Indexed OCR Text
Pages 21-40
[وأمّا الغائبُ عن حضرةِ الرسولِ - عليه الصلاةُ والسلامُ - فلا شكَّ في جوازِ أن يتعبَّدَه الله - تعالى - بالاجتهادِ، لا سيَّما عندَ تعذّرِ الرجوع، وضيقِ الوقتِ. وأمَّا وقوعُ التعبُّدِ به - فقالَ بهِ الأكثرونَ؛ والاعتمادُ فيهِ على خبرِ معاذٍ (١)]. مسألة: في شرائط المجتهد اعلم: أنّ شرطَ(٢) ((الاجتهاد)) - أن يكونَ(*) المكلَّفُ بحيثُ يمكنُهُ الاستدلالُ بالدلائلِ الشرعيَّةِ على الأحكامِ . وهذه المكنةُ مشروطةٌ بأمورٍ: أحدُها : أن يكونَ عارفاً بمقتضىَ اللفظِ ومعناهُ؛ لأنَّهُ لولم يكنْ كذلكَ: لم يفهمْ منه شيئاً، ولمّا كان اللّفظ [قد (٣)] يفيدُ معناهُ: لغةً وعرفاً [وشرعاً(٤)] وجبَ أن يعرفَ اللّغةَ والألفاظَ العرفيَّةَ والشرعيَّةَ . وثانيها : أن يعرفَ من حالِ المخاطِب - أنَّهُ يعني باللَّفْظِ ما يقتضيهِ ظاهرهُ، إن تجرَّدَ، أو ما يقتضيه مع قرينةٍ - إن وجدت معه قرينةٌ، لأنَّهُ لولا ذلكَ: لما حصلَ الوثوقُ بخطابِهِ، لجوازِ أن يكونَ عنى به غيرَ ظاهرِه - مع أنَّه لم یبيِّنْه. قالت المعتزلةُ: وذلك إنَّما يعرفُ بحكمةِ المتكلّم، أو بعصمته، والحكمُ بحكمةِ اللهِ - تعالى - مبنيٌّ على العلمِ بأنَّهُ تعالى عالمٌ بقبحِ القبيحِ ، وعالمٌ بغناءُ عنهُ. وأمَّا أصحابُنا - فإنهَّم قالوا: الشيء، وإن كانَ جائزَ الوقوع قطعاً، لكنَّهُ قد (١) ما بین المعقوفتین ساقط کله من جـ، ی. (٢) في ى: ((شرائط)) (*) آخر الورقة (١٨٧) من ح. (٣) لم ترد الزيادة في آ. (٤) سقطت الزيادة من آ. - ٢١ - نقطعُ بأنَّهُ لا يقعُ: فإنّا نجوز(١) انقلابَ ماءَ جيحونَ دماً، وانقلابَ الجدرانِ ذهباً، وتولّد الانسانِ لا من الأبوين دفعةً واحدةً، ومع ذلكَ نقطعُ بأنَّهِ لا يقعُ: فكذا ها هنا - نحنُ وإن جوَّزنسامِن اللهِ- تعالى-كلِّ شيءٍ لكنَّهُ تعالى خلق فينا علماً بديهياً بأنَّهُ لا يعني بهذه الألفاظِ إلّ ظواهرها، فلذلك أمنًا [من(٢)] وقوع التلبيسِ وثالثها : أن يعرفَ مجرّد اللّفظِ - إن كانَ مجرداً، وقرينتَهُ إن كانَ مع قرينةٍ، لأنَّا لو لم نعرفْ ذلك - لجوَّزنا في المجرّد أن تكونَ معه قرينةً تصرفُه عن ظاهرِهِ. ثم القرينةُ قد تكونُ عقليّةٌ(٣)، وقد تكون سمعيَّةٌ. أمّا القرينةُ العقلِيَّةُ - فإِنَّها تبيّنُ ما يجوزُ أن يرادَ باللّفظِ ممّا لا يجوز. وأمَّا السمعيّةُ - فهي الأدلّةُ الّتي تقتضي تخصيصَ العمومِ - في الأعيانِ، وهو المسمَّى بالتخصيصِ ، أو في الأزمانِ - وهو النسخُ . والّذي (٤) يقتضي تعميمَ الخاصِّ(٥) - وهو القياس. وحينئذ: يجبُ أن يكونَ عارفاً بشرائطِ القياس ، ليميزّ(٦) ما يجوزُ عمّا لا جوزُ. ثمّ هذه الأدلّةُ السمعيّةُ - غائبةٌ عنَّا، فلا بدَّ من نقلِها، والنقلُ إمَّا تواترٌ أو آحادٌ: فلا بدَّ وأن يكونَ عارفاً [بشرائطِ كلِّ واحدٍ منهما. ثمّ عندَ الإِحاطةِ بأنواع الأدلَّةِ - لا بدَّ وأن يكونَ عارفاً (٧)] بالجهاتِ المعتبرةِ في التراجيحٍ . (١) كذا في ح، ى، وفي غيرهما: ((كما يجوز)). ؛ (٢) هذه الزيادة من آ. (٣) زاد في آ: ((وقد تكون نقلية))، وتغني عنها العبارة التالية لها. (٤) أبدلت الواو في ح، آ بـ ((أو)). (٥) عبارة ح: ((تخصيص العام))، وهو وهم. (٦) زاد في ي: «بین)). (٧) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. -٢٢ - فإن قالَ قائلٌ: فصِّلوا العلومَ - التي (٥) يحتاجُ المجتهدُ إليها. قلنا: قالَ الغزاليُّ - رحمه الله: مداركُ الأحكامِ أربعةٌ - الكتابُ والسنَّة والإِجماعُ والعقلُ، فلا بدَّ من العلم بِهذهِ الأربعة .. ولا بدَّ معها من أربعةٍ أخرى: اثنانِ مقدِّمان، واثنانِ مؤخّران، فهذه(١) ثمانيةٌ لا بدَّ من شرحِها: أمَّا كتابُ اللهِ - تعالى فلا بدَّ من معرفتِهِ. وفيه تحقیقان : أحدهما: أنّهُ لا يشترطُ معرفةٌ(*) جميعِهِ، بل ما (٢) يتعلّق [منه(٣)] بالأحكامِ ، وهو خمسمائةٍ آيةٍ(٤). والثاني: أَنَّه لا يشترطُ (*) حفظُها، بل أن يكونَ عالماً بمواقعِها - حتىّ يطلبَ منها الآيةَ المحتاجَ إليها - عندَ الحاجةِ. وأمَّا السنَّةُ - فلا بدَّ من معرفةِ الأحاديثِ الَّتي تتعلَّقُ بها الأحكامُ، وهي معَ كثرتِها - مضبوطةٌ في الكتبِ. وفيها التحقيقانِ المذكورانِ؛ إذ لا يلزمهُ معرفةُ ما يتعلَّقُ - من الأخبارِ - بالمواعظِ وأحكامِ الآخرة. والثاني : [أنّه (٥)] لا يلزمُهُ حفظُها، بل أن يكونَ عندهِ أصلٌ مصحَّحٌ مشتملٌ على (*) آخر الورقة (١٩٣) من جـ. (١) كذا في ي، ولفظ غيرها: («فهي)). (*) آخر الورقة (١٧٩) من آ. (٢) عبارة آ: ((ما كان يتعلق)). (٣) لم ترد الزيادة في ح. (٤) وانظر المستصفى: (٣٥٠/٢). (*) آخر الورقة (٢٣٤) من س. (٥) هذه الزيادة من ح، آ. - ٢٣ - الأحاديثِ المتعلّقةِ بالأحكامِ . وأمَّا الإِجماعُ - فينبغي أن يكونَ عالماً بمواقع الإِجماع ، حتىٍّ لا يفتيَ بخلاف الإِجماع . وطريقُ ذلك: أن لا يفتيَ إلّ بشيءٍ يوافَقُ قولَ واحدٍ من العلماءِ المتقدِّمينَ، أو يغلبَ على ظنِّهِ - أنَّهُ واقعةٌ متولَّدةٌ - في هذا العصرِ، ولم يكن لأهلِ الإِجماع فيها خوضٌ. وأمَّ العقلُ - فيعرفُ(١) البراءة الأصليّةَ، ويعرفُ أَنَّا مكلَّفون بالتمسُّكِ بها إلّ إذا وردَ ما يصرفُنا عنه، وهو: نصُّ [أو إجماع(٢)] أو قياسٌ - على شرائطِ الصحَّةِ. فهذه - هي العلومُ الأربعةُ. وأمَّ العلمانِ المقدمانِ - فأحدُهما: علمُ شرائطِ الحدِّ والبرهانِ - على الإِطلاقِ. وثانيهما : معرفة [النحوو(٣) اللّغةِ والتصريفِ؛ لأنّ(*) شرعنَا عربيٌّ - فلا يمكنُ التوسُّل إليهِ إلّ بفهمِ كلامِ العربِ: وما لا يتمُّ الواجبُ إلّ به - فهو واجبٌ. ولا بدَّ في هذهِ العلومِ - من القدر (٤) الّذي يتمكّن المجتهدُ بهِ من معرفة الكتاب والسنَّةِ. [و(٥)] أمّا العلمان المتمّانِ - فأحدُهما: يتعلَّقُ بالكتابِ، وهو علمُ الناسخِ والمنسوخِ . والآخر: بالسنَّةِ، وهو علمُ الجرح والتعديلِ ، ومعرفة أحوالِ الرجالِ . (١) لفظ آ: ((بالبراءة)). (٢) سقطت الزيادة من ى. (٣) سقطت من ى، وأبدلت بلفظ ((ظواهر)). (*) آخر الورقة (١٨٨) من ح. (٤) في ح: ((المقدار)). (٥) لم ترد الزيادة في آ. - ٢٤ - واعلم: أنَّ البحثَ عن أحوالِ الرجالِ - في زماننا [هذا(١)] مع طول المدّةِ، وكثرةِ الوسائط - أمرٌ كالمتعذُّر، فالأولى: الاكتفاءُ بتعديلِ الأئمَّةِ - الَّذِين اتَّفق الخلقُ على عدالتِهم: كالبخاريّ (٢) ومسلم (٣) وأمثالهما. وقد ظهر ممّا ذكرنا: أنَّ أهمَّ العلومِ للمجتهدِ - علمُ ((أصول الفقهِ))، وأمّا سائر العلوم - فغير مهمَّةٍ في ذلك. أمّا الكلامُ - فغيرُ معتبرٍ؛ لأَنَّا لو فرضنا إنساناً جازماً بالإسلام: تقليداً - لأمكنهَ الاستدلالُ بالدلائلِ الشرعيَّةِ على الأحكامِ . وأمّا تفاريعُ الفقهِ - فلا حاجةَ إليها؛ لأنَّ هذه التفاريعَ ولَّدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهادِ، فكيفَ تكونُ شرطاً فيه؟! واعلم: أنَّ الإِنسانَ كلَّما كانَ - أكملَ في هذهِ العلومِ الَّتي لا بدَّ منها في الاجتهادِ: كانَ منصبهُ - في الاجتهادِ - أعلى [واتمَّ(٤)]، وضبطُ القَدْرِ الَّذي لا بدَّ منه ـ على التعيينِ كالأمرِ المتعذِّرِ(٥). مسألة : الحقُّ : أنَّهُ يجوزُ أن تحصلَ صفةُ الاجتهادِ في فىٌّ، دونَ فنٌّ، بل في مسألةٍ دون مسألةٍ: خلافاً لبعضِهم . (١) هذه الزيادة من ح، آ. (٢) صاحب الصحيح المشهور أبو عبدالله: محمد بن اسماعيل الجعفي البخاريّ : المتوفى سنة (٢٥٦) هـ ترجمت له معظم المظان، وأفردت سيرته بالكتابة أيضاً في القديم والحديث، وراجع مقدمات صحيحه في طبعاته المختلفة. (٣) هو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري المتوفى سنة (٢٦١) هـ له ترجمة في معظم المظان ومنها مقدمة شرح صحيحه للإمام النوويّ، المطبوع طبعات متعدِّدة. (٤) هذه الزيادة من ح، ی. (٥) ولمعرفة هذه الشروط كاملة: المتفق عليها منها والمختلف فيها، والمراجع التي تعرضت لها راجع بحثنا في الاجتهاد والتقليد ص (٤٩ - ٦٢). - ٢٥ - لنا : أنَّ الأغلبَ من الحادثةِ - في الفرائضِ - أن يكونَ أصلُها في الفرائضِ ، دونَ المناسكِ والإِجاراتِ، فمن عرفَ ما وردّ من الآياتِ والسننِ والإِجماعِ والقياسِ - في باب الفرائضِ: وجبَ أن يتمكّن(١) من الاجتهادِ. وغايةُ ما في البابِ - أن يقالَ: لعلَّه شذٍّ منه شيءٌ، ولكنَّ النادرَ لا عبرةً به: كما أنَّ المجتهدَ - المطلقَ - وإن بالغَ في الطلبِ، فإنَّهُ يجوزُ أن يكونَ قد شدَّ عنه أشياء(٢). (١) كذا في آ، ولفظ غيرها ((يتمكن))، وتمكنه من الاجتهاد فيما يعرف بالفعل، وفي غيره بالقوة . (٢) هذه المسألة هي مسألة تجزي الاجتهاد، والمذاهب فيها ثلاثة: المذهب الأول: وهو ما ذهب اليه جمهور أهل السنّة والمعتزلة والشيعة الإمامية: جوازه. وانظر المستصفى: (٣٥٣/٢ - ٣٥٤)، والإحكام للآمدي: (١٦٤/٤)، والآيات: (٢٦٣/٤) وإرشاد الفحول (٢٢٥)، وللاطلاع على آراء المعتزلة راجع المعتمد: (٩٢٩/٢) ولمعرفة وجهة نظر الإِمامية انظر تهذيب الوصول ص (١٠٠). والمذهب الثاني: المنع من تجزئة الاجتهاد، وهو المنقول عن الإمام أبي حنيفة على ما في المرآة: (٤٦٩/٢)، ويكاد يكون خلافه - رحمه الله - في هذه المسألة لفظياً، ذلك لأن : الناقلين عنه أخذوه من تعريفه للفقيه بأنّه: ((من له ملكة الاستنباط في الكل، وكونه له الملكة يعني بالفعل فيما يعلمه، وبالقوة فيما لا يعلمه)). والمذهب الثالث: جواز الاجتهاد الخاص بمسائل المواريث. وقال أصحاب هذا المذهب: إن الصلة بين ((مسائل المواريث)) وغيرها من أبواب الفقه منقطعة، فيمكن لإِنسان أن يكون مجتهداً فيها دون غيرها - إذا استوفى شروط الموضوع. فراجع المجموع: (٧٧/١) أما أصحاب المذهب الثاني - وهو المنع من تجزئة الاجتهاد- فقد احتجّوا على ذلك بأنّ المجتهد ينبغي أن يغلب على ظنِّه حصول المقتضي للحكم بالدليل وعدم المانع منه؛ وهذا أمر لا يحصل إلّا إذا اطلع على جميع ما يتعلق بذلك الباب، ومسائل الاجتهاد مرتبط بعضها بالبعض، وتقصيره في الإطلاع على الأبواب الأخرى يمنعه من الحصول على غلبة الظنّ بالحكم، وبالتالي يفقد اجتهاده اعتباره الشرعيّ. فراجع هذا وتفاصيل الأدلة الأخرى في نحو إرشاد الفحول: (٢٢٤ - ٢٢٥)، وبحثنا في الاجتهاد والتقلید: (٧٠ - ٧٤) .. - ٢٦ - الركن الثالث المجتهد فيه وهو: كلُّ حكمٍ شرعيٍّ - ليسَ فيهِ دليلٌ (١) قاطعٌ. واحترزنا بـ ((الشرعيّ)) [عن العقلّاتِ، ومسائلِ الكلامِ. وبقولنا: ((ليسَ فيهِ دليلٌ قاطعٌ (٢))] - عن وجوبِ(*) الصلواتِ (*) الخمسِ والزكواتِ، وما اتَّفقتْ عليهِ (٣) الأمَّةُ: من جليّاتِ الشرعِ. [و(٤)] قالَ أبو الحسين البصريُّ - رحمه الله: ((المسألةُ الاجتهاديَّةُ - هي الَّتي اختلفَ فيها المجتهدونَ: من الأحكامِ الشرعيَّةِ(٥). وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ جوازَ اختلافِ المجتهدين فيها مشروطُ بكونِ المسألةِ اجتهاديَّةٌ، فلو عرَفنا كونها اجتهاديَّةٌ باختلافِهم فيها: لزمَ الدورُ. (١) في آ، ى: ((قطعيّ)). (٢) ما بين المعقوفتين ساقط من جـ. (*) آخر الورقة (٢٣٥) من س. (*) آخر الورقة (١٩٤) من جـ. (٣) عبارة آ: ((ما اتفقت الأمّة عليه)). (٤) هذه الزيادة من س، ی. (٥) راجع المعتمد: (٩٨٨/٢). - ٢٧ - الركن الرابع حکم الاجتهاد وفیهِ (*) مسائلُ: مسألةٌ : ذهبَ الجاحظُ وعبيدُ الله بنُ الحسن العنبريُّ(١) - إلى أنّ كل مجتهد - في · الأصولِ - مصيبٌ، وليسَ مرادُهم من ذلك مطابقةَ الاعتقادِ؛ فإنّ فسادَ ذلك - معلومٌ بالضرورةِ، وإنّما المرادُ(٢) نفي الإِثمِ، والخروج عن عهدة التكليف. واتَّفقَ سائرُ العلماءِ على فسادِ هذا(*) القولِ . م (*) آخر الورقة (١٨٩) من ح. (١) هو: عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبريّ، محدّث أخرج له الإِمام مسلم