Indexed OCR Text

Pages 421-440

ضعفاءَ، ويصعبُ التمييزُ: فيرجَّحُ عليهِ الخبرُ الّذى لا يكونُ كذلك.
أَمَّ التراجيحُ الراجعةُ إِلى زمانِ الروايةِ (١) - فَأُمُورٌ:
أحدها:
إذا كانَ قد اتفق لأحدِهما روايةُ الحديثِ في زمانِ الصّبا، وغيرِ زمانِ الصبا
- فروايتُهُ مرجوحةٌ بالنسبة إلى روايةِ من لم يروِ إلّ في زمانِ البلوغِ .
وثانيها :
إذا كانَ أحدهما قد تحمّلَ الحديثَ - في الزمانين، ولم يرو إلّ [في(٢)]
حالةِ البلوغ -: فهو مرجوحٌ بالنسبةِ إلى من لم يتحمّلْ، ولم يروِ إلّ في الكبرِ.
وثالثها :
من احتملَ فيهِ هذان الوجهان: كانَ مرجوحاً - بالنسبةِ إلى من لم يوجد ذلك
فيه .
أُمَّا التراجيحُ العائدةُ إِلى كيفيَّةِ الرواية (٣) - فأمورٌ:
أحدها :
أن يقعَ الخلافُ في أحدِهما: أنَّهُ موقوفٌ على الراوي(*)، أو مرفوعٌ إلى
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فالمتفق على كونه مرفوعاً أولى .
وثانيها : .
أن يكونَ أحدُ الخبرين منسوباً إليهِ قولاً، والآخرُ اجتهاداً: بأن يرويَ: أنّه
وقعَ ذلك في مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلَّم - فلم ينكر عليه . - فالأوَّل
أولى؛ لأنَّهُ أقلُّ احتمالاً .
(١) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((الرواة)).
(٢) لم ترد في حے، ی.
(٣) لفظ س: ((الرواة)).
(*) آخر الورقة (١٠٨) من ی.
- ٤٢١ -

وثالثُها:
أن يذكرَ أحدُهما سببَ نزولِ ذلك الحكم ، ولم يذكر [ه(١)] الآخِرُ: فيكونُ
الأوَّلُ راجحاً؛ لأنَّهُ يدلُّ على أنَّهُ كانَ له - من الاهتمامِ بمعرفةِ ذلك [الحكم(٢)].
- ما لم يكن للآخرِ.
ورابعُها:
أن يرويّ أحدُهما الخبرَ بلفظِهِ، والآخرُ بمعناه، أو يحتمل أن يكون قد رواه.
[بمعناه(٣)]: فالأوّلُ أولى .
وخامسها :
أن يرويَ أحدُهما حديثاً يعضِّدُ (٤) الحديثَ الأوَّلَ: فيترجَّحُ على ما لا يكونُ.
كذلك
وسادسُها:
إذا أُنكر(٥) راوي الأصل - فقد ذكرنا فیه تفصيلاً، وکیفَ كانَ: فهو مرجوحٌ
بالنّسبةِ إلى ما لا يكونُ كذلكَ.
وسابعها :
لو قبلنا المرسلَ - فإذا أرسلَ أحدُهما، وأسندَ الآخرُ: فعندنا المسندُ أولى.
وقالَ عيسى بن أبانَ: المرسلُ أولى .
وقالَ القاضي [عبد الجبّار(٦)]: يستويانِ.
لنا ::
أَنَّهُ إذا أرسلَ: فعدالتُهُ معلومةٌ لرجلٍ واحدٍ، وهو الّذي يروي عنه. وإذا
(١) انفردت بهذه الزيادة خ.
(٢) هذه الزيادة من ح، ى.
(٣) هذه الزيادة من ح، آ. ولفظ ى: ((باللفظ)» وهو وهم.
(٤) كذا في ح، آ، ى. وفي النسخ الأخرى: ((يعاضد)).
(٥) زاد في آ؛ ((رواية راوي الفرع)).
(٦) سقطت الزيادة من غيرح.
- ٤٢٢ -

==
أسندَ: صارت(*) عدالتُّهُ معلومةٌ للكلِّ؛ لأنَّهُ يكون كلُّ واحدٍ (١) متمكّناً من البحثِ
عن أسباب جرحهِ وعدالته، ولا شكَّ أنَّ من لم تظهرْ عدالتُهُ إلّ لرجلٍ واحدٍ -
يكونَ مرجوحاً بالنّسبةِ إلى من، ظهرتْ عدالتُهُ لكلِّ أحدٍ؛ لاحتمالِ أن يكون قد
خفي حالُ(٥) الرجلِ على إنسانٍ واحدٍ، [و(٢)] لكن يبعدُ أن يخفى حالُهُ على
الكلُّ: فثبتَ أنَّ المسنِدَ أولى.
احتجَّ المخالفُ بأمرين :
الأول(٣):
أنّ الثقةَ لا يقولُ: «قالَ(*) الرسولُ ذلكَ)» - فیحکمُ علیهِ بالتحليلِ والتحريمِ،
ويشهدُ بهِ إلّ وهو قاطعٌ، أو كالقاطعِ بذلك، بخلافٍ ما إذا أسندَ الحديثَ وذكرٌ
الواسطةَ: فإنّه لم يحكمْ على ذلك الخبرِ بالصحَّةِ، فلم يزدْ على حكايةِ أنّ
فلاناً(*) زعمَ: أنَّ الرسولَ - عليه الصلاةُ والسلامُ - قالَ ذلك. فكانَ الأوَّلُّ أَقوَى.
الثاني :
روي: [أنَّ (٤)] الحسنَ قالَ: ((إِذا حذَّثني أربعةُ نفرٍ من أصحاب رسولِ الله
- صلّى الله عليه وسلّم - بحديثٍ، تركتُهم وقلتُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ
وسلّم)». فأخبرَ عن نفسِهِ: أنَّهُ لا يستجيزُ هذا الإِطلاقَ إلّ عند فرطِ الوثوقِ.
[و (٥)] الجوابُ عن الأُوَّلِ :
[أنّ(٦)] قولَ الراوي: ((قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم)) - لا يمكنُ
(*) آخر الورقة (١٧٧) من جـ.
(١) في غيرح، آ، ى: ((واحد)).
(*) آخر الورقة (٢١٥) من س.
(٢) هذه الزيادة من ح، آ.
(٣) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((أحدهما)).
(*) آخر الورقة (١٧٢) من ح.
(*) آخر الورقة (١٦٤) من آ.
(٥) هذه الزيادة من ح، آ، جـ.
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٦) لم ترد الزيادة في ی.
- ٤٢٣ -

