Indexed OCR Text
Pages 21-40
أصول الإفتاء. ٢٤ الفتوى وخطورتها انصرفْ حتى أنظُرَ فيها. فينصرف ويتردّد فيها. فقلنا له فى ذلك، فبكى وقال: "إنّي أخافُ أن يكونَ لى من السّائلِ يومٌ وأيُّ يوم!" قال وزاد: "كان مالكٌ إذا جلس نكّس رأسه، ويحرّك شفتيه بذكر الله، ولم يلتفت يميناً ولا شمالاً فإذا سُئل عن مسألةٍ تغيّر لونُه وكان أحمرَ بصُفرة، فيصفرٌ وينكّس رأسه ويحرّك شفتيه. ثمّ يقول: "ما شاء الله ولا قوة إلاّ بالله. " فربما يُسأل عن خمسين مسألةً فلا يُجيب منها فى واحدة. " وقال بعضُهم: "لكأنّما مالكٌ والله إذا سُئل عن مسألةٍ واقفٌ بين الجنّة والنار." وقال موسى بن داود: "ما رأيت أحداً من العلماء أكثر أن يقول: "ما أُحسِنُ" من مالك. وقال ابن مهديّ: سأل رجلٌ مالكاً عن مسألة، وذكر أنّه أُرسل فيها من مسير ستّة أشهرٍ من المغرب. فقال له: "أخْبرِ الَّذى أرسلك أنّه لا عِلْمَ لي بها." قال: "ومن يعلمُها؟" قال: "من .. علّمه الله. " وسأله رجلٌ عن مسألةٍ استودعه إياها أهلُ المغرب، فقال: "ما أدري! ما ابتُلينا بهذه المسألةِ فى بلدنا، ولا سمِعنا أحداً من أشياخِنا تكلّم بها، ولكن تعود." فلمّا كان من الغَد جاءه وقد حمل ثقلَه على بغلةٍ يقودها، فقال: "مسألتي!" فقال: "ما أدرى ما هي؟" فقال الرجل: "يا أبا عبد اللها تركتُ خلفى من يقول ليس على وجهِ الأرض أعلمُ منك. "فقال مالكٌ غيرَ مستوحش: "إذا رجعت فأخبرهم أنّي لا أحسن." وسأله آخر فقال: "يا أبا عبد الله! أجبني، فقال: "ويحك، أتريد أن تجعلنى حُجّةً بينك وبين الله؟ فأحتاجُ أنا أولاً أن أنظرَ كيف خلاصي، ثم أخلّصك. " قال ابن أبي حازم: قال مالك: "إذا سألك إنسانٌ عن مسألةٍ فابدأ بنفسك فأخرزها. " وقال خالد بن خِراش: "قدمتُ من العراق على مالك أصول الإفتاء ٢٥ الفتوى وخطورتها بأربعين مسألةً فما أجابني منها إلاّ فى خمس." وقال مالك: سمعت ابن هُرْمُز يقول: "ينبغي أن يورث العالمُ جُلساءَه قولَ "لا أدري" حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سُئل أحدهم عمّا لا يروى، قال: "لا أدري." وقال ابنُ وَهْب(١): "كان مالك يقول فى أكثر ما يُسأل عنه لا أدري." قال عمر بن يزيد: فقلت لمالك في ذلك، فقال: "يرجعُ أهل الشّام إلى شامهم وأهلُ العراق إلى عراقهم وأهلُ مصر إلى مصرهم، ثم لعلّى أرجعُ عمّا أفتیتهم به." قال: "فأخبرتُ بذلك اللّيثَ(٢) فبكى، وقال: "مالك والله أقوى من اللّيث أو نحو هذا." قال ابن وَهْب: سألت مالكاً في ثلاثين ألفَ مسألةٍ نوازلَ فى عمره، فقال فى ثلثها أو شطرها أو ما شاء الله منها: "لا أحسن، ولا أدرى." وقال بعضهم: "إذا قلتَ أنت يا أبا عبد الله "لا أدرى" فمن يدري؟ قال: "ويحك ما عرفتني؟ وما أنا؟ وأيُّ شيئ منزلتي حتى أدري ما لا تَدْرُون. ثم أخذ يحتجّ بحديث ابن عمر، يقول: "لا أدري" فمن أنا؟ وإنّما أهلك الناس العُجبُ وطلبُ الرئاسة. (١) الإمام ابن وَهْب: عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصريّ، أبو محمّد، فقيه من الأئمة من أصحاب الإمام مالك. جمع بين الفقه والحديث والعبادة. له كتب، منها " الجامع" فى الحديث، و" الموطّأ " فى الحديث. وكان حافظاً ثقة مجتهداً. عُرض عليه القضاء فخبأ نفسه ولزم مترلَه. مولده (سنة ١٢٥ هـ) ووفاته (سنة ١٩٧ هـ) بمصر. (هكذا فى الأعلام بتصرف يسير ٤: ١٤٤) (٢) الّث بن سعد إمام الديار المصرية فى الفقه والحديث، وكان عالمها ورئيسها. وروى الحافظ الذهبيّ عن إسحاق بن إسماعيل الرملي رحمهم الله قال: "سمعت محمد بن رمح يقول: كان دَخْلُ الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط." وقال شمس الدين ابن خلكان فى الوفيّات: "رأيت فى بعض المجاميع أن اللّيث كان حنفيّ المذهب." وذكره العلّامة القرشيّ فى طبقات الحنفيّة. توفّي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة النصف من شعبان سنة ١٧٥ هـ، وله إحدى وثمانون سنة. (ملخص من تذكرة الحفّاظ ٢: ٢٢٤ إلى ٢٢٦ وسير أعلام النبلاء ٨: ١٥٢ ووفيات الأعيان ٤: ١٢٧ والجواهر المضيئة ٢: ٧٢٠) أصول الإفتاء ٢٦ الفتوى وخطورتها وهذا يضمحلّ عن قليل." وقال مصعب: سُئل مالك عن مسألة فقال: "لا أدري." فقال له السائل: إنّها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أُغلِم بها الأمير. " وکان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: "مسألة خفيفة سهلة؟ ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] فالعلم كلّه ثقيل، وبخاصّةٍ ما يُسأل عنه يوم القيامة." وقال له ابن القاسم: "ليس بعد أهل المدينة أعلمُ بالبيوع من أهل مصر." فقال مالك: "ومن أين علموها؟" قال: "منك." قال مالك: "ما أعلمُها أنا، فكيف يعلمونها؟" وقال القَعْنَبيّ: "دخلتُ على مالك فوجدته باكياً، فسألته عن ذلك فقال: "ومن أحقُّ بالبكاء مني؟ لا أتكلّم بكلمةٍ إلَّا كُتبت بالأقلام وحمُلت إلى الآفاق "(١) وقال سُخْنُون رحمه الله تعالى: "إنّى لأُسأل عن مسألةٍ فأعرف فى أىّ كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعنى عن الجواب فيها إلّ كراهةُ الجرأة بعدى على الفتيا. "(٢) ويقول العلاّمة الماورديّ الشّافعى(٣) رحمه الله تعالى فى كتاب أدب الدّين والدُّنيا: "وممّا أُنْذِرُك به (١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضى عياض رحمه الله تعالى ١:١٤٤ إلى ١:١٥٢ دار مكتبة الحياة بيروت. (٢) ترتيب المدارك ٢: ٦١٥ (٣) الإمام الماورديّ الشافعىّ: عليّ بن محمد بن حبيب الإمام أبو الحسن الماورديّ، نسبة إلى عمل . عائلته بصناعة ماء الورد وبيعه. هو صاحب "الحاوى" و "أدب الدنيا الدين" و "النكت" فى التفسير و"دلائل النبوة" و"الأحكام السلطانيّة" وغيرها. تفقّه بالبصرة على الإمام الصَّيْمَرِيّ ثم رحل إلى الإمام أبي حامد الإسفرايني ببغداد رحمهم الله تعالى. وكانت له اليدُ الباسطة في المذهب والتفنن التامّ فى سائر العلوم. وقد نبّه الحافظ ابن الصلاح رحمه الله أنّه كان يذهب إلى مذهب الاعتزال فى بعض المسائل، يبوح بها فى تفسيره، فليُتفطّن لذلك. تُوُفّي رحمه الله سلخ شهر ربيع الأول سنة ٤٥٠ هـ عن ستّ وثمانين سنة. (ملخص من طبقات الشافعية الكبرى ٥: ٢٦٧ وما بعدها، وسير أعلام النبلاء ١٨: ٦٤ إلى ٦٨). أصول الإفتاء ٢٧ الفتوى وخطورتها من حالى أنّى صنّفتُ فى البيوع كتاباً جمعتُه ما استطعتُ من كتب النّاس، وأجْهَدتُ فيه نفسى، وكَدَدتُ فيه خاطرى، حتىّ إذا تهذّب واستكمل وكِدتُ أُعجَبُ به، وتصوّرتُ أنّى أشدّ النّاس اطلاعاً بعلمه، حضرنى _وأنا فى مجلسى_ أعرابيّان فسألانى عن بيعٍ عَقَداه فى الباديةِ على شروط تضمّنت أربعَ مسائل، ولم أعرف لشيئ منها جواباً، فأطرقْتُ مفكّرا، وبحالى وحالهِما مُعتبِرًا، فقالا: "أمَا عندك فيما سألناك جوابٌ، وأنت زعيمُ هذه الجماعة؟ فقلت: "لا" فقالا: "إيهًا لك." وانصرفا، ثم أتيا مَن قد يتقدّمه فى العلم كثيرٌ من أصحابي، فسألاه فأجابهما مُسرعاً بما أقنعهما، فانصرفا عنه راضيَين بجوابه حامدَيْن لعِلمه ... فكان ذلك زاجرَ نصيحةٍ ونذيرَ عِظَةٍ تذلَلَ لهما قيادُ النّفس، وانخفض لهما جناحُ العُجب."(١) ٠٠:٠٠ (١) طبقات الشافعية الكبرى، الطبقة الرابعة فيمن توفي بين الأربعمائة والخمسمائة- (٥ / ٢٦٩) مناهج الفتوى ـ السلف أصول الإفتاء ٢٩ مناهج الفتوى فى السلف الفتوى في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم أوّلُ من قام بمنصبِ الإفتاء سيّدُ المرسلين وخاتمُ النبيّين صلّى الله عليه وسلم، وكان يُفتى عن الله سبحانه وتعالى بِوَحْيِه المُبين، وكانت فتاواهُ علیه الصّلاة والسلام جوامعَ الأحكام، وهي أكبرُ مأخذٍ للشّريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، وكانت الصّحابة رضي الله عنهم يحفظونها فى الصّدور والزّبور كما تقرّر في مبحث تدوين الحديث و کتابته. ولم یکن أحد فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يشتغلُ بمنصبِ الإفتاء غيرُه، غيرَ أنّه عليه الصّلاة والسّلام ربّما فوّض أمرَ الإفتاءِ أو القضاء إلى بعضِ أصحابه، ولعلّه ليُمَرّنهم على الاجتهاد والاستنباط، مثل ما رواه الحاكم عن عبدالله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما: "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِعَمْروٍ: اِقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَقْضِى بَيْنَهُمَّا وَأَنْتَ حَاضِرٌ يَارَسُوْلَ اللهِ! قَالَ: نَعَمْ عَلَى أَنَّكَ إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرٌ أُ جُوْرٍ، وَإِنِ اجْتَهَدتَ فَأَخْطَأْتَ فَلَكَ أَجْرٌ."(١) ومثل ماروى عن مَعْقِل المُزَنِىّ رضى الله تعالى عنه قال: "أَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ أَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ فَقُلْتُ مَاأُحْسِنُ أنْ أَقْضِيَ مَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْدًا. "(٢) وكذلك بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (١) مستدرك الحاكم ٤:٩٩ وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرجاه بهذه السياقة. وقال الذهبىّ: فرج بن فضالة ضعفوه. (٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٣٣:٤٢٠ رقم ٢٠٣٠٥ وفى إسناده نُفيع بن الحارث، وهو أبوداود الأعمى متروك الحديث. والله أعلم أصول الإفتاء ٣٠ مناهج الفتوی فی السلف بعضَ الصّحابة إلى البلاد النّائية، فأذِن لهم بالإفتاء والقضاء، كما أخرج المحدِّثون عن أصحاب معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه: "لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، قَالَ: "كَيْفَ تَقْضِى إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟. " قَالَ: "أَقْضِى بِكِتَابِ اللَّهِ. " قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْفِى كِتَابِ اللَّهِ؟". قَالَ: "فَبِسْنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. "قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْفِى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ فِى كِتَابِ اللَّهِ؟" قَالَ: "أَجْتَهِدُ رَأْبِى وَلاَ أَلُو" فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَقَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللهِ."(١) وهذا الحديثُ، وإن أعلّه بعض المحدثين بجهالة الحارث بن عمرو، وجهالة من روی عنهم من أصحاب معاذبن جبل رضی الله عنه، ولكن تلقّاه علماءُ كلِّ عصرٍ ومصرٍ بالقَبول، ويقول الحافظ ابن القيّم رحمه الله تعالى: "فهذا حديثٌ، وإن كان عن غير مُسمَّين فهُم أصحابُ مُعاذ، فلا يضرّه ذلك، لأَنْه يدلّ على شهرة الحديث، وأنّ الَّذى حدّث به الحارثُ بن عمرو عن جماعةٍ من أصحاب معاذ، لاواحدٍ منهم، وهذا أبلغُ فى الشُّهرة عن واحدٍ منهم لوسُمِّى. كيف وشهرةُ أصحاب مُعاذ بالعلم والدّين والفضل والصّدقِ بالمحلِّ الَّذى لا يخفى؟ ولا يُعرفُ فى أصحابه مُتّهَمٌ ولا كذّابٌ ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشُكّ أهلُ العلم بالنّقل فى ذلك. كيف وشعبةُ حامل لواءِ هذا الحديث؟ وقد قال بعض أئمّة الحدیث: إذارأيت شُعبة فى إسناد حدیثٍ فاشهد یدیك به. قال أبوبكر الخطيب: وقد قيل إنّ عُبادة بنَ نُسَيّ رواه عن عبدالرحمن بن غَنْم عن معاذ، (١) أخرجه الترمذى فى الأحكام، والنسائى فى القضاة، والدارمى فى المقدمة، وأحمد فى مسنده، وهذا لفظ أبى داود فی کتاب القضاء، حدیث ٣٥٩٢ أصول الإفتاء ٣١ مناهج الفتوى فى السلف وهذا إسناد متّصل، ورجاله معروفون بالثّقة، على أنّ أهل العلم قد نقلوه. واحتجُوابه، فوقَفْنا بذلك على صحّته عندهم. "(١) ثم إنّ هذا الحديثَ مؤيّدٌ بحديثٍ صحيح أخرجه الشّيخان عن عمروبن العاص رضى الله تعالى عنه أنّه سمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ "(٢) منهج الصحابة والتابعين فى الإفتاء وإنّ ماجاء فى حديث معاذ رضى الله عنه ثابتٌ من عدّةٍ صحابةٍ العملُ به. فقد أخرج الدارمى فى سننه عن شُريح(٣) أنّ عمربن الخطّاب رضى الله عنه كتب إليه: إن جاء ك شيئ فى كتاب الله فاقض به، ولا يلفِتَنّك عنه الرّجال، فإن جاءك ماليس فى كتاب الله، ولم يكنْ فيه سنّةٌ من رسول الله صلى الله علیه وسلم، فانظر ما اجتمع علیه النّاس فخُذْ به، فإن جاءك ما ليس فی کتاب الله ولم يكن فيه سنّةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلّم فيه أحدٌ قبلك، فاخترْ أَىَّ الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهدَ برأيك ثمّ تتقدّمَ، فتقدّمْ، وإن شئتَ أن تتأخّرَ فتأخّرْ، ولاأرى التأخير إلاّخيراً لك." (١) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ١٨٣: ١ دار إحياء التراث العربى بيروت ١٤٢٢ (٢) هذا لفظ البخارى فى كتاب الاعتصام، حديث ٧٣٥٢ (٣) شريح القاضى: هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية، أبو أميّة قاضى الكوفة الّذى قال له عليّ رضي الله تعالى عنه: "أنت أقضى العرب". وهو مختلف في صحبته. ولي القضاء للخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم فمن بعدهم إلى أن استعفى من الحجّاج حين كان عمره مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك سنة. قال أبو نعيم وجماعة مات سنة ٧٨ وقال خليفة ١ · سنة ثمانين وقال المديني سنة ٨٢ هـ ويقال سنة ٩٩ هـ وقيل غير ذلك وادعى حفيده علي بن عبد الله وليس بعمدة أنه بقي إلى ما بعد سنة ٩٠ هــ. (ملخص من طبقات أبى عمرو خليفة بن خيّاط ١: ٢٤٥ (برقم ١٠٣٧) والإصابة ٣: ٢٠٢ (برقم ٣٨٧٥) وسير أعلام النبلاء ٤: ١٠٠) أصول الإفتاء ٣٢ مناهج الفتوى فى السلف وأخرج الدارمى أيضا عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال:" فإذا سُئِلتم عن شيئ فانظروا فى كتاب الله، فإن لم تجدُوه فى كتاب الله ففى سنّةٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجِدُوه فى سنّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكنْ فيمااجتمع عليه المسلمون، فاجتهد رأيك." وأخرج أيضا عن عبدالله بن يزيد قال: كان ابنُ عباس رضى الله تعالى عنهما إذا سُئل عن أمر، فكان فى القرآن أخبَرَ به، وإن لم يكنْ فى القرآن، وكانَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخبر به. فإن لم يكنْ، فعن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فإن لم یکن، قال فيه برأيه."(١) وأخرج البيهقىّ(٢) عن مَسْلَمَةَ بن مخلَد أنه قام علی زید بن ثابت رضی الله عنه فقال: ياابن عمّ! أَكْرهنا على القضاء، فقال زيد: "اقض بكتاب الله عزّوجلّ، فإن لم يكن فى كتاب الله ففى سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فإن لم يكُنْ فى سنّةِ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فادعُ أهلَ الرّأى ثمّ اجتهِدْ، واختَرْ لنفسك ولا حرج. " وكذلك أخرج البيهقىّ عن إدريس الأُوْدِىّ (١) سنن الدارمى، المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة، رقم ١٦٩ و ١٧١ و١٦٨ بالترتيب المذكور (٢) الإمام البيهقىّ: الإمام الحافظ العلاّمة الّذى أيّد المذهب الشافعيّ بتصانيفه، شيخ خراسان، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقيّ ، نسبة إلى بيهق وهي قرى مجتمعة بنواحى نيسابور. ولد سنة ٣٨٤ هـ .. كان تلميذ الإمام الحاكم أبى عبد الله محمّد بن عبد الله فى الحديث. وألّف وصنّف كثيرا فى الحديث والفقه وفنون شتّى، وتواليفه تُقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد. من أشهر تصانيفه "السّنن الكبرى" و "شعب الإيمان" و"معرفة السنن والآثار". ومن عجائب أخباره أنه صنّف مثل هذه التصانيف مع أنّه لم يكن عنده سننُ النّسائيّ ولا جامع الترمذيّ ولا سنن ابن ماجه كما ذكره الحافظ الذهبيّ رحمه الله. تُوُفّي رحمه الله سنة ٤٥٨ هــ. (ملخص من تذكرة الحفاظ ٣: ١١٣٢ إلى ١١٣٥ والأنساب ١: ٤٣٨) أصول الإفتاء ٣٣ مناهج الفتوى فى السلف قال: "أخرج إلينا سعيدُ بن أبى بُردة كتاباً، فقال: هذا كتابُ عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى رضى الله عنه - فذكر الحديث وفيه - الفهم فيما يَخْتَلِجُ فى صدرك ممّا لم يبلغْكَ فى القرآن والسّنة، فتعَرّف الأمثالَ والأشباه ، ثمّ قِسِ الأمور عند ذلك واعمِدْ إلى أحبُّها إلى الله وأشبهها فيما ترى."(١) فهؤلاء الصّحابة رضى الله عنهم كلّهم مشوا على الأصل الّذی ذُکر فی حديثٍ مُعاذ رضى الله عنه ممّا يُقوّى ذلك الحديث ويدُلّ على صحّة قول ابن القيّم رحمه الله تعالى أنّ حديثَ مُعاذٍ عمِل به السّلف الصّالحون. الفتوى فى عهد الصحابة ذكر ابنُ القيّم فى إعلام الموقّعين أنّ الّذين حفظت منهم الفُتيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم مائةٌ ونيّفةٌ وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة. فكان المُكثِرون منهم سبعاً: عمرُ بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمّ المؤمنين ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وذكر ابنُ حزم (٢) (١) السنن الكبرى للبيهقى، كتاب آداب القاضى، باب ما يقضى به القاضى ويفتى به المفتى الخ ١٠:١١٥ (٢) العلامة ابن حزم: هو عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، من كبار علماء الأندلس، وُلد رحمه الله بقرطبة آخرَ يومٍ من رمضان سنة ٣٨٤هــ. وكانت له ولأبيه من قبله رياسةُ الوزارة وتدبيرُ المملكة، فزهد أبو محمد فيها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين فقيهاً حافظاً يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة. لكن قال الحافظ الذهبيّ: " قيل: إنّه تفقّه أوّلا للشافعيّ، ثم أدّاه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كلِّه جليّه وخفيِّه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث ..... وصنّف في ذلك كتباً كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدّب مع الأئمة فى الخطاب .. " فبسبب ذلك أقصته الملوك وطاردته، فرحل إلى بادية لبلة (من بلاد الأندلس) قُتُوفيّ فيها لليلتين بقيتا من شعبان، سنة ٤٥٦ هـ. من أشهر تصانيفه "المحلّى" و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" وقد مدح غيرُ واحدٍ من العلماء الجهابذة بعض کتبه مع اختلافهم معه ولیراجع لذلك سير أعلام النبلاء. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٨: ١٨٤ إلى ٢١٢ والأعلام ٤: ٢٥٤) أصول الإفتاء ٣٤ مناهج الفتوى فى السلف أنّه يُمكن أن يجَمع فتاوى كلِّ واحدٍ منهم سِفرٌ ضخيم قال : وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فُتيا عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما فى عشرين كتاباً، وأبو بكر محمّد المذكور أحدُ أئمّة الإسلام فى العلم والحديث. وأمّا المتوسّطون من الصّحابة فيما رُوي عنهم. من الفُتيا، فعددهم أكثر، منهم: أبو بكر الصدّيق، وأمّ سلمة، وأنسُ بن مالك، وأبو سعيد الخُدريّ، وأبو هريرة، وعثمانُ بن عفّان ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمان الفارسيّ ، وجابر بن عبد الله ، ومعاذ بن جبل ، وطلحة ، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف ، وعمران بن حصين ، وأبو بكرة ، وعُبادة بن الصّامت، ومعاوية بن أبى سفيان رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال ابن حزم: يمكن أن يُجمع من فُتيا كلِّ واحدٍ منهم جزءٌ صغيرٌ جِدّاً. والباقون من الصّحابة رضي الله عنهم مُقِلّون فى الفتاوى ، لا يُروى عن واحدٍ منهم إلاّ المسألةُ والمسألتان ، والزّيادة اليسيرة على ذلك، ويمكنُ أن يجُمع من فُتيا جميعهم جزءٌ صغير بعدَ التّفصّى والبحث. ثم ذكر ابنُ القيّم أسماءَ هؤلاء المُقلّين من الصّحابة ناقلاً عن ابن حزم رحمهما الله تعالى. ثم استغرب أنّه عدَّ منهم ماعزاً والغامديّةَ رضى الله عنهما، وقال: "لعلّه تخيَّلَ أنّ إقدامهما على جواز الإقرار بالزّنا من غير استئذانٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك هو فتوى لأنفسهما لجواز الإقرار، وقد أُقِرًا عليها. فإن كان تخيّلَ هذا فما أبعده من خيال! أو لعلّه ظفِر عنهما بفتوىً فى شيئٍ من الأحكام. "(١) (١) إعلام الموقعين ١:٢٨ و٢٩ دار إحياء التراث العربى، بيروت 1 أصول الإفتاء ٣٥ مناهج الفتوى فى السلف وقد جمع بعضُ العُلماءِ المعاصرين فتاوى هؤلاء الصّحابة رضى الله عنهم فی کتب مفردةٍ نذكرمنها مایلی: مَوْسُوعةُ فقهِ أبى بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه- تأليف الدكتور محمد رواس قلعه جي (دار النفائس) مَوْسُوعةُ فقهِ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه - تأليف الدكتور محمد روّاس قلعه جي (مكتبة الفلاح) فقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه موازناً بفقه أشهر المجتهدين - تأليف الدكتور رويعى بن راجح الرحيلي (جامعة أم القرى) فقة عمر رضي الله تعالى عنه، تأليف العلامة الشاه ولي الله (١) رحمه الله تعالى. وترجمه بالأردية أبو يحيى امام خان نوشهري (اداره ثقافت اسلامي لاهور) مَوْسُوعةُ فقهِ عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه - تأليف الدكتور محمد رواس قلعه جي (جامعة أم القرى) (١) الإِمام وليّ الله الدهلويّ: هو أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العمري، الدهلويّ الحنفيّ، الإمام المجدّد، وُلد رحمه الله سنة ١١١٤ من الهجرة بمنطقة مظفر نكر بالهند. كان والده العلامة الشيخ عبد الرحيم ممن ساهم فى جمع الفتاوى الهندية بطلب من السلطان الصالح اورنگ زیب عالمكير رحمهم الله تعالى. حفظ القرآن حين كان عمره سبع سنين، ثم أكبّ على طلب العلوم حتّى فرغ منه فى الخامس عشر من عمره وقرأ كثيراً من الكتب الأساسيّة على أبيه. واشتغل بالتدريس اثنتي عشرة سنة، وفى سنة ١١٤٣ هـ تشرّف بزيارة الحرمين الشريفين، فأقام بهما عامين كاملين، وصحب العلماء صحبة شريفة، وتتلمذ على الشّيخ أبى طاهر محمد بن إبراهيم الكرديّ المدنيّ وأخذ منه الأمهات الستّ فى الحديث وغيرها، ثم رجع إلى ديار الهند حيث أحيا الحديث وعلومه بعد ما كاد سراجه ينطفئ بتلك الديار، لغلبة الاهتمام بالعلوم الأخرى فى أهلها. له تصانيف كثيرة هى فى غاية من الدقة، منها "حُجّة الله البالغة" و "الفوز الكبير" فى أصول التفسير و "المصفّى شرح الموطّأ" وشرح تراجم البخاريّ، و"الإنصاف" فى بيان أسباب الاختلاف بين المجتهدين، و"عقد الجيد فى أحكام الاجتهاد والتقليد". توفّي رحمه الله سنة ١١٧٦ هـ عن اثنتين وستين سنة. (ملخص من نزهة الخواطر ٦: ٣٩٨ إلى ٤١٥) أصول الإفتاء ٣٦ مناهج الفتوى فى السلف مَوْسُوعةُ فقهِ عليّ بن أبي طالب - تأليف الدكتور محمد رواس قلعه جي (دار النفائس) مَوْسُوعةُ فقِهِ عائشةَ أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، حياتها وفقهها - تأليف الشّيخ سعيد فايز الدخيل (دار النفائس) مَوْسُوعةُ فقهِ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه - تأليف الدكتور محمد ،شى۔۔ رواس قلعه جي (جامعة أم القرى) فقه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، جمعاً ودراسةً - تأليف الدكتور عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنیف مَوْسُوعةُ فقهِ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عصره وحياته - تأليف الدکتور محمد رواس قلعه جي (دار النفائس) "إنفرادات بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن جمهور الصّحابة في الأحكام الفقهية (دراسة مقارنة) - تأليف محمد سميعي سيّد عبد الرحمن الرستاقي (مكتبة الفرقان) معجم فقهِ السّلف عترةً وصحابةً وتابعين - تأليف الشيخ محمد المنصر الكتّاني (جامعة أم القرى / مطابع الصفا بمكة المكرمة) الفتوى فى عهد التابعين کان المرجع فی الفتاوی بعد الصحابة إلی کبار التابعین، و كانوا منتشرین فى البلاد الّتى عَمَرها المسلمون فى فتوحاتهم، وقدعدّ العلاّمةُ ابنُ القيّم فى أوائل إعلام الموقعين عدداً عديداً منهم، كما أنّ كثيراً من الحفّاظ آلّفوا فى طبقاتهم أجزاءً ومجلدات. وقد انقسم فقهاءُ التّابعين على قسمين: ٣٧ مناهج الفتوى فى السلف أصول الإفتاء القسم الأول: مَن كان مُعظّم اشتغاله روايةُ الحديث، ولا يتكلّمُ فى الفقه إلاّ بما كان صريحًا فى الكتاب والسنّة، ولم يكن يَصْرِف همَّه إلى استنباط المسائل الجُزئيّة التي لم تقعْ بعدُ، وكان ذلك من أجْلِ أنّ مُعْظَمهم كانوا يكرهون الخوضَ فى الرأي والقياس، ويهَابُون الفُتيا والاستنباطَ إلاّ لضرورة لا یجدون منها بداً. واستندوا فى ذلك بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه عاب كثرةَ السُّؤال. والقسم الثاني: مَن نَصَبَ نفسَه للفقهِ والفتوى، فلم يقتصِرْ على رواية الأحاديث والآثار، بل اجتهد فى جمع المسائل وتفريع الجزئيّات، حتىّ كان له فى كلّ بابٍ من الفقه فتوىّ ومنهم من دوَّ فقهَه فى كتاب، مثلُ الشّعبيّ ومكحول(١). الفقهاء الذين منعوا من الإفتاء فيما لم يقع أمّا القسم الأول، فقد ذهب إلى أنّ المفتىَ أو الفقيه ينبغى أن يقتصرَ على المسائل الواقعة الحقيقيّةِ الّتى عُرضت عليه مِن أحدٍ ممّن ابتُلى بتلك المسائل، ولا ينبغى للفقيه أن يشتغل بتفريع الجزئيّات وبيانِ حُكمِ الأمورِ التى لم تقع فعلاً، فإنّه غيرُ مكلّف بذلك. وربما يُستدلّ على صحّة هذا القول بالحديث (١) مكحول بن أبي مسلم الهذليّ مولاهم الفقيه الحافظ، عالم أهل الشام. أصله من كابل كان عبدا لامرأة من هذيل مصر. ثم أعتق فطاف الأرض لطلب العلم. قال أبو حاتم الرازي: "ما أعلم بالشام · أفقُه من مكحول. " توفّي رحمه الله سنة ١١٣ هـ أو ١١٢ هـ، وقيل غير ذلك. (ملخص من تذكرة الحفّاظ ١: ١٠٧ وتاريخ الإسلام ٧: ٤٧٩) أصول الإفتاء ٣٨ مناهج الفتوى فى السلف المرفوع المروىّ عن أبى سلمة بن عبدالرحمن(١) مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَتَسْتَعْجِلوا بالبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُوْلِهَا،(٢) فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ مِنْكُمْ مَنْ يُوَفَّقُ وَيُسَدَّدُ، وَإِنَّكُمْ إِنِ اسْتَعْجَلْتُمْ بِهَا قَبْلَ نُزُوْلِهَا تَفَرَّقَتْ بِكُمُ السُّبُّلُ هَهْنَا وَهَهْنَا. وَأَشَارَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ "أخرجه البيهقىّ فى المدخل(٣) وأخرجه الدارمىّ فى مقدمة سننه عن وهب بن عمرو الجُمَحىّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَتَعْجَلُوْا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُوْلِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لاَ تَعْجَلُوْهَا قَبْلَ نُزُوْلِهَا لاَيَنْفَكَّ الْمُسْلِمُوْنَ وَفِيْهِمْ، إِذَا هِىَّ نَزَّلَتْ، مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدَّدَ، وَإِنَّكُمْ إَنْ تَعْجَلُوْهَا، تَخْتَلِفْ بِكُمُ الْأَهْوَاءُ فَتَأْخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَاً،" وَأَشَارَتَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ.(٤) وأخرج الدارمىّ عن عدّةٍ من الصّحابة والتّابعين كراهيةَ الإفتاء فيما لم يقعْ. فأخرج عن حمّاد بن زيد المِنْقَرِيّ، قال حدّثنى أبى قال: "جاء رجلٌ يومًا إلى ابن عمر فسأله عن شيئ لا أدري ما هو، فقال له ابنُ عمر لا تسأل عمّا لم يكن، فإنّي سمعتُ عمر بن الخطاب يلعنُ من سأل عمّا لم يكنْ." (١) أبو سلمة ابن الصحابيّ الجليل أحد المشهودين لهم بالجنّة عبدالرحمن بن عوف القرشي الزهريّ، الحافظ، أحد فقهاء المدينة. قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. ولد رحمه الله سنة بضع وعشرين. وروى عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال الزهري رحمه الله تعالى: "أربعة من قريش وجدتهم بحورا، عروة، وابن المسيب، وأبو سلمة، وعبيدالله بن عبد الله." استقضي بالمدينة المنورة زمن معاوية رضي الله عنه. توفي رحمه الله بالمدينة سنة ٩٤ هـ في خلافة الوليد وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٢٨٧ إلى ٢٩٢ وطبقات ابن سعد، الطبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين ٧: ١٥٣ إلى ١٥٦) (٢) إشارة إلى أن النظر فى مسألة فقهية بليّة يُبتلى بها الفقيه، فلا ينبغى أن يوقع نفسه فى هذه البليّة قبل أن تنزل به بنفسها، بأن يأتيه أحد فيسأله عما وقع معه. (٣) المدخل للبيهقى، ص ٢٢٧ رقم الحديث ٢٩٨ (٤) سنن الدارمى، ١:٢٣٨ و٢٣٩ أصول الإفتاء ٣٩ مناهج الفتوى فى السلف وعن الزهريّ قال: "بلَغَنا أنّ زِيدَ بن ثابت الأنصاريّ كان يقول إذا سُئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم، قد كانَ، حدّث فيه بالذى يعلم والّذي یری، وإن قالوا: لم يكُن، قال: فذَرُوه حتى يكونَ." وعن عامر قال: سُئِل عمّارُ بن ياسر عن مسألةٍ، فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: دعُونا حتىّ تكونَ، فإذا كانت تجَشَّمْنَاها لكم." وعن طاوس(١) قال: قال عمر على المنبر: أُحَرِّج بالله(٢) على رجل سأل عِمّا لم يكُن، فإنّ الله قد بيّن ما هو كائن."(٣) وأخرج الخطيب عن ابن عمر ، قال : "يا أيّها الناس ! لا تَسْألُوا عمّا لم يكن، فإنّ عمر كان يلعن ، أو يسُبّ من سأل عمّا لم يكن." وأخرج عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: سألت أبيّ بن كعب عن شيئٍ، فقال: "أكان بعد؟"قلتُ: لا، قال: فأجِمَّنا () حتى يكونَ، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا." وأخرج عن موسى بن عليّ ، أنه سأل ابن شهاب عن شيء ، فقال ابن شهاب : "ما سمعتُ فيه بشيئٍ، وما نزل بنا". فقلت : "إنّه قد نزل ببعض إخوانك، فقال: "ما سمعتُ فيه بشيئٍ وما نزل بنا، وما أنا بقائلٍ فيه شيئاً." (١) طاووس بن كيسان، الفقيه، عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الهمداني، بالولاء، ولد سنة ٣٣ هـ كما أرخه الزركليّ. لازم ابنَ عباس رضي الله عنهما مدة، وهو معدود في کبراء أصحابه. أصله من الفُرس، ومولده ومنشأه في اليمن. كان من أكابر التّابعين، تفقّهاً في الدين وروايةً للحديث، وتقشّفاً . في العيش، وجرأةً على وعظ الخلفاء والملوك. توفيّ حاجاً بالمزدلفة أو بمنىَّ سنة ١٠٦ هـ وقيل سنة ١٠٥ هـ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٥: ٣٨ إلى ٤٩ والأعلام للزر كليّ ٣: ٢٢٤) (٢) التحريج: التضييق، ومنه الحديث: اللهمّ إنّى أحرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة، أى أضيّقه وأُحرِّمه على من ظلمهما" كذا فى تاج العروس. (٣) سنن الدارمى، مقدمة، باب كراهية الفتيا ١:٢٤٢ إلى ٢٤٤ رقم ١٢٣ إلى ١٢٦ (٤) هو من الإجمام بمعنى الإراحة، يعنى أرحنا. أصول الإفتاء ٤٠ مناهج الفتوى فى السلف وأخرج عن مالك، قال: "أدركتُ هذه البلدة وإنّهم ليَّكْرهون هذا الإكثارَ الذى فيه اليوم، "يريد المسائل.(١) الفقهاء الذين أفتوا فى المسائل التى لم تقع، وحجتهم أمّا القسم الثانى من العُلماء هُم الّذين نَصَبوا أنفسَهم لبيان الأحكام الفقهية وتدوينِها بما يُيَسِّرُ لمن جاء بعدهم الوقوف عليها عند الحاجة، فتكلّموا فى المسائل المحتملة الّتى لم تقع بعدُ. وحمَلُوا ماذكرنا من آثار الصّحابة والتابعين على التورّع والاحتياط. فقال البيهقى رحمه الله تعالى يعد نقل هذه الآثار: "وبلَغَنى عن أبى عبدالله الحَلِيْمِىّ(٢) رحمه الله أنّه أباح ذلك للمتفقّهة الّذين غرضُ العالم من جوابهم تنبيهُهم وإرشادهم إلى طريقِ النّظر والإرشاد، لا ليعمَلوا." ثمّ قال الإمام البيهقىّ " وعلى هذا الوجهٍ وضعَ الفقهاءُ مسائلَ المجتهدات، وأجروا بآراءهم فيها لِما فى ذلك من إرشاد المتفقِّهة، وتنبيهِهم على كيفيّة الاجتهاد. "(٣) وقال الخطيب بعد رواية آثار الصّحابة والتابعين: " فهذا ما تعلّق به مَن مَنَع من الكلام فى الحوادثِ قبلَ نزولها، ونحن نُجيب عنه بمشيئة الله وعونه : أمّا كراهةُ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم المسائل ، فإنما كان ذلك إشفاقاً على أمّته ورأفةً بها ، وتحثُّاً عليها، (١) الفقيه والمتفقه ٢:١١ إلى ١٥ (٢) الإمام أبو عبدالله الحليمىّ: الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، أبو عبد الله البخاري الشافعيّ. القاضي العلامة، رئيس المحدثين والمتكلمين بما وراء النهر. ولد في سنة ٣٣٨ هــ، وأخذ عن الجهابذة مثل الإمام الأستاذ أبی بکر القفّال. وعداده من أصحاب الوجوه في المذهب. وله باع فى الحديث أيضا فإن الإمام أبا عبد الله الحاكم قد حدّث عنه مع كون الحاكم أكبر منه. توفي رحمه الله فى شهر ربيع الاول، سنة ٤٠٣ هــ. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٧: ٢٣١ إلى ٢٣٤) (٣) المدخل للبيهقى، باب من كره المسئلة عما لم يكن ١:٢٢٦ ٤١ مناهج الفتوی فی السلف أصول الإفتاء وتخوُّفاً أن يُحرّم اللهُ عند سؤال سائل أمراً كان مباحاً قبلَ سؤاله عنه ، فيكونُ السؤال سبباً فى حَظُر ما كان للأمّة منفعةٌ فى إباحته، فتدخلُ بذلك المشقّةُ عليهم والإضرار بهم. وهذا المعنى قد ارتفع بموتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقرّت أحكامُ الشّريعة، فلا حاظر ولا مُبیحَ بعده." ثم استدلّ الخطيب رحمه الله تعالى على جواز السؤال عمّا لم يكُنْ بحديث رافع بن خَدِيْج رضى الله تعالى عنه: قال: قلت: "يَا رَسُوْلَ اللهِ، إنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى، فَتَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذَكَرْتَ عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، مَا خَلاَ السِنَّ وَالظُّفُرَ." فلم يعِبْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مسألةَ رافع عمّا لم ينزلْ به ، لأنّه قال: غدًا ولم يقل له: لِمَ سألتَ عن شيئٍ لم يكن بعدُ. وكذلك استدلّ الخطيب بحديث يزيد بن سلمة ، عن أبيه أَنَّ رَجُلاً قَامَ إلىَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَاَ أُمَرَاءُ يَسْأَلُوْنَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُوْنَا حَقَّنَا، فَتُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَامَ الْأَشْعَتُ بْنُ قَيْسِ، فَقَالَ: تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ حَتَّى يَمْنَعَنِى، فَقَالَ: يَا رَسُوْلِ اللهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقِّ وَيَمْنَعُونَا ، أَنْفَاتِلُهُمْ؟ قَالَ : "لَا عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا حُمَّلُوْ"(١) قال الخطيب رحمه الله تعالى: "فلم يمنعْ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم هذا الرّجلَ من مسألته، ولا أنكرها عليه، بل أجابه عنها من غير كراهة، وفى الآثار نظائر (١) أخرجه الخطيب بسنده، وهو حديث أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الإمارة، باب فى طاعة الأمراء، حديث ٤٧٤٥ و٤٧٤٦ وفيه أن السائل سلمة بن يزيد الجعفىّ رضى الله عنه تفسه. أصول الإفتاء ٤٢ مناهج الفتوى فى السلف كثيرةٌ لما ذكرناه. وأما تحريجُ عمر فى السّؤال عمّا لم يكن ولعنُه من فَعَل ذلك، فيحتمِلُ أن يكون قَصَد به السّؤال على سبيل التعنّت والمغالطة ، لا على سبيل التفقّه وابتغاءِ الفائدة . ولهذا ضربَ صَبِيْغَ بن عِسْل ونفاه، وحَرَمه رزقَه وعطاءَه(١)، لمّا سأل عن حُروفٍ من مشكل القرآن ، فخَشِيَ عمَرُ أن يكون قَصَد بمسألته ضعفاءَ المسلمين فى العلم ، ليُوقِعَ فى قلوبهم التّشكيك والتّضليل بتحريف القرآن عن نهج التّنزيل ، وصرفِه عن صوابِ القول فيه إلى فاسد التأويل ، ومثلُ هذا قد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّهيُ عنه والذمُّ لفاعله. "ثم أخرج الخطيبُ حديثَ مُعاوية رضى الله عنه أنّ النّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الأُغْلُوْطَاتِ. قال عيسى: والأغلوطات: ما لا یحتاج إلیه من کیف و کیف. وحديث ثوبان رضی الله تعالی عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: "سَيَكُوْنُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِى يُغَلِّطُوْنَ فُقَهَاءَهُمْ بِعَضْلِ الْمَسَائِلِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِى. " وأخرج عن الحسن البصرىّ رحمه الله تعالى قال: "شِرارُ عباد الله يَنْتَقون شرارَ المسائل يُعْمُون بها عبادَ الله." ثم قال الخطيب رحمه الله تعالى: "وقد روى عن عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وغيرهما من الصّحابة أنّهم تكلّموا في أحكام الحوادث قبل نزولها، وتَناظروا فى علم الفرائض والمواريث، وتبعهم على هذه السّبيل التّابعون ، ومن بعدهم من فقهاءِ الأمصار، فكان ذلك إجماعاً منهم على أنّه جائزٌ غيرُ . مكروه، ومباجٌ غيرُ محظور. وأمّا حدیثُ زيد بن ثابت، وأبيّبن كعب، (١) صبیغ بن عسل کان رجلاً يسأل الناس عن أشیاء من مشكل القرآن ومتشابهه، وقد روى ابن عساكر فيه روايات مختلفة كلّها ترجع إلى أنّ عمر رضى الله تعالى عنه ضربه ونهى المسلمين عن مجالسته لوقوعه فى الأغاليط والمتشابهات. راجع له تاريخ دمشق لابن عساكر ٢٣: ٤٠٨ إلى ٤١٣ أصول الإفتاء ٤٣ مناهج الفتوى فى السلف وعمّار بن ياسر رضى الله تعالى عنهم، فإنّه محمولٌ على أنّهم توقَّوُوا القولَ برأيهم خوفاً من الرّلل، وهيبةً لما فى الاجتهاد من الخطر ، ورأوا أنّ لهم عن ذلك مندوحةً فیما لم يحدث من النّوازل، وأنّ کلامھم فیها إذا حدثت تدعو إليه الحاجة، فيوفِّق اللهُ فى تلك الحالِ من قصد إصابةَ الحقّ. وقد رُوی عن معاذ بن جبل نحو هذا القول." ثم أخرج بسنده عن الصّلت بن راشد قال: سألتُ طاوساً عن شيئٍ، فانْتَهَرنى ، وقال: أكان هذا؟ قلت: نعم! وقال: اللهِ؟ ، قلت: اللهِ!، قال: إنّ أصحابَنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنّه قال: "أيُّها النّاس! لا تعجّلوا بالبلاء قبلَ نزوله، فيذهبَ بكم ها هنا وها هنا، فإنّكم إن لم تعْجَلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفكَّ المسلمون أن يكونَ فيهم من إذا سُئِل سُدِّد ، أو قال: وُفِّق. "قال الخطيب: "وهذا فعلُ أهل الورع والمُشْفِقين على دِينهم." ؟!(١) أئمة الفتوى فى عهد التابعين وكان كلُّ واحدٍ من هذين القسمين يأخذ في فتاواه بما يتيسّرُ له من الأحاديث وآثارِ الصّحابة، وانتصبَ فى كلّ بلدٍ من البلاد الإسلاميّة إمامّ يتبعه كثيرٌ من النّاس فى الفقه والفتوى. وكان في المدينةِ سعيد بن المُسَيَّب (٢). (١) الفقيه والمتفقه ٢:٢٢ و ٢٣ (٢) سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب، عالم المدينة فى زمانه وأحد الفقهاء السبعة. كان أبوه المسيّب وجدّه حزن رضي الله عنه كل منهما صحابيًا. وكان سعيد رحمه الله زوجَ بنت أبي هريرة رضي الله عنه، وأُعلمُ النّاس بحديثه.وروى عنه أنّه قال: "ما فاتتنی الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة." وروى عنه أنه قال: "مَا أَذِّنَ المُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلاثْنَ سَنَةً، إِلاَّ وَأَنًا فِي المَسْجِد" و مُرْسلاته يُحتجّ بها بالاتفاق، حتى عند الإمام الشّافعيّ رحمه الله مع أنه لا يرى ححيّة المراسيل توفّي رحمه الله سنة الفقهاء وهي سنة ٩٤ هـ ، وهذا أصحّ الأقوال فى وفاته. (ملخص من سير أعلام النبلاء ٤: ٢١٧ إلى ٢٤٦ وأصول البزدوى، أوّل باب بيان قسم الانقطاع، وليراجع الإصابة تحت "المسيّب ابن الحزن" رضي الله تعالى عنهما)