حديثاً واحداً في ذكر موت أبي سلمة بن عبد الأسد، وولي قضاء البصرة بعد امتناع - سنة (١٥٧) وبقي فيه إلى أن مات سنة (١٦٨). انظر طبقات الشيرازي (٩١) والكامل لابن الاثير: (٧٠/٥)، و((معدن الجواهر في تاريخ البصرة والجزائر)) ص (٤١)، والخلاصة: (١٩٠/٢)، والأعلام: (٣٤٦/٤)، وقد ترجم له الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: (٧/٧-٨) ترجمة مسهبة، وذكر توثيق معظم المحدثين له ونقل رجوعه عن قوله: «كل مجتهد في الأصول مصيب))، وأقوال أخرى مماثلة، وذلك: أن عبد الرحمن بن مهدي كلَّمه في ذلك - وكانا في جنازة - فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال: ((إذن أرجع وأنا صاغر لأن أكون ذنباً في الحق أحب اليّ من أن أكون رأسا في الباطل)). (٢) في غيرح: ((أراد)). (*) آخر الورقة (١٨٠) من آ. - ٢٩ - [حجَّةُ الجمهور - أمورٌ(١)]: الأوّلُ : أنَّ الله - تعالى - وضعَ على هذهِ المطالب أدلَّةً قاطعةً، ومكَّنَ العقلاءَ من معرفتِها: فوجبَ أن لا يخرجوا عن العهدةِ إلّ بالعلمِ . . الثانى : أنَّا نعلمُ - بالضرورةِ - أَنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أمرَ اليهود والنصارى بالإِيمانِ بهِ، وذمَّهم على إصرارِهم على عقائدِهم، وقاتل بعضَهم، وكانَ يكشفُ عَمِّن بلغَ منهم، ويقتلُه، ونعلمُ - قطعاً - أنَّ المعاندَ العارفَ ممَّا يقلُّ(٢)، وإنَّما الأكثرُ مقدِّدةٌ عرفوا دينَ آبائِهم: تقليداً ولم يعرفوا معجزة الرسولِ وصدقَهُ .. الثالث : التمسُّكُ بقولِهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَّتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدُكُمْ﴾(٤) وعلى الجملةِ: ذُّ المكذِّبين لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - [من الكفّارِ(٥)] ممّا لا ينحصر: من الكتاب [والسنّةِ(٢)]. أجابَ الخصمُ عن الأوَّلِ : بأنَّا لا نسلَّمُ بأنَّهُ تعالى وضعَ على هذهِ المطالب - أدلّةً قاطعةً ومكَّن العقلاءَ من معرفتِها، وكيفَ لا نقولُ ذلك - ونرى الخلقَ مختلفين في الأديانِ والعقائدِ من زمانٍ وفاةٍ الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ؟. وإذا نظرنا في أدلَّةِ المختلفين - في هذهِ(*) المسائلِ، وأنصفْنَا: لم نجد واحداً منهم مكابراً قائلاً بما يقطعُ العقلُ(٧) بفسادِهِ. (١) ما بين المعقوفتين سقط من ى. (٢) لفظ آ: ((يقتل)). (٣) الآية (٢٧) من سورة ص. (٤) الآية (٢٣) من سورة فصّلت. (٥) هذہ الزیادة من ح، س، ی. (٦) سقطت الزيادة من س. (*) آخر الورقة (١٨٩) من ح. (٧) لفظ س: «العقلاء)». - ٣٠ - سلمِّنا ذلك؛ لكن لا نسلِّمُ أنَّ ذلك يقتضي كونهَم مأمورين بالعلمِ ، ولِم لا يجوزُ أن يقالَ: إِنَّهم أمروا بالظنِّ الغالب - سواءٌ كانَ مطابقاً، أو غيرَ مطابقٍ؟ وعلى هذا التقدير: يكونُ الآتي به معذوراً. ثمّ الَّذي يدلُّ على أنَّ التكليفَ لم يقعْ إلّ بالظنِّ الغالب(*) - وجهان: الأوّلُ: أنَّ اليقينَ التامَّ المتولِّد(١) من الدليلِ المركَّب - من المقدِّماتِ البديهيَّةِ - تركيباً معلومَ الصحّةِ بالبديهةِ - إن أمكنَ - فهو عزيزٌ نادرُ الوجود(٢)، لا یفي بهِ إلّ الفردُ بعدَ الفردِ: فلا يجوزُ أن يكونَ ذلك تكليفاً لكلِّ الخلق؛ لأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ قال «بُعِثْتُ بالحنِيفِيَّةِ السَهْلَةِ السَمْحَةِ(٣)، وأيُّ حرجٍ فوقَ أن يكلّفَ الإِنسانُ في الساعةِ الواحدةِ معرفةَ ما عجزَ الخلقُ عن معرفتِهِ في خمسمائة سنةٍ؟! الثاني : أنّا كما نعلمُ - بالضرورة - أنَّ الصحابةَ ما كانوا متبخَّرينَ في دقائقِ الهندسةِ، والهيئةِ، والأرثماطيقيّ (٤): نعلمُ - بالضرورة - أنهم ما كانوا عالمين (*) آخر الورقة (٦٥) من ص. (١) في ی: ((لما تولّد)). (٢) لفظ ح: ((جدّاً)). (٣) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه عن جابر فانظر: (٢٠٩/٧)، وهو في الفتح الكبير: (٧/٢)، والجامع الصغير: (٢١٦/١)، وضعّفه، وهو في كشف الخفا الحديث (٦٥٨) وقال: ((رواه الديلميّ عن عائشة - رضي الله عنها - في حديث الحبشة ولعبهم، وقال - أيضاً -: رواه أحمد بسند حسن عنها - رضي الله عنها - وفي الباب عن أبيّ وجابر وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، وترجم البخاري في صحيحه بلفظ: «أحب الدين إلى الله الحنيفيّة السمحة، ورواه في الأدب المفرد عن ابن عباس)). وانظر رقم (٩١٤) منه، والأدب المفرد (٨٧)، وأسنى المطالب: (٨١)، وانظر هامش الجزء الخامس، ص (١٧٥) من هذا الکتاب. (٤) هي كلمة يونانية قديمة، تطلق على العلوم الرياضية. انظر مفاتيح العلوم للخوارزميّ: (١٤٤ وما بعدها). - ٣١ - بهذه الأدلَّةِ والدقائق، والجواب عن شبهاتٍ(١) الفلاسفةِ - مع أنَّهُ عليه الصلاةُ والسلامُ - حكمَ بصحَّةٍ إيمانهمَ: فدلَّ ذلك على أنَّ التكليفَ ما وقعَ بالعلمِ. سلَّمنا أنَّهم كُلِّفوا بالعلمِ - في هذهِ الأصولِ - فلم قلتَ: [إنَّ(٢)] المخطىءَ فيهِ معاقبٌ؟ ودعوى الإِجماع فيهِ غيرُ جائزةٍ؛ لأنّها دعوى الإِجماع في محلِّ الخلافِ. وعن الثاني : أنَّهُ عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ يقبلُهُم لجهلِهِم بالحقِّ، أو(٣) لإِضرارِهم على تركِ التعلّم (٤)، [وطلب المعرفة؟ (٥)]. الأوّل ممنوعٌ، والثاني مسلّمٌ(٦). فلعلّه عليه الصلاةُ والسلامُ - لمّ(*) بالغَ في إرشادهم إلى الحقّ، ثمّ إنّهم لم يلتفتوا إلى بيانِهِ، واشتغلوا باللَّهوِ والطرب، وأصرُّوا على ترك الطلب -: [قتلهم(٧)]. وأمَّا من(٨) بالغَ في الطلب والبحثِ، ولكن عجزَ عن الوصولِ - فلم قلتَ: إِنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قتلَ مثلَ هذا الإِنسانِ؟! سلّمنا أنَّه قتلَه؛ لكن لم قلتَ: إِنَّه لا بدَّ وأن يكونَ معاقباً؟ وعن الثالث : أنَّهُ ذَّ الكافرَ، والكفرُ - في أصلِ اللّغةِ - هو: السترُ، ومعنى الستر لا يتحقَّقُ إلّ في [حقِّ (٩)] المعانِد - الَّذِي عرفَ الدليلَ ثم أنكرَه، أو في حقِّ المقلِّد (١) في س: ((شبهة)). (٣) في ى: ((أم)). (٢) انفردت بهذه الزيادة ح. (٤) لفظ س: ((التعليم)). (٥) لم ترد الزيادة في س، ی. (٦) في س، آ: ((ع، م)). (*) آخر الورقة (٢٣٦) من س. (٧) هذه الزيادة من ص، ح. (٨) في غيرص، ح: ((فمن)). وفي آ: ((فأمّا)). (٩) هذه الزيادة من ح، جـ. - ٣٢ - المصرِّ - الَّذي يعرفُ من نفسِهِ أنَّهُ لا يعرف(*) الدليلَ على صحَّةِ الشيءِ، ثمّ إِنَّهُ يقولُ بِهِ . فأمَّا العاجزُ المتوقّفُ - الَّذِي بالغَ في الطلبِ - فلم يصلْ، فهذا لا يكونُ ساتراً لشيءٍ ظهرَ عندَهَ: فلا يكونُ كافراً. [ثمّ(١)] احتجُوا على صحَّةٍ قولِهِم: بأنّهُ تعالى رحيمٌ كريمٌ، واستقراءُ أحكام الشرع - يدلُّ على أنَّ الغالبَ على الشرع - هو: التخفيفُ والمسامحةُ، حتىَّ إِنَّهُ لو احتَاجَ إلى أدنى تعبٍ في نفسِهِ، أو في مالِهِ - في طلبِ الماءِ: سقطَ عنهُ فرضُ الوضوءِ، وأبيحَ له التيمُم، فهذا الكريمُ الرحيمُ - كيفَ يليقُ بكرمِهِ ورحمتِه وعظمِ فضله - أن(٢) يعاقب من أفنى طولَ عمرِهِ في الفكرِ والبحثِ والطلب؟! هذا حاصلُ كلامهم، إلّا أنَّ الجمهورَ ادَّعوا انعقادَ الإِجماع على مذهبهم قبل حدوثٍ هذا الخلافِ(٣). مسألةٌ : اختلفوا في تصويب المجتهدين في الأحكامِ الشرعيَّةِ . (*) آخر الورقة (١٩٥) من جـ. (١) لم ترد الزيادة في آ. (٢) في ى: ((أنّه)) .. (٣) اضطرب نقل الأصوليين وتفسيراتهم لما نقلوا عن الجاحظ والعنبريّ في هذه المسألة فراجع ذلك في المستصفى: (٣٥٩/٢) وبحاشيته المسلّم: (٣٧٧/٢)، وتيسير التحرير: (١٩٧/٤)، وإحكام الأحكام: (١٧٨/٤) ط الرياض، والبرهان الفقرات: (١٤٥٦، ١٤٥٧، ١٤٥٨، ١٤٥٩، ١٤٦٠) .. وشرح الإِسنوي ويحاشيته الإبهاج: (١٨٠/٣)، والمسوّدة: (٤٩٥)، وكشف الأسرار: (١١٣٧/٤)، وروضة الناظر: (٣٦٢) ت السعيد، والفتاوى الشيخ الإسلام: (١٢٤/١٩، ١٥٢، ٢٠٣، ٢٢٨، و٩١/٢٠)، وما بعدها، والاعتصام للشاطبي: (١٧٩/١)، وجمع الجوامع بشرح الجلال وحاشية البنّاني: (٢٨٨/٢) والملل والنحل: (٤٥٩/١ - ٤٦٠) من ط الأزهر. - ٣٣ - وضبطُ المذاهب(*) فيه - على سبيل التقسيم - أن يقالَ: المسألةُ الاجتهاديَّةُ - إمّا أنْ يكونَ للهِ - تعالى - فيها(١) قبلَ الاجتهادِ حكمٌ. معیِّن، أو لا يكون: فإن لم يكن لله - تعالى - فيها حكمٌ، فهذا قولُ من قالَ: ((كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ))، وهم جمهورُ المتكلِّمين - منَّا -: كالأشعريِّ والقاضي أبي بكرٍ، ومن المعتزلةِ: كأبي الهذيل وأبي عليٍّ وأبي هاشمٍ وأتباعِهم. ثمّ لا يخلو - إمَّا أن يقالَ إِنَّهُ وإن لم يوجدْ في الواقعةِ حكمٌ، إلّ أنَّهُ وجدَ ما لو حكمَ الله - تعالى - بحكمٍ، لما حكمَ إلّ بهِ . وإمَّا أن لا يقالَ بذلك أيضاً. والأوّلُ: هو القولُ بالأشبهِ - وهو منسوبٌ إلى كثيرٍ من المصوِّبين. والثاني: قول الخلَّصِ من المصوِّين. أمّا إن قلنا: [إنّ(٢)] في الواقعةِ حكماً معيَّناً - عند اللهِ - فذلك(٣) الحكمُ، إمّا أن لا يكونَ عليه أمارةٌ ولا دلالةٌ، أو عليهِ أمارةٌ وليسَ عليهِ دلالةٌ، أو عليهِ دلالةٌ. أمَّا القولُ الأوَّلُ - وهو: أنَّه حصلَ الحكمُ (٤)، ولكن من غير أمارةٍ ولا دلالةٍ - فهو(*): قولُ طائفةٍ من الفقهاءِ والمتكلِّمين. ونقلَ عِن الشافعيِّ - رضي الله عنهُ - أَنَّه قالَ: ((في كلِّ واقعةٍ ظاهرٌ وإحاطةٌ ونحنُ ما كلِّفْنَا بالإِحاطةِ (٥)». وهؤلاء زعموا: أنَّ ذلك الحكمَ مثلُ دفينٍ - يعثرُ عليهِ الطالبُ بالاتّفاقِ: (*) آخر الورقة (١٨١) من آ. (١) عبارة غيرى: ((قبل الاجتهاد فيها)). (٣) في غيرح، آ: «فذاك)). (٢) هذه الزيادة من ح. (٤) عبارة غير ص، ح: ((أنّ الحكم حصل)). (*) آخر الورقة (١٩٠) من ح. (٥) راجع الرسالة: (٤٨٩). - ٣٤ - فلمن عثرَ عليهِ أجرانٍ، ولمن اجتهد، ثم غابَ(١) عنه أجرٌ واحدٌ، وذلكَ الأجرُ على ما تحمِّل من الكدِّ في الطلبِ، لا على نفسِ الخيبةِ. وأمّا القول الثاني - وهو: أنَّ عليهِ دليلاً ظنّاً - فها هنا أيضاً - قولان: أحدهما: أنَّ المجتهدَ لم يكلَّف بإصابتِهِ لخفائِهِ وغموضِهِ؛ فلذلك كانَ المخطئُ معذوراً ومأجوراً - وهو قولُ كافَّةِ الفقهاءِ، وينسبُ إلى الشافعيِّ وأبي حنيفةً - رضي الله عنهما . ٠٠ وثانيهما : أنَّهُ مأمورٌ بطلبهِ - أوَّلاً - فإن أخطأَ، وغلبَ على ظنِّهِ شيء آخرُ: فهناك يتعيّنُ التكليفُ، ويصيرُ مأموراً بأن يعملَ بمقتضى ظنّه، ويسقطُ عنهُ الإِثُمُ - تحقيقاً(٢). وأمّا القول الثالث - وهو: أنَّ عليه دليلاً قاطعاً(٣) - فهؤلاءِ اتَّفقوا: على أنَّ المجتهدَ مأمورٌ بطلبِه، لكنَّهم اختلفوا في موضِعينِ. أحدهما(*): أنّ المخطىءَ هل يستحقُّ الإِثمَ والعقابَ، أم لا؟ فذهب بشرّ المريسيّ (٤) (١) في س، ی: ((خاب)). (٢) لفظ ح، آ، ى: ((تخفيفاً)). وراجع الرسالة (٤٩٤ - ٤٩٨). (٣) أي في ثبوته، وإلّ فإنّ الاجتهاد إنّما يكون في الظنّات، لا في القطعيَّات كما تقدم. (*) آخر الورقة (٢٣٧) من س. (٤) نسبة الى ((مَرّيسة)) (بالفتح والتشديد): قرية في مصر، كما في معجم البلدان: (٤٠/٨ - ٤١)، أو الى ((مريس)» (كأمير): أو في بلاد النوبة، كما في التاج: (٢٤٦/٤)، وانظر اللباب، وضبط الأعلام ايضاً. وهو: أبو عبد الرحمن بن غياث المبتدع المشهور وأحد كبار شيوخ المعتزلة، المتوفى سنة ٢١٦، أو ٢١٨، أو ٢١٩، راجع طبقات الفقهاء (١١٧)، = - ٣٥ - - [من المعتزلة (١)] .: إلى أنَّهُ يستحقُّ الإِثمّ . والباقون اتَّفقوا: على أنَّه لا يستحقُّ. الثاني : أنَّهُ هل ينقضُ قضاءُ القاضي فيهِ؟ قال الأصمُّ(٢): ينقضُ(٣). وقالَ الباقونَ: لا ينقِضُ. فهذا تفصيلُ المذاهب. والَّذي نذهب إليه: أنَّ اللهِ - تعالى - في كلِّ واقعةٍ حكماً معيَّناً، وأنَّ عليه. دليلاً ظاهراً، لا قاطعاً (٤)، وأنَّ المخطىءَ فيه معذورٌ، وقضاءُ القاضي فيه - لا ينقضُ(٥). فلنتكلّم - أوّلاً - في بيانِ أنَّ للهِ - تعالى - في كلِّ واقعةٍ حكماً معيّناً. = والجواهر المضيّة: (٤٤/١)، والفوائد البهية: (٥٤)،( والتوالي: (٨٠)، والوفيات: (١٢٧/١)، والبداية: (٢٨١/١٠)، والنجوم: (٢٢٨/٢)، والفلاكة: (٨٢). على ما في هامش آداب الشافعي ومناقبه لشيخنا عبد الغني: (١٧٥). (١) لم ترد الزيادة في ج. (٢) هو: عبد الرحمن بن كيسان - أبو بكر الأصم، من كبار المعتزلة ترجم له القاضي في طبقاتهم ترجمة جيدة، فقال: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، وعرف عنه التحامل على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه - وله تفسير عجيب، وكان جليل القدر یکاتبه السلطان، وكان يصلي معه في مسجده بالبصرة ثمانون شيخاً: انظر فرق وطبقات المعتزلة: (٦٥-٦٦) وطبقات المفسرين الداودي: (٢٦٩/١)، وترجم له في الفهرست وذكر الكثير من مصنفاته (٣٤)، وله ترجمة في لسان الميزان: (٤٢٧/٣). (٣) لفظ آ: ((نتقض)). (٤) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((قطعاً)). (٥) لفظ آ: ((ينتقض)). - ٣٦ - لنا وجوه : الأوَّلُ: أنَّ أحدَ المجتهدين - إذا اعتقدَ رجحانَ الأمارةِ [الدالَّةِ على الثبوتِ، والمجتهدُ الثاني اعتقدَ رجحانَ الأمارةِ(١)] الدالَّةِ(٢) على العدمِ(٣)، فنقولُ: أحدُ هذين الاعتقادين خطأً، والخطأُ منهيٌّ عنه. بيان الأوَّل: أنَّ إحدى الأمارتين، إمَّا أن تكونَ راجحةً على الأخرى، أو لا تکونَ : فإن كانت إحداهما(*) راجحةً على الأخرى: كانَ اعتقادُ رجحانِهِ صواباً. أمّا اعتقادُ رجحانِ الجانْبِ الآخرِ - يكونُ غيرَ مطابقٍ للمعتقَدِ - فيكونُ خطَّأَ . وإن لم تكن إحداهما راجحةً على الأخرى: كانَ كلُّ واحدٍ من(*) الاعتقادين - غير مطابقٍ للمعتقدِ . وعلى كل التقديراتٍ: لا يكونُ الاعتقادان مطابقين، بل أحدُهما يكونُ مطابقاً للمعتقدِ . فثبتَ: أنَّ كلَّ مجتهدٍ ليسَ بمصيبٍ - بمعنى كون اعتقادِهِ مطابقاً للمعتقدِ. وهذه إحدى صور الخلافِ؛ فإن اكتفينا بهِ: جازً. وإن أردنا بيانَ أنَّ الكلَّ ليسَ بمصيبٍ - بمعنى أنَّهم ما أتوا بما كلِّفوا بهِ، قلنا: الدليلُ عليهِ - أنَّ الاعتقادَ الَّذي لا يكونُ مطابقاً للمعتقدِ: جهلٌ، والجهلُ - بإجماع الأمةِ - غیرُ مأمورٍ بِهِ. فثبتَ - أيضاً: أنَّ الكلّ ليسوا بمصيبين، بمعنى الإِتيانِ بالمأمورِ بِهِ. فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّ أحدَ الاعتقادين - خطأٌ. (١) ما بين المعقوفتين ساقط من غيرح. (٢) في غيرح: ((الدلالة)). (٣) في غيرح عبارة: ((واعتقد الآخر رجحان العدم)). (*) آخر الورقة (١١٨) من ی. (*) آخر الورقة (١٩٦) من جـ. - ٣٧ - قولُهُ: ((لأنَّ أحدَهمَا اعتقدَ فيما ليسَ براجح [أنّه (١) راجحٌ]، وذلكَ خطأٌ)). قلنا: اعتقدَ فيما ليسَ براجحٍ أَنَّه(٢) راجحٌ - في نفسِهِ - أو أنَّه(٣) [راجحٌ (٤)]. في ظنِّهِ؟ الأوَّلُ ممنوعٌ، والثاني مسلَّمٌ (٥). بیاتُهُ : أنَّ المجتهدَ لا يعتقدُ کونَ أمارتِهِ راجحةً علی أمارةِ صاحبهِ - في نفس الأمر، ولكنَّه يعتقدُ كونِهَا راجحةً - في ظنِّه، والرجحانُ في ظنِّه حاصلٌ: فكانَ الاعتقادُ مطابقاً للمعتقد، غايتُهُ: أنَّهُ لم يوجد الرجحانُ الخارجيُّ(*)، لكنَّ عدمَ الرجحانِ الخارجيِّ - لا يوجبُ عدمَ الرجحانِ الذهنيّ. فثبتَ: أنَّ كلَّ واحدٍ من الاعتقادين - يمكنُ أن يكونَ صواباً . سلّمنا أنَّ كلَّ واحدٍ - منهما - اعتقدَ الرجحانَ في نفسِ الأمرِ، ولكنَّهُ لم يجزمْ بذلك الرجحانِ، بل جوَّزَ خلافَهُ، فلِمَ قلتَ: إِنَّ الاعتقادَ(٦) إذا وجدَ معه - هذا التجويزُ(٧): كان منهياً عنه؟ وخرِّجِ عليهِ الجهلُ، فإنَّهُ اعتقادُ مخالفٌ للمعتقَدِ مع الجزمِ . [و(٨)] الجوابُ: قوله: ((اعتقد(٩) كونَهُ راجحاً في ظنّه، أو في نفسِ الأمرِ»؟ قلنا: الرجحانُ في الذهن - إمَّا أن يكونَ نفسَ اعتقادِ رجحانِهِ في الخارجِ . أو أمراً لا يثبتُ إِلّ معهُ؛ لأنَّا نَعلمُ - بالضرورةِ -: أنَّا لو اعتقدنا في الشيءٍ كونَ وجودِهِ مساوياً لعدمِهِ، فمع هذا الاعتقادِ يمتنعُ أن يكونَ اعتقاد وجودِهِ راجحاً (١) ساقط من ى. (٣) في ح، آ، ى: ((كونه). (٥) آخر الورقة (١٨٢) من آ. (٦) زاد في ح: ((الخطأ)). (٨) هذه الزيادة من ح، آ، ى. (٢) في ح، آ، ى: ((کونه)). (٤) سقطت الزيادة من ی. (٥) في س: ((ع،م)). (٧) عبارة آ: ((على هذا النحو). (٩) في ح: ((اعتقاد)). - ٣٨ - على [اعتقادِ(١)] عدمِهِ(*): فعلمنا أنَّه لا بدَّ - عند حصولِ [هذا(٢)] الظنِّ من [اعتقادِ(٣)] كونه راجحاً في نفسِهِ، إمَّا لأنَّ الظنَّ نفسُ هذا الاعتقادِ، أو لانَّهُ لا ینفُ عنهُ. وعلى كلا التقديرين: فالمقصودُ حاصلٌ. قوله: ((هذا الاعتقادُ - وإن كانَ غيرَ مطابقٍ، لكنَّهُ غيرُ جازمٍ)). قلنا: بل هو جازمٌ؛ لأنَّ اعتقادَ كونِ الشيءِ أولى بالوجود - غيرُ اعتقادٍ كونِهِ(*) موجوداً. واعتقادُ كونِهِ أولى بالوجودِ - حاصلٌ مع الجزم ، فإِنَّ المجتهد يقطعُ بأنَّ أمارتَه - نظراً إلى هذه الجهةِ - أولى بالاعتبارِ. بلى، إِنَّهُ غيرُ جازمٍ بالحكمِ ، لكنَّ الجزمَ بالأولويَّةِ لا يقتضي الجزمَ بالوقوع : كما أنَّا نقطعُ بأنَّ الأولى بالغيمِ الرطبِ - في زمانِ الخريفِ - أن يكونَ ممطراً، مع أنَّهُ قد لا يوجدُ المطرُ، وعدمُ المطرِ: لا يقدحُ في تلكِ الأولويَّةِ، بل تلك الأولويّةُ مقطوعٌ بها: فكذا ها هنا. فثبتَ: أَنَّهُ حصلَ لأحدِ المجتهدين اعتقاد جازمٌ غيرُ مطابقٍ فيكونُ خطأً وجهلاً، ومنھیاً عنه. الطريقة الثانيةُ: المجتهدُ إمّا أن يكونَ مكلَّفاً بالحكمِ - بناءاً على طريقٍ، أو لا بناءً على طريقٍ . والثاني باطلٌ؛ لأنَّ القولَ في الدّين - بمجرَّد التشهِّي باطلٌ بإجماع المسلمين؛ فإذن: لا بدَّ من طريقٍ. فذلك الطريقُ - إمّا أن يكونَ خالياً عن المعارض ، أو لم يكن خالياً عنه. فإن كان [الأوّل - وهو كونه (٤)] خالياً عن المعارض - تعيّن ذلك الحكمُ بإجماع الأمَّةِ: فيكونُ تاركُهُ مخطئاً. (١) سقطت الزيادة من ى. (*) آخر الورقة (١٩١) من ح. (٢) هذه الزيادة من ح. (٣) سقطت من غيرح. (*) آخر الورقة (٢٣٨) من س. (٤) لم ترد الزيادة في غيرح. - ٣٩ - وإن كانَ له معارضٌ - فإمَّا أن يكونَ أحدُهما راجحاً على الآخر، أو لا یکونَ . فإن كانَ أحدُهما راجحاً على الآخر: وجبَ العملُ بالراجح ؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على أنَّهُ لا يجوزُ العملُ بالأضعفِ - عند وجودِ الأقوى: فيكونُ مخالفٌه مخطئاً. وإن لم يكن أحدُهما راجحاً: فحكمُ تعارضِ الأمارتين، إمَّا التخييرُ أو التساقط(١) والرجوعُ إلى غيرهما. وعلى (*) كلا القولين - فحكمهُ معيَّنٌ، فمخالفُهُ يكونُ مخطئاً .. فثبتَ: أنَّ المصيبَ واحد على كلِّ التقديراتِ . فإن قيلَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ مكلَّفاً بالحكمِ ، لا على طريقٍ؟ قولُهُ: ((الحكمُ في الدِّينِ بمجرَّدِ التشهيِّ - غیرُ جائٍ)). [قلنا: غيرُ جائزٍ(٢)] - في موضعٍ وجدّ فيه الدليلُ، أو في موضعٍ لم يوجدْ فيه الدليلُ؟ الأوّلُ مسلَّمُ، والثاني ممنوعٌ(٣). بیانُه : أنَّ العملَ بالدليلِ - مشروطُ بوجودِ الدليل، وإلّ كانَ ذلك تكليفاً بما لا يطاقُ. وفي هذه المسائل الاجتهاديَّةِ لا دليلَ؛ لأنَّهُ لو وجدَ - لكانَ تاركُ العملِ به تاركاً للمأمور به: فيكونُ عاصياً، فيكونُ مستحقاً للنارِ - على ما مرَّ تقريرهُ في مسألةٍ [أنَّ الأمرَ(٤)] للوجوب - ولمّا أجمعوا على أنَّهُ لا يستحقُّ النارَ: علمنا أنَّهُ لا دليلَ، وإذا لم يوجد الدليلُ - جازَ العملُ بمجرَّد الحدس والتوهُّمِ: كمن (١) لفظ ى: ((أو). (*) آخر الورقة (١٩٧) من جـ. (٢) ساقط من ی. (٣) في آ، ی، س: ((م، ع)). (٤) سقطت من س، ى. وراجع الجزء الثاني، ص ٩٦ من هذا الكتاب. - ٤٠ -