إجراؤهُ على ظاهرهِ؛ لأنَّهُ يقتضي الجزمَ بصحَّةٍ خبر الواحدِ، وهو جهلٌ، وغيرُ
جائزٍ. فوجبَ حملُّهُ على أنَّ المرادَ منه: ((أني أظنُّ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليهِ
وسلَّمَ - قال))، وإذا كانَ كذلك: كانَ الإِسنادُ أولى من الإِرسالِ؛ لأنَّ في
الإسنادِ - يحصلُ ظنُّ العدالةِ للكلِّ، وفي الإِرسال لا يحصلُ ذلك الظُّ إلّ
للواحد .
و[هذا(١)] هو الجوابُ - بعينه - عن الوجه الثاني.
فرعان :
الأوّلُ:
لوصحَّ رجحانُ (المرسلِ)) على ((المسنِدَ)) - فإنَّما يصحُّ لوقالَ الراوي: ((قالَ
رسولُ اللهِ صلّى الله عليهِ وسلَّم))، أمّا إذا لم يقلْ ذلك، بل قالَ: ((عن النبيِّ)) -
صلّى الله عليهِ وسلَّم - فالأظهرُ: أنَّهُ لا يترجَّحُ، لأنَّهُ في معنى قوله: ((رويَ عِنْ
الرسول)).
[الثاني:
رَجِّعَ قومٌ بالحريةِ والذكورةِ: قياساً على الشهادةِ. وفيهِ احتمال(٢)].
القولُ في التراجيحِ الراجعةِ إلى حال ورودِ الخبر:
وهي ثمانية :
الأوّلُ:
أن تكونَ إحدى الآيتين، أو الخبرين مدنياً، والآخر مكيّاً. فالمدنيُّ مقدّمٌ
لأنَّ الغالبَ في المكيَّاتِ - ما كانَ قبلَ الهجرةِ، والمدنيُّ لا محالةَ - مقدَّمٌ
عليه(٣).
(١) لم ترد في آ.
(٢) ساقط من ح، ولفظ ((رجح)) كما في آ، وفي غيرها: ((يرجح)).
(٣) لفظ ى: ((عليها)).
- ٤٢٤ -
۔۔

أمّا المكيّاتُ (١) المتأخّرةُ عن المدنيّاتِ - فقليلةٌ، والقليلُ ملحقٌ (٢) بالكثير:
فيحصلُ الرجحانُ.
(٣) الثاني:
الخبرُ الّذي يظهرُ(٤) ورودُه بعدَ قُوَّةِ الرسولِ - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلوّ
شأنِهِ: راجحٌ على الخبرِ الَّذي لا يدلُّ على ذلك؛ لأنَّ علوّ شأنِهِ كان في آخرِ (٥)
أمره - صلى الله عليهِ وسلَّم -: فالخبرُ الواردُ - في هذا الوقتِ - حصلَ فيه ما
يقتضي تأخّرَهُ عن الأولِ .
والأولى أن يفضَّل، فيقال: إن دلَّ الأوّلُ على علوِّ الشأنِ، والثاني على
الضعفِ -: ظهرَ تقديمُ الأولِ على الثاني.
أمَّا إذا لم يدلَّ الثاني لا على القوةِ، ولا على الضعفِ - فمن أينَ يجبُ
تقديمُ الأوّلِ عليه؟
الثالث :
أن يكونَ راوي أحدِ الخبرين متأخِّر الإِسلام ، ويعلمَ أنَّ سماعَه كانَ بعدَ
إسلامِهِ، وراوي الخبرِ الثاني متقدّمَ الإِسلامِ. فيقدَّمُ الأوَّلُ؛ لأنَّهُ أظهرُ تأخُراً.
والأولى أن يفصِّل فيقالَ: المتقدِّمُ إِذا كانَ موجوداً مع المتأخّرِ، لم يمتنعْ
أن تكونَ روايته(*) متأخرةً عن روايةِ المتأخِّرِ.
وأمَّا إذا علمنا: أنَّهُ ماتَ المتقدِّمُ قبل إسلامِ المتأخرِّ، أو علمنا أنَّ أكثر
رواياتٍ (٦) المتقدّمِ متقدِّمٌ على رواية المتأخر - فها هنا -: نحكمُ بالرجحانِ؛ لأنَّ
النادرَ يلحقُ (٧) بالغالبِ.
(١) لفظ آ: ((الآيات)).
(٢) في غيرح: ((ملحق)).
(٣) زاد في ی: ((و)).
(٥) عبارة ى: ((آخر عمره)).
(٦) في غير ح: ((رواية)).
(٤) لفظ ى: ((ظهر)).
(*) آخر الورقة (٥٩) من ص.
(٧) في غير آ: ((ملحق)).
- ٤٢٥ -

