Indexed OCR Text

Pages 181-200

فإن لم يكن متمكِّناً من تركها، وتلكَ القدرةُ والداعيةُ مخلوقةٌ للهِ - تعالى -
كانَ الله - تعالى - قد خلقَ في العبدِ ما يوجبُ المعصيةَ، ويمتنعُ - عقلًا - انفكاكُهُ
عنها، ومعَ هذا(*) لا يمكنُ القولُ بأنَّ الله - تعالى - يُراعي مصالحَ العبادِ.
وإن كانَ العبدُ متمكِّناً من تركها - فنقولُ: لَمَّا كانَ كونُهُ فاعلاً للمعصيةِ،
وتاركاً لها أمرين ممكنين لم يترجّح أحدهما على الآخرِ إلّا لمرجُّحٍ - لأنّا نتكلّمُ
- الآن - تفريعاً على تسليمِ هذهِ المقدّمةِ - فذلكَ المرجّحُ إن كانَ من فعلِ
العبدِ: عادَ التقسيمُ الأوّل ..
وإنْ كانَ من فعلِ اللهِ - تعالى - [فإمَّا(١)] أن يجبَ الترجيح عندَ حصولٍ
ذلكَ المرجّحِ من اللهِ - تعالى -.
أو لا يجبَ:
فإن وجبَ - عادَ الأمر إلى أنَّه - تعالى - فعلَ فيهِ ما يوجب المعصيةَ، ومعَ
هذا لا يمكن(*) القول بأنَّ الله - تعالى - يُراعي المصالحِ .
وإن لم يجبْ - كانَ حصولُ الترجيحِ (٢) [ مع ذلك المرجّح] ممكناً أن
يكونَ، وأن لا يكونَ - فيفتقر إلى مرجِّحٍ آخرَ، فإمَّا أن يتسلسلَ - وهو محالٌ،
. أو ينتهيَ إلى (*) الوجوبِ: فيعود الإِشكالُ.
فإن قلتَ: عندَ حصولِ المرجّحِ - يصير الترجيح (٣) أولى بالوقوع، لكنّه
لا ينتهي(*) إلى حدِّ الوجوب.
قلت: حصول الترجيح (٤)، ولا حصولُه مع ذلك القدر من الأولویّةِ إن كانا
(*) آخر الورقة (١٢٣) من جـ.
(١) سقطت الزيادة من ل.
(*) آخر الورقة (١٢٢) من ح.
(٢) لفظ ل: ((المرجح))، وسقط ما بعدها منها ومن آ.
(*) آخر الورقة (١١٥) من آ.
(٣) لفظ ل: ((المرجح)).
(*) آخر الورقة (٧٦) من ی .
(٤) كذا في س، آ، ح، وفي غيرها: ((أو))، ولعل الأنسب ما أثبتنا.
- ١٨١ - .

ممكنين - فلنفرضْ وقوعَهما، فنسبة ذلك القدرِ من الأولويَّةِ إلى الترجيحِ ،
والّلاترجيحٍ - على السواءِ، فاختصاصُ أحدٍ زماني حصولٍ تلك الأولويَّةِ
بالوقوع دون الزمانِ الثاني - يكون ترجيحاً للممكن المساوي من غير مرجِّحٍ،
وهو محالٌ - لأنّا نتكلّمُ - الآن - تفريعاً على هذهِ الَمقدِّمةِ ..
فثبت: أنَّ القولَ بافتقارِ التخصيصِ إلى المخصِّصِ - يمنع من تعليلِ
أفعالِ اللهِ - تعالى - وأحكامِهِ بالمصالحِ .
[وأمَّا أنَّ القول بأنَّ التخصيصَ لا يفتقرُ إلى المخصِّصِ يمنعُ من القولِ
بتعليلِ افعالِ اللهِ تعالى وأحكامِهِ بالمصالح فذلك ظاهرٌ.
فثبتَ أن تعليلَ أحكامِ الله - تعالى - بالمصالح باطلٌ(١)].
وهذا الكلامُ كما أنَّه اعتراضٌ على ما قالوه - فهو دلالة قاطعةٌ ابتداءً في
المسألة. وبه يظهرُ فسادُ سائرِ الوجوهِ الَّتي عوّلوا عليها: لأنَّها أدلّةٌ ظنّةً، وما
ذكرناهُ برهانٌ قاطعٌ.
ثمّ نقولُ: إن دلّ ما ذكرتموه (٢) على [أن(٣)] تعليل أفعال الله - تعالى -
بالمصالح: [واقعٌ (٤)] فمعنَا أدلَّةٌ قاطعةٌ مانعةٌ [منه(٥)] وهي من وجوه :..
الأوّل:
أَنَّهُ خالقُ أفعالِ العبادِ، وذلكَ يمنعُ من القولِ بأنَّهُ تعالى يراعي المصالحَ.
إنّما قلنا: إنَّهُ تعالى خالقُ أفعالِ العبادِ - لوجوه:
أحدها:
أنَّ العبدَ لو كانَ موجداً لأفعالِهِ - لكانَ عالماً بتفاصيل أفعالِهِ، واللازمُ باطلٌ:
فالملزومُ مثلُهُ (٦).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(٢) لفظ ى ((ذكرتم)).
(٣) انفردت بهذه الزيادة المناسبة ى.
(٥) هذه الزيادة من س.
(٤) هذه زيادة مناسبة من ى.
(٦) لفظ آ: ((باطل)).
- ١٨٢ -

بيانُ الملازمة:
أنَّ فِعلَ العبدِ واقعَ - على كيفيَّةٍ مخصوصةٍ [وكميَّةٍ مخصوصةٍ(١)] مع جوازٍ
وقوعِهِ على خلافٍ تلكَ الكيفيَّةِ والكميَّةِ، فلا بدّ وأنْ يكونَ ذلكَ الاختصاصُ
المخصِّصٍ ، إذ لو عقلَ الاختصاصُ لا لمخصِّصٍ - لعقِلَ (٢) اختصاصُ حدوثٍ
العالمِ بوقتٍ معيَّنٍ، وقدرٍ معيَّنٍ - مع جوازِ وقوعِهِ لا على هذا الوجهِ، لا
لمخصِّصٍ ، وذلكَ يقتضي القدحَ في دليل (*) اثباتِ الصانعِ: فثبتَ أنّه لا بدّ
لفعل العبد من مخصِّص، والتخصيصُ مسبوقٌ بالعلم، فإن التخصيص عبارة:
عن القصد إلى إيقاعهِ - على ذلك الوجه - والقصدُ إلى إيقاعه على ذلك الوجه
مشروط بالشعور بذلك الوجه، فالغافل عن الشيء استحال منه القصد إلى
إيقاعه .
فثبتّ أنَّهُ لو كانَ موجِداً لأفعالِ نفسِهِ - لكانَ عالماً بتفاصيل أفعالِهِ.
وإنَّما قلنا: إنَّه غير عالمٍ بتفاصيلِ أفعالِهِ - لأنَّ النائمَ فاعلٌ، مع النَّهُ لا
يخطر ببالِهِ شيءٌ من تلكَ التفاصيل، بل اليقظانُ يفعلُ أفعالاً كثيرةً، مع أنَّهُ لا
يخطر ببالِهِ كيفيّةُ تلك الأفعالِ؛ فإنَّ (٣) من فعلَ حركةً بطيئةً؛ فذلك البطء - إمّا
أنْ يكونَ عبارةً: عن تحلُّلِ السكناتِ، أو عن كيفيَّةٍ قائمةٍ بالحركةِ :
فإن كان الأول -: فالفاعلُ للحركةِ البطيئةِ فاعلٌ في بعض الأحيان (٤)
حركةً، وفي بعضِها سكوناً - مع أنّه لم (٥) يخطر ببالِهِ ذلكَ.
وإن كان الثاني - كان قد فعل حركةً، وفعلَ فيها عرضاً آخرَ.
(١) ساقط من ی.
.(٢) في غيري: ((فليعقل)) وكأنه خطاب للمعترض.
(*) آخر الورقة (١٥٤) من س.
(٣) لفظ ى: ((يعلم)) وفي آ: (( بعدم)).
(٤) في ی: ((به)».
(٥) أبدلت الفاء في آبواو، وفي ى: ((إذ الغافل)).
- ١٨٣ -

ثمّ ذلك البطء لهُ درجاتٌ(*) مختلفةٌ، فهو قد فعلَ عرضاً (١) مخصوصاً في
عرضٍ(١) آخرَ مع جوازِ أن (٢) يحصلَ سائرُ مراتب البطء (٣)، مع أنَّهُ لم يخطرْ ببالِهِ
شيءٌ من ذلك: فعلمنا أنَّهُ قد يفعلُ ما لم (٤) يخطر ببالِهِ.
فثبت بهذه(*) الدلالةِ: أنَّ العبدَ غيرُ موجدٍ [لأفعال نفسِهِ(٥)].
الثاني:
أنَّ موجدَ (٦) العبدِ مقدورٌ لله - تعالى - فيجبُ وقوعُهُ بقدرةِ اللهِ - تعالى -.
إنَّما قلنا: إنّ مقدورَ العبدِ الله - تعالى - لأنَّهُ في نفسِهِ ممكنٌ، والإِمكانُ
مصحِّحٌ للمقدوريَّةِ.
وإنَّما قلنا: إنَّهُ لَمَّا كَانَ مقدوراً للهِ - تعالى - وجبَ (٧) وقوعُهُ بقدرة الله - تعالى
- لأنّا لو قدَّرْنَا قدرةَ العبدِ صالحةً للايجادِ، فإذا فرضنا أنَّ كلَّ واحدٍ - منهما - أرادَ
الإِيجادَ(٨).
فحينئذ: يجتمعُ على ذلكَ الفعلِ مؤثرانٍ مستقلانٍ بالايجادِ؛ وذلكَ
محالٌ: لأنَّ الأثرَ مع المؤثِّر - المتسقّلِ [به(١)] يصيرُ واجب (*) الوقوع ، وكلُّ مَا
كانَ واجبَ الوقوع - في نفسِهِ - استحالَ استنادُهُ إلى غيرِهِ:
وحينئذ: يلزمُ أن يُستَغْنَى بكلِّ واحدٍ - منهما - عن كلِّ واحدٍ منهما: فيلزمُ
انقطاعُ ذلك المقدورُ( ١٠) عنهما - حالَ استنادِهِ إليهما [معاً (١]؛ وهو محالٌ.
(*) آخر الورقة (١٢٤) من جـ.
(٢) زاد في ى: ((لا)).
(٤) أبدلت في ى: بـ (لا)).
(٥) انفردت ى بهذه الزيادة :
(٧) كذا في ل، آ، ح، وفي النسخ الأخرى ((يجب)).
(٨) لفظ ح: «إيجاده)).
(*). آخر الورقة (١٢٣) من ج.
(١١) هذہ الزیادة من ح، ى.
(١) لفظ جـ: ((غرض)) في الموضعين.
(٣) زاد في آ: ((و)).
(*) آخر الورقة (١١٨) من ل.
(٦) لفظ ل، آ: ((مقدور)).
(٩) لم ترد الزيادة في ح.
(١٠) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((الفعل)).
- ١٨٤ -
١

[و(١)] الثالثُ:
إذا فرضنا أنَّ العبدَ أرادَ تحريكَ المحلِّ - حالَما أراد الله - تعالى - تسكينهُ
- فإذا كانتْ قدرةُ العبدِ مستقلةً - في الإِيجاد (٢) . وقدرةُ اللهِ(*) تعالى - أيضاً مستقلةً
[به(٣)] لم يكن وقوعُ أُحدِ المقدورَين - أولىَ من وقوع الآخر، فإمّا أنْ يمتنعًا،
وهو محالٌ؛ لأنَّ المانعَ من وجودِ كلِّ واحدٍ - منهما - وجودُ الآخرِ(٤)، فالمانعُ
حاصلٌ - حالَ تحقَّقِ الامتناعِ: فيلزمُ وجودُهُما عند عدمهما؛ [وهو محالٌ(٥)].
أو يقعانِ - جميعاً - فيلزمُ حصولُ الضدِّين؛ وهو محالٌ.
فإن قلتَ: قدرةُ اللهِ - تعالى - أقوى، فكانتْ أولىَ بالتأثيرِ.
قلتُ: إِنَّهَا أقوَى - بمعنى أنَّها مؤثرةً في أمورٍ أخرَ لا تؤثرُّ فيها قدرةُ العبدِ،
أمّا فيما يرجعُ إلى التأثيرِ - في ذلكَ المقدورِ الواحدِ - فيستحيلُ التفاوتُ؛ لأنَّ
ذلكَ المقدورَ شيءٌ واحدٌ لا يقبلُ التفاوتَ، وإذا لم يكنْ [هو (٦)] - في نفسِهِ -
قابلا للتفاوتِ: استحالَ وقوعُ التفاوتِ في التأثيرِ فیهِ .
الرابعُ :
لو قدرَ العبدُ على بعضِ المقدوراتِ الممكناتِ - لقدرَ على الكلِّ لأن
المصحِّح للمقدوريَّةِ ليسَ إلّ الإِمكانُ، وهو قضيّةٌ واحدةٌ: فيلزمُ من الاشتراكِ
فيهِ - الاشتراك في المقدوريَّةِ، لكنَّه غيرُ قادرٍ على كلِّ الممكناتِ لأنّهُ لا يقدرُ(٧)
على (٥) خلقِ السماواتِ والأرض: فوجبَ أنْ لا يقدرَ على الإِيجادِ الْبِتَّةَ.
فثبتَ: بمجموع هذهِ الوجوهِ - أنّ العبدَ غيرُ موجِدٍ لأفعالِهِ، بل موجِدُها
هو الله - عزَّ وجلَّ -.
(١) لم ترد الواو في ا.
(٢) في آ، ى: ((بالايجاد)).
(٣) هذه الزيادة من ی.
(٥) انفردت بهذه الزيادة ى.
(٧) في ى: ((غير قادر)».
(*) آخر الورقة (١١٦) من آ.
(٤) أبدلت الفاء في غيرح بواو.
(٦) لم ترد الزيادة في ل.
(*) آخر الورقة (١٥٥) من س.
- ١٨٥ -

:
وإذا كان كذلكَ: فكلّ ما حصل(١) من الكفر والمعاصي - فهو من فعلِ اللهِ
- تعالى - ولا شكَّ أن الغالبَ على أهلِ العالمِ الكفر والمعاصي، ومع هذا
القول - لا يمكنُ القولُ بأنَّ الله - تعالى - لا يفعلُ إلّ ما يكونُ مصلحةٌ للعبدِ.
فإن قلتَ: هب أنَّ الله - تعالى - هو الخالقُ لفعلِ العبد (٢)، ولكنَّ المكلَّفَ
مخيّرٌ في اختيارِ الكفرِ والإِيمانِ، والله - تعالى - أجرَى عادته أن يخلقَ الشيءَ
على وفقِ اختيارِ المكلّفِ: [فإنْ اختارَ المكلَّفُ الكفرَ - خلقَ فيهِ الكفرَ - وإن
اختارَ الإِيمانَ - خلقَ فيهِ الإِيمانَ، فمنشأُ المفسدةِ هو - اختيارُ المكلَّفِ (٣)].
قلتُ: حصولُ اختيارِ الكفر بدلاً عن اختيارِ الإِيمانِ - إن كان مَن المكلَّفِ،
لا من اللّهِ - تعالى - لم يكن الله - تعالى - فاعلًا لكلِّ أفعالِ العبادِ(٤). وإن
كانَ من اللّهِ - تعالى (*) - فقد بطلَ الاختيارُ، وتوجَّهَ الإِشكالُ.
الدليل الثاني : - على أنَّه لا يجوزُ تعليلُ أفعالِ اللهِ- تعالى - وأحكامِهِ بالمصالحٍ.
أنَّ القادرَ على الكفرِ، إن لم يقدرْ على الإِيمانِ: لزمَ الجبرُ، وذلكَ يقدحُ فَي
رعاية المصالحِ .
. وإن قدر عليهما (٥) - فلا بدَّ وأن ينتهىَ إلى مرجّحٍ واقعٍ بفعلِ اللهِ - تعالى
- وعندَ حصولِ ذلكَ المرجّحِ يجبُ وقوعُ الكفرِ: فيكونَ الجبرُ لازماً، وذلك
يقدحُ في رعايةِ المصالحِ ، وتقريرُ هذا الوجهِ قد تقدَّمَ .
الدليلُ الثالث: أنَّه [قد (٦)] وقعَ التكليفُ بما لا يطاقُ، وذلك يمنعُ من القولِ
برعايةِ المصالحِ .
(١) لفظ آ: ((يحصل)).
(٢) لفظ ح: ((العباد).
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من ى.
(٤) لفظ ح ((العقلاء)).
(*) آخر الورقة (٧٧) من ی.
(٥) كذا في ح، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((عليه)).
(٦) هذه الزیادة من جـ، ی.
- ١٨٦ -

بيانُ الأوَّلِ من وجوهٍ:
الأولُ (١): أنَّهُ كلِّفَ [بالإِيمانِ(٢)] من علمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فصدورُ الإِيمانِ(*)
منه يستلزمُ انقلابَ العلمِ جهلاً، وهذا الانقلابُ محالٌ، والمفضي إلى
: المحالِ محالٌ(*): فكانَ هذا التكليفُ تكليفاً بالمحالِ .
وثانيها :
أَّهُ إِمَّا أن يكلِّفَهُ - حالَ استواءِ الدواعي (٣) إلى الفعل والتركِ، أو حالَ
رجحانِ أحدِهما(*) على الآخرِ:
والأوّلُ محالٌ؛ لأنّ الاستواءَ ما دام يكونُ حاصلاً - امتنعَ الرجحانُ، فالأمرُ
بالترجيح - حالَ حصولِ الاستواءِ - أمرٌ بالجمعِ بينَ الضدَّينِ.
والثاني محالٌ؛ لأنَّ - حالَ الترجيحِ - يكونُ الراجحُ واجبَ الوقوعِ ،
والمرجوحُ ممتنعَ الوقوع ، فحالَ الرجحانِ إن كانَ مأموراً بترجيحِ المرجوحِ :
كانَ مأموراً بالجمعِ بينَ الضدّيْنِ.
وإِن كانَ مأموراً بترجيحِ الراجح - كانَ مأموراً بإيقاع الواقع : وكلُّ(٤) ذلكَ
تكلیف بما لا يطاقُ.
وثالثها :
القدرةُ إذا حصلتْ - في العبدِ - فإمّا أنْ يُؤْمَرَ(٥) بإيقاعِ الفعلِ في ذلك
الزمانِ، أو في الزمانِ الثاني .
والأوّلُ محالٌ؛ لأنّهُ إذا وجدَ المقدورُ في ذلك الزمانِ-قلو أمر الله-تعالى-
(١) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((أحدها)).
(٢) لم ترد الزيادة في ل، ى، آ، ح، جـ، ص.
(*) آخر الورقة (١٢٥) من جـ.
(*) آخر الورقة (٤١) من ص.
(٣) لفظ ى: ((الداعي.
(٤) أبدلت الواو في غيرح بالفاء.
(*) آخر الورقة (١١٧) من ل.
(٥) لفظ ى: ((تؤثر)).
- ١٨٧ -

العبدَ بإيقاعِهِ - في ذلكَ الزمانِ - كانَ هذا أمراً بإيجادِ الموجودِ، وأنَّه(١) محالٌ.
والثاني [أيضاً(٢)] محالٌ(*)؛ لأنّهُ - في الزمانِ الأوَّلِ - لَمَّا لم يكنْ متمكِّناً من
الفعلِ - ألبتَّةً - كان أمرُهُ بالفعلِ أمراً لمن لا يقدرُ.
فإن قلت: إنَّهُ ما أمر [٥(٣)] - في الحالِ ۔ بإيقاع الفعل - في الحالِ -
حتى يلزم ما قلته، بل أمره - في الحالِ ۔ بأن یوقعہ - في الزمانِ الثاني.
قلتُ: هل لقولِكَ: ((يوقعُهُ)) مفهومٌ زائدٌ على الفعل أم لا؟
فإن لم يكنْ له مفهومٌ زائدٌ - لم يكن لقولِكَ: ((إنّه أمر [٥(٤)] في الحالِ
بإيقاع الفعلِ في الزمان الثاني)) [معنى(٥)] إلّ أنَّهُ أَعلَمَ - في الحالِ (٥) - بأنّه
لا بدََّ) وأن يكونَ - في الزمانِ(٦) - بحيثُ يصدرُ عنهُ الفعلُ، ففي هذا الزمانِ لم
يحصلْ إلّ الإِعلامُ، فأمّا الإِلزامُ فلا يحصلُ إلّ في الزمانِ الثاني، فيعودُ الأمرُ
إلى أنَّه أمرَ [٥(٧)] بإيقاعِ الفعلِ - حالَ وقوعِهِ فيه.
وإن كانَ لقولِكَ: ((يوقعُهُ)) (٨) مفهومٌ زائدٌ على مفهومِ الفعلِ - فذلكَ الزائدُ
هل حصلَ - في الزمَانِ الأوَّلِ ، أو ما حصلَ.
فإن حصلَ ۔ في الزمانِ الأوّل ، وقد أمر في الزمانِ الأوَّل به: فحينئذٍ يلزمُ
كونُّهُ مأموراً بالشيءٍ - حالَ (٩) حصوله.
وإن لم يحصلْ - في الزمانِ الأوَّلِ - بل في الزمانِ الثاني: عادَ: ما
(١) لفظ ى: ((وهو).
(٢) لم ترد الزيادة في ح.
(*) آخر الورقة (١٢٤) من ح.
(٤) هذه الزیادة من ی ..
(*) آخر الورقة (١١٧) من آ.
(٧) هذا الضمير من زيادات ى.
(٩) لفظ ی: ((حین)).
(٣) انفردت ى بهذه الزيادة.
(٥) انفردت ح بهذه الزيادة .
(*) آخر الورقة (١٥٦) من س.
(٦) أي: الحالي أو الأول على سبيل المقابلة بالثاني.
(٨) لفظ ل: ((بوقوع)).
(١٠) لفظ ى: «فيعود)).
- ١٨٨ -
-. ..

ذكرنا(١): من أنَّ الحاصلَ - في الزمانِ الأوَّل - إعلامُ، لا إلزامٌ (٢)، والإِلزامُ لا
يحصلُ إلا في الزمانِ الثاني، فيعودُ ما ذكرنا: من أنَّهُ أُمَرَ بالفعلِ حالَ وقوعِهِ .
ورابعها:
أنَّ الله - تعالى - قالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرَتَهُم أَمْ لَم
تُنذِرْهُم لَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، فأولئك الذين أخبرَ الله عنهم بهذا الخبر - كانوا مأمورينَ
بالإِيمانِ، ومن الإِيمان تصديقُ اللهِ - تعالى - في كلُّ ما أخبر(٤) عنه:
فإذن: كانوا مأمورينَ بأنْ يصدِّقوا الله - تعالى - في إخبارهِ عنهم
[بـ (٥)] نأَنَّهم لا يؤمنونَ _ ألبتَّةَ - وذلكَ تكليفُ ما لا يطاق.
وخامسها:
ما بيّنّا -: أنَّ فعلَ لا يحصلُ إلَّا إذا خلَقَ اللهُ فيهِ داعيةً تُلجِثُهُ إلى فعله إلجاءاً
ضرورياً، فالكافرُ إذن: مُلَجَأَ إلى فعل الكفرِ، فإذا كلِّفَ بالإِيمانِ: كان ذلك
تكليفَ ما لا يطاقُ.
وسادسها:
أنّ الله - تعالى - أمرَ بمعرفتِهِ، وذلكَ تكليفُ ما لا يطاقُ: لأنَّ الأمرَ إِمَّا أن
يتوجَّهَ على العبدِ - حال كونِهِ عارفاً باللهِ - تعالى - أولا في هذهِ الحالةِ.
فإن كانَ الأوَّلَ - كانَ العارفُ مأموراً بتحصيلِ المعرفةِ؛ فيكونُ ذلكَ أمراً
بتحصيلِ الحاصلِ ؛ وهو محالٌ.
وإن كان الثاني - فحالَ كونِهِ غيرَ عارفٍ باللهِ - تعالى - استحال أن يكونَ
عارفاً بأمر اللهِ - تعالى - فحالَ كونِهِ بحيثُ يستحيلُ عليهِ أنْ يعرفَ أمرَ اللهِ -
--
(١) في آ: «ذكرناه)).
(٢) كذا في خ، وهو المناسب. وفي غيرها: ((الإِلزام)).
(٣) الآية (٦) من سورة البقرة.
(٤) زاد في ح لفظ الجلالة .
(٥) هذه الزيادة من ح، آ.
- ١٨٩ -

