليح، بن عدي، الإمام الحافظ، محدّثُ العراق الّذي قال عنه الإمام أحمد رحمهم الله تعالى: "وكيع إمام المسلمين" ، أبو سفيان الرؤاسيّ، الكوفيّ، ولد رحمه الله سنة ١٢٩ هــ وقيل سنة ١٢٨ هـ. كان والده ناظراً على بيت المال في دولة الرشيد. قال يحيى بن يمان: "لّا مات سفيان الثوريّ، جلس وكيع موضعه." وقال ابن معين رحمه الله تعالى: " كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتى بقول أبى حنيفة رحمه الله، وكان قد سمع منه كثيرا." توفّي رحمه الله يوم عاشوراء سنة ١٩٦ هـ أو ١٩٧ هــ راجعا من الحجّ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٩: ١٤٠ وما بعدها والأعلام ٨: ١١٧) أصول الإفتاء ٥٧ مناهج الفتوى فى السلف بكونه من مبرّزى أصحاب الرأى أنّه قال: "البول فى المسجد أحسنُ من بعض قياسهم."(١) وروى الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى عن الحسن بن صالح قال: " كان النّعمان بن ثابت فَهماً عالماً مُتَتَبَّاً فى علمِه إذا صحّ عنده الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعدُه إلى غيره."(٢) وكذلك مازعم بعضُ النّاس من أنّ أصحاب الرأى هُمُ الحنفيّة فقط، غيرُ صحيح، فإنّ هذا اللّقب كان لجميع الفقهاء الّذين فرغوا أنفسهم لاستنباط الأحكام الشّرعيّة، أو تغلغلوا فى تفريع الجزئيّات. وقد استُخدم هذا اللقب لفقهاء المالكيّة. ولذلك سمى الحافظ ابن عبدالبر المالكى رحمه الله تعالى شرحه للموطأ: "الاستذكار لما تضمّنه الموطّأ من معانى الرأى والآثار". وقد عقد ابنُ قتيبة رحمه الله فى كتابه "المعارف" باباً فى ذكر أصحاب الرّآى، فعدّ منهم ابنَ أبى ليلى وأباحنيفة وربيعةَ الرأى وزفر (٣) والأوزاعى وسفيان الثورىّ ومالك بن أنس وأبا يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى. (٤) (١) ذكره الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب ١١:٢٣٠ فى ترجمة يحيى بن صالح الوُحاظىّ. (٢) الانتقاء فى فضائل الثلاثة الفقهاء ١"١٢٨. (٣) الإمام زفر بن الهذيل: هو زفر بن الهذيل بن قيس البصرىّ. کان من کبار أصحاب أبى حنيفة، وكان الإمام يبحّله ويعظمه ويقول: "هو أقيس أصحابى". وحكي أن الإمام قال فى خطبة ألقاها في عرس زواج الإمام زفر: "هذا زفر، إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم فى شرفه وحسبه ونسبه. " وكان قد جمع بين العلم والعبادة كما قال الحسن بن زياد رحمه الله: "كان زفر وداود الطائيّ متواخيين، فترك داود الفقه، وأقبل على العبادة، وزفر جمع بينهما." وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: "سمعت زفر يقول: نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثرا. وإذا جاء الأثر تركنا الرأي." وكان قد أكره على القضاء، فأبى واختفى، فهدمت داره بسببه مرّتين. توفّى رحمه الله سنة ١٥٨ هـ. (ملخص من الفوائد البهية ص٧٥ و ٧٦) (٤) المعارف لابن قتيبة ص ٤٩٤ إلى ٥٠٠ أصول الإفتاء ٥٨ مناهج الفتوی فی السلف ويذكرُ الحافظ أبو الوليد الفَرَضيّ بعضَ الفقهاء المالكيّة بهذا الاسم، فيقول مثلاً فى أحمدبن هلال بن زيد العطّار: "كان حافظاً للشّروط، نبيلاً فى الرأى على مذهب أصحاب مالك. "(١) وتبيّن بهذا أنّ اسمَ "أصحاب الرأى" كان يُطلق على غير الحنفيّة من الفقهاء فى بداية الأمر. ولكنّ الّذى يظهر أنّ توسُّع الفقهاء الحنفيّة فى تفريع الجزئيّات جعل هذا للقب شبه الخاص بهم، وزدْ على ذلك أنّ الذين لم يتعمّقوا فى أدلة مذهب الحنفيّة، ورأوا بعضَ مسائلهم مخالفةً فى الظاهر لبعض الأحاديث التی بلغتهم، مع عدم تنتههم للأحاديث الّتى استدلّ به الحنفيّة، زعموا أنّها مبنيّةٌ على الرّأى المجرّد، واشتهر ذلك على ألسنة بعض النّاس، حتىّ تأثّر بعضُ المخلصين من المحدثين بهذه الدعاية الخاطئة، فاصطلحوا على تخصيصهم بلقب "أصحاب الرأى"، ونقموا ذلك على الحنفيّة. والحقُّ ما قاله سليمان بن عبدالقوىّ الطَّوفيّ الحنبلى"(٢) رحمه الله تعالى فى شرح مختصر الروضة: (١) تاريخ علماء الأندلس، باب أحمد ١:٥٩ طبع ١٤٠٨ (٢) هو سليمان بن عبد القويّ بن عبد الكريم بن سعيد الطوفيّ الصرصريُّ البغداديُّ، نجم الدين أبو الربيع. وُلد رحمه الله سنة بضع وسبعين وستمائة بطُوفَى، وهي قرية قرب بغداد استفاد من أمثال الحافظ المزِّيّ صاحب "تهذيب الكمال"، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ الشافعيّ، وله تصانيف جليلة منها "مختصر الروضة" الّذى يسمّى ب"البلبل" فى أصول الفقه، وشرحه وهما من أجلّ كتب الحنابلة فى أصول الفقه، كما له "الإكسير فى أصول التفسير" و"التعاليق على الأناجيل الأربعة" وغيرها. هذا وقد نسبه ابن رجب الحنبليّ رحمه الله إلى التشيّع، لكن ورد فى بعض الأخبار أنّه كان له آراء شيعيّة كابَد بسببها النفي من البلاد والحبس فى السّجن لكن بعد مكابدته لهذه المشاقّ لم يُر منه ما يشين. وليراجع مقدمة التحقيق ل"شرح مختصر الروضة" للتفصيل. وتُوُفّي رحمه الله سنة ٧١٦ هـ على المعتمد (ملخص من مقدمة التحقيق لشرح مختصر الرّوضة لفضلية الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ) مناهج الفتوى فى السلف ٥٩ أصول الإفتاء "واعلم أنّ أصحاب الرأى بحسب الإضافة هُم كلُّ من تصرّف فى الأحكام بالرّأى، فيتناول جميعَ علماء الإسلام، لأنّ كلَّ واحدٍ من المجتهدين لا يستغنى فى اجتهاده عن نظرٍ ورأى، ولو بتحقيق المناطِ وتنقيحِه الّذى لانزاعَ فى صِحّته. وأمّا بحسب العَلَميّة، فهو فى عُرف السّلف عَلَمٌ على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة ومن تابعه منهم." ثمّ ذكر بعض الوجوه التى ترك الحنفيّةُ بها ظاهر بعض الأحاديث، وما طعن به بعض العلماء فيه من أجل ذلك، ثم قال: "وكثُر عليه الطّعن من أئمّةٍ السّلف، حتّى بلغوا فيه مبلغاً، ولا تطِيبُ النّفس بذكره. وأبى الله إلاّ عِصمتَه ممّا قالوه، وتنزيهه عمّا إليه نسبوه. وجُملةُ القول فيه: أنّه قطعًا لم يُخالف السنّة عنادًا، وإنّما خالف فيما خالف منها اجتهاداً لحجج واضحة ، ودلائل صالحةٍ لائحةٍ، وحُجَجُه بين النّاس موجودة. وقلّ أن ينتصفَ منها مخالفوه. وله بتقدير الخطأ أجرٌ، وبتقدير الإصابة أجران. والطّاعنون عليه إمّا حُسّاد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد. وآخر ما صحّ عن الإمام أحمد - رضي الله عنه - إِحسانُ القول فيه ، والثناءُ عليه. ذكره أبو الوَزْد من أصحابنا فى كتاب أصول الدّين والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصّواب."(١) ظهور المذاهب الفقهيّة وبالرّغم من كثرةِ الفُقهاء المجتهدين فى زمانِ التّابِعين وأتباعِهم، فإنّ مُعْظمهم كانوا يُفتون فيما يُعرض عليهم من المسائل، دون أن يَقْصِدوا بيانَ الأحكام الفقهية كقانونٍ مدوّنٍ شامل لجميع الأبواب. وكان النّاسُ يَستفتون (١) شرح مختصر الروضة - (٣ / ٢٨٩) وجزى الله تعالى خيراً شيخنا الإمام عبد الفتاح أبا غدّة رحمه الله تعالى حيثُ دلّنا على مواضع هذه النقول أصول الإفتاء ٦٠ مناهج الفتوى فى السلف فى مسائلهم اليوميّة مَن يتيسّرُ لهم من أهل بلدِهم، دونَ أن يلتزموا فقيهاً واحداً فى جميع المسائل. وكان من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يُدوَّن الفقه فى صُورة قانونٍ جامع شامل يَفِى بِحَاجَاتِ النّاس المتكاثرةِ بمُرور