الرابعُ :
أن يحصلَ إسلامُ الراويين معاً: كإسلامٍ خالٍ وعمرو بن العاصِ ، لكن
يعلمُ أنَّ سماعَ أحدِهما: بعدَ إسلامِه، ولا يعلمُ ذلك في سماع الآخرِ: فيقدَّمُ
الأوَّلُ؛ لأنَّهُ أظهرُ تأخّراً.
الخامس :
أن يكون أحدُ الخبرين مؤرخّاً بتاريخٍ محقَّقٍ (١)، والآخر [يكونُ (٢)] خالياً
عن التاريخ: فيقدَّمُ الأوَّلُ (*)؛ لأنّه أظهرُ(*) تأخّراً.
مثاله. ما روي أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ - في مرضه الَّذي توفي فيه - ((خرِجَ
فصلى بالناسِ قاعداً، والناسُ قيامٌ (٣)). فهذا يقتضي جوازَ اقتداءِ القائمِ
بالقاعدِ.
و [قد(٤)] روي: أَنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: إِذا صلَّى الإِمامُ قاعداً
فصلُوا قعوداً - أجمعين(٥)، وهذا يقتضي عدمَ جوازِ ذلك؛ فرجَّحنا الأوَّلَ؛ لأنَّهُ
(١) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((مضيّق))، وهو قريب ..
(٢) لم ترد الزيادة في س، ل.
(*) آخر الورقة (٢١٦) من س.
(*) آخر الورقة (١٧٨) من جـ.
(٣) حديث صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعداً وأبو بكر خلفه والناس قياماً
في مرض موته ظهر يوم السبت أو الأحد السابق لیوم وفاته یوم الاثنین - حدیث متفق عليه،
وله طرق يطول ذكرها كما قال الحافظ في التلخيص بحاشية المجموع: (٣٢٠/٤)، وانظر
(٢٦٦) من الجزء نفسه لمعرفة مذاهب العلماء في الصلاة خلف القاعد، واختلافهم فيها
ومناهجهم في الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي دلت على المنع من ذلك.
(١٤٤/٢) وما بعدها. وانظر فتح الباري: (١٧٠/٢ - ١٧٢)، وصحيح مسلم: (١٣٧/٤
- ١٤٦) ط المصرية .
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٥) الحديث صحيح رواه البخاري، فانظر فتح الباري: (١٥١/٢) ومسلم =
- ٤٢٦ -

كانَ في آخرِ أحوالِ النبيّ - عليه الصلاةُ والسلامُ. وأمَّ الثاني - فيحتملُ أنَّهُ كانَ
قبلَ المرضِ .
السادسُ:
أن يكونَ أحدُهما مؤقّتاً بوقتٍ [متقدّم(١)]، والآخرُ يكونُ خالياً [عن
الوقت(٢)] فيقدَّمُ الخالي؛ لأنَّهُ أشبهُ بالمتأخِّرِ.
السابعُ :
أن تكونَ حادثةً كانَ الرسولُ - صلى الله عليهِ وسلَّم - يغلّظُ فيها: زجراً لهم
عن العاداتِ القديمةِ، ثمّ خفّف (٣) فيها نوعَ تخفيفٍ: [فيرجّحُ التخفيفُ (٤)] على
التغليظ؛ لأنّهُ أظهرُ تأخّراً.
وهذا ضعيف؛ لاحتمالٍ أن يقالَ: بل يرجَّعُ التغليظُ على التخفيفِ، لأنَّهُ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ ما كانَ يغلُّظ إلّ عندَ علو شأنِهِ، وذلك متأخِّرٌ.
الثامن :
عمومان (٥) متعارضان(*): أحدُهما واردٌ ابتداءاً، والآخرُ على سبب: فالأوّلُ
أولى؛ لأنَّ من الناس من قالَ: ((الواردُ على السبب يختصُ(٦) به، ولا يعمُّ))،
لكن ذلك وإن لم يجبْ فلا أقلّ من أن يفيدَ الترجيحِ .
م
= (١٣٥/٤) ط المصرية، وبه أخذ الإِمام أحمد والأوزاعيّ، وانظر المغني والشرح: (٤٨/٢)
وما بعدها، وقال الإِمام الشافعي بنسخ هذا الحديث بالحديث السابق. فانظر المجموع:
(٢٦٦/٤)، والأم: (١٧١/١)، واختلاف الحديث: (٤٩٧/٨)، ومختصر المزني
ص(٢٢).
(١) لم ترد الزيادة في آ.
(٣) لفظ آ: ((يخفف)).
(٢) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٤) ساقط من آ، وعبارة ى: ((فيرجح التغليظ على التخفيف)).
(٥) عبارة آ: ((عمومات متعارضات)).
(*) آخر الورقة (١٧٣) من ح.
(٦) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((مختصّ)).
- ٤٢٧ -

واعلم: أنَّ هذه الوجوه - في التراجيحِ - ضعيفةٌ، وهي لا تفيدُ إلّا خيالاً:
ضعيفاً في الرجحانِ .
القول في (*) التراجيح الراجعة إِلى اللفظ:
وهي من وجوه :
الأوّل(١):
أن يكونَ اللّفظُ في أحدِهما - بعيداً عن الاستعمالِ وفيهِ ركاكةٌ، والآخرُ
صيح.
فمن الناس: منْ ردَّ(٢) الأوّلَ؛ لأنّه عليه الصلاةُ والسلامُ - كانَ أفصحَ
العرب، فلا يكونُ ذلك كلاماً له.
ومنهم من قبلَهُ، وحملَه على أنَّ الراوي رواهُ بلفظِ نفسِهِ .
وكيفَ ما كانَ - فأجمعوا على ترجيحِ الفضيحِ عليهِ .
وثانيها: قالَ بعضُهم: يقدَّمُ الأفصحُ على الفصيحِ .
وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الفصيحَ لا يجبُ في كلِّ كلامِـ [ـه(٣)] أن يكونَ
كذلك(٤).
وثالثُها:
أن يكونَ أحدُهما عاماً، والآخرُ خاصّاً فيقدَّم الخاصُّ على العامِّ وقد تقدّمَ
دليلُهُ فِي بَابِ العمومِ(٥).
(١) كذا في آ، ولفظ غيره ((أحدها)).
(*) آخر الورقة (١٦٥) من آ.
(٢) كذا في ص، ل، س، جـ، وفي النسخ الأخرى: ((يردُّ).
(٣) لم يرد الضمير في آ.
(٤) زاد في ح: ((ولذلك نرى تفاوتاً في فصاحة آيات القرآن»، وانظر شرح الجلال:
(٣٦٦/٢).
(٥) راجع مواضع متعدِّدة من الجزء الثالث، ص ١٠٧، وما بعدها.
- ٤٢٨ -