تعالى - لمَّا توجَّه عليه(١) الأمر: كان ذلكَ تكليفاً بما لا يطاقُ.
وسابعها :
أَنَّا أَمِرْنَا بالتركِ، والأمرُ بالترِكِ أمرٌ بما لا قدرة لنا عليهِ، لأنّا إذا تركْنا الفعلَ -
فلا معنىَ لهذا الترك إلّ أنَّهُ بَقِيَ معدوماً [كما كان(٢)] والعدُ المستمرُّ لا قدرةً.
لنا عليه .
وبيانه(*) من وجهين:
الأول(٣):
أنّ العدمَ نفيُ محضّ، والقدرةُ مؤثرَّةٌ: فالجمعُ بينهما متناقضٌ.
وثانيهما(٤):
أنّ العدمَ لمّا كانَ مستمراً - لا(٥) يمكنُ التأثيرُ فيه، لأنَّ التأثيرَ في الباقي.
محالٌ.
فإن قلتَ: التركُ - عندي - أمرٌ وجوديّ، وهو: فعلُ الضدِّ (٦).
قلتُ: الإِلزامُ - ها هنا - قائمٌ؛ لأنَّ الواحدَ - منّا - قد يؤمرُ بتركِ الشيءِ ـ
الذي لا يعرفُ له ضدّاً، فلو أمرْنا - في ذلك الوقتِ - بفعلٍ ضدِّه لكُنَّا قد أمِرْنَا
بفعلِ شيءٍ لا نعرف ماهيّتَه، فيكونُ ذلك (٧) - أيضاً - قولاً بتكليفِ ما لا يطاقُ.
فثبتَ بهذهِ الوجوه - السبعةِ - وقوعُ تكليفٍ ما لا يطاقُ؛ ولا شكَّ أنَّ ذلكَ
يقدحُ في تعليلِ أفعالِ اللهِ - تعالى - وأحكامِهِ بمصالح العبادِ.
(١) عبارة ح: ((الأمر عليه)).
(٢) انفردت بهذه الزيادة ح.
(*) آخر الورقة (١٢٦) من جـ.
(٣) كذا في ح، ى، ولفظ غيرهما: ((أحدهما)).
(٤) لفظ ى: ((والثاني)).
(٥) لفظ ى: ((لم)).
(٦) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((ضده)).
(٧) زاد في ى: ((الفعل)».
:
- ١٩٠ -

الدليلُ الرابعُ:
:
أن تخصيصَ خلقِ العالمِ بالوقتِ(١) - الَّذِي(*) خُلِقَ(٢) فيه، دونَ ما قبلَه،
وما بعدَه - يستحيلُ أن يكون معلّلاً بغرض (٣): لأنَّ قبلَ حدوثِ العالمِ لا وقت
ولا زمان، بل ليسَ إلّ الله - تعالى - والعدمُ الصرفُ، [و(٤)] يستحيلُ أن يحصلَ
في العدمِ الصرفِ (٥) - وقتَ يكونُ منشأَ المصالح ، ووقتٌ آخر يكونُ منشأً
المفاسدِ.
الدليلُ الخامس :
أنَّ تقديرَ السماواتٍ(*) والكواكب المعيِّنةِ، وتقديرَ البحارِ والأرضين(٦)
بمقاديرها المعيَّنةِ - لا يجوزُ أنْ يكونَ رَعايةٌ لغرضِ الخلقِ، فإنَّا نعلمُ أنّه لو
ازداد (٧) في خلقِ الفلكِ(*) الأعظمِ مقدارُ جزءٍ لا يتجزّأ - فإنّه [لا(٨) يتغيّر (٩)
بذلكَ - ألْبتَّةَ - شيءٌ من مصالحِ المكلّفين، ولا من مفاسدِهِم.
الدليلُ السادس:
أَنَّهُ تعالى خلقَ الكافرَ الفقيرَ - بحيثُ يكونُ في الدنيا من أوّل عمرِهِ إلى
آخِرِ( ١٠) عمره في المحنة، وفي الآخرةِ يكونُ في أشدُّ العذاب - أبد الآبدين ودهرَ
الداهرينَ، وأنَّه تعالى كانَ عالماً - من الأزلِ إلى الأبدِ - [أنَّهُ ] إذا(*) خلَقَهُ
وكلَّفَهُ بالإِيمانَ - فإنّ لا يستفيد (١٢) من الخلق والتكليفِ إلا زيادةَ المحنةِ والبلاءِ،
(١) كذا في ى، وهو المناسب. ولفظ غيرها: ((بالحين)).
(*) آخر الورقة (١٢٠) من ل.
(٢) لفظ ى: ((خلقه)).
(٤) لم ترد الواو في آ، ی.
(*) آخر الورقة (١٥٧) من س.
(٧) لفظ ى، آ: ((أزال))، وهو تصحيف.
(٨) سقطت الزيادة من ی.
(١٠) لفظ ى: «آخره)).
(*) آخر الورقة (٧٨) من ی.
(٣) عبارة ل: ((فعله لغرض)).
(٥) زاد في ى: ((ليقال)).
(٦) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((والأرض)).
(*) آخر الورقة (١٢٥) من ح.
(٩) في ل: ((يعتبر)).
(١١) هذه الزيادة من ى.
(١٢) لفظ آ، ى: ((يستزيد)).
- ١٩١ -

فكيف يقالُ: إِنَّهُ تعالى لا(١) يفعلُ إلّ ما يكونُ مصلحةً للمكلُّفِ؟!
الدليلُ السابعُ :
أنَّهُ تعالى خلقَ الخلق وركْبَ فيهم الشهوةَ والغضب(*) - حتى إنَّ بعضهم
يقتلُ بعضاً، وبعضهم يفجرُ ببعضٍ ، ولقدَ كانَ تعالى قادراً [على(٢)] أن يخلقنا
في الجنّةِ - إبتداءً، ويغنينا بالمشتهياتِ الحسنةِ عن القبيحةِ.
فإن قلتَ: إِنَّهُ تعالى إنَّما فعلَ ذلكَ ليعطيَه العوضَ - في الآخرة، و[لـ (٣)]
يكون لطفاً لمكلّفٍ آخرَ.
قلت: أمَّ العوضُ - فلو أعطاهُ ابتداءً: كانَ أولى .
وأمَّا اللُّطفُ - فأيُّ عاقلٍ يرضى بأن يقال: إنّما حسن(٤) إيلامُ هذا الحيوانِ
ليكونَ لطفاً(*) بذلكَ الحيوان؟!
الدليلُ الثامن:
[دلتٌ(٦)] الوجوهُ المذكورةُ في أوّلِ هذا القسم - على أنَّه يستحيلُ أنْ يكونَ
شيءٌ من أفعالِهِ وأحكامِهِ - معلّلاً بالمصالح: فظهرَ بَهذهِ الوجوهِ -: أنَّهُ ليسَ
الغالبُ في أفعالِ اللهِ - تعالى - رعاية مصالح الخلقِ.
وإذا كانَ كذلكَ: لم يغلب على الظنِّ أنَّ أحكامَهُ معلَّلةٌ بمصالحِ الخلقِ؛
فإنَّا إذا رأَيْنًا شخصاً يكونُ أغلبُ أفعالِهِ - [رعاية المصالحِ، ثمّ رأيناهُ حكمَ
بحكمٍ : غلبَ على ظنِّنَا - اشتمالُ ذلكَ الحكمِ على مصلحةٍ.
أمّا إذا رأينا شخصاً يكونُ أغلبُ أفعالِهِ(٧)] - عدمَ الالتفاتِ إلى المصالحِ،
(١) كذا في ح، آ، وهو المناسب. وفي غيرهما: ((ما)).
(*) آخر الورقة (١١٨) من آ.
(٢) لم ترد في ح.
(٣) هذه الزيادة من ح، آ، ى.
(٤) لفظ آ: ((جرى)).
(٥) في ح: ((لذلك)).
(٦) كذا في ح، آ، ولم ترد في غيرهما. وفي ى وردت لفظة ((من).
(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، آ، ى.
- ١٩٢ -

ثم رأيناه حكمَ بحكمٍ - فأنه لا يغلبُ على ظنِّنَا اشتمالُ ذلكَ الحكمِ على
مصلحةٍ - ألْبتَّةً. هذا في حقِّ الانسانِ - الذي يكونُ محتاجاً إلى رعايةٍ
المصلحة .
أمّا الإِلهُ - سبحانه وتعالى - لمّا كانَ منزّهاً عن المصالح والمفاسدِ - بالكليّةِ
- ثمّ رأينا أنَّ الغالبَ في أفعالِهِ - ما لا يكونُ مصلحةً للخلقِ - كيفَ يغلبُ على
الظنِّ كونُ أفعالِهِ وأحكامِهِ معلّلَةٌ بالمصالحِ ؟!
سلّمنا: أنّ أحكامَهُ - تعالى - معلِّلةً بالمصالحِ ، وأنَّ هذا الفعلَ مصلحةٌ -
من هذا الوجهِ - فِلِمَ قلت(١): إنَّ هذا القدْرَ يقتضي ظن كونِ ذلك الفعلِ معلّلاً
بهذه المصلحة؟
أمّا الوجهُ الأوّل - فالاعتمادُ فيهِ على أنَّ((الاستصحابَ)» يفيدُ الظنّ.
[ وأمَّا الوجهُ الثاني - فالاعتمادُ فيهِ على أنَّ((الدورانَ)) يُفيدُ الظن(٢)]. والكلام في
هذين الموضعين سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثمّ نقولُ على الوجِهِ(*) الثاني - خاصَّةٌ -: لِمَ قلتَ(١): لمَّا(٣) حصلَ الظُّ -
في المثالِ المذكورِ - وجبَ حصولُهُ في حقِّ اللهِ تعالى؟!
قوله: ((الدورانُ يفيدُ الظنّ)).
قلنا(٤): لكن بشرطِ أن لا يظهرَ وصفٌ آخرُ - في الأصل - وها هنا قد وجدَ،
وبیانُه من وجهين:
الأوّلُ:
أنَّا إِنَّما حكمنَا بذلكَ في حقِّ الملكِ، لعلمِنَا بأنَّ طبعَه يميل إلى جلب(٥)
(١) لفظ ى: ((قلتم)) في الموضعين.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من ی.
(*) آخرِ الورقة (١٢٧) من جـ.
(٣) كذا في ح، جـ، آ، ل، ولفظ س، ى، ص: ((إذا).
(٤) كذا في ح، آ، ى، وفي غيرها: ((قلت)).
(٥) كذا في ح، ى، وفي غيرهما: ((جانب)).
- ١٩٣ -

المصالحِ ودفع المفاسدِ، وذلكَ في حقِّ اللهِ - تعالى - مفقودٌ.
الثانى :
أنّ المعتبرَ ليسَ دفعَ(١) عمومِ الحاجةِ، بل(*) دفعَ الحاجةِ .-
المخصوصةِ : فمن عرفَ عادةً الملكِ، وأَنَّه يراعي [عادة(٢)] هذا النوعَ أو ذاك.
- لا جرمَ يحصلُ له ظنُّ أنَّ غرضَ الملكِ من هذا الفعلِ - هذا المعنى، أو ذاك.
[و(٣)] أمَّا عاداتُ اللهِ - تعالى - في رعايةِ أجناسِ المصالحِ وأنواعها -
[فـ (٤)] مختلفةً. ولذلكَ قد يكونَ الشيء قبيحاً في عقولنا - وإن كانَ حسناً عند
اللهِ - تعالى - وقد يكونُ بالعكسِ ؛ ولهذا [المعنى (٥)] نقطعُ الآنَ - بقبحٍ جمیعٍ
الشرائعِ الواردة في زمانٍ موسى وعيسى - عليهما السلام - وبحسن شريعتنا، وإن
كانَ التفاوتُ [فيهِ(٦)] غِيرَ معلومٍ لنا الآنَ.
وإذا كان كذلك: ظهرَ الفرقُ بين الصورتين.
سلّمنا: أن(*) ما ذكرتموه - يدلُّ على قولكم(٧)، لكنَّهُ معارضٌ بأمورٍ:
أحدها:
أنَّ أفعالَ اللهِ - تعالى - وأحكامَه لو كانت لدفع حاجة العبد - لكانت
الحاجاتُ - بأسرهَا - مدفوعةٌ، واللازمُ باطلٌ: فالملزومُ مثله(٨).
بيانُ الملازمةِ(*): أنَّ الحاجاتِ المختلفةَ - مشتركةٌ في أصلٍ كونها
حاجاتٍ، ومتباينةٌ بخصوصياتها؛ وما بهِ الاشتراكُ غيرُ ما بهِ الامتيازُ، فما بِهِ يمتازُ
(١) زاد في ى: ((مطلق)).
(*) آخر الورقة (١٥٨) من س.
(٢) هذه الزيادة من ى ..
(٣) انفردت بزيادة الواوح.
(٤) سقطت الفاء الواقعة في جواب أمّا من ل، ى.
(٥) هذه الزيادة من ح.
(٦) لم ترد في ی.
(*) آخر الورقة (١٢١) من ل.
(٨) في ل، آ، ى: ((باطل)).
(٧) لفظ آ: ((ذلك)).
(*) آخر الورقة (١٢٦) من ح.
- ١٩٤ -

كلّ واحدٍ - من أنواع الحاجةِ عن (١) الآخر [منها(٢)] - لا يكونُ حاجة (٣).
:
وإذا كانَ كذلكَ: كانَ التعليلُ بكونِهِ حاجةٌ - يوجبُ سقوط تلكَ الزوائدِ عن
العلّيَّةِ، وارتباطَ (٤) الحكمِ بمسمّى الحاجةِ - الّذي هو القدرُ المشتركُ بين كلِّ
أنواعِهِ(٥) - فإذا كانَ ذلك المسمَّى علَّةً لشرع ما يصلحُ أنْ يكونَ دافعاً له: لزمَ
من هذا كونُ جميعِ الحاجاتَ مدفوعةً، ولمّا لَم يكنْ كذلكَ: علمنا أنَّ التعليلَ
بالحاجة غير جائزٍ.
وثانيها:
أنَّ تعليلَ أحكامِ اللهِ - تعالى - بالمصالحِ يفضيِ إلى مخالفةِ الأصلِ ،
وذلك لأنَّ العباداتِ - الَّتي كانتْ مشروعةً في زمانٍ موسى وعيسى - عليهما
السلام - كانتْ واجبةٌ وحسنةً - في تلك الأزمنةِ - وصارتْ قبيحةٌ - في هذا الزمانِ
فلا بدّ وأن يكونَ ذلكَ لأنّه حصلَ شرطٌ في ذلك الزمانِ - لم (٦) يحصل الآنّ، أو
وُجِدَ [الآن(٧)] - مانعٌ ما كانَ موجوداً - في ذلك الزمانِ - لكنَّ(٥) توقُّفَ (٨)
المقتضي على وجود الشرط، أو تخلَّفَ حكمِهِ لأجلِ المانعِ خلافُ الأصلِ .
وثالثُها:
أنَّ الحكمَ إما أنْ يكونَ معلّلاً بنفسِ الحكمةِ، أو بالوصفِ المشتمل على
الحكمة.
والأوّلُ باطلً؛
لأنَّ الحكمةَ(٩) غير مضبوطةٍ - فلا يجوزُ ربطُ الأحكامِ بها.
(١) في غيرح زيادة: ((النوع)).
(٢) لم ترد الزيادة في ى.
(٣) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((خاصة)).
(٤) عبارة ى: ((وأن يناط)).
(٥) كذا في ح. وفي غيرها: ((أنواعه)).
(٦) زاد في ی: ((و)).
(٧) لم ترد الزيادة في ح.
(٨) كذا في ص، ح، ولفظ غيرهما: ((توقيف)).
(*) آخر الورقة (١١٩) من آ.
(٩) لفظ ح: ((الحکم))، وهو تصحيف.
- ١٩٥ -

والثاني باطلٌ؛
لأنَّ الوصفَ إِنَّما يكونُ علَّةً للحكم - لاشتمالِهِ على تلك الحكمةِ، فيعودُ
الأمرُ إلى كونِ الحكمةِ علَّةً لعليَّةِ الوصفِ: فيعودُ المحذورُ المذكورُ.
[و(١)] الجواب:
قد بيَّنَا: أنَّ أحكامَ اللهِ - تعالى - مشروعةٌ لأجلِ المصالحِ
فأمَّا الوجوهُ العقليّةِ - التي ذكرتموها - فهي لو صِّحت لقدحَتْ في التكليفِ
والكلامُ في القياس : نفياً وإثباتاً - فرعٌ على القولِ بالتكليفِ: فكانت تلك
الوجوهُ غيرَ مسموعةٍ في هذا المقامِ .
وهذا هو الجواب المعتمد الكافي : - في هذا المقامِ - عن كلِّ ما
ذكرتموه(٢) .
وأمّا الفرقان اللذانِ ذكرتموهما (٣) - بينَ الشاهدِ والغائب - فذلك إنَّما يقدحُ
في قولٍ من يقولُ: يجبُ - عقلاً - تعليلُ أحكامِ اللهِ - تعالى - بالمصالح:
أمَّا من يقولُ: إنَّ ذلك غيرُ واجب، ولكنّه - تعالى - فعلَهُ - على هذا الوجهِ
- تفضّلاً وإحساناً - فذلك الفرقُ لا يقدَحُ في قولِهِ(٤).
وأمّا المعارضاتُ الثلاثُ الأخيرةُ - فهي منقوضةٌ بكونٍ أفعالنا(٥) معلّلة
بالدواعي والأغراض (٦)، معَ أنَّ (*) جميعَ ما ذكروه قائمٌ فيها(٧).
(١) هذه الواو من جـ، آ، ى.
(٢) في آ، ى: ((ذكرتم)).
(٣) في غير ل: ((ذكروهما)).
(٤) لفظ ى: ((قواعده)).
(*) آخر الورقة (١٢٨) من جـ.
(٥) لفظ آ: ((أفعاله)).
(٦) في جـ، ی، زیادة: (ف)).
١
(٥) آخر الورقة (١٥٩) من س.
(٧) غفر الله - تعالى - لنا وللإمام المصّنف فلقد أطال وأطنب في أمر كان له عن الإطناب
فيه مندوحة. فبقطع النظر عن أقوال الأشاعرة أو الماتريديّة أو المعتزلة أو غيرهم في التعليل -
فإن الله سبحانه وتعالى قد علّل الكثير من أحكامه صريحاً وإيماءاً وتنبيهاً، وعلّل رسوله عليه
الصلاة والسلام وعلّل أصحاب رسوله من بعده وكذلك فعل المجتهدون . ولا يسع إنساناً أن -
- ١٩٦ -

= يقول بالقياس ثم ينفي التعليل حقيقة أو صورة.
إن الله سبحانه قد علَّل إيجاده العباد فقال: ﴿وَمَا خلقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لَيَعْبُدُونِ﴾
(٥٦/٥١) وعلّل إرسال الرسل بقوله جل شأنه: ﴿رَسُّلاً مِبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لَثَلَّ يَكُونَ للنَّاسِ
عَلَى آلِهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤ /١٦٥) وعلَّل تشريع القصاص بقوله: ﴿مِنْ أَجلِ ذلِكَ كَتَبْنَاً
عَلَى بَنِي إِسرْءِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَأْ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جمِيعاً﴾
-- -
(٣٢/٥) وعلّل أمره لرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالزواج من زينب بقوله: ﴿لكّيْ لَا
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرِجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدعيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرأْ﴾ (٣٧/٣٣) وغير ذلك
كثير جداً. ومن تعليلات الأحكام في السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت قد نهيتكم عن
لحوم الأضاحي من أجل الدافَّة فكلوا وادّخروا». حديث صحيح رواه الترمذي.
وقوله: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنّها تذكر الآخرة)). حديث
صحيح .
وقوله: ((لولا أن أشق على أُمّتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)). صحيح متفق عليه .
وقوله: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم
فإنّه لو وجاء)). حديث صحيح أخرجه البخاري.
وقد علل الصحابة، وأثبتوا الأحكام بناء على عللها منصوصة كانت أو مستنيطة فعلّلوا
بالمصلحة والضرورة والحاجة، ودفع الضرر، وأثبتوا بذلك أحكاماً لم تكن،. وأوقفوا بناء
على ذلك العمل ببعض ما كان معمولاً به لعلة ثم زالت علته، وكانوا في كل ذلك يتفقون
أحياناً، ويختلفون أحياناً والأمثلة على ذلك تجل عن الحصر منها: إيقافهم ما كان يعطى
للمؤلفة قلوبهم؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأغناه. ومنها: جمع سيدنا عمر الناس على أبي
بن كعب في قيام رمضان بعد أن امتنع عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((لئلا يفرض
عليهم)). ومنها نهي عمر لحذيفة عن الزواج بيهوديّة من المدائن وعزمه عليه لتطليقها، وحين
حاجَّه حذيفة وقال: ((أحرام يا أمير المؤمنين))؟! قال: ((لا، ولكني أعزم عليك أن لا تضع
كتابي هذا حتى تخلي سبيلها فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة
لجمالهنّ، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين)). ومنها موقفهم من قسمة ((أرض السواد)) ومن
الطلاق الثلاث وتحديد حدّ شرب الخمر بثمانين، وإيقاف عمر - رضي الله عنه - حدَّ السرقة
في عام الرمادة وكل ذلك كان بناء على علل ذكروها.
وقد سلك التابعون وتابعوهم هذا المسلك أيضاً - فالقول بأنّ نفي التعليل إنَّما هو تنزيه =
- ١٩٧ -

= لله - تعالى - لأن القول به يعني: أنّه تعالى مستكمل بالغرض - قولٌ لا ينبغي خطوره على:
الذهن ولا تقليبه على الألسنة فضلاً عن وضعه على السطور؛ ذلك لأن من البديهيّ أنّ
المستكمل بالغرض أو العلة إنّما هو العبد لا خالقه الغنيّ تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
هذا: وقد تأثرت مذاهب الأصوليين في ((التعليل)، بمذاهبهم ((الكلامية)): فالذين ساغ
في مذاهبهم الکلاميّة تعلیل أفعال الله - تعالی - وأحكامه، ولم يروا في ذلك ما ینافي التوحيد
أو يخدشه كان للتعليل في نظرهم مفهوم ينسجم مع هذا المذهب.
والذين رأوا أن القول بالتعليل - هو نفسه القول ((بالغرض»، وأنّه ينافي التوحيد وقفوا من
التعليل ومن حقيقته موقفاً آخر يتفق مع مذهبهم هذا. وقد علمت أن المذهب المختار لجميع
القياسيّن ولجماهير علماء الأمة هو ما قدمناه. والله أعلم.
- ١٩٨ .

الفصل الرابع
في المؤثّر
وهو أنْ يكونَ الوصفُ مؤثِراً في جنسِ الحكم - في الأصولِ - دونَ وصفٍ
آخر(١): فيكونُ أولى بأنْ يكونَ علَّةً من الوصفِ - الَّذي لا يؤثِّرُ في جنسٍ ذلكَ
الحكم (٥)، ولا في عينِهِ، وذلكَ كالبلوغ: الَّذِي يُؤْثِّر فِي رفعِ الحجْرِ عن المالِ
فيؤثّر في رفع الحجر عن النكاح(٢) دون الثيابة(٣)، لأنّها لا تؤثّر في جنسٍ هذا
الحكمِ - وهو رفعُ الحجرِ.
وكقولهِم: إذا قدِّم الأخ من الأبِ والأمّ [على الأخ من الأب(٤)] في الميراثِ
فينبغي أنْ يقدَّمَ عليهِ في ولايةِ النكاحِ .
فإن قلت(٥): لم قلت(٦): لمّا أَثَّرَتِ الأخوَّةُ من الأبِ والأمِ - في التقديم.
(١) ويؤخذ من كلام ابن الحاجب بأنه: ((ما نص الشارع على كونه علّة، أو أجمع
العلماء عليه)). انظر (٣٤٣/٢)، وشرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاح: (٤٥/٣)، وعرفه
الغزالي: ((بأنه ما ظهر اعتبار عينه في عين الحكم المنظور فيه)) انظر شفاء الغليل: (١٥٨)،
وراجع المستصفى: (٢٩٧/٢)، وإحكام الأحكام: (٢٨٢/٣)، والحاصل (٨٢١).
(*) آخر الورقة (٧٩) من ی.
(٢) كذا في ح، ى، وهو الصواب ولفظ غيرهما: ((البكارة)).
(٣) في ح، آ: ((والثيوبة)).
(٤) ساقط من س.
(٦) كذا في ح، آ، وفي غيرهما: ((قلت)).
(٥) في آ: ((قيل.
- ١٩٩ -

في الإِرثِ - أثرّتْ [في(١)] التقديمِ في النكاحِ .
قلتُ: ذكَرُوا: أنَّه يتبيَّنُ ذلكَ بـ((المناسبةِ))، و[بـ(٢)] أنْ يقالَ: لا فارقَ بین
الأصلِ والفرع إلّ كذا(٣)، وهو (٤) ملغيِّ.
وعند هذا - يظهرُ أنَّ هذه الطريقةَ لا تمشي (٥) إلّ بعدَ الرجوعِ إلى طريقٍ
(المناسبةِ))، وطريقٍ ((السّبْرِ(٦)).
(١) سقطت الزيادة من ى.
(٢) هذه الزيادة من ح، آ.
(٣) زاد في أ، ى: ((وكذا)).
(٤) لفظ ى: ((وإنه)).
(٥) في ى: ((تنشأ)).
(٦) لفظ ى: ((السبق))، وهو تصحيف.
- ٢٠٠ -