Indexed OCR Text
Pages 381-400
وسادسها :
ردُّ عليٍّ خبر أبي سنانٍ الأشجعيِّ - في قصَّة بروعَ بنت واشق(١).
وأيضاً:
فقد ظهرَ(٢) عنه تحليفُ الرواةِ.
وسابعها(*) :
ردُّ عائشة خبرَ ابنِ عمرَ - في تعذيب الميِّت ببكاء أهله عليه.
وثامنها :
أنَّ عمر منعَ أبا هريرة من(*) الروايةِ.
(١) بروع بنت واشق الرواسيّة الكلابيّة أو الأشجعية، مات عنها زوجها هلال بن مرّة
الأشجعيّ، وقد فوّضت إليه ولم يفرض لها صداقاً فقضى لها رسول الله - * - بمثل صداق
نسائها، وراوي حديثها - هو: أبو سنان - معقل بن سنان الأشجعي، ورجال من قومه وشهدوا
بذلك عند ابن مسعود. انظر ترجمتها وشيئاً عن حديثها في الإصابة: (٢٥١/٤) الترجمة
(١٧٤)، وبهامشها الاستيعاب: (٤ /٢٥٥). وأما معقل بن سنان فانظر ترجمته وشيئاً من
أخباره وحادثة قتله في الإصابة: (٤٤٦/٣) الترجمة (٨١٣٦)، وبهامشها الاستيعاب:
(٤١٠/٣-٤١١). وحديث بروع رواه أبو داود في النكاح. فانظر: (٢ /٥٨٨) الأحاديث رقم
(٢١١٤، و٢١١٥، و٢١١٦)، والترمذي: (١١١/٤) الحديث (١١٤٥)، وقال: ((حديث
حسن صحيح)) وبمقتضاه - وهو أنها تستحق مثل صداق نسائها قال كثير من أهل العلم - من
الصحابة وغيرهم ومنهم ابن مسعود. وبه قال الثوريّ وأحمد وإسحاق. وذهب عليّ بن أبي
طالب وزيد وابن عباس وابن عمر إلى توريثها منه غير أنها لا صداق لها في تركته وبه قال
الشافعي ومالك: بناء على عدم صحة حديث بروع عندهم، والحديث رواه الحاكم في
المستدرك: (٢ / ١٨٠)، وقال: ((صحيح على شرط مسلم، ووافقه على ذلك الذهبيّ في
تلخيصه، كما أخرجه النسائي فانظر: (١٢١/٦-١٢٣) وانظر أقضية رسول الله - * -:
(٣٢٦-٣٢٩)، ومصنف عبد الرزاق: (٢٩٢/٦-٢٩٥) الأحاديث: (١٠٨٨٩-١٠٩٠١)،
وانظر المغني: (٤٦/٨-٤٨) لمعرفة حقيقة التفويض وخلاصة المذاهب فيه.
(٢) لفظ آ: ((صح)).
(*) آخر الورقة (٦١) من ل.
- ٣٨١ -
سلّمنا سكوتَهم عن الإِنكارِ، لكنَّ السكوتَ إنَّما يدلُّ على الإِجماع إذا
صدرَ عن الرِّضا؛ فلِمَ قلتَ: إِنَّ الأمرَ كذلك؟ بل هاهنا احتمالاتٌ أُخَرُ سَوى:
الرضا: من التقيّة والخوفِ.
سلَّمنا: إجماعَهم على قبول الخبرِ الَّذي لا يُعلمُ(١) صحَّتُهُ، لكن دلَّ:
على أنَّهم قبلوا جميعَ أنواع الخبرِ الَّذي(٢) يكونُ كذلكَ، أو على أنَّهم قبلوه في
الجملة؟!
والأوَّل ظاهر الفساد.
والثاني(٣): يقدحُ في غرضكم؛ لأنَّهم لمَّا(٤) أَتَّفقوا على قبولِ نوعٍ من
أنواع الخبرِ الَّذي لا تُعلم صحَّتُه - لم يلزم من إجماعِهم على قبولِ ذلك
النوع : إجماعُهم على قبولِ سائرِ الأنواع ؛ لاحتمال أنْ يأمرَ الله - تعالی ۔
بالعملِ بذلك النوع ، دون النوعِ الآخر. ثم إنّه لمّا لم ينقل إلينا ذلكَ النوعُ
- الَّذِي أجمعوا على قبوله(٥): لم يعرفْ ذلكَ النوعُ.
فإذن: لا نوعَ من أنواع خبر الواحد إلّ ولا يُدرى أنَّه هل هو ذلك النوع
- الذي أجمعوا على قبوله، أو غيره .
وإذا كان كذلك(*): وجب التوقُّف في الكلِّ.
سلّمنا :: أنَّ النوعَ ـ الَّذي أجمعوا: على العملِ بهِ - معلومٌ؛ فلِمَ قلتَ:
[إنّه(٦)] لمَّا جازَ لهم العملُ بخبرِ الواحدِ - جاز لنا؟
أنَّ الصحابةَ [كانوا(٧)] قد شاهدوا الرسول - عليه الصلاة والسلامُ - وعرفوا
بيانه :
(٥) آخر الورقة (٤٠) من ي.
(١) في ي: ((يقطع)).
(٢) زاد ح: ((لا))، وهو وهم.
(٣) لفظ آ: ((والذي)).
(٤) في ي: ((إنّما)).
(*) آخر الورقة (٨٣) من س.
(٥) زاد في آ: ((ف)).
(٧) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) هذه الزيادة من ي.
- ٣٨٢ -
مجاري كلامِهِ(١)، ومناهجَ أموره وإشاراته، وعرفوا أحوالَ (٢) أولئكَ الرواةِ - في
العدالةِ وعدمِها في الأفعالِ الموجبةِ للعدالةِ [والأفعالِ (٣)] المنافية لها.
وإذا كانَ كذلك: كان ظنَّهم بصدقِ تلكَ الأخبارِ، وعدالةِ الرواةِ - أقوى من
ظنِّ من لم يشاهد النبيَّ - صَ﴿ - [البتّةَ(٤)] ولا سمع كلامَه(*)، ولم يشاهدْ حال
أولئك الرواةِ: فلم يعرف عدالتَهم ولا فِسقَهم إلاّ بالروايات المتباعدة، والوسائط
الكثيرة.
وإذا كان كذلك: فلم قلتَ: إِنَّ انعقادَ الإجماع على قبولِ الخبر - الَّذي
لا يُقطعُ بصحَّته - عند حصول الظنِّ القوي في صحَّته - يوجبُ قبولَهُ - عندما لا
يحصلُ ذلك الظُّ القويُّ؟!
فإن قلتَ: إِنَّ كلٍّ من قالَ بقبولِ بعضِ هذه الأنواعِ في بعضِ الأزمنةِ -
قالَ بقبولهِ في كلِّ نوع وفي كلِّ زمانٍ .
قلتُ: هذه الحجَّةُ إِنَّما تنفعُ في زمانٍ (*) التابعين - وقد بيًّا: في أوّل باب
الإجماع - أنَّه لا سبيلَ إلى القطعِ بهذا الإِجماع لكثرة المسلمين وتفرّقهم في
الشرق والغرب(٦).
[و(٧)] الجواب:
أمَّا دعوى الضرورة - فلما مرَّ تقريرها: من أنَّه نقلَ إلينا بالتواتر حضورُ أبي
بكرٍ (٨) معَ الأنصارِ - يومَ السقيفةِ وتمسُّكه [عليهم(٩)] بقوله - عليه الصَّلاة
والسلامُ -: ((الأئمّةُ من قريشٍ)) ولم ينكر عليه أحدٌ.
(١) لفظ ح: ((كلماته)).
(٢) في ل: ((حال)).
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٣) لم ترد في آ.
(*) آخر الورقة (٦١) من جـ.
(٥) عبارة ل: ((تقع في زمان البالغين))، وهو تحريف.
(٦) انظر المسألة الثانية ص (٢١) وما بعدها من هذا الجزء من الكتاب.
(٧) هذه الزيادة من ل، آ، جـ.
(٨) زاد ل: ((للإمامة».
(٩) هذه الزيادة من آ.
- ٣٨٣ -
فأمَّا قولُ المرتضى: ((إنَّ النظّام وجمعاً من شيوخ المعتزلة والقاشاني
والإِماميَّةَ(*)(١) ينكرون ذلك، ويقسمون باللّهِ: إِنَّهم لا يجدون علماً ولا ظنّاً).
(٢) قلنا: روايةُ المذاهب لا تجوزُ بالتشهِّي واليمين؛ والنظّامُ ما أنكرَ ذلكَ،
بل سلَّم، إلَّ أنَّه قالَ: (إجماعُ الصحابةِ ليس بحجَّةٍ)) - على ما حكيناه قبلَ
[ذلك (٣)] وكذا قولُ سائرِ شيوخِ المعتزلةِ.
وأمَّا الإِمامِيَّةُ - ((فالأخباريُّون))(٤) - منهم - مع أنَّ كثرةَ الشيعةِ - في قديم
الزمان - ما كانت إلّ منهم، فهم لا يعوِّلونَ - في أصول الدين، فضلاً عن
فروعه - إلّ على الأخبار(٥) التي يروونها عن أئمّتهم ..
وأمَّا الأصوليُّون - فأبو جعفر الطوسيُّ(٦) وافقنا على ذلك: فلم يبق ممِّن ينكرُ
العلمَ هذا إلَّ المرتضى، مع قليلٍ من أتباعِه. فلا يُستبعدُ اتَّفاقُ مثل هذا
الجمعِ على المكابرة في الضروريَّاتِ.
وممّا يحقّقُ ذلكَ: أَنَّهُ قالَ (٧): إنّهم يقسمونَ [باللهِ(٨)] على(*) أنَّهم لا
يعلمونَ، بل لا يظنُونَ)). ونحن نعلمُ - بالضرورةِ -: أنَّ هذه الرواياتِ، وإن
تقاصرتْ عن العلم إلَّ أنَّها ما تقاصرتْ عن الظنُّ: فعلمنا: أنَّ غرضَ المرتضى
ممَّا ذكر(١) - محضُّ المكابرةِ.
(*) آخر الورقة (٦٨) من ح.
(١) في غيرح، ي زيادة: ((فإنّهم)).
(٢) كان الواجب أن تدخل الفاء في جواب ((أمّا)) كان يقول: ((فنقول)» أو نحوه.
(٣) لم ترد في س. وانظر المسألة الثالثة ص(٣٥) وما بعدها من هذا الجزء من الكتاب ..
(٤) الأخباريّون: طائفةٌ - من الإمامية - بعضها مشبّهة وبعضها سلفية. انظر الملل
الشهرستاني: (٣٣٣/١) ط الأزهر.
(٥) زاد في ح: «الآحاد)).
(٦) ترجمنا له فيما مر، وقد كتبت فيه دراسة جامعيّة ((رسالة ماجستير) سنة (١٩٧٣)؟
قدمت إلى كلية الآداب في بغداد من قبل حسن عيسى الحكيم انظر المورد:
(م٣٠٩/٤٤/٧).
(٧) لفظ س: ((قالوا).
(٨) زيادة مناسبة من ي.
(*) آخر الورقة (٦٠) من آ.
(٩) في جـ: ((ذكره)).
- ٣٨٤ -
٠٠
قوله: ((لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: إنّهم - عند سماع هذه الأخبار(١) تذكروا دليلاً
آخر»؟
قلنا: لما ذكرنا: أنّ الدينَ والعادةَ يوجبانِ إظهارَ ذلكَ الدليل
قوله: ((ما الدليلُ عليه))؟
قلنا: الرجوعُ فيه إلى العرفِ؛ فإنَّا نعلمُ - بالضرورةِ : أنَّ الجمعَ العظيمَ
إذا اشتبه(*) عليهم أمرٌ من الأمورِ، ثمَّ إنَّهم - عند سماع (٢) شيءٍ يَوهم أُنَّه - هو
الدَّليلُ - تذكَّروا شيئاً آخر - هو الدليل حقيقةً، فإِنَّه(*) يستحيلُ اتَّفاقهم
- بأسرهم - على السكوتِ عن ذكر ذلك الدليلِ ، [ورفع ذلكَ الوهم الباطل.
قوله: ((من الصحابة من ردَّ خبرَ الواحدٍ)).
قلنا: الجواب عنه من وجهین(٣)]:
الأوّل :
أنَّ الَّذين نقلتُم عنهم: أنَّهم لم يقبلوا خبرَ الواحدِ - هم الَّذِين نقلنا عنهم:
أنَّهم قبلوه، فلا (٤) بدَّ من التوفيق، وما ذاكَ، إلّ أنْ يقالَ: إِنَّهم قبلوا خبر الواحدِ،
[إذا كان(*)] مع شرائط مخصوصةٍ، وردُّوها عند عدم تلك الشرائطِ.
الثاني :
أنَّ الرواياتِ الّتي ذكر تموها - كما دلَّت على ردِّهم خبرَ الواحدِ: دلَّت علی
قبولهم خبرَ الاثنين والثلاثةِ. ونحنُ لم ندَّع ـ في هذا المقامِ، إلَّ قبولَ الخبرِ
- الذي لا(٦) يُقطع بصحته.
(١) كذا في ح، جـ، ولفظ غيرهما: ((ذكروا)).
(*) آخر الورقة (٦٢) من ل.
(٢) لفظ ي: «سماعهم».
(*) آخر الورقة (٨٤) من س.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط كله من ل، ولفظ ((عنه)) من زيادات آ.
(٤) في غيرح، آ، ي، أبدلت الفاء واواً.
(٥) لم ترد الزيادة في ي.
(٦) كذا في ح، وهو الأنسب، ولفظ غيرها: ((لم)).
- ٣٨٥ -
فأمّا الأسئلةُ الثلاثةُ الأخيرة - فالجواب عنها سيأتي في مسألة القياس - إن
شاء الله تعالى.
المسلك الخامس - [القياس (١)]:
أجمعوا (٢): على أنَّ الخبرَ ـ الَّذي لا يقطعُ بصحَّتِهِ - مقبولٌ في الفتوى
والشهادات(٣): فوجبَ أنْ يكونَ مقبولاً في الرواياتِ؛ والجامعُ تحصيلٌ
المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة .
بل الروايات(٤) أولى بالقبول من الفتوى؛ لأن الفتوى لا تجوز إلّ (*) إذا
سمعَ المفتي دليل(٥) ذُلَك الحكم، وعرف كيفيَّةً الاستدلالِ به، وذلك دقيقً.
صعبٌ يغلطُ فيه الأكثرونَ .
٠٠
أمَّا الروايةُ - فلا يحتاج فيها إلاّ إلى السماع.
فإذن: الروايةُ أحَدُ أجزاءِ الفتوى، فإذا كانت الفتوى مقبولةً من الواحد
- فلأن(٦) تكون الرواية مقبولة - كان أولى(٧).
فإن قيل: هذا قياس، وأنّه لا يفيد اليقين - على ما تقدم.
ثم نقول: الفرق بين الفتوى والشهادة، وقبول خبر الواحد - من وجهين:
الأول:
وهوَ أنَّ العملَ(٨) بخبر الواحد: يقتضي صيرورة(٩) ذلك الحكم - شرعاً
(١) سقطت الزيادة من ي.
(٢) لفظ ح: (أجمعنا)).
(٣) في آ: «الشهادة)).
(٤) لفظ ل، ي، ح، جـ: ((الرواية)).
(*) آخر الورقة (٦٢) من جـ
(٥) كذا في ح، ل، آ، وعبارة غيرها: ((دليلاً في ذلك)).
(٦) کذا في ح، وفي غيرها: ((فبان)».
(٧) لفظ س: ((الأولى)).
(٨) كذا في ح، آ، ي، وهو الصواب، ولفظ ل: ((العلم))، وفي س، ص، جـ
«الحکم»، وهو وهم.
(٩) كذا في ص، وهو الصواب ولفظ غيرها: «ضرورة)»، وهو تصحيف.
-٣٨٦ -
عامّاً في حقِّ كل الناسِ ، والعملُ بالشهادةِ والفتوى ليس كذلك.
ولا يلزمُ من تجويزِ العملِ بالظنُّ - الَّذي قد يخطىءُ وقد يصيبُ في حقِّ
الواحدِ - تجويزُ العملِ به في حقِّ عامّةِ الخلقِ.
الثاني :
العملُ بالفتوى ضروريٍّ؛ لأنَّهُ لا يمكنُ تكليفُ كل واحدٍ(١)، في كل واقعةٍ
- بالاجتهادِ، وكذا الشهادةُ ضروريَّةٌ - في الشرع ؛ لأجلِ تمييزِ المحقِّ عن
المبطل (٢).
[و(٣)] أمَّا العملُ بخبر الواحد(٤) - فغير ضروريّ؛ لأنَّا إن وجدنا في المسألة
دليلاً قاطعاً(٥): عملنا به، وإلاّ رجعنا إلى البراءة الأصليّةِ.
ولا يلزمُ من جوازِ العملِ بالظنّ - عند الضرورةِ - جