Indexed OCR Text
Pages 161-180
مجرى التحسيناتِ(١) - وهي تقريرُ الناسِ على مكارم الأخلاقِ، ومحاسن الشيم (*). وهذا على قسمين : منه ما يقعُ لا على (*) معارضةٍ قاعدةٍ معتبرةٍ، وذلك كتحريمِ تناولٍ القاذوراتِ، وسلب أهليَّةِ الشهادةِ عن الرقيقِ لأجلِ أنَّها منصبٌ شريفٌ(٢)، والرقيقُ نازلُ القدرِ، والجمع(٣) بينهما غيرُ متلائم. ومنه ما يقعُ على معارضةِ قاعدةٍ معتبرةٍ - وهو مثلُ ((الكتابة)) فإِنَّها - وإن كانت مستحسنةً - في العاداتِ - إلا أنَّها - في الحقيقةِ - بيعُ الرجلِ مالهُ بمالِهِ، وذلكَ غير معقولٍ. وأمّا الّذي يكونُ(*) مناسباً لمصلحةٍ تتعلَّقُ بالآخرةِ - فهي الحكم (٤) المذكورة في رياضةِ النفسِ ، وتهذيب الأخلاق - فإنَّ منفعتها في سعادة الآخرة. فرع(٥): (٦) إنّ كل واحدةٍ من هذه المراتبِ - قد يقعُ فيهِ ما يظهرُ كونُّهُ من ذلكَ القسم. وقد يقعُ فيه ما لا يظهرُ(*) كونُهُ منهُ، بل يختلفُ ذلكَ - بحسب اختلافِ الظنونِ . وقد استقصى إمامُ الحرمين - رحمه الله - في أمثلةِ هذه الأقسام. (١) لفظ آ (المحسنات)). (*) آخر الورقة (١١٢) من ل. (*) آخر الورقة (١١٧) من ح. (٣) في غيرح أبدلت الفاء بواو. (٢) في آ زيادة: ((معتبرا. (*) آخر الورقة (١٤٧) من س. (٤) عبارة ل: (وهو الحكم المذكوره، وفي آنحو ما أثبتنا غير أنه أبدل الفاء واواً. (٥) في آ، ل، ى: ((فرعان))، وهو وهم وزاد في آ - بعدها - ((الأول)). (٦) زاد في ل، ی: ((وهو)). (*) آخر الورقة (١١٠) من أ. - ١٦١ - ونحن نكتفي بواحدٍ منها - قال رحمه الله ـ: قد ذكرْنا أنَّ حفظَ النفوس. بشرعِ القصاصِ - من بابِ المناسبِ الضروريِّ. وممّا نعلمُ - قطعاً - أنَّه من هذا البابِ - شرعُ القصاصِ في المثقَّل، فإِنَّا. كما نعلمُ أَنَّهُ لولا شرعُ القصاصِ - في الجملةِ - لوقعَ الهرجُ والمرجُ: فكذلك نعلمُ أَنَّهُ لوتركَ - في المثقّلِ - لوقعَ الهرجُ، ولأدَّى (*) الأمرُ إلى أنَّ كلٍّ من أراد(١). قتلَ إنسانٍ - فإنَّهُ يعدلُ عن المحدَّدِ إلى المثقَّلِ : دفعاً للقصاصِ عن نفسهِ، .. إذ ليس - في المثقَّلِ - زيادةُ مؤنَةٍ ليست في المحدَّدِ، بل كانَ المثقَّلُ أسهل من المحدَّدِ ... )) وعند هذا قال - رحمه الله -: ((لا يجوزُ في كلُّ شرعٍ تراعى فيهِ مصالحُ الخلقِ - عدمُ وجوبِ القصاصِ بالمثقَّلِ)). قالَ - رحمه الله -: ((فأمّا (٢) إيجابُ قطعِ الأيدي باليد الواحدةِ - فإنَّهُ يحتملُ أنْ يكونَ من هذا الباب، لكنَّهُ لا يظهرُ كونُهُ منهُ. أمّا وجه الاحتمال - فلانًّا لولم نُوجبْ قطعَ الأيدي باليدِ الواحدةِ: لتأدّى(٣). الأمرُ إلى أنَّ كلَّ من أرادَ قطعَ يدِ انسانٍ - استعانَ بشريكٍ ليدفعَ القصاص عنهُ: فتبطلُ الحكمةُ المرعيَّةُ بشرعِ القصاصِ . وأمَّا أنَّهُ لا يظهرُ كونُهُ - من هذا الباب - فلأنَّهُ يحتاجُ فيهِ إلى الاستعانةِ بالغير، وقد لا يساعدُهُ الغيرُ عليهِ - فليسَ وجهُ الحاجةِ إلى شرع القصاص - [من(٤)] ها هنا - مثل وجه الحاجة إلى شرعه في المنفرد)). وأمَّا المناسب الإِقناعيّ - فهو: الّذي يظنُّ بِهِ في أوَّل الأمركونهُ مناسباً، لكنَّهُ إذا بحثَ عنهُ حقَّ البحثِ، يظهرُ أنَّهُ غيرُ مناسبٍ، مثالهُ: تعليلُ الشافعيَّةِ - تحريمَ بيعِ الخمرِ والميتةِ والعذرةِ بنجاستها، وقياسُ الكلبِ والسرجينِ(*) عليهِ. (*) آخر الورقة (١١٨) من ل. (٢) في آ: ((وأما). (١) لفظ ل، ى، جـ: ((يريد)). (٣) لفظ ى: ((لتعدى)). (٤) لم ترد الزيادة في س، آ، ل. (٥) كذا في ح، آ، ى، ولفظ ل، س، جـ، ص: ((السرقين)) و((السرقين)) أو = - ١٦٢ - ووجهُ المناسبةِ: أنَّ كونَهُ نجساً يناسبُ إِذلاله، ومقابلَتُهُ بالمالِ - في البيعِ - يناسبُ إعزازَهُ، والجمعُ - بينهما - متناقضٌ. وهذا - وإن كان يظن [به(١)] - في الظاهر - أنَّهُ مناسبٌ لكنَّ [ـه(٢)] في الحقيقة - ليسَ كذلكَ؛ لأنَّ كونَهُ نجساً معناه: أنَّهُ لا يجوزُ الصلاةُ معهُ، ولا مناسبةَ - ألبتَّةَ - بين المنعِ من استصحابِهِ(*) في الصلاةِ، وبينَ المنعِ منْ بيعِهِ . التقسيم (٣) الثاني : الوصفُ المناسبُ إمَّا أنْ يعلمَ أنَّ الشارعَ اعتبره، أو يعلمَ أنَّه ألغاهُ، أو لا يعلمَ واحدٌ منهما. أمّا القسم الأول - فهوَ على أقسامٍ أربعةٍ؛ لأنَّه إمّا أن يكونَ نوعُه معتبراً في نوعِ ذلك الحكم ، أو في جنسِهِ، أو يكونَ جنسهُ معتبراً في نوع ذلك الحكم أو في جنسهِ . مثال تأثيرِ النوع في النوع - أنَّه إذا ثبتَ أنَّ حقيقةَ السكر اقتضتْ حقيقةً = ((السرجين)»: الزبل كلمة أعجميّة، وأصلها: ((سركين)) بالكاف، فعرّبت الى الجيم والقاف. وعن الأصمعي قال: ((لا أدري كيف أقوله، وإنما أقول: ((روث))، وإنما كسر أوله لموافقة الأبنية العربيّة ولا يجوز الفتح لفقد ((فعلين)) بالفتح على أنّه قال في المحكم ((سرجين وسَرجين)) اهـ. انظر المصباح: (٣٧١/١). وأما عن حكم بيع ما ذكر المصنف - فقد أجمع الفقهاء على تحريم بيع الخمر والميتة، واختلفوا في بيع العذرة والسرجين . فذهب الشافعية والحنابلة إلى منعه مطلقاً، وذهب المالكية والحنفية إلى جواز بيع السرجين وتحريم بيع العذرة، ونقل عن أبي حنيفة جواز بيع العذرة جواز بيعهما مطلقاً. انظر البداية: (١٣٧/٢) ط الأزهرية والإفصاح: (٣١٨/٢) ط الرياض، ورحمة الأمة: (١٣٠) والمغني والشرح الكبير: (١٣/٤ و١٥ و٤١) والمهذّب: (٢٥٩/١) والبحر الرائق: (٢٢٦/٨). (١) لم ترد الزيادة في ى. (*) آخر الورقة (٣٩) من ص. (٢) هذه الزيادة من آ، ص. (٣) لفظ ل: ((القسم)). - ١٦٣ - التحريم : كانَ النبيذُ ملحقاً بالخمر، لأنَّهُ لا تفاوتَ بينَ العلْتين، وبين الحكمينِ إلّا اختلافُ المحلِّين، واختلافُ الَمحلُّ لا يقتضي ظاهراً - اختلافَ الحالين. مثالُ تأثيرِ النوع في الجنسِ : أنّ الأخوةَ من الأبِ والأم [نوع واحد(١)] يقتضي التقدُّمَ - في الميراثِ - فيقاسُ عليه التقدُّمُ(٢) - في النكاح؛ والأخوة من الأبِ والأمِ نوعٌ واحدٌ - في الموضعين - إلّ أنَّ ولاية النكاح ليست(٣) كولايةٍ الإِرثِ (*) لكن بينهما مجانسةٌ - في الحقيقةِ. ولا شك أنّ هذا التقسيمَ دون القسمِ الأوَّلِ - في الظهورِ - لأنَّ المفارقةَ بين المثلين - بحسب اختلافِ المحلّين - أقلّ من المفارقةِ بينَ نوعينِ مختلفین(*). مثال تأثير الجنس في النوع: إسقاطُ قضاء الصلاة عن الحائض : تعليلاً بالمشقّةِ، فإنَّهُ ظهرَ تأثيرُ [جنس (٤)](*) المشفّةِ(٥) - في إسقاط [قضاء (٥)] الصلاة، وذلك مثلُ تأثيرِ المشقّةِ - في السفرِ - في إسقاطِ قضاء الركعتين الساقطتين. مثال تأثير الجنس في الجنسِ - تعليلُ الأحكامِ بالحكمِ الّتي لا تشهدُ لها أصولٌ معيّنَةً: مثل أنَّ عليّاً - رضي الله عنه - ((أقام الشرب مقام القذف)): إقامةً لمظنّةِ الشيءِ مقامة: قياساً على إقامةِ الخلوةِ بالمرأةِ مقامَ وطئِها - في الحرمِة. ثمّ اعلم أنَّ للجنسيّةِ مراتبَ - فأعمُّ أوصافِ الأحكامِ كونُها حكماً، ثم ينقسمُ الحكمُ إلى تحريمٍ(٦) وإيجابٍ وندبٍ وكراهةٍ. والواجبُ ينقسمُ إلى عبادةٍ وغيرها (٧). (١) ساقط من ل، آ. (٣) في ل، آ، ((مثل ولاية). (*) آخر الورقة (١٤٨) من س. (٤) سقطت الزيادة من ى. (*) آخر الورقة (١١٨) من ح. (٦) زاد في ى ((وتحليل)). (٢) كذا في ل، ي، آ، ولفظ غيرها: ((التقديم)). (*) آخر الورقة (٧٣) من ى . (*) آخر الورقة (١١٣) من ل. (٥) لم ترد الزيادة في ح. (٧) عبارة ح: ((وغير عبادة)). - ١٦٤ - والعبادةُ تنقسمُ إلى الصلاةِ وغيرِها. والصلاةُ [تنقسم(١)] إلى فرضٍ ونفلٍ. فما ظهرَ تأثيرُهُ في ((الفرضِ)) - أخصُ ممّا ظهرَ تأثيرُهُ في الصلاةِ(*). وما ظهرَ تأثيرُهُ في الصلاةِ - أخصُّ ممَّا ظهرَ تأثيرُهُ في العبادةِ. وكذا في جانب «الوصفِ)): أعمُّ أوصافِهِ كونُهُ وصفاً تناطُ بهِ الأحكامُ(٢) - حتى تدخلَ فيهِ(*) الأوصافُ المناسبةُ، وغير المناسبةِ . وأخصّ منه؛ [(المناسبُ))، وأخصّ منه(٣)]: ((المناسبُ الضروريُّ)). وأخصُّ منه - ما هو كذلك في حفظِ النفوسِ . وبالجملةِ - فالأوصاف [إنّما (٤)] يلتفتُ إليها إذا ظُنَّ التفاتُ الشرعِ إليها، وكلُّ ما كانَ التفاتُ(٥) الشرع إليهِ - أكثرَ: كانَ ظنُّ كونِهِ معتبراً - أقوى. وكلَّما كان الوصفُ والحكمُ - أخصَّ: كانَ ظنُّ كونِ ذلكَ الوصفِ معتبراً - في حق ذلك [الحكم (٦)] آكدَ: فيكون - لا محالةَ - مقدَّماً على ما يكونُ أَعمَّ منه. وأمّا ((المناسبُ)) - الّذي علمَ أنَّ الشرعَ ألغاهُ - فهوَ غيرُ معتبرٍ أصلاً (٧). (١) لم ترد الزيادة في ى. (٥) آخر الورقة (١١١) من آ. (٢) لفظ ى: ((الحكم)). .(*) آخر الورقة (١١٩) من جـ. (٤) هذه الزيادة من آ. (٣) ساقط من ح. (٥) لفظ خ: ((التفاوت))، وهو تصحيف. (٦) زيادة مناسبة انفردت بها ى . (٧) ولذلك شدد العلماء النكير على الإِمام يحيى بن يحيى الأندلسي حين أفتى الملك عبد الرحمن بن الحكم الأموي في وقاعه لجاريته في نهار رمضان بأن لا كفارة له إلا صيام شهرين متتابعين؛ قال: لأن ذلك أدعى لزجره. انظر المستصفى: (١٨٥/١) ونهاية السول مع تعليقات الشيخ بخيت. (٩٣/٤ - ٩٤) والإِبهاج: (٤٤/٣). - ١٦٥ - [و(١)] أمّا ((المناسب)) - الذي لا يعلمُ أنَّ الشرعَ ألغاهُ، أو اعتبرهُ - فذلك يكونُ بحسب أوصافٍ أخصَّ من كونه وصفاً مصلحيّاً، وإلّا فعمومُ كونِهِ وصفاً مصلحيّاً - مشهودٌ له بالاعتبارِ. وهذا القسمُ - هو المسمَّى بـ«المصالحِ المرسلة». واعلم: أنَّ كلَّ واحدٍ - من هذه الأقسام الأربعة - مع كثرة مراتب العمومِ والخصوصِ - قد يقعُ فيهِ كلّ واحدٍ - من الأقسام الخمسة، المذكورة في التقسيم [الأولَ(٢)] ويحصلُ - هناك - أقسامُ كثيرةً جداً، وتقعُ - فيما بينها - المعارضاتُ والترجيحاتُ، ولا يمكنُ ضبطُ القولِ فيها لكثرتها والله - تعالى - هو العالمُ بحقائقها . التقسيم(٣) الثالث: الوصفُ باعتبارِ [الملاءمة (٤)]، [ووقوع الحكم - على وفق أحكامٍ أخر(٥)]، وشهادةِ الأصلِ : على أربعةِ أقسامٍ : الأول(٦): ملائمُ شهد(٧) له أصلٌ مِعيَّنٌ - وهو الّذي أثَّر نوعُ الوصفِ في نوع الحكم ، وأثَّر جنسهُ في جنسه؛ وهذا متفَّقُ على قبولهِ - بین القايسين - وهو: كقياس المثقُّلِ على الجارحِ في وجوب القصاص ، فخصوصُ كونِهِ قتلاً (٨) معتبرٌ في (١) هذه الزيادة من ى. (٢) هذه الزيادة من ح، آ، ى، ل. (٣) في ل، ى: ((القسم)). (٤) سقطت الزيادة من ح، وأسقط الواو بعدها. (٥) ساقط من ل، ی، جـ. (٦) كذا في ح، ى، وفي غيرهما: ((أحدها)). (٧) لفظ ل: ((يشهد)). (٨) كذا في ل، آ، جـ، ح، ولفظ ى: ((مثقلاً، وفي النسخ الأخرى: ((فعلاً)). وانظر البرهان الفقرة (٩٠٦) وما بعدها. - ١٦٦ - خصوصٍ كونِهِ قصاصاً، وعمومُ جنسِ الجنايةِ معتبرٌ في عموم جنسِ العقوبةِ . وثانيها : مناسبٌ لا يلائمُ، ولا يشهدُ له أصلٌ [معينٌ(١)] - فهذا مردودٌ [بالإجماع (٢)]. (٣) مثالُهُ: حرمانُ القاتلِ - من الميراثِ - معارضة لُهُ بنقيضٍ (*) قصدهِ لو قدَّرنا أنَّهُ لم یرِدْ فیهِ نصُ. وثالثها : : مناسبٌ ملائمٌ، لا يشهدُ له أصلّ معَيِّنَ بالاعتبارِ: يعني: [أنّه (٤)] اعتبرَ جنسُهُ في جنسِهِ، لكن لم يوجدْ لهُ أصلٌ يدلُّ على اعتبارِ نوعِهِ في نوعِهِ، وهذا هَوَ ((المصالحُ المرسلةُ)). ورابعها : [مناسب(٥)] شهدَ لهُ أصلٌ معيّن(٦)، ولكنّه غيرُ ملائمٍ - أي: شهدَ نوعُهُ النوعِهِ، لكن لم يشهدْ جنسهُ لجنسهِ: كمعنى ((الإِسكارِ))، فإنَّهُ يناسبُ تحريمَ تناولِ المسكر: صيانةٌ للعقلِ ، وقد يشهدُ - لهذا المعنى - الخمرُ باعتبارِهِ(٧)، لكن لم تشهدْ له سائرُ الأصولِ. وهذا هو المسمَّى بـ«المناسبِ الغريبِ(٨). (١) انفردت بهذه الزيادة ى. (٢) سقطت الزيادة من ل. (٣) في ى زيادة: ((و)). (*) آخر الورقة (١٤٩) من س. (٤) هذه الزيادة من ی. (٦) لفظ آ: ((معتبر)). (٥) سقطت الزيادة من ى. (٧) في آ: ((بالاعتبار)). (٨) راجع شفاء الغليل (١٨٨) للاطلاع على ما قاله الإمام الغزالي في ((المناسب الغريب)). وارجع إلى ص (١٤٨) منه للاطلاع على بعض أمثلة المناسب الغريب التي مثل بها . - ١٦٧ - المسألة الثالثة: في أنَّ المناسبةَ لا تبطلُ بالمعارضةِ (١) [و(٢)] الدليلُ عليهِ: أنَّ كونَ الوصفِ مناسباً - إنَّما يكونُ لكونِهِ مشتملاً على جلب منفعة؛ أو دفعِ مضرَّةٍ، وذلكَ لا يبطلُ بالمعارضةِ: أمَّا الأوّل(٣) فظاهرٌ .. وأمّا الثاني - فيدُ عليهِ وجوهُ: الأوّلُ(٤). أنَّ المناسبتين المتعارضتين، إمّا أن تكونا متساويتين، أو إحداهما أرجح من الأخرى: فإن كانَّ الأوّلَ: لم يكنْ بطلانُ إحداهما بالأخرى - أولىَ من العكسِ: فإمّا. أن نبطلَ كلَّ واحد [ة(٥)] منهما بالأخرى - وهو محالٌ؛ لأنَّ المقتضيَ لعدمٍ كلِّ واحدةٍ (*) منهما وجودُ الأخرىَ، والعلَّةُ لا بدَّ وأن تكونَ حاصلةً مع المعلولِ ، فلو كان كل واحدةٍ - منهما - مؤثّرةٌ في عدم الأخرى -: لزمَ أن تكونا موجودتین - حالّ (١) في المسألة خلاف لا ثمرة له للاتفاق على عدم ترتب الحكم على وصف مشتمل على مفسدة راجحة أو مساوية فراجع الإِبهاج: (٤٦/٣) وشرح الإِسنوي: (١٠٣/٤) وجمع الجوامع: (٢٨٦/٢) والحاصل (٨١٠) وإحكام الأحكام للآمدي: (٢٧٦/٣) والموافقات: (٣٤٨/٣) المسألة الخامسة، و(٣٧٢) الفصل الثالث وبعض مباحث الأوامر والنواهي من الجزء الرابع . ١ (٢) هذه الزيادة من ج. (٣) لفظ ح: ((المعارضة)). (٤) كذا في ح، آ، ى، وفي غيرها: ((أحدها)). (٥) لم ترد في ل، آ. (*) آخر الورقة (١١٤) من ل. - ١٦٨ - كونهما معدومتين(١): وذلكَ محالٌ. وإمَّا أنْ لا تبطلَ إحداهما(٢) بالأخرى(*) - عند التعارض - وذلكَ هو المطلوب . · وأمّا إن كانتْ إِحدى المناسبتين - أَقَوى(٣)، فها هنا لا يلزمُ التفاسدُ - أيضاً - لأنهُ لو لزمِ التفاسدُ: لكانَ لما بينهما من المنافاةِ؛ لكنَّا بَيَّنَّا -: في القسمِ الأوّلِ - أَنَّهُ لا منافاةَ بينهما: لأنَّهما اجتمعا (٤)، وإذا زالت المنافاةُ - لم يلزمْ من وجودِ أحدِهما عدمُ الآخرِ. الثاني : أنَّ المفسدةَ الراجحةَ إذا صارتْ معارضةٌ بمصلحةٍ (٥) مرجوحةٍ، فإمّا أن ينتفي شيءٌ من الراجح لأجل المرجوح، أو لا ينتفي (٦). والأوّل باطلٌ : وإلّ لزمَ أن تكونَ المفسدةُ(*) المعارضةُ بمصلحةٍ(٧) مرجوحةٍ - مساويةً للمفسدةِ الخالصةِ(*) عن شوائب المصلحةِ؛ وذلك باطلٌ بالبديهةِ . (١) كذا في س، ى، ص، وفي ى، ص، وفي ل، آ، جـ، ح. ((كل واحد منهما مؤثر في عدم لزم أن تكونا موجودين حال كونهما معدومین». (٢) لفظ ل: ((واحدة)). (٥) آخر الورقة (١١٩) من ح. (٣) لفظ ح: ((قوية)). (٤) كذا في ح، ل، ي، ولفظ غيرها: ((اجتمعتا)). (٥) لفظ آ: «لمصلحة)). (٦) كذا في ل، ى، جـ، وعبارة غيرها: ((فإما أن لا ينتفى من الراجح شيء لأجل المرجوح أو ينتفى))، وكلاهما سواء من حيث المعنى. (٧) لفظ آ: ((لمصلحة)). (*) آخر الورقة (١٢٠) من جـ. (٥) آخر الورقة (١١٢) من آ. - ١٦٩ - والثاني - أيضاً - باطلٌ : لأنَّ القدرَ الذي يندفعُ - من المفسدةِ - بالمصحلةِ يكونُ مساوياً لتلك المصلحةِ، فيعودُ التقسيمُ الأوّلُ - في ذينك التقديرين (١) المتساويين: في أنّهُ (٢) ليسَ اندفاعُ أحدهما بالآخرِ - أولى من العكسِ، فإمّا أن يندفعَ كلَّ واحدٍ منهما بالآخر - [وهو محالٌ (٣)]، أو لا يندفع واحدٌ منهما بالآخر؛ وهو المطلوبُ . وأيضاً: فليسَ اندفاعُ بعضِ أجزاء الطرفِ الراجحِ بالطرفِ المرجوحِ ، وبقاءٍ بعضِهِ - أولى من اندفاع ما فرضَ باقياً، وبقاءِ ما فرضَ زائلاً؛ لأنَّ تلكَ الأجزاءَ متساويةٌ في الحقيقةِ . الثالث : وهو أنَّهُ تقرَّر في الشرع - إثباتُ الأحكام المختلفةِ: نظراً إلى الجهات المختلفة - مثل الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ: فإنَّها - من حيثُ إنَّها صلاةٌ(*) . سببُ الثواب، ومن حيثُ إنَّها غصبٌ - سببُ العقابِ، والجهةُ المقتضيةُ للثواب مشتملةٌ على المصلحةِ، والجهةُ المقتضيةُ للعقاب مشتملةٌ على المفسدةِ ... وعندَ ذلك نقولُ: المصلحةُ والمفسدةُ، إمّا أن يتساوَيا، أو تكونَ إحداهما راجحةً على الأخرى: فعلى تقدير التساوي: يندفعُ كلُّ واحدٍ - منهما - بالآخر، فلا تبقى لا مصلحةٌ، ولا مفسدةٌ - فوجبَ أن لا يترتبَ عليها لا مدحٌ ولا ذمُّ، وقد فرضنا ترتبهما (٤) عليها. هذا خلفٌ. (١) لفظ غيرح: ((القدرين))، والأنسب لفظها .. (٢) في ل، ى، آ: ((فإِنه)). (٣) سقطت الزيادة من ى. (*) آخر الورقة (٧٤) من ی. (٤) كذا في ل، ى، آ، وفي النسخ الأخرى: ((ترتيبهما)). - ١٧٠ - وإن كانتْ إحدَى(*) الجهتين - راجحةً: كانت المرجوحةُ معدومة: فيكونُ الحاصلُ - إمّا المدحُ - وحدَه - أو الذم - وحده - وقد فرضنا حصولهما - معاً . هذا خلف. واعلم: أنَّ هذا الوجهَ مبنيٌّ عى قولِ الفقهاءِ ((الصلاةُ في الدارِ المغصوبةِ عبادةٌ من وجهٍ، معصیةٌ من وجهٍ)). الرابعُ : العقلاءُ يقولونَ - في فعلٍ معينٍ -: الإتيانُ بهِ مصلحةٌ - في حقي - لو لا ما فيهِ من المفسدةِ الفلانيّةِ. ولو لا صحَّةُ اجتماع وجهي المفسدةِ والمصلحةِ، وإلّ لما صحَّ هذا الكلامُ. والله أعلم. (*) آخر الورقة (١٥٠) من س. - ١٧١ - الفن الثاني(١) ـمـ من هذا الفصل في إِقامةِ الدلالةِ على أَنَّ((المناسبةَ)) دالّةٌ على العلَّةِ - فنقولُ: المناسبةُ تفيدُ ظنَّ العلّيَّةِ، والظنُّ واجبٌ العملُ بهِ. بیانُ الأوّل من وجھین: الأوّلُ: أنّ اللَّه - تعالى شرعَ الأحكامَ لمصلحةِ العبادِ، وهذه مصلحةٌ: فيحصلُ ظنَّ أنَّ الله - تعالى - إنَّما شرَعَه لهذهِ المصلحةِ. فهذه مقدِّماتٌ ثلاثٌ، لا بدَّ من إثباتها بالدليل : أمّا المقدَّمةُ الأولى - فالدليلُ عليها وجوهُ: أحدها: أنّ الله - تعالى - خصَّصَ الواقعةَ المعيَّنَةَ - بالحكمِ المعيِّنِ لمرجُح، أولا لمرجّعٍ . والقسم الثاني باطلٌ، وإلّا لزمَ ترجيحُ أحدِ الطرفينِ على الآخرِ لا لمرجّعٍ ؛ وهذا محال: فثبتَ القسمُ الأوَّلُ. وذلك المرجّحُ إمّا أن يكونَ عائداً إلى اللهِ - تعالى - أو إلى العبد. (١) لفظ آ، ى: ((القسم)) وما أثبتنا أنسب لما تقدم. - ١٧٢ - والأوّلُ باطلٌ بإجماع المسلمين: فتعيِّن الثاني - وهو أنَّهُ تعالى إنَّما شرعٌ الأحكامَ لأمرٍ عائدٍ إلى العبدِ [والعائدُ إلى(١)] العبد إمّا أن يكون مصلحةً العبدِ، أو مفسدتَه، أو(٢) لا يكون لا مصلحتّهُ، ولا مفسدتَه. والقسم الثاني والثالث باطلٌ باتفاقِ العقلاءِ: فتعيّن(٣) الأوّل: فثبت أنَّهُ تعالى إنَّما شرعَ الأحكامَ لمصالحِ العبادِ. وثانيها : أنَّه تعالى حكيمٌ بإجماع المسلمين، والحكيمُ لا يفعلُ إلّ لمصلحةٍ: فإنّ من يفعلُ لا لمصلحةٍ - يكونُ عَابثاً، والعبثُ(*) على اللهِ - تعالى - محالٌ، للنصِّ والإِجماع والمعقول : أمّا النصُّ- فقوله تعالى : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثاً﴾(٤)، ﴿رَبِّنَا مَا خَلَقْتَ هُذَا بَطِلًا﴾(٥)، ﴿مَا خَلَقْتَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾(٦). وأمَّا الإِجماعُ - فقد أجمعَ المسلمونَ على أنَّهُ تعالى ليسَ بعابثٍ . وأمَّا المعقولُ - فهو أنَّ العبثَ سفةٌ، والسفهُ صفةُ نقصٍ، والنقصُ على الله - تعالى - محالٌ: (١) سقطت الزيادة من آ. (٢) زاد في ى: «ما)). (٣) لفظ ل، ى: ((فبقي)). (*) آخر الورقة (١١٥) من ل. (٤) الآية (١١٥) من سورة المؤمنون. (٥) الآية (١٩١) من سورة آل عمران. (٦) الآية (٣٩) من سورة الدخان. - ١٧٣ - فثبتَ أنَّه لا بدَّ من مصلحةٍ (١)، وتلكَ المصلحةُ(٢) يمتنعُ عودُها الى اللهِ - تعالى - كما بيِّنَا؛ فلا بدَّ من عودِها إلى العبدِ : فثبتَ أنّه تعالى شرعَ الأحكام لمصالحِ العبادِ(*). وثالثُها: أنَّ الله - تعالى - خلقَ الأدميَّ مشرَّفاً مكرَّماً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ﴾(٣)، وَمَنْ كَرَّمَ(٤) (*) أحداً، ثمَّ سعى(٥) في تحصيلِ مطلوبِهِ - كانَ ذلك السعيُّ ملائماً لأفعالِ العقلاءِ، مستحسناً فيما بينهم - فإذن: ظنُّ كونِ المكلّفِ. مكرَّماً (٦) - يقتضي ظنَّ أَنَّ الله - تعالى - لا يشرعُ إلّا ما يكونُ مصلحةً لَهُ. ورابعُها: أنَّ الله - تعالى - خلقّ الأدميّينَ للعبادةِ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ (٥) الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) والحكيمُ إذا أمرَ عبدَه بشيءٍ - فلا بدّ وأن يزيحَ عذرَهُ وعلَّهُ، ويسعىَ في تحصيلِ منافعِهِ، ودفعِ المضارِّ عنه، ليصيرّ فارغ البالِ ، فيتمكَّنَ من الاشتغالِ بأداءِ ما أمرَهُ بهِ، والاجتناب عمَّا نهاهُ عنهُ، فكونُهُ مكلَّفاً يقتضي ظنَّ أن اللَّه(٨) - تعالى - لا يشرعُ إلّ ما يكونُ مصلحةٌ لَهُ. وخامسها: النصوصُ الدالّةُ على أنَّ مصالح الخلق، ودفع المضارِّ عنھم - مطلوب الشرع، قالَ الله - تعالى - ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ (٩) وقَالَ: (١) لفظ ى ((المصلحة)). (٢) كذا في ل، آ، ح، وفي س: ((يستحيل))، وفي الأخريات: ((مستحيل)). (*) آخر الورقة (١٢٠) من ح. (٣) الآية (٧٠) من سورة الإسراء. (٤) في س، ص: ((يكرم)). (٥) لفظ س: ((يسعى)). (*) آخر الورقة (١١٣) من آ. (٨) في ح: ((أنّه)). (*) آخر الورقة (١٢١) من جـ. (٦) كذا في ح، آ، ى، وفي: غيرها: ((مشرفً). (٧) الآية (٥٦) من سورة الذاريات. (٩) الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء. - ١٧٤ - ٠ [ ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ (٥) جَمِيعاً﴾(١)]. وقالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوْتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾(٢). وقال : وَيُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(٣)، وقال عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) وقال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (بُعِثْتُ بِالْحَنَيْفِيَّةِ السَهْلَةِ السَمْحَةِ(٥)) وقال: ((لا ضرر ولا ضرار في الاسلامِ)). وسادسها : أنَّهُ وصفَ نفسهَ بكونهِ رؤوفاً رحيماً بعبادِهِ، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٦) فلو شرعَ ما لا يكونُ للعبدِ فيهِ مصلحةٌ: لمْ يكن (٧) ذلك رأفةً ولا حمةٌ. فهذه الوجوه الستة (٨) دالَّةً على أنَّهُ تعالى ما شرعَ الأحكامَ إلا لمصلحةٍ العبادِ. (*) آخر الورقة (١٥١) من س. (١) ساقط من ل، آ، والآية (٢٩) من سورة البقرة. (٢) الآية (١٣) من سورة الجاثية . (٣) الآية (١٨٥) من سورة البقرة. (٤) الآية (٧٨) من سورة الحج . (٥) الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (٨٧) ط النموذجية بمصر، وترجم له في صحيحه بلفظ: ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) فانظره بهامش شرحه الفتح : (٨٦/١)، كما أخرجه الخطيب في تاريخه: (٢٠٩/٧)، وانظر كشف الخفا رقم (٦٥٨ و٩١٤). (٦) الآية (١٥٦) من سورة الأعراف. (٧) كذا في ح، وفي غيرها: ((لا يكون)». (٨) في ل. ((التسعة))، وهو وهم. - ١٧٥ - ثمّ اختلفَ الناسُ بعدَ ذلك: أمّا المعتزلة - فقد صرَّحوا بحقيقةِ هذا المقامِ، وكشفوا(١) الغطاءَ عنهُ، وقالوا: (إنَّهُ يقبحُ منِ اللهِ - تعالى - فعلُ القبيحِ ، وفعلُ العبثِ بل يجب أنْ يكونَ فعلهُ(٢) مشتملاً على جهة مصلحةٍ وغرضٍ)). وأمّا الفقهاء - فإنَّهم يصرَّحونَ: بأنَّه تعالى إنَّما شرعَ هذا الحكمَ لهذا : المعنى، ولأجل هذه الحكمة. ولو سمعوا لفظَ ((الغرض)) - لكفَّروا قائلَه، مع أنَّه لا معنى لتلكَ «اللام (٣)» إلّ («الغرض». وأيضاً: فإِنَّهم يقولونَ: ((إنَّهُ وإن كانَ لا يجبُ على اللهِ - تعالى - رعايةُ المصالح. إلّ أنَّهُ تعالى لا يفعلُ إِلّ ما يكونُ مصلحةً لعبادِهِ: تفضُّلاً منه وإحساناً لا وجوباً». فهذا هو الكلام في تقرير(٤) هذهِ المقدّمةِ. أمّا المقدّمة الثانية (٥) - وهي أنَّ هذا الفعلَ مشتملٌ على هذه الجهةِ مِن المصلحةِ - فظاهرٌ: لأنَّا إِنَّما نحكمُ بعلَيَّةِ الوصِفِ - إذا بيّنًا: كونه كذلك. أمّا المقدّمة الثالثةُ - وهي أنَّا لِمًّا علمنا أنَّهُ لا يشرِّعُ إلّ لمصلحةٍ، وعِلِمْنَا أنَّ هذا المعنى مصلحةٌ، حصلَ لنا ظنُّ أنَّ الداعيَ لهُ تعالى إلى شرع ذلك الحكم [هو (٦)] هذه المصلحةُ(٧) - فقد استدلُّوا علیه من وجهين: الأوّل ـ وهوَ أنَّ المصلحةَ المقتضيةَ لشرع هذا الحكم . إمَّا هذه المصلحةُ أو غيرُها، لا جائزَ أن يكونَ غيرَها؛ لأنَّ ذلك الغيرَ إِمَّا أن يقال: إنَّهُ (١) كذا في ى، وهو الأنسب وفي غيرها: ((وكشف)». (٢) كذا في آ، وهو المناسب، وفي غيرها: ((فعلًا)). (٣) حرّفت في ل، ى إلى: ((الآلام)). (٤) كذا في س، آ، ل، ى، ولفظ غيرها: ((تفسير)). (٥) لفظ آ: ((الثالثة)). (٦) هذه الزيادة من س، ى. (٧) في ى أبدلت الفاء واواً. - ١٧٦ - كانَ مقتضياً لذلك الحكم - في الأزلِ (٥) - أو ما كانَ مقتضياً له في الأزلِ . والأوّل باطلٌ؛ وإلا لكانَ الحكمُ ثابتاً - في الأزلِ - لكنَّ التكليفَ بدونِ المكلّفِ محالٌ: فتعين الثاني - وهو أنَّه [ما(١)] كان مقتضياً لهذا الحكم(٥) - في الأزل - وذلك يفيدُ ظنَّ استمرارِ هذا السلب، لما سنبيّنُ - إن شاءَ الله تعالى -: أنَّ العلمُ بوقوعِ أمرٍ - على وجهٍ مخصوصٍ (٢) - يقتضي ظنَّ بقائِهِ - على ذلكَ الوجهِ(*) - أبداً، وإذا ثبتَ ظنُّ أن غَيرَ هذا الوصفِ - ليسَ علَّةً لهذا الحكم : ثبت [ظُنُّ (٣)] أنَّ هذا الوصفَ - هو العلّةُ لهذا الحكمِ ، ونحنُ ما ادَّعينا إلّ الظنَّ. الثاني : أنّ الظنّ (٤) بكونِ الحاكم (٥) حكيماً، مع العلمِ بأنَّ هذا الحكمَ فيهِ هذهِ الجهةُ مِن الحكمةِ - يفيدُ - في الشاهدِ ظنَّ أنَّ ذلكَ الحكيمَ إنَّما شرِعَ ذلكَ الحكمَ لتلكَ الجهةِ(٦)؛ وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ في الشاهدِ: وجبَ أن يكونَ في الغائب مثلَهُ . بيان المقام الأوّل: أَنَّا إذا اعتقْدنَا في ملكِ البلد [ة(٧)] أنّه لا يفعلُ فعلًا إلّ لحكمةٍ. فإذا رأیناهُ يدفعُ مالاً إلى فقير(٨)، وعلمنا أنَّ فقرهُ یناسبُ دفعَ المالِ إلیهِ ولم تخطر ببالِنا صفةٌ أخرى - فيها مناسبةٌ لدفعِ المالِ إليهِ - غلبَ على ظنِنا أنَّه إنَّما دفعَ المالَ إليهِ لفقرِه. (*)آخر الورقة (٧٥) من ی. (١) سقطت الزيادة من ح، ا، ل. (٢) زاد في ى: ((لا))، وهو وهم. (*) آخر الورقة (٤٠) من ص. (*) آخر الورقة (١١٦) من ل. (٤) لفظ جـ، آ، ى: ((العلم)). (٦) في ل، آ: ((الحكمة))، ولفظ ى: ((المصلحة)). (٧) لم ترد في جـ. (٨) لفظ ى: ((الفقير)). - ١٧٧ - (٣) سقطت من جـ. (٥) لفظ آ: ((الفاعل)). نعم؛ لا ننكرُ أنّه يجوز أنْ يكونَ له(*) غرضٌ سوىَ ما ذكرناه، لكنَّهُ تجويزٌ مرجوحُ(١)، لا يقدحُ في ذلكَ الظنِّ الغالبِ(٢). أمّا إذا ظهر(*) وجهانٍ من المناسبَةِ - مثل أن كان [ذلك(٣)] الفقيرُ فقيهاً، فهاهنا: إنْ تساوَى الوجِهانِ - في القوَةِ - لا يبقىَ ظنُّ أنَّهُ أعطاهُ لهذا الوصفِ، أو لذلكَ أولهما جميعاً . فثبتَ(*): أنَّ العلمُ بكونِ الفاعلِ حكيماً، مع العلمِ بـ [-حصول (٤)] جهةٍ. معيّنةٍ - في الحكمِ - ومعَ الغفلةِ(*) عن سائر الجهاتِ - يقتضي ظنَّ أنَّ ذلكَ الفاعلَ إنَّما فعلَ لتَلَكَ الحكمةِ. بيانُ المقامِ الثاني: أنَّ - في الشاهدِ - دارَ ذلك الظُّ(٥) مع حصولٍ ذينك العلمين: وجوداً وعدماً، والدورانُ دليلُ العِلّةِ - ظاهراً: فيحصلُ [ظنُّ(٦)] أنَّ العلمَ بكونِ الفاعلِ حكيماً، مع العلم باشتمالٍ هذا الفعلِ على جهةٍ مصلحةٍ، ومع الغفلة عن سائرِ الجهاتِ - علَّةٌ لحصولِ الظنِّ [بـ(٧)] أنَّ ذلك الحكيم إنَّما أتى بذلكَ الفعلِ لتلكَ الحكمةِ، والعلّةُ أينما حصلتْ حصلَ الحكمُ. فإذا حصلَ ذلك (٨) العلمانِ - في أفعالِ اللهِ - تعالى - [وأحكامه(٩)]- وجب أن يحصلَ ظنُّ أنَّهُ تعالىُّ إنَّما