الأيّام، وأن لا يَتمكّنَ النّاس من تفسير الأحكام الشّرعيّة بطريقٍ عَشْوائيًّ يؤدى إلى اتّباع الأهواء. وقيّضَ اللهُ سُبحانه من أجل ذلك الفقهاءَ المتبوعين الذين شرَحوا أحكامَ الشّريعةِ الإسلاميّة فى كلّ ناحيةٍ من نواحى الحيوة بجهدٍ لانظير له فى الأديان الأخرى، فوقفوا حياتهم على الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعيّة من منابعِها الأصيلة من القرآن والسنّة والإجماع والقياس، وأكبّ تلامذتُهم على تدوين ما سمعوا منهم فى صورة كتبٍ جامعة، مثل "المدوّنة" الجامعة للأحكام الفقهيّةٍ على طريق الإمام مالك، وكُتبِ الإمام محمّدبن الحسن على طريق الإمام أبى حنيفة رحمهم الله تعالى. ثمّ تلاهُم الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، فدوّن فقهَه بنفسه فى كتاب "الأمّ"، وجمع تلامذةُ الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى فقهَه برواياتٍ دوّها مَن جاء بعدهم. وهكذا ظهرت المذاهب الفقهيّة بصورتها المتكاملة. وبالرّغم من أنّ المذاهب الفقهيّة لم تكن محصورةً على هذه المذاهبِ الأربعة، بل كان هنالك جماعةٌ من الفقهاء الكبارنهجوا نفس المنهج، ولكن لم تُدوّن مذاهبهم ولم تنتشِرْ مثلَ المذاهب الأربعة، وإنّها، وإن كان لها ذكرٌ فى الكتب المُعْتَنِية بذكر مذاهب الفقهاء جزئياً، لاتُوجد اليوم بصورتها المتكاملة، فاقتصر النّاسُ بمشيئة الله تعالى على مذاهب الفقهاء الأربعة. فانتشر المذهب الحنفئ فى العراق، حتى أصبح المذهبَ السائدَ فى القضاء زمنَ العباسيّين، لكون الإمام أبى يوسف ٦١ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء قاضىَ القُضاة أيّامَ هارون الرّشيد. وانتشرمنها إلى معظم البلاد الإسلاميّة، وخاصّةً فى بلاد ماوراء النهر وتركيا والهند والسّند. وأصبح هذا المذهب قانوناً رسميّاً فى الخلافة العثمانيّة وما تحتها من البلاد. وانتشر مذهب المالكيّة فى بلاد المغرب من الأندلس والجزائر ومراكش وتونس وغيرها. وانتشر مذهب الشافعيّة فى مصر والشّام وماليزيا واندونيسيا وغيرها، كما انتشر مذهب الحنابلة فى مناطقَ من جزيرة العرب وغيرها. مسئلة التقليد والتمذهب كان النّاسُ يستفتون العلماءَ منذ قديم فى المسائل التى يحتاجون إليها، لأنّ العامّةَ من النّاس لا يستطيعون أن يستنبطوا الأحكامَ الشّرعيّة من مآخذها الأصيلة، فلابُدَّلهم من الرّجوع إلى مَن عنده معرفةٌ بهذه الأحكام، وهو الذى أمربه الله سبحانه وتعالى فى قوله الكريم: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ومادام المفتى موثوقاً بعلمه وتقواه، فلم يكونوا يُطالبونه بالدليل على ما يقول، وهو معنى التّقليد فى الاصطلاح، إذ عرفوه بالعمل بقول الغير من غير معرفةٍ دليله أو مطالبته بالدليل. ولكن لم يكونوا فى خير القرون يُقيِّدون أنفسهم بالاستفتاء من عالم واحد، بحيث لايُجوّزون الاستفتاء من عالم آخر، وإن كان الأفراد لهم مناسبةٌ خاصّةٌ بعالم من أهل بلده، فكانت ثقتُه عليه أكثرَ مِن غيره، فيرجعُ بفضل تلك المناسبة والثّقة إلى ذلك العالم فى جميع مسائله أوفى مُعظمها. ومن ذلك ماأخرجه البخارىّ رحمه الله تعالى عن عكرمة أنّ أَهْلَ المدينة سألواابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما هل يجوز للمرأة إذا حاضت أن تَنْفِرَ إلى وطنها بعد طوافِ الزّيارة ٦٢ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء وتَتْرُكَ طواف الوداع، فأجابهم ابنُ عبّاس بأنّه يجوزُ لها أن تَنْفِرَ وتترُكَ طوافَ الوداع. فقالوا له: "لانأخذ بقولك، وندع قولَ زيد." وفى روايةٍ للإسماعيلىّ: "لأنْبالى أفتيتَنا أو لم تُفِتِنا، زيدبن ثابت يقول: لاتنفر."(١) وفى روايةٍ للطيالسيّ: "لانُتابعك ياابن عبّاس وأنت تُخالفُ زيدا."(٢) وذلك لِما كان لهم من زيادة الثّقة علی زیدبن ثابت رضى الله عنه. ثمّ إنّ زيد بن ثابت رضی الله تعالى عنه رجعَ عن قوله لمّا عرف حديثَ صفيّة رضى الله تعالى عنها، كما أخرجه مسلم عن طاوس: "كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ لَهُ زَيْدُبْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِى أنْ تَصْدُرَالْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُوْنَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لاً، فَسَلْ قُلاَنَةَ الأَنْصَارِيَّةَ (والظاهر أنّها أمُّ سُليم كما فى رواية البخارى) هَلْ أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلىَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أراك إِلاَّ قَدْ صَدَقْتَ(٣) ولما رجع زيد بن ثابت رضی الله تعالى عنه، اقتنَع أهل المدينة بأنّها يجوزلها أن تَنْفِر. ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالی عن أبى مسلم الخولاني رحمه الله تعالى قال: "أتيتُ مسجدَ أهل دمشق، فإذا حلقةٌ فيها كهولٌ من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، (وفى رواية كثير بن هشام: فإذا فيه نحوثلاثين كهلاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (4) وإذا شابٌ فيهم أكحلُ العينين، برّاقُ الثّنايا، كلّما اختلفوا فى شيئٍ رَدّوه إلى الفتى (١) فتح الباری لابن حجر ٣:٥٨٨ (٢) فتح البارى لابن حجر ٣:٥٨٨ (٣) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب ٦٧ رقم الحديث ٣٢٢١ وكذلك أخرجه النسائى والبيهقى : رحمهم الله تعالى، كما فى فتح البارى .. (٤) مسند أحمد ٣٦:٣٩٩ رقم ٢٢٠٨٠ ٦٣ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء فتىَّ شابٌ، قال: قلتُ لجليس لى: مَن هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل!" وفى روايةٍ أخرى: "إذا اختلفوا فى شيئ أُسندوه إليه وصَدَرُوا عن رأيه."(١) ونظائرٌ ذلك كثيرة. والحاصل أنّ كثيراً من العامّة كانوا يرجعون إلى من يثقون به، ويُرجّحون فتاواهُ على فتاوى غيره. وكان هناك مَن لا يقتصر على الاستفتاء من واحد، لأنّ المذاهبَ لم تكُن مدوّنةً فى ذلك العصر، فماكانوا يرون محظوراً فى أن يَسْتَفْتُوا كلَّ من تيسّر لهم، وإن كان غيرَ من يرجعون إليه عادةً. ولم يكنْ هناك خوفٌ من أن يَنْتَقِىَ الإنسان من المذاهب المختلفةِ ما وافق أهواءه، لأنّه كان من العسير أن يعرف المستفتى قولَ من يستفتيه قبل أن يسأله، وذلك لعدم تدوين المذاهب. أمّا بعدَ ما دُوَّت المذاهبُ الفقهيّةُ الأربعةُ بصفة خاصّة، وأُلُفت فيها الكتب، وأصبحت لها مدارس تقتصرُ على دراستها، فأصبحت أقوالُ هذه المذاهب معروفةً مشتهرةً بين النّاس. فلو أتيح لكلّ أحدٍ أن يَنْتَقِىَ من هذه الأقوال ما شاء متى شاء، لأدى ذلك إلى اتّباع الهوى، دونَ اتّباع الشّريعة الغراء. ولاشكّ أنّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء الفقهاءِ إنما اختار قولاً على أساس قوّة دليله عنده، وليس على أساس ما يَهْواهُ قلبُه. فكان لمجتهدٍ آخر أن يختارَ أو يردّ ما قاله من أجل دليل أقوى يظهر له من مصادر التشريع الإسلامىّ، ولكنّ العامىَّ الَّذى لا يستطيع أن يُقارِنَ بين هذه الآراء على أساس الأدلّة الشّرعيّة، لوأُتيح له أن يأخُذَ بما شاء ويرُدَّ ما شاء، فإنّه يُخشى عليه أن يأخُذَ من هذه الأقوال ما يُوافق هواه، وليس لدليل شرعيّ كان أساساً لذلك القول. (١) مسند أحمد، ٣٦:٣٨٣ رقم ٢٢٠٦٤ و٣٦:٣٥٩ رقم ٢٢٠٣٠ طبع مؤسسة الرسالة