Indexed OCR Text
Pages 401-420
بل قنعنا منهم بالاعتقاد الجازم على سبيل التقليدِ (١) -: لم يمتنع تطرُّقُ التقويةِ إلیهِ . المسألةُ الخامسة (٢): مذهبُ الشافعيّ - رضي الله عنه - حصولُ الترجيحِ بكثرةِ الأدلّةِ . وقال بعضُهم : لا يحصلُ. ومن صورِ المسألةِ: ترجيحُ أحدِ الخبرينِ على الآخرِ؛ لكثرةِ الرواةِ . لنا وجهان : الأوّل : أنّ الأماراتِ متى كانت أكثرَ: كانَ الظُّ أقوى؛ ومتى كانَ الظُّ أقوى: تعيَّنَ العملُ بِهِ . (٣) بيانُ الأوَّلِ - من وجوه: أحدُها(٤): أنّ الرواةً إذا بلغوا في الكثرةِ حدّاً - حصلَ العلمُ بقولهم، وكلّما كانت المقاربةُ إلی ذلك الحدّ أکثر: وجب أن یکون اعتقادُ صدقهم - أقوى. وثانيها : أنْ قولَ كلّ واحدٍ [منهم(٥)] - يفيدُ(*) قدراً من الظن، فإذا اجتمعوا: استحالَ أن لا يحصلَ إلّ ذلك القدرُ - الّذي كانَ حاصلاً بقولِ الواحدِ، وإلّ فقد اجتمعَ على الأثر الواحدَ مؤثَّرانِ مستقلّان، وهو محالٌ - فإذن: لا بدَّ من الزيادةِ. (١) الكلام في تقليد العوام في العقليّات، والمذاهب فيه راجعه في المستصفى : (٣٨٧/٢)، وبحاشيته شرح المسلّم: (٤٠١/٢)، والإحكام (٢٢٣/٤)، وشرح الإِسنوي على المنهاج والإبهاج: (١٨٩/٣)، وبحثنا في الاجتهاد: (١٣١). (٢) في جـ، آ، ى: ((الرابعة)). (٣) في ی زیادة ((و)). (٤) لفظ آ: ((الأول)). (٥) هذه الزيادة من ح. (*) آخر الورقة (١٥٩) من آ. - ٤٠١ - وثالثها : . أنّ احترازَ العددِ عن تعمّدِ الكذب - أكثرُ من احترازِ الواحدَ، وکذا [احتمال(١)] الغلطِ والنسيانِ - على العددِ - أبعدُ. ورابعها : أنّ احترازَ العاقلِ عن كذبٍ(٢) - يعرفُ اطّلاعَ غيرهِ عليه: أكثرُ من احترازِهِ عن كذبٍ لا يشعرُ بِهِ غَيْرُهُ. ١٠ وخامسها : أنّا إذا فرضنا دليلين متعارضين - يتساويانٍ في القوَّةِ في ذهننا؛ فإذا وجدّ دليلٌ آخرُ يساوي أحدَهما - فمجموعُهما لا بدَّ وأن يكونَ زائداً على ذلك الآخر (٣)؛ لأنّ مجموعهَما أعظمُ من كلٍ واحدٍ منهما، وكلَّ واحدٍ منهما(*) - مساوٍ لذلك الآخر، والأعظمُ - من المساوي - أعظمُ. وسادسها : اجتماعُ الصحابةِ على أنَّ الظنَّ الحاصلَ بقولِ الاثنين - أقوى من الظُنُّ الحاصلِ بقولِ الواحدِ: فإِن(*) الصدّيق لم يعمل(٤) بخبر المغيرة(*) في ((مسألة الجدَّة(٥) - حتى شهد له محمدُ بن مسلمة. وعمر لم يقبل خبر أبي موسى - حتّى شهد له أبو سعيد الخدريُّ، فلولا أنَّ لكثرة الرواةِ أثراً في قوّةٍ الظن، وإلّ لما كانَ كذلك. فثبت بهذه الوجوه: أنَّ الظنَّ [إذا كان(١)] أقوى: وجبَ أن يتعيَّن العملُ بهِ، (١) هذه الزيادة من جـ. (٢) في س ((الكذب)). (٣) في آ: ((الاحتران)، ولفظ جـ: ((القدر)). (*) آخر الورقة (٢٠٩) من س. (*) آخر الورقة (١٧٢) من جـ، (٤) لفظ ى «بقول)). (*) آخر الورقة (١٦٧) من ح. (٥) وردت في سائر الأصول بلفظ ((الجد))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا. (٦) سقطت من غير ض: فالعبارة في غيرها: ((الظن يقوى فوجب)) واتفقت ح وص في لفظ . ((أقوى)). - ٤٠٢ - وذلكَ لأَنَّا أجمعنا على جواز الترجيح - بقوَّة الدليل، وجوازُ الترجيح بقوة الدليل - إنّما كانَ لزيادةِ القَوَّةِ في أحدِ الجانبين: وهذا المعنى حاصلٌ في الترجيح بكثرة الأدلّةِ(١). بلى، إذا كانَ الترجيحُ بالقَوَّةِ - حصلت [الزيادة(٢)] مع المزيدِ عليهِ، [ولا فرقَ إلّا أنَّ في الترجيحِ بالقوةِ: وجدت الزيادةُ مع المزيدِ عليهِ(٣)]. وفي الترجيح بالكثرةِ(٤): حصلت الزيادةُ في محلٌّ، والمزيدُ عليهِ في محلّ آخرَ، والعلمُ الضروريُّ حاصلٌ بأنَّهُ لا أثرَ لذلك. الوجه الثاني - في المسألةِ: أنَّ مخالفةَ كلِّ دليلٍ - خلافُ الأصل ، فإذا وجدَ في أحدِ الجانبين دليلانٍ، وفي الجانب الآخر دليلٌ واحدٌ: كانت مخالفةٌ الدليلين - أكثرَ محذوراً من مخالفة الدليل الواحد - فاشترك الجانبان في قدرٍ من المحذور، واختصَّ أحدُهما بقدرٍ زائدٍ، لم يوجد في الطرفِ الآخرِ، ولو لم يحصل الترجيحُ - لكانَ ذلك التزاماً، لذلك القدرِ الزائدِ من المحذورِ - من غيرِ معارضٍ : وأنَّه غيرُ جائزٍ. واحتجَّ الخصم بالخبرِ والقياسِ : أمّا الخبر - فقوله - عليه الصلاةُ والسلامُ -: ((نحن نحكُم بالظاهر)). فهذا - بإيمائهِ - يدلُّ على أنَّ المعتبرَ أصلُ الظهورِ، وأنَّ الزيادةَ عليه ملغاةٌ، تركَ العملُ بِهِ - فى الترجيحِ بقوّةِ الدليلِ ؛ لأنَّ هناكَ الزيادةَ مع المزيدِ عليهِ - حاصلانِ في محلٌّ، والقُوَى - حال اجتماعِها (٥) تكونُ أقوى منها - حال تفرُّقُها(٦). بخلافِ الترجيحِ بكثرةِ الدليلِ ، فإنَّ هناك الزيادةَ في محلٌّ، والمزيدَ عليهِ (*) آخر الورقة (٥٧) من ص. (٢) هذه الزيادة من ح. (١) في غيرح: ((الدليل)). (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ح. (٤) زاد في ح: ((و)). (٥) في س، ل: ((اجتماعهما)). (٦) لفظ ح: ((تفرّقهما)). - ٤٠٣ - في محلّ آخرَ: فلا يحصِلُ كمالُ القوّةِ. أمّا القياسُ [فقد(١)] أجمعنا على أنّه لا يحصلُ الترجيحُ بالكثرةِ - في الشهادة(٢) والفتوى: فكذا ها هنا. وأيضاً : . أجمعنا: على أنَّ الخبرَ الواحدَ، لو عارضَهُ ألفُ قياسٍ - فإنَّهُ يكونُ راجحاً على الكلِّ: وذلك يدلُّ على أنَّ الترجيحَ لا يحصلُ بكثرة الأدلَّةِ (٣). [و(٤)] الجوابُ عن الأُوَّلِ: أنَّ ذلكَ الإِيماءَ تركَ العملُ بهِ - في الترجيحِ [بالقوةِ: فوجب أن يترك العملُ به - في الترجيح(٥)] بالكثرة؛ لأنَّ المعتبرَ قرَّةُ الظّن، وهي حاصلةٌ في الموضعين. أمّا قوله : ((إنَّ [في(٦)] الترجيحِ بالقوَّةِ - تحصلُ الزيادةُ مع المزيدِ في محلّ واحدٍ، وللإِجتماع أثرٌ)). (٧) قلتُ: نحن نعلم أنّه - وإن كانَ محلُّ الزيادةِ مغايراًللأصل ، لكنّ مجموعَهما مؤثّرً في تقويةِ الظنِّ؛ فإنَّه إذا أخبرنا مخبرٌ عدلٌ عن واقعةٍ: حصلَ. ظنُّ مّا، فإذا أخبرنا ثانٍ: صارَ ذلك الظنُّ أقوَى، وإذا أخبرنا ثالثٌ: صار [ذلك(٨) الظنُّ] أقوى، ولا تزالُ القوَّةُ تزداد بازديادِ(٩) المخبرين - حتى ينتهي إلى العلم. (١) زيادة واجبة ولم ترد في غير ص. (٢) في ح، آ، ى: ((وفي)). (٣) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((الدلالة)). (٤) هذه الزيادة من ح، آ، جـ، ى. (٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ى. (٦) انفردت بهذه الزيادة ح. (٧) كان ينبغي أن تزاد الفاء في جواب ((أمّا»، ولكن المصنف جرى على التساهل في عدم إيرادها. (٨) لم ترد في ح. (٩) في غيرح: ((بزيادة)) .. - ٤٠٤ - فعلمنا أنَّ ما ذكروه من الفرقِ - لا يقدحُ في كونِه مقوباً للظن. وأمَّا فصل الشهادةِ(*) - فعند مالكٍ رحمه الله: يحصلُ الترجيحُ فيها بكثرةِ الشهود (١). والفرق: أنَّ الدليلَ يأبى اعتبارَ(*) الشهادةِ حجَّةٌ، لما فيه من توهُّمِ الكذبِ والخطأ، وتنفيذٍ قولٍ شخصٍ على شخصٍ مثلِهِ، إلّ أنّا اعتبرناها فصلاً للخصوماتِ: فوجبَ أن تعتبر حجَّةً - على وجهٍ لا يفضيِ إلى تطويلٍ الخصوماتِ، لئلا يعودَ على موضوعِهِ (٢) بالنقضِ ، فلو أجرينا فيهِ الترجيحَ - بكثرةِ العددِ: لزمَ تطويلُ الخصومةِ؛ فإنّهما إذا (٣) أقاما الشهادةَ - من الجانبين - على (٤) السويَّةِ: كانَ لأحدِهما أن يستمهلَ القاضي ليأتيَ بعددٍ آخرَ من الشهودِ. فإذا أمهلَهُ من إقامتِها - بعد انقضاءِ المدَّةِ: كانَ للاخر أن يفعلَ ذلك، ويفضي ذلك إلى أن لا تنقطعَ الخصومةُ - أَلْبِتَّةَ: فأسقطَ الشرعُ اعتبارَ الترجيحِ بالكثرةِ، دفعاً لهذا المحذورِ. وأمّا الترجيحُ - بكثرةِ المفتين - فقد جوَّزَهُ بعضُ العلماءِ (٥). (*) آخر الورقة (٢١٠) من س. (١) هذا ما ذكره الإمام المصنف، والذي في المدوَّنة: ((ولا ينظر مالك في ذلك إلى كثرة العدد ... وإن كانت بيّنة أحدهما اثنين، والآخر مائة: فكان هذان في العدالة وهؤلاء المائة سواءً: فقد تكافأت البينتان)) انظر المدوّنة: (١٨٨/٥) وراجع شرح المختصر حيث نسب الخلاف إلى الكرخيّ: (٣١٠/٢). (*) آخر الورقة (١٦٠) من آ. (٢) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((موضعه)). (٣) كذا في ح، آ، وفي غيرهما: ((إن)). (٤) زاد في غير ص، ح، ((لا))، وهو تحريف. (٥) راجع في هذه المسألة المستصفى: (٣٩٠/٢)، والمعتمد: (٩٣٩/٢)، وإحكام الآمدي: (٢٣٢/٤) وإرشاد الفحول: (٢٣٩)، وسيبحثه المصنف فيما سيأتي من كلامه في ((المستفتي))، وراجع كتابنا في الاجتهاد (١٢٨). - ٤٠٥ - وأمّا قوله: ((الخبرُ الواحدُ يقدَّمُ على القياساتِ الكثيرةِ). قلنا: إن كانت: أصولُ تلكِ القياساتِ شيئاً واحداً: فالخبرُ الواحدُ يقدَّمُ عليها(*)، وذلك لأنَّ تلك القياساتِ(*) - لا تتغايرُ؛ إلّ إذا علَّلنا حكم الأصل. في كلٍ قياسٍ - بعلَّةٍ أخرى، والجمعُ بينَ كلُّها محالٌ؛ لما عرفت(١): أنَّه لا يجوزُ تعليلُ الحكمِ الواحدِ بِعِلَتَيْن مستنبطتين(٢)، وإذا علمنا أنَّ الحقَ منها ليسَ إلّ الواحدَ: لم تحصل - هناك - كثرة الأدلّةِ. !. أمّا إِن كان أصولُ تلك القياساتِ كثيرةً - فلانسلِّمُ أنه [لا(٣)] يحصلُ الترجيحُ . المسألةُ السادسة (٤): إذا تعارضَ الدليلانِ.فالعملُ بكلِّ واحدٍ منهما من وجهِدون وجه أولى من العَمْلِ بأحدِهما، دونَ الثاني؛ لأنَّ دلالَةِ الّلفظِ على جزء مفهومِهِ: دلالةٌ تابعةٌ الدلالِتِهِ على كلِّ مفهومِهِ، ودلالتُهُ على كلِّ مفهومِهِ دلالةٌ أصليّةٌ . فإذا عملنا(*) بكلِّ واحدةٍ منهما بوجهٍ، دونَ وجهٍ - فقد تركْنَا العملَ بالدلالةِ التبعيَّةِ . وإذا عملنا(٦) بأحدِهما، دونَ الثاني - فقد تركنا العملَ بالدلالةِ الأصليَّةِ، وَلا شكَّ أنَّ الأوَّلَ - أولى .. فثبتَ: أنَّ العملَ بكلِّ واحدٍ - منهما - من وجهٍ دون وجهٍ - أولى من العمل بأحدِهما من كلِّ وجهٍ، دونَ الثاني . (*) اخر الورقة (١٦٨) من ح. (*) آخر الورقة (١٧٣) من جـ. (١) لفظ آ: ((عرف)). (٢) انظر الجزء الخامس، ص ٢٧٧ وما بعدها من هذا القسم من الكتاب .. (٣) سقطت من غيرح. (٤) لفظ جه آ، ى: ((الخامسة)). (*) آخر الورقة (١٠٦) من ى. (٥) لفظ ح، ى: ((علمنا))، وهو تصحيف. (٦) لفظ ى: ((علمنا)). - ٤٠٦ - إذا ظهرَ ذلك - فنقولُ: العملُ بكلِّ واحدٍ - من وجهٍ ثلاثةُ أنواعٍ : أحدها: الاشتراك والتوزيعُ - إن كانَ قبلَ التعارضِ: يقبلُ ذلك. وثانيها : أن يقتضي كلُّ واحدٍ منهما حكماً ما: فيعملُ بكلِّ واحدٍ منهما في حقِّ بعضِ الأحكام . وثالثها: العامّان إذا تعارضا: يُعمِلُ بكلِّ واحدٍ منهما في بعض الصور. كقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألا أخبرُكمُ بخيرِ الشهداءِ)) قيل: بلى يا رسول الله، قال: ((أن يشهد الرجلُ قبل أن يُسْتَشْهد(١)». وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثمّ يفشو الكذب حتى يشهد الرجلُ قبلَّ أَن يُسْتَشْهد (٢)؛ فيعملُ بالأوَّلِ في حقوقِ اللهِ، والثاني في حقوق العبادِ». (١) أخرج نحوه الحافظ ابن حجر في التلخيص، الحديث (٢١٣١) من حديث زيد بن خالد الجهنيّ، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في الأقضية (١٧١٩)، والترمذي (٢٢٩٦)، وابن ماجه (٣٦٤)، وأبو داود (٣٥٩٦). وهو في الجامع الصغير: (١//١٩٧)، وقال: أخرجه مالك أيضاً. وفي الفتح الكبير: (١ /٤٧٥). وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده كذلك كما في الفتح والجامع، وانظر: (٩٧/٢) من الفتح الكبير أيضاً. (٢) جزء من حديث عمران بن حصين ورد في بعض طرقه بلفظه، وورد في الطرق الأخرى بمعناه والحديث صحيح أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي وابن حبّان، والحافظ في التلخيص: (٢١٣٠) وذكر أقوال العلماء في التوفيق بينه وبين الحديث الذي سبقه، وهو في الفتح الكبير (٩٩/٢)، والجامع الصغير: (١٣/٢ و١٤)، واللؤلؤ والمرجان الحديث (١٦٤٦ و١٦٤٧)، وأسنى المطالب (١٠٤)، ويلفظ المحصول وصحَّحه النسائيّ - على ما في تدريب الراوي: (١٩٨/١) الطبعة الثانية سنة ١٣٩٢هـ وقد أخرج شيخ الاسلام الحديثين، وتكلّم فيهما بكلام مفيد، - ٤٠٧ - المسألةُ السابعة(١): إذا تعارض دلیلان ۔ فإمّا أن یکونا عامًّین، أو خاصَّيْن، أو أحدُهما عامًّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ واحد منهما عاماً [من وجه(٢)] خاصاً من وجهٍ . وعلى التقديراتِ الأربعةِ: فإمّا أن يكونا معلومين، أو مظنونین، أو أحدُهما معلوماً والآخرُ مظنوناً . وعلى التقديراتٍ كلّها: فإمّا أن يكونَ المتقدِّم معلوماً و(٣) المتأخرّ معلوماً، أو لا يكونَ(٤) واحدٌ منهما معلوماً. فلنذكر أحكام هذه الأقسام : القسمُ الأوَّلُ: أن يكونا عامَّينِ. فإمّا أن يكونا معلومين، أو مظنونین، أو أحدهما معلوماً والآخر(*) مظنوناً .. النوع الأوّل: أن يكونا معلومين. فإمّا أن يكونَ التاريخُ - معلوماً، أو لا يكونَ . فإن كانَ معلوماً، فإمّا أن يكونَ المدلولُ قابلًا للنسخِ، (١) لفظ جـ، آ، ى: (السادسة)). (٢) سقطت الزيادة من ح. (٣) كذا في ح، جـ، وهو الصحيح، ولفظ غيرهما: ((أ). (*) آخر الورقة (٢١١) من س. (٤) زاد في ى: ((كل)). - ٤٠٨ - أو لا يكون . فإن قبله: جعلنا المتأخِّر ناسخاً للمتقدَّم - سواءٌ كانا آيتين، أو خبريْنِ، أو أحدُهما آيةٌ والآخرُ خبراً [متواتراً(١)]. فإن قلتَ: فما قولُ الشافعيّ - ها هنا - مع أنّ(٢) مذهبه: أنَّ القرآنَ لا يُنسخُ بالخبر المتواترِ، ولا بالعكس ؟! قلت: هذا التقسيمُ لا يفيدُ، إلّ أنَّهُ لو وقعَ - لكانَ المتأخِّرُ ناسخاً للمتقدِّم، والشافعيُّ يقولُ: ((لم يقعْ ذلكَ))، فليسَ بين مقتضى هذا التقسيمَ، وبينَ قولٍ الشافعيّ منافاةٌ (٣). وإن كان مدلولُهما - غيرَ قابلٍ للنسخِ : فيتساقطان؛ ويجبُ الرجوعُ إلى دلیل آخر. هذا إذا علمَ تقدُّمُ أحدِهما على الآخرِ. [فـ (٤)] ـأمَّا إذا علمَ أنَّهما تقارنَا، فإن أمكنَ التخيير فيهما (٥): تعيّنَ القولُ . . به؛ فإنَّه إذا تعذَّر الجمعُ - لم يبقَ إلّ التخييرُ. ولا يجوزُ أن يرجّحَ أحدُهما على الآخرِ بقوّةِ الإِسنادِ، لما عرفتَ: أنَّ المعلومَ لا يقبلُ الترجيحِ . و(٦) لا يجوزُ الترجيحُ بما يرجعُ إلى الحكمِ [أيضاً(٧)]: نحو كونٍ أحدِ هما(*) حاظراً أو مثبتاً حكماً شرعياً؛ لأنَّهُ يقتضيٍ طرحَ المعلومِ - بالكلّيَّةِ. وإنَّه غيرُ جائزٍ. (١) سقطت هذه الزيادة من ح. (٢) زاد في جـ، آ: (من)). (٣) ولتتبيَّن حقيقة مذهب الإمام الشافعي في المسألة راجع: الجزء الثالث، ص ٣٤٧ من كتابنا هذا وهوامشها . (٤) هذه الزيادة من ح. (٥) لفظ ى: ((بينهما)). (٧) هذه الزيادة من ح. (٦) أبدلت الواو في آبفاء. (*) آخر الورقة (١٦١) من آ. - ٤٠٩ - وأمَّا إذا لم يُعلم التاريخُ - فها هنا يجبُ الرجوعُ إلى غيرِهما؛ لأنَّا نَجَوّزُ في كلِّ واحدٍ منهما: أنْ يكونَ هو المتأخرَّ: فيكون(١) ناسخاً للآخر. النوع الثاني : أن يكونا مظنونین. فإن نقلَ تقدُّمُ أحدهما على الآخر: كانَ المتأخرُ ناسخاً. وإن نُقِلت المقارنةُ، أَو لم يعلمْ شيءٌ من ذلك: وجبَ الرجوعُ إلى الترجيحِ : فيعملُ بالأقوى. و(٢) إن تساويا: كان التعبّدُ فيهما التخييرَ. النوع الثالث: أن يكونَ أحدُهما معلوماً، والآخرُ مظنوناً. فإمَّا أن ينقل(*) تقدُّمُ أحدهما على الآخر(*)، أو لا ينقلَ ذلك. فإِن نقلَ وكانَ المعلومُ هو المتأخّرَ: كانَ ناسخاً للمتقدِّمِ. وإن كان المظنونُ هو المتاخّرَ -: لم ينسخِ المعلومَ. وإن لم يعلم تقدُّمُ أحدهما على الآخر: وجبَ العملُ بالمعلوم ؛ لأنَّه إنّ كانَ هو المتأخّرَ: كان ناسخاً. وإن كانَ - هو المتقدّمَ: لم ينسخْهُ المظنونُ. وإن كان مقارناً: كان المعلوم راجحاً عليه؛ لكونه معلوماً. القسم الثاني : - من الأقسامِ الأربعةِ: أن يكونا خاصَّيْن. والتفصيلُ فيه: كمَا في العامَّين من غير تفاوتٍ . القسم الثالثُ: أن يكون كل واحدٍ [منهما(٣)] عامًّا من وجهٍ، خاصاً من وجهٍ . كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾(٤)، مع قوله: ﴿إِلَّ مَا (١) زاد في ح: ((هو). (٢) في غيرح، ى: ((ف)). (*) آخر الورقة (١٦٩) من ح. (*) آخر الورقة (١٧٤) من جـ. (٣) هذه الزيادة من ى. (٤) الآية (٢٣) من سورة النساء. - ٤١٠ - مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾(١). وكما في قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ نامَ عن صلاةٍ أَو نَسِيَها - فلْيصلُّها إذا ذكرها(٢))، مع «نهيه عليه الصلاة والسلام ((عن الصلاة في الأوقاتِ الخمسةِ المكروهةِ (٣)؛ فإنَّ الأوّلَ عامٍّ في الأوقاتِ، خاصّ في صلاةِ القضاءِ. والثاني عامٌّ في الصلاةِ، خاصُّ في الأوقاتِ . فهذان العمومان - إمّا أن يُعلمَ تقدُّمُ أحدِهما على صاحبِهِ، أو لا يُعلمَ. فإن علمَ - وكانا معلومين، أو مظنونين، أو كانَ المتقدِّمُ مظنوناً والمتأخِّرُ معلوماً -: كان المتأخّر ناسخاً للمتقدُّمِ على قولٍ من قال: ((العامُّ ينسخُ(٤) الخاصَّ المتقدِّم))؛ لأنَّهُ إذا كانَ - عندهم - أنَّ العامَّ المتأخرَ ينسخُ الخاصِّ المتقدِّمَ، فما لم يثبتْ كونُهُ أعمَّ من الّلفظِ المتقدّمِ - أولى بأن يكونَ ناسخاً. وإن كانَ المتقدِّمُ معلوماً، والمتأخرُ مظنوناً: لم يجزْ - عندهم - أن ينسخَ الثاني الأوّلَ، ووجبَ الرجوعُ فيهما (٥) إلى الترجيحِ . ٠ (١) الآية (٢٤) من سورة النساء. (٢) حديث النوم عن الصلاة أو نسيانها حديث صحيح ورد بطرق مختلفة وألفاظ كثيرة أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس على ما في الفتح الكبير: (٢٤٢/٣) والجامع الصغير: (٣١٨/٢) وانظر اللؤلؤ والمرجان الحديث (٣٩٧)، والتلخيص (٢١١)، و(١٥٥/١)، و(ج ٢، ص ٤٦) من كتابنا هذا. (٣) إشارة إلى حديث الأوقات التي تكره فيها الصلاة ودفن الموتى وهو حديث صحيح رواه الجماعة إلا البخاري. على ما في نصب الراية: (٢٤٩/١ - ٢٥٠) والدارية: الحديث (١٠٩) وانظر (١١٠) المتفق عليه من حديث ابن عباس، كما اتفقا عليه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وقد أخرج بعض طرقه أحمد والطحاوي والبيهقي، وراجع نيل الأوطار: (١٠٦/٣ - ١١٢). (٤) عبارة آ: ((ناسخاً للخاص)). (٥) كذا في ح، آ، ى، س. وفي غيرها: ((فيه)). - ٤١١ - فأمَّا من يقولُ: ((إنَّ العامَّ المتأخِّرَ يُبنى على الخاصِّ المتقدِّم ، والخاصُّ المتأخِّرُ يُخرجُ بعضَ ما دخل (٥) - تحتَ العامِّ المتقدّم)) - فاللائقُ بمذهبهِ أن لا يقولَ في شيءٍ من هذه الأقسامِ - بالنسخِ ؛ بل يذهبُ إلى الترجيح؛ لأنَّهُ ليس. يتخلصُ(١) كونُ المتأخِّرِ - أخصَّ من المتقدّم، حتى يُخرِجَ من المتقدِّمِ ما دخلَ تحتَ المتأخِّرِ. وأمَّا إذا لم يعلم تقدُّمُ أحدهما على الآخر - فإن كانا معلومين: لم يجزْ ترجيحُ أحدِهما على الآخرِ بقوّةِ الإِسنادِ، لكن يجوزُ الترجيحُ بما يتضمَّنُهُ أحدُهما: من كونِهِ حاظراً (٢)، أو مثبتاً حكماً شرعياً؛ لأنَّ الحكمَ بذلك - طريقُهُ الاجتهادُ - وليس في ترجيحِ أحدِهما على الآخر اطراحُ الآخر؛ بخلافٍ ما إذا تعارضًا من كلِّ وجهٍ، فإن لم يترجَّحْ أحدُهما على الآخرِ: فالحكمُ التخييرُ. وأمَّا إذا كانا(٣) مظنونين: جاز ترجيحُ كِلُّ واحدٍ منهما على الآخرِ - بقوّةٍ الإِسنادِ، وبما تضمّنَهُ الحكمُ. وإذا لم يترجح : فالحكمُ التخييرُ. وأمّا إن كانَ أحدُهما معلوماً، والآخرُ مظنوناً: جاز ترجيحُ المعلومِ على المظنونِ، لكونِهِ معلوماً. فإن ترجّحَ المظنونُ عليهِ - بما يتضمَّنُ الحكمَ، حتى حصلَ التعارضُ - فإنّ (٤) الحكمَ ما قدَّمناه. القسمُ الرابعُ: إذا كانَ أحدُهما عاماً، والآخرُ خاصَّاً. فإن كانا معلومين، أو مظنونين - وكان الخاصُّ متأخّراً: كان ناسخاً للعامِّ المتقدِّم. (*) آخر الورقة (٢١٢) من س. (١) كذا في آ، وهو المناسب. ولفظ غيرها: ((يتلخص)). (٢) كذا في ل، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((محظوراً)). (٣) لفظ ح: ((كان)». (٤) لفظ آ: ((ان)). - ٤١٢ - وإن كانَ العامُّ متأخِّراً: كانَ ناسخاً للخاصِّ المتقدِّم - عند الحنفيّةِ. وعندَنا أنه يُبْنَى العامُّ على الخاصِّ(١). وإن وردا - معاً: خُصَّ العامّ بالخاصِّ إجماعاً. وإن جُهِلَ التاريخُ: فعندنا يُبنى(*) العامُّ على الخاصِّ. وعند الحنفيَّةِ: يُتَوقّفُ فيه . و[أمّا (٢)] إن كانَ أحدُهما معلوماً، والآخرُ مظنوناً - فقد اتَّفقوا: على تقديمِ المعلوم على المظنونِ، إلّا إذا كانَ المعلومُ عامّاً، والمظنونُ خاصّاً - ووردا معاً، وذلك: مثلُ (٣) تخصيصِ الكتابِ والخبرِ المتواترِ بخبرِ الواحدِ والقياسِ . وقد ذكرنا أقوالَ الناسِ فيهما - في باب العمومِ(٤). (١) عبارة ح: ((يبنى الخاصّ على العام)). (*) آخر الورقة (١٠٧) من ی. (٢) هذه الزيادة من ح، جـ. (٣) لفظ س، ى: (مع)). (٤) انظر: الجزء الثاني، ص ٧٨، وما بعدها، وص (٩٠) وما بعدها. - ٤١٣ - ۔۔ القسمُ الثالث (١): في تراجِيحٍ (٢) الأخبارِ. ترجيحُ الخبرِ - إِمَّا أنْ يكونَ بكيفيَّةٍ إسنادهِ، أو بوقتٍ ورودهِ، أو بلفظهِ ، أو بحکمه. أو بأمرٍ خارجٍ (٣) عن ذلك. القول في التراجيحِ الحاصلةِ(*) في الإِسنادِ: واعلم: أنَّ الترجيحَ - إمَّا أن يقعَ بكثرةِ الرواةِ، أو بأحوالهم. أمَّا الواقعُ بکثرة الرواةِ ۔ فمن وجھین: أحدهما: أنّ الخبرَ الذي رواتُه أکثرُ: راجحٌ علی الّذي لا یکونُ كذلك. وقد تقدَّم بیانُهُ. الثاني(*): أن يكون أحدهما(٤) أعلى إسناداً، فإنَّهُ مهما كانت الرواةُ (٥) أقلَّ: كَانَ (١) في جـ، ى: ((الخامس))، وهو خطأ، فهذا هو القسم الثالث من أقسام الباب: فالأول في التعادل والثاني في مقدمات الترجيح، وهذا هو الثالث. (٢) كذا في جـ، أ. ولفظ غيرهما: ((ترجيح)). (٣) لفظ ى: ((يخرج)). (*) آخر الورقة (١٦٢) من آ. (*) آخر الورقة (١٧٥) من جـ. (٤) في جـ، آ، ى: ((أحد الخبرين)). (٥) لفظ آ: ((الرواية). - ٤١٤ - احتمالُ (٥) الكذب والغلطِ(*) - أقلَّ، ومهما كانَ ذلك أقلّ: كانَ احتمالُ الصحّةِ أظهرَ، [وإذا كان أظهر(١)]: وجب العملُ به. فعلُ الإِسنادِ راجحٌ - من هذا الوجهِ؛ لكنَّهُ مرجوحٌ من وجه آخرَ، وهوَ: كونُهُ نادراً . [و(٢)] أمَّا التراجيحُ الحاصلةُ بأحوالِ الرواةِ - فهي (٣): إمَّا العلمُ، أو (٤) الورِعُ، أو الذكاء، أو الشهرة، أو زمان الرواية، [أو كيفيَّةُ الروايةِ(٥)]. (٦) أُمَّا التراجيحُ الحاصلةُ بـ ((العلم )) - فهي على وجوه: أحدها : : أن روايةُ الفقيهِ - راجحةٌ على روايةِ غيرِ الفقيهِ . [و(٧)] قالَ قومٌ: هذا الترجيحُ إنَّما يعتبرُ في (٨) خبرين مروبَّين بالمعنى؛ أمّا المرويُّ باللفظِ - فلا. والحقُّ: أَنَّهُ يقعُ بهِ الترجيحُ [مطلقاً(٩)]؛ لأنَّ الفقيهَ يميِّزُ بينَ ما يجوزُ، و[بينٌ(١)] ما لا يجوزُ فإن حضر المجلسَ، وسمعَ كلاماً - لا يجوزُ إجراؤهُ على ظاهرهِ - بحثَ عنه، وسألَ عن مقدِّمتِهِ، وسبب ورودِهِ، فحينئذ: يطّلعُ على الأمرِ الَّذِيَ يزولُ بِهِ الإِشكالُ. أمّا من لم يكنْ عالماً - فإنَّهُ لا يميّزُ بينَ ما يجوز، و[بين(١١)]مالا يجوزُ فينقلُ (*) آخر الورقة (٥٨) من ص. (*) آخر الورقة (١٧٠) من ح. (١) ساقط من ی. (٢) لم ترد الواو في ح، آ. (٤) في ى: ((وإمّا)). (٦) زاد في ی: ((و)). (٨) زاد في آ: ((حق)). (١٠) هذه الزيادة من ى، آ. (٣) في س: ((وهي)). (٥) ساقط من ی. (٧) هذه الزيادة من ح. (٩) انفردت بهذه الزيادة ح. (١١) هذه الزيادة من ح، آ، ى - ٤١٥ - القدرَ الَّذي سمعه(*)، وربَّما يكونُ ذلك القدرُ - وحدَه - سبباً (١) للضلالِ. وثانیھا : إذا كانَ أحدهما أفقهَ من الآخرِ -: كانت رواية (٢) الأفقهِ راجحةٌ؛ لأنَّ الوثوق باحترازِ الأفقِهِ عن ذلك الاحتمالِ المذكورِ - أتُمُّ من الوثوقِ باحترازِ الأضعف منهُ. وثالثُها: إِذا كانَ أحدُهما عالماً بالعربيّةِ: كانت روايتُهُ راجحةٌ على من لا يكونُ كذلك؛ لأنَّ الواقفَ على اللسانِ - يمكنُه من التحفّظِ من مواضعِ الزلل ، ما لا يقدرُ عليهِ غيرُ العالمِ بِهِ . ويمكنُ أن يقالَ: بل هو مرجوحٌ؛ لأنَّ الواقفَ على الّلسانِ - يعتمدُ على معرفتِه، فلا يبالغُ في الحفظِ: اعتماداً على خاطرِهِ، والجاهلُ باللسانِ يكونُ خائفاً: فيبالغُ في الحفظِ. : ورابعها : . روايةُ الأعلمِ بالعربيّةِ - راجحةٌ على روايةِ العالمِ بها. والوجهُ: ما تقدَّمَ في الأفقه . وخامسها : أن يكونَ أحدُهما صاحبَ الواقعةِ فيما يروى فيكونُ خبرُهُ راجحاً؛ ولهذا أوجبنا الغسلَ بالتقاءِ الختانين، بحديثٍ عائشةَ - رضي الله عنها - في ذلك، ورجَّحْناه على روايةٍ غيرِها عن النبيّ - و19َ -: ((الماءُ من الماءِ))؛ لأنّ عائشةً كانت أشدَّ علماً بذلك .. .. ورجّح الشافعيّ روايةً أبي رافع، على رواية ابن عباس - في تزويج ميمونة، (*) آخر الورقة (٢١٣) من س. (١) لفظ ى: ((سبيلاً)) .: (٢) في ح، ی: «روایته)). - ٤١٦ - لأنّ أَبا رافع كان السفيرَ في ذلك: فكان أعرفَ بالقصّةِ(١). وسادسها: [روايةُ (٢)] مَن مجالستُهُ للعلماءِ أكثرُ، أرجحُ . وسابعُها: روايةٌ من مجالستُهُ للمحدِّثین أکثر، أرجحُ . وثامتُها: أن يكونَ طريقُ إحدى الروايَّتْين - أقوَى: وذلك إذا روى ما يقلُّ الّلبسُ: كما إذا رَوى أنَّه شاهدَ زيْداً ببغدادَ - وقتَ السحر، والآخرُ يروي (٣) أنَّه شاهده - وقتَ الظهرِ - بالبصرةِ: فطريقُ هذا أظهرُ والاشتباهُ على الأوَّلِ أكثرُ. (١) أبو رافع - هو: مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلف في اسمه توفي في المدينة بعد استشهاد عثمان - رضي الله عنهما. انظر ترجمته في الإصابة: (٤ /٦٧) الترجمة (٣٩١)، وتهذيب التهذيب: (٩٢/١٢). وحديث ابن عباس - هو ما رواه البخاريّ أن النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم: (٤٥/٤)، و(٣٩٢/٧)، و(١٤٢/٩) من هامش فتح الباري، وأخرجه أبو داود الحديث (١٨٤٤)، والبيهقي في السنن: (٦٦/٥). كما أخرجه الإمام الشافعي في مسنده انظر البدائع: (١٩/٢)، وهو عند مسلم الحديث (١٤١٠) والترمذي الحديث (٨٤٢)، والنسائي الحديث (٢٨٤٣، ٢٨٤٤) وابن ماجه الحديث (١٩٦٥) وانظر الجزء الثالث، ص ١٦٦، وما بعدها من كتابنا هذا. وأما حديث أبي رافع - فقد أخرجه الإمام الشافعي في المسند: (١٨/٢) ومالك في الموطأ: (٣٤٨/١) الحديث (٦٩) باب نكاح المحرم، والبيهقيّ في السنن: (٦٦/٥). وأمّا ترجيح الإمام الشافعي لحديث أبي رافع فراجعه مفصلًا في الأم (١٧٧/٥ - ١٧٩) واختلاف الحديث للإمام الشافعيّ أيضاً الملحق بالأم في الجزء الثامن (٥٣٠)، ومختصر المزني الملحق بها أيضاً (١٧٥/٨)، وراجع ما قاله الحافظ ابن حجر أيضاً في الجمع بين الحديثين في المواضع المذكورة سابقاً. وراجع السمط الثمين: (١٣٢). (٢) لم ترد الزيادة في آ. (٣) لفظ غيرح: ((يروي)). - ٤١٧ - أَمَّا التراجيحُ الحاصلةُ بـ ((الورع)) - فهي على وجوهٍ: أحدُها(١): روايةُ من ظهرتْ عدالتُهُ بالاختبارِ - [راجحةٌ(٢)] على روايةٍ مستورِ الحال. عند من يقبلها . وثانيها : روايةُ من عرفت عدالتُهُ بالاختبارِ - أولى من روايةٍ من عرفت عدالَتُهُ بالتزكيةِ؛ إذ ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ. وثالثُها: روايةُ من عرفتْ عِدالتُه بتزكيةِ جمعٍ كثيرٍ - أولى من روايةٍ من عرفت عدالتُهُ بتزكية جمعٍ قليلٍ . ورابعها : روايةٌ مِن عرفت عدالتُهُ بتزكية من كانَ أكثرَ بحثاً في أحوالِ الناسِ ، واطلاعاً عليها - أولى من روايةٍ من عرفت عدالَتُهُ بتزكية من لم یکن كذلك. وخامسها : روايةٌ من عرفت عدالتُهُ بتزكيةِ(٣) الأعلمِ الأورع - أولى من رواية من عرفت عدالَّتُهُ بتزكيةِ العالمِ الورعِ . وسادسها : رواية من عرفت عدالتُهُ بتزكيةِ المعدِّل - مع ذكر أسباب العدالةِ - أولى من روايةٍ من زكَّاهُ المعذِّلُ، بدونِ ذكر أسبابِ العدالةِ . (١) لفظ آ: (الأول)). (٢) زيادة لم ترد في سائر الأصول، فلعلها سقطت من النساخ سهواً، أو قدرت تقديراً آثرنا اثباتها . (٣) زاد في غيرح: ((الرجل)). - ٤١٨ - وسابعها : المزكِّي إذا زَّى الروايَ، فإن عمل بخبره: كانت روايتُهُ راجحةً على ما إذا زگاه، وروی خبره. وثامنها : روايةُ العدلِ - الّذي لا يكونُ(*) صاحبَ البدعة - أولى من روايةِ العدلِ المبتدع (*) سواء كانت تلك البدعةُ كفراً في التأويل ، أو لم تكن . أُمّا التراجیحُ الحاصلةُ بسبب «الذکاءِ» ۔ فھي على وجوهٍ: أحدها: روايةُ الأكثر(*) تيقُظاً، والأقلِّ نسياناً - راجحةٌ على روايةٍ من لا يكونُ كذلك. وثانیھا : إذا كانَ أحدُهما أشدَّ ضبطاً، لكنَّهُ أكثرُ نسياناً، والآخرُ يكونُ أضعفَ ضبطاً، لكنَّهُ أقلُّ نسياناً، ولم تكن قلَّهُ الضبطِ(*)، وكثرةُ النسيانِ -: بحيثُ تمنعُ من قبولِ خبرِه - على ما بيّا في باب الأخبارِ - فالأقربُ التعارضُ. وثالثُها: أن يكونَ أحدُهما أقوى حفظاً لألفاظِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - من غيرهِ؛ فإنَ الحِجَّةَ - بالحقيقةِ - ليست إلّ في كلامِ الرسولِ عليه الصلاةُ والسلامُ. ورابعُها : أن يجزمَ أحدُهما، ويقولَ الآخرُ: كذا قالَ فيما أظنُّ. وخامسها: أن يكونَ الرواي قد اختلطَ(١) عقلُهُ في بعض الأوقاتِ، ثمّ لا يُعْرَفُ أنَّهُ (*) آخر الورقة (١٧٦) من جـ. (*) آخر الورقة (١٧١) من ح. (*) آخر الورقة (١٦٣) من آ. (*) آخر الورقة (٢١٤) من س. (١) لفظ ى: ((اخبتط))، وهو تصحيف. - ٤١٩ - روى هذا الخبرَ حالَ سلامةِ العقل، أو حالَ اختلاطِهِ (١). وسادسها : إذا كان أحدُهما حفظَ(٢) لفظَ الحديثِ، والآخرُ عوَّلَ على المكتوب -: فالأوّلُ أولى ؛ لأنَّهُ أبعدُ عن الشبهةِ. وفيه احتمالٌ. (٣) أَمَّا التراجيحُ الحاصلةُ بسبب ((شهرة الرواي)) - فَأَمورٌ: أحدها: أن يكونَ من كبار الصحابةِ؛ لأنَّ دينه لمَّا(٤) منعه عن الكذب: فكذا(9). منصبهُ العالي يمنعُه [عِنْه (٦)]؛ ولذلك كانَ عليّ - رضي الله عنه - يُحلِّفُ الرواةَ، وكانَ يقبلُ روايةَ ((الصدِّيق)) من غير التحليفِ(٧). وثانيها(٨): صاحبُ الاسمين مرجوحٌ بالنسبةِ إلى صاحبِ الاسمِ الواحدِ. وثالثها(٩): روايةٌ معروفٍ النسب - راجحةٌ على روايةٍ مجهولِ النسبِ. ورابعها "؟ أن يكونَ في رواةٌ (١) أحدِ الخبرين - رجالٌ تلتبسُ أسماؤهم بأسماءِ قومٍ (١) في ى: )اختباطه)). (٢) كذا في ى، وعبارة غيرها: ((أحفظ للفظ)). (٣) زاد في آ: ((و)). (٤) لفظ ح: ((کما)). (٥) لفظ ى: ((فكذلك)». (٦) انفردت بهذه الزيادة ح. (٧) زاد في ح: ((فكذلك)) وفي جـ، آ، ى زيادة: و((ثانيها التدليس سبب المرجوحية)). ويبدو أنّها زيادة مقحمة. وانظر الحاصل: (٩٣٥) وشرح الجلال (٣٦٥/٢). (٨) في ح، جـ: ((«وثالثها)). (٩) في جـ، آ، ى: ((ورابعها)). (١٠) في ح، جـ، آ: ((وخامسها)). (١١) لفظ ى: ((رواية)). - ٤٢٠ -