شرِعَ ذلكَ الحكمَ لتلكَ المصلحةِ. فثبتَ بهذا: أنَّ ((المناسبةَ)) تفيدُ ظَنَّ العلّيَّةِ. : (#) آخر الورقة (١٢٢) من جـ. (٢) لفظ ي: ((المتبادر)). (٣) انفردت بهذه الزيادة ح (*) آخر الورقة (١٢١) من خ. (*) آخر الورقة (١١٤) من آ. (٧) هذه الزيادة من آ. (٩) سقطت من ل. (١) زاد في ل: (و)). (*) آخر الورقة (١٥٢) من س. (٤) الألف واللام انفردت بزيادتها آ. (٥) هذه الزيادة من آ، ى. (٦) لفظ ى: ((النص)) وهو تحريف. (٨) لفظ آ: ((ذاتك)). (١٠) في آ: ((بذلك)). - ١٧٨ - الوجهُ الثاني - في بيانِ أنَّ((المناسبة) تفيدُ ظنَّ العلّيَّةِ -: أن (١) نسلّم أنّ أفعالَ اللهِ، وأحكامَهُ - يمتنعُ أنْ تكونَ معلّلةً بالدواعي والأغراضِ، ومعَ هذا فندَّعي: أنَّ ((المناسبةَ)) تفيدُ ظنَّ العلِيَّةِ. وبیاتُهُ : أنَّ مذهبَ (٢) المسلمين - أنَّ دورانَ الأفلاكِ، وطلوعَ الكواكب وغروبها، وبقاءَها على أشكالِها وأنوارِها - غيرُ واجبٍ، ولكنَّ الله - تعالى - لمّا أَجرى عادتَهُ بإيقائِها على حالةٍ واحدٍ: لا جرمَ يحصُلَ ظنُّ أَنَّها تبقى غداً، وبعدَ غدٍ على هذهِ الصفاتِ، وكذلكَ نزولَ المطرِ - عند الغيمِ الرطب، وحصولَ الشِّبْعِ - عقيبَ الأكل، والريِّ - عقيبَ الشرب، والاحتراقِ (٣) عند مماسَّةِ النارِ - غيرُ واجبٍ، لكن العادة لمّا اطّردت بذلك: لا جرمَ حصلَ ظنُّ يقاربُ اليقينَ باستمرارها على مناهجها (٤). والحاصلُ: أنّ تكريرَ الشيءِ مراراً كثيرةً - يقتضي ظنَّ أنَّهُ متى حصلَ، لا يحصلُ إلّ على ذلكَ الوجهِ . إذا ثبتَ هذا - فنقولُ: إنَّا لما تأمَّلْنا الشرائعَ - وجدْنَا الأحكامَ والمصالح متقارنين: لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر، وذلكَ معلومٌ بعدَ استقرارِ أوضاعٍ الشرائعِ . وإذا كان كذلكَ: كانَ العلمُ بحصولِ هذا مقتضياً ظنّ حصولِ الآخرِ وبالعكسِ ، من غيرِ أنْ يكونَ أحدُهما مؤثراً في الآخر، وداعياً إليهِ. فثبتَ أنَّ ((المناسبةَ)) دليلُ العليَّةِ، معَ القطع بأنَّ أحكامَ اللهِ - تعالى - لا تعلَّلُ بالأغراضِ . (١) كذا في ح، آ، ى، وفي غيرها: ((أنّا) .. (٢) في ل، ى: ((ظنّ)). (٣) في آ، ى، ل، جـ: ((والإِحراق)). (٤) كذا في ح، أوفي غيرهما: ((منافعها))، وهو تصحيف. - ١٧٩ - أمَّا المقدّمةُ الثانيةُ - من أصل الدليل - وهي: أنَّ المناسبةَ لما أفادتْ ظنَّ العليَّةِ : وجبَ أنْ يكون (١) ذلكَ القياسُ حجّةً - فالاعتمادُ فيهِ على ما ذكرنا: أنَّ العملَ بالظنِّ واجبٌ، لما فيهِ(٢) من دفعِ الضررِ عن النفس . وهذا تمامُ الكلامِ في تقريرِ هذا الدليل . فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنَّ الله - تعالى - شرعَ الأحكامَ لمصلحةِ العبادِ(٣). قولُهُ: («تخصيصُ الصورة المعيَّنةِ بالحكمِ المعيّن لا بدّ وأن يكونَ. المرجّحٍ ، وذلكَ المرجّحُ بِمتنعُ أن يكونَ عائداً إلى اللهِ - تعالى - فلا بدَّ وأنْ يكونَ عائداً إلى العبدِ)). قلنا: إمَّا أنْ تدَّعيَّ أنَّ التخصيصَ لا بدَّ له من(٤) مخصِّص، أو لا تدّعيَ: ذلك؛ وعلى التقديرين - لا يمكنُكَ القولُ بتعليلِ أحكامِ اللهِ - تعالى - بالمصالحِ . أمَّا على القول بأنَّ التخصيصَ لا بدَّ له من مخصِّصٍ - فلأنَّ (٥) أفعال العبادِ إمّا أن تكونَ واقعةُ باللهِ - تعالى - أو بالعبدِ. فإن كانَ الأوّلَ: كَانَ الله - تعالى (٥) - فاعلًا للكفر والمعصيةِ، ومع (*) القول بذلك (٦) يستحيلُ القولُ بأنَّه لا يفعلُ إلّ ما يكونُ مصلحةٌ للعبدِ. وإن كانت واقعةٌ بالعبدِ - فالعبدُ الفاعلُ للمعصيةِ مثلاً، إمّا أن يكونَ متمكّناً من تركِها، أو لا يكونَ :. (١) في ل، ى: ((كون)). (٢) زاد في ى، آ: ((أنّ)). (٣) لفظ ل، أ، جـ: ((العقلاء)). (٤) كذا، في ى، وفي غيرها: ((المخصصّ)). (٥) لفظ ل: «فكان». (*) آخر الورقة (١٥٣) من /س. (*) آخر الورقة (١٧٧) من: ل. (٦) كذا في آ، ى، وفي غيرهما: ((مستحيل)). - ١٨٠ -