ورابعُها:
أن يكونَ أحدُهما حقيقةً، والآخرُ مجازاً. فتقدَّمُ الحقيقةُ؛ لأنَّ دلالتَها
أظھرُ.
وهذا ضعيفٌ(١)؛ لأنَّ المجازَ الغالبَ أظهرُ دلالةٌ من الحقيقة؛ فإِنَّكَ لو
قلتَ: ((فلانٌ بحرٌ)) - فهوَ أقوى دلالةٌ من قولك: ((فلانٌ سخِيُّ)).
وخامسها :
أن يكونا حقيقتين، إلّ أنَّ أحدَهما أظهرُ في المعنى، إمّا لكثرة ناقليه، أو
لكونِ ناقِلِهِ أقوى وأتقنَ من ناقلٍ غيرِهِ. ويجري - ها هنا - كلَّ ما ذكرناه في
ترجيح الخبر: نظراً إلى [حالٍ (٢)] الراوي .
وسادسُها:
أن يكونَ وضعُ أحدِهما لمسمَّاه متَّفقاً عليهِ، ووضعُ الآخر مختلفاً فيه.
وسابعُها:
أن الّذي يكون محتاجاً(٣) إلى الإِضمارِ - مرجوحٌ بالنسبةِ إلى الّذي لا يحتاجُ
إليه .
وثامنُها:
الّذي يدلُّ على المقصودِ بالوضعِ الشرعيِّ أو العرفيِّ - أولى مِمَّا يدلُّ عليهِ
بالوضع (*) اللغويّ.
وها هنا تفصيلٌ: فإنَّ اللفظ الَّذي صار شرعياً حملُه على المعنى الشرعيِّ
أولى مِنْ حملِهِ على اللغويّ .
فأمَّا الّذي لم يثبتْ ذلكَ فيهِ - مثلُ أن يدلُّ أحدُ اللفظين بوضعَهِ الشرعيِّ
(١) زاد في ح، آ، جـ، ى: ((لوجهين الأول أن))، وهي زيادة لا محل لها.
٠٠
(٢) هذه الزيادة من ح.
(٣) كذا في ح، آ، جـ. وفي غيرها: ((يحتاج)).
(*) آخر الورقة (١٠٩) من ی.
- ٤٢٩ -

على حكم (١)، والّلفظُ الثاني بوضعِهِ اللغويُّ على [حكمٍ(٢)]، وليسَ للشرعِ
في هذا اللفظِ اللغويِّ عرفٌ شرعيُّ - فلا نسلِّمُ ترجيح الشرعيِّ على هذا
اللغويّ: لأنَّ هذا اللغويَّ إذا لم ينقِله الشرعُ - فهو لغويُّ عرفيُّ شرعيُّ .
وأمَّا الثاني - فهو شرعيُّ، وليس بلغويٌّ ولا عرفيٍّ(٣)، والنقلُ على خلافٍ
الأصل (*). فكانَ الَّغْوِيُّ أولى .
وتاسعُها :
إذا تعارضَ مجازانِ . فالَّذي يكونُ أكثرَ شبهاً بالحقيقةِ: أولى .
وأيضاً: إذا تعارض خبران - ولا يمكنُ العملُ بأحدِهما إلّ بمجازین،
والآخرُ يمكنُ العملُ بِهِ(*) بمجازٍ واحدٍ: كانَ هذا راجحاً على الأوَّلِ ؛ لأنَّهُ أَقِلُّ
مخالفةً للأصلِ .
وعاشرها :. .
أن يكونَ أحدُهما دخلَهُ التخصيصُ، والآخرُ لم يدخله [التخصيص(٤)]
[فالّذي لم يدخله التخصيص(٥)] يقدَّم على (٦) الأوّلِ؛ لأنَّ الَّذي دخلَهُ
التخصيصُ قد أزيلَ عِن تمامٍ مسَّماهُ، والحقيقةُ مقدَّمةٌ على المجاز.
وحادي عشرها:
. أن يدلَّ أحدُهما على المرادِ من وجهين، والآخرُ من وجهٍ واحدٍ. يقدَّمُ
الأوّلُ؛ لأنَّ الظنّ الحاصلَ منه أقوى.
(١) لفظ ى: ((الحكم)).
(٢) سقطت الزيادة من ى.
(٣) في آ: ((بعرفيّ)).
(*) آخر الورقة (٢١٧) من س.
(#) آخر الورقة (١٧٩) من جـ.
(٤) لم ترد الزيادة في جـ، آ، ى.
(٥) ما بين المعقوفتين انفردت به ح.
(٦) عبارة غيرح، آ: ((يقدّم الأول)).
- ٤٣٠ -

وثاني عشرِها :
أن يكونَ أحدُ الحكمين مذكوراً مع علَّتِهِ، والآخرُ ليسَ کذلك فالأوّلُ أُقوی.
ومن هذا القبيل : أن يكونَ أحدُهما مقروناً بمعنى مناسبٍ، والآخر يكونُ
معلّقاً(١) بمجرَّدِ الاسمِ . فيكونُ الأوّلُ أولى .
وثالثَ عشرِها :
أن يكونَ أحدُهما تنصيصاً على الحكم - مع اعتبارهِ بمحلٌّ آخرَ، والآخرُ
ليسَ كذلكَ. يقدَّمُ الأوَّلُ في المشبّهِ والمشبَّهِ بهِ - جميعاً؛ لأنَّ اعتبار محلٌّ(٢)
بمحلٌّ إشارةٌ إلى وجودِ علةٍ جامعةٍ .
مثاله - قول الحنفيّة في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّما إِهابٍ دبغَ فقد
طهرَ(٣))، كالخمر تُخلَّل فتحّلُّ، رجَّحناه في المشبَّهِ على قوله عليه الصلاةُ
والسلامُ: ((لا تَنْتَفِعُوا من الميتَةِ بِإِهابٍ(*) ولا عَصَبٍ (٤)). وفي المشبِّهِ بِهِ - في
مسألةِ تحليلِ الخمرِ - على قوله: (أُرِقْهَا (٥)) .
(١) لفظ ى: ((متعلقاً)).
(٢) عبارة ى: ((اعتبار المحل)).
(*) آخر الورقة (١٧٤) من ح.
(٣) انظر الجزء الثالث، ص ١٢٩، من كتابنا هذا.
(٤) الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي. كما أخرجه أحمد في
المسند على ما في نصب الراية: (١٢٠/١)، وأخرجه البيهقي في السنن: (١٤/١). وهو
في التلخيص الحديث: (٤١). وقال الحافظ: رواه الشافعيّ في سنن حرملة، وأحمد
والبخاري في تاريخه، والأربعة والدارقطنيّ والبيهقي وابن حبَّان عن عبدالله بن عكيم، قال:
وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين. وقد
تكلم في الحديث بكلام مفيد تحسن مراجعته والاطلاع عليه . وانظر - أيضاً - نيل الأوطار:
(٧٤/١) وما بعدها.
(٥) حديث أمر أبي طلحة لأنس بإراقة الخمر بعد نزول آية تحريمها، حديث صحيح
ورد بألفاظ مختلفة عن أنس - رضي الله عنه - وأخرج بعضها مسلم في (١٣ /١٤٨، و١٤٩،
و١٥٠). وفي النهي عن اتخاذ الخمر خلاً، انظر (١٥٢) من المطبعة المصرية، وانظر
- ٤٣١ -

ورابعَ عشرِها:
. أن تکون دلالة أحدهما مؤكّدةً، ودلالة الأخری لا تکون مؤكّدة فتقدم الأولی
- كقوله عليه الصلاة والسلام: ((فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ))(١).
وخامس عشرها :
أن يكونَ أحدُهما تنصيصاً على الحكم ، مع ذكر المقتضي لضدّه - کقولهِ
عليه الصلاةُ والسلامُ: ((كُنْتُ نهيتكم عن زيارة القبورِ أَلَا فَزُوْرُوْهَا(٢)). يقدّمُ (٣).
على ما ليس كذلكَ؛ لأنَّ اللفظَ يدلُّ على ترجيح ذلك على ضدِّهِ. ولأنَّ تقديمه
يقتضي النسخَ مرّةً(*)، وتقديمُ ضدِّهِ يقتضي النسخَ مرَّتين. فيكونُ الأوَّلُ أولى .
وسادس عشرها:
. يقدَّمُ أن يكونَ أحدُ الدليلين مقروناً بنوع تهديدٍ. فإنَّهُ على ما لا يكونُ.
. كذلك - كقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ صَامَ يومَ الشَكُّ فَقَدْ عَصَى أَبَا
القاسم (٤)). وكذا القولُ، لو كانَ التهديدُ في أحدِهما أكثرَ.
= بحاشيتها ما نقله النووي من مذاهب العلماء في تخليل الخمر. وراجع (ج ٤، ص ٣٧٥) من
هذا الكتاب.
وأخرج أبو داود الحديث (٣٦٧٥) في ((باب ما جاء في الخمر تخلّل)» عن أنس أيضاً:
أن أبا طلحة سأل النبيّ - صلى الله - عن أيتام ورثوا خمراً قال: ((أهرقها))، قال: أفلا أجعلها
خلاً؟ قال: ((لا)). وانظر بحاشيته ما قاله الخطابي في شرح الحديث، وما نقله من مذاهب
العلملاً في تغيير بعض الأشياء وتغيرّها بنفسها، وأحكام ذلك.
ونحوه عند الترمذي في السنن الحديث (١٢٩٣، و١٢٩٤) وراجع ما أخرجه الإمام:
الشافعيّ منها في مسنده بدائع المنن: (٢ /١٥٠ - ١٥١، و٤٣٨)، وراجع الموطأ - أيضاً -:
(٨٤٦/٢) وما بعدها، وسبل السلام: (٣٣/١ - ٣٤).
(١) انظر: الجزء الثاني، ص ١٤٦، من كتابنا هذا.
(٢) انظر: الجزء الثالث، ص ٢٧٧، من هذا الكتاب.
(٣) لفظ آ، ى: ((يقدّم).
(*) آخر الورقة (١٦٦) من أ.
(٤) بهذا اللفظ أخرجه: أصحاب السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني والبيهقي من حديث صلة بن زفر قال: كنا عند =
- ٤٣٢ -

وسابعَ عشرها :
أن يكونَ أحدُ الدليلين يقتضي الحكمَ بواسطةٍ، والآخرُ يقتضيهِ بغيرِ
واسطةٍ. فالثاني يرجِّحُ(١) على الأوَّلِ: كما إذا كانت المسألةُ ذاتَ صورتين -
فالمعلُّلُ إذا فرضَ الكلامَ في صورةٍ وأقامَ الدليلَ عليهِ، فالمعترضُ إذا أقامَ
الدليلَ على خلافِهِ في الصورةِ الثانيةِ، ثمّ توسَّل إلى الصورةِ الأخرى بواسطةٍ
الإِجماع ، فيقولُ المعلِّلُ: دليلي راجحٌ على دليلِك؛ لأنَّ دليلي بغيرِ واسطة،
ودليلُك بواسطةٍ : فيكونُ الترجيحُ معي؛ لأنَّ كثرةَ الوسائطِ الظنِيَّةِ - تقتضي كثرةً
الاحتمالاتِ. فيكون مرجوحاً بالنسبّةِ إلى ما يقلُّ الاحتمالُ(٢) فيهِ .
وثامن عشرها:
المنطوقُ مقدَّمٌ على المفهوم: إذا جعلنا المفهومَ حجّةً، لأنَّ المنطوقَ أقوى
دلالةٌ على الحكمِ من المفهومِ .
القولُ في التراجيحِ الراجعةِ إلى الحكمِ :
وهي من وجوهٍ خمسةٍ :
الأوّل :
إذا كانَ أحدُ الخبرين مقرراً لحكمِ الأصلِ ، والثاني يكون ناقلاً - فالحقُّ:
أنّه يجبُ ترجيحُ المقرِّر.
....
وقال الجمهورُ - من الأصوليِّين -: إنَّهُ يجبُ ترجيحُ الناقلِ .
= عمّار، فذكره، وعلقه البخاري في صحيحه عن صلة، وقد اختلف في وقفه ورفعه. فانظر
التلخيص الحبير: (٨٩٤)، (١٩٧/٢)، ونصب الراية: (٤٤٢/٢)، والدارية: الحديث
(٣٦٥) والسنن الكبرى: (٢٠٨/٤). وانظر مذاهب العلماء في تحديد مفهوم يوم الشك
وحكم صيامه: في المجموع (٤٠١/٦) وما بعدها.
(١) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((مرجح)).
(٢) عبارة ى: ((تقلّ الاحتمالات)).
- ٤٣٣ -

لنا :
أنَّ حملَ الحديثِ على ما لا يستفاد(*) إلّ من الشرع - أولى من حمله على
ما (١) يستقلُّ العقلُ بمعرفته، فلو جعلنا المبقيَ مقدماً على الناقل - لكانَ وارداً
حيث لا يحتاجُ إليه؛ لأنَّا في ذلك الوقتِ نعرفُ ذلك [الحكم (٢)] بالعقل، فلو(٣)
قلنا: إنّ المبقي وردَ بعدَ الناقلِ - لكان وارداً حيثُ يحتاجُ إليه. فكانَ الحِكُمُ
بتأخرُّه [عن الناقل(٤)] أولى من الحكمِ بتقدُّمِهِ علیهِ.
واحتجّ الجمهورُ علی قولهم - بوجھین:
الأوّل:
أنَّ اعتبارَ الناقلِ أولى؛ لأنَّهُ يستفادُ منهُ ما لا يعلمُ إلا منهُ.
وأمَّا المبقي - فإنَّ حكمَهُ معلومٌ بالعقلِ : فكانَ الناقلُ أولى.
الثاني :
أنَّ في القولِ بكونِ الناقل متأخراً - تقليلَ النسخ؛ لأنَّهُ يقتضي إزالةً حكم
العقلِ فقط، وفي القولِ (*) بكونِ المقرِّر متأخّراً تكثيرُ(٥) النسّخِ؛ لأنَّ الناقلَ
أزالَ حكمَ العقلِ ، ثمَّ المقرّرُ أزالَ حكمَ الناقلِ مرَّةً أُخرَى.
[ و(٦)] الجوابُ عن الأُوَّلِ:
ما ذكرناه في الدليل ، وهو: أنَّا لو جعلنا المبقيَ متأخِّراً - لكنَّا قد استفدنا
مِنْهُ مَا لا يستقلُ العقلُ بِهِ، ولو جعلناه(٧) متقدّماً - لكنّا قد استفدنا منه ما يتمكّنُ
العقلُ من معرفتِهِ .
(#) آخر الورقة (٢١٨) من س.
(١) زاد في ى: ((لا)).
(٢) لم ترد الزيادة في ى.
(٣) أبدلت الفاء في ح واواً.
(*) آخر الورقة (١٨٠) من جـ.
(٦) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٤) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٥) لفظ آ: ((تكرير)).
(٧) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((مقدّمَاً)).
- ٤٣٤ -

وعن الثاني :
أنَّ ورود الناقل - بعد ثبوتِ حكم الأصل - ليسَ بنسخٍ ؛ لأنَّ دلالةَ العقل
مقيّدةٌ بشرطِ عدمٍ دليلِ السمع، فإذا وجدٍ [فـ (١)] - لا يبقى دليلُ العقل. فلا
يكونُ دليلُ السمعِ مزيلًا لحكمِ العقلِ ، بل مبِّناً(٢) لانتهائِه. فلا يكونُ ذلك
خلافَ الأصلِ .
وأيضاً: فما ذكرتموه معارضٌ بوجهٍ آخر، وهو: أنَّا لو جعلنا المبقي مقدَّماً -
لكانَ المنسوخُ حكماً ثابتاً بدليلين: دليلِ العقلِ ، ودليلِ الخبر. فيكونُ هذا
أشدَّ مخالفةً؛ لأنّه يكون [ذلك(٣)] نسخاً للأقوى بالأضعفِ، وهو غيرُ جائزٍ.
وأمّا على [الوجه (٤)] الّذي قلناه - فلا يكونُ المنسوخُ إلّ دليلاً واحداً.
فرعٌ :
فان قيل: أفتجعلونَ العملَ بالناقل على ما ذكره الجمهور، أو بالمقرِّر(٥)
على ما ذكرتموه في بابِ الترجيحِ ؟!
قلنا: قالَ القاضي عبد الجبَّارِ: إنَّه ليسَ من بابِ الترجيحِ ، واستدلَّ عليه
بوجهين :
الأوّل:
أنّا نعمل(٥) بالناقل على أنَّهُ ناسخُ، والعملُ بالناسخِ ليسَ من بابِ
الترجيحِ .
أنّه لو كانَ العملُ بالناقلِ ترجيحاً: لوجبَ أن يُعملَ بالخبرِ الآخر لولاه؛ لأنّ
الثاني :
.. (١) هذه الزيادة من ح.
(٢) كذا في ح، وهو المناسب، ولفظ غيرها: ((مثبتاً».
(٣) هذه الزيادة من ح، ی.
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٥) لفظ ح: ((المبقي))، وهي مساوية لما أثبتنا، ولفظ آ: ((المتقدم))، وفي جـ:
(*) آخر الورقة (١٧٥) من ح.
((المقدّر)).
- ٤٣٥ -
.

هذا حكمُ [كلِّ (١)] خبرين رجُّحنا (٢) أحدهما على الآخرِ.
ومعلومٌ أَنَّهُ لولا الخبرُ الناقلُ - لكنَّا إنَّما نحكمُ بموجّبِ الخبرِ [الآخر(٣)]
لدلالةِ العقلِ ، لا لأجلِ الخبر.
ويمكنُ أن يجابَ عن الأوَّلِ :
بأنَّا لا نقطعُ في الأصول بأنَّ الناقلَ عن حكم الأصل متأخِّرُ وناسخٌ، وإنما
نقولُ: الظاهرُ ذلك، مع جوازِ خلافِهِ، فهو إذن: داخلٌ في بابِ الأولى. وهذا
ترجيحٌ .
وعن الثاني :
أَنَّهُ لولا الخبرُ الناقلُ [لعلمنا (٤)] بموجب الخبر الآخر لأجلِهِ، ألا ترى أنا (*)
نجعلُه حكماً شرعياً؟ ولهذا لا يصحُّ رفعهُ إِلَّ يصحُّ النسخُ بهِ(*)، ولولا أنَّهُ بعدَ
ورودِ الخبرِ - صار شرعيّاً، وإلّ لما كانَ كذلكَ.
الثاني :
قال القاضي عبد الجبّار: (([الخبران(٦)] إذا كانَ أحدُهما نفياً، والآخرُ إثباتاً،
وكانا شرعيَّيْن - فإنَّهما سواء)). وضربَ لذلك أمثلةً ثلاثةٌ :
أجدُها:
أن يقتضيَ العقلُ(٧) حظرَ الفعلِ، ثمّ وردّ خبران في إباحتِهِ ووجوبهِ.
(١) في س: ((كلى))، وسقط من آ.
(٣) هذه الزيادة من آ.
(٥) كذا في ح، وعبارة غيرها: (أنه يجعله)).
(*) آخر الورقة (١٦٧) من آ.
(٦) هذه الزيادة من ج.
(٧) عبارة آ: ((أن يقضي العقل بحظر))، وعبارة ى نحوها، لكنه أبدل ((بحظر)) بلفظ
(بوجوب))، وهو تحريف.
- ٤٣٦ -
۔
(٢) لفظ آ: ((ترجحْ)).
(٤) سقطت الزيادة من ى.

وثانيها :
.أن يقتضي العقلُ وجوبَ الفعلِ ، ثمَّ وردَ خبرانٍ في حظرِهِ وإباحتِهِ.
وثالثها :
أن يقتضي العقلُ إباحةَ الفعلِ ، ثمّ وردَ خبرانٍ في وجوبِهِ وحظرِهِ.
واعلم: أنَّ هذا لا يستقيمُ على مذهبنا(*) - في أنّ العقلَ لا يستقلّ في شيءٍ
من الأحكامِ بالقضاءِ بالنفي والإِثباتِ، بل ذلك لا يستفادُ إلّ من الشرع .
وحينئذٍ: لا يكونُ لأحدهما مزيَّةً على الآخرِ.
[و(١)] أمّا على مذهب المعتزلةِ . - فلا يتمُّ ذلك؛ لأنَّهُ لا بدَّ في كلِّ نفي
وإثبات - متواردين(*) على حكمٍ واحدٍ - أن يكونَ أحدهما عقلياً.
بیانُه:
أنَّ (الإِباحةَ)) تشاركُ (الوجوبَ)): في جوازِ الفعلِ، وتخالفُهُ: في جوازٍ
التركِ. وتشاركُ ((الحظرَ)): في جوازِ التركِ، وتخالفُهُ: في جوازِ الفعلِ. فهي
تشارك كلَّ واحدٍ: من ((الوجوب))(*)و(( الحظر)) بما به تخالفُ الآخرَ.
إذا ثبتَ هذا - فتقولُ: إذا اقتضى العقلُ ((الحظرَ)) - فقد اقتضى جوازَ التركِ
أيضاً؛ لأنَّ ما صدقَ عليه أنَّه محظورُ - [فقد (٢)] صدقَ عليهِ أنَّهُ يجوزُ تركُهُ، فإذا
جاءَ خبرُ ((الإِباحة)» و«الوجوب)): ((فالإِباحةُ)) إنّماتنا في ((الوجوبَ)) [من حيث إنّ
الاباحة تقتضي جواز الترك، لا(٣)] من حيثُ إنّها (٤) تقتضي جوازَ الفعلِ . لكن
جوازَ الفعلِ (٥) - ها هنا كما عرفتَ - حكمُ عقليُّ، فثبتَ: أَنَّهُ لا بدَّ ـ ها هنا في
(*) آخر الورقة (٢١٩) من س.
(١) لم ترد الواو في ی.
(*) آخر الورقة (٦٠) من ص.
(*) آخر الورقة (١١٠) من ی.
(٢) لم ترد الزيادة في ح، جـ، ولفظ ((صدق)) - بعدها - في ى: ((يصدق)).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ح، آ، جـ:
(٤) في س، آ: ((إن الاباحة)).
(٥) لفظ ى: ((الترك)).
۔۔
- ٤٣٧ -

النفي والاثباتِ - من كونِ أحدِهما عقليّاً فيهِ. فليعمل فيهِ كما في المثالِ
الأوَّلِ .
وأمَّا المثالُ الثاني - وهو: ما [إذا(١)] اقتضى العقلُ ((الوجوبَ))(*) وجاءً خبران
في ((الحظرِ)) و((الإِباحةِ)) - فالكلامُ فيه كما في المثالِ الأوَّلِ .
وأمَّا المثال الثالثُ - وهو: ما إذا اقتضىَ العقلُ ((الإِباحة))، ثمّ جاءً خبران
في ((الحظر) و(الوجوب)) - فنقولُ: لمَّا ثبتَ أنَّ ((الإِباحةَ)) تشاركُ كلَّ واحدٍ من
((الوجوب)) و((الحظر)) بما بهِ تخالفُ الآخر، وإذا كانت ((الإِباحةٌ)) مقتضى
العقل: لزَمَ أن يكونَ ((الوجوبُ)) مقرِّراً لحكمِ العقلِ من وجهٍ، وناقلاً من وجهٍ
[آخر (٢)].
وكذا القولُ في ((الحظر)). فها هنا أيضاً: لا بدَّ في النفي والإثباتِ -
المتواردَينِ على أمرٍ واحدٍ - أن يكونَ أحدُهما عقلياً.
وإذا ثبتَ أنَّهُ لا بدَّ في النفي والإِثباتِ من كونِ أحدِهما عقلياً: رجعَ
الترجيحُ إلى ما تقدَّمَ: من أنَّ الناقلَ أرجحُ أم(٣) المبقي؟!
فرعٌ:
إذا كانَ مقتضى العقلِ («الحظرَ))، ثمّ وردَ خبرانِ في ((الإِبساحةِ)»
و((الوجوب))، و((الإِباحةُ)) تشاركُ ((الحظرَ)) من وجهٍ، وتخالفُهُ من وجهٍ آخرَ -:
فخبرُ ((الإِباحةِ)) يقتضي بقاءَ حكم العقلِ من وجهٍ، [والنقل من وجه (٤)].
وأمّا (الوجوبُ)) فإنَّهُ يخالفُ ((الحظرَ)) في القيدين معاً. فيكونُ ((الوجوبُ).
مقتضياً للنقل من وجهين:
فمن رَجِّحَ الخيرَ الناقلَ على المبقي - رجَّحَ خبرَ «الوجوبِ))؛ ومن رجَّح
(١) سقطت الزيادة من جـ.
(*) آخر الورقة (١٨١) من جـ.
(٢) هذه الزيادة من ح، آ.
(٣) كذا في ح، آ، وهو المناسب. وفي غيرهما: ((من)).
(٤) ساقط من غیرح، آ، ى.
-٤٣٨ -

المبقي على الناقل فبالعكس.
وكذا القولُ فيما إذا اقتضى العقلُ ((الوجوبَ))، وجاءً خبران: في ((الحظر))
و[الإِباحةِ(١)].
٠
فأمّا إذا اقتضى العقلُ ((الإِباحةَ))، وجاءَ خبران: في ((الحظر)) و((الوجوب)) -
فكلُّ واحدٍ منهما يشاركُ ((الإِباحةَ)) من وجهٍ، ويخالفُها من وجه آخر. فإذن: كل
واحد منهما ناقلٌ من وجهٍ، [و(٢)] مُبقٍ من وجهٍ [آخر(٣)]: فيحصلُ التساوي، ولا
يحصلُ الترجيحُ .
الثالث :.
إذا تعارضَ خبرانٍ في ((الحظر)) و ((الإِباحةِ)) - وكانا شرعيًّين(*) - فقالَ أبو
هاشمٍ وعيسى بن أبانَ : إنَّهما يستويان .
وقال الكرخِيُّ وطائفةٌ من الفقهاءِ: خبرُ الحظرِ راجحٌ (٤).
احتجّوا على الترجيح (٥) ((للحظر) - بالخبرِ والحكم والمعنى.
أمّا الخبرُ - فقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَا اجتمعَ الحلال والحرامُ إلّ
وغلبَ الحرامُ الحلالَ))(٦) ..
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيْبُكَ(٧)) وجوازُ (٨) هذا
(١) سقطت من س، ل.
(٢) لم ترد الواو في ح.
(٣) لم ترد الزيادة في س، ى.
(*) آخر الورقة (١٧٦) من ح.
(٤) في غيرح: ((أرجح)).
(٥) في غيرى: ((بالحظر)».
(٦) الحديث ورد في الكشف الحديث (٢١٨٦). ونقل عن ابن السبكي عن البيهقي :
إن فيه ضعفاً وانقطاعاً. ونقل قول الزين العراقي: ((إنه لا أصل له))، قال: وأدرجه ابن مفلح
في أول كتابه في الأصول فيما لا أصل له. وانظر أسنى المطالب: (١٨٩)، وتخريج أحاديث
المنهاج للعراقي الحديث (٨٧)، وقال ابن السبكي: ((لا أعرفه)). انظر الإِيهاج (١٥٨/٣).
(٧) راجع الجزء الثاني، ص ٩٢، من هذا الكتاب.
(٨) زاد في ى: ((ولا يريبه ترك جواز هذا لفعله))، وفي ح: ((جواز ترك هذا)).
- ٤٣٩ -

الفعلِ يريبُه؛ لأنَّه بين أن يكون حراماً، وبين أن يكون مباحاً. [فما (١)] يَرِيبِهُ
جوازُ فعلِه: فيجبُ تْرُهُ.
وروي عن عُمَر(٥) - رضي الله عنه - أنَّهُ قالَ في الأختين المملوکتین :
((أَحَلّتْهما آيَةٌ، وحَرّمتها آيَةٌ، والتحريمُ أَولَى)».
وأمَّا الحكمُ - فإنَّهُ من طلَّقَ إحدى نسائِهِ، ونسيَها - حَرُمَ عليهِ وطْءُ جميعِ
نسائِهِ. وكذلكِ لو أعتقَ إحدى إمائِهِ.
وأمَّا (٢) المعنى - فهو: أنَّه دارَ بين أن يرتكبَ الحرامَ، أو يتْرُكَ المباحَ، وتركُ
المباحِ أولى: فكانَ الترجيحُ للمحرِّم (٣) احتياطاً .
فإن قلتَ: ولا يمتنعُ - أيضاً أن يكونَ مباحاً: فيكون باعتقادِهِ((الحظر)» مقدماً
علی مالا یأمنَ کونَهُ جهلاً.
قلتُ: إِنَّه إذا استباحَ المحظورَ - فقد أقدمَ (*) على محظورين: أحدُهما
الفعلُ، والثاني: اعتقادُ إباحته، وليسَ كذلكَ إذا امتنعَ من المباحِ لاعتقادٍ
:حظرهِ: لأنَّه محظورٌ واحدٌ، والغرضُ هو الترجيحُ بضربٍ (٤) من القوّةِ.
الرابعُ :
المثبتُ للطلاقِ والعتاقِ: يقدَّمُ على النافي لهما، عندَ الكرخيّ.
وقال قومٌ : يسوَّى بينهما.
وجهُ الأوَّلِ : أنَّ مَلكَ النكاحِ واليمين - مشروعٌ على خلافِ الأصل ،
فيكونُ زوالُهما على وفقِ الأصلِ . والخبرُ المَتَأيِّد بموافقةِ الأصلِ: راجحٌ على
الواقعِ على خلافِ الأصلِ .
(١) سقطت من ی.
(*) آخر الورقة (٢٢٠) من س
(٢) لفظ ى، آ: ((المعقول)).
(٣) لفظ آ: ((للحرام)).
(*) آخر الورقة من (١٦٨) من آ.
(٤) في غيرح، آ، ى: ((بنوع)).
- ٤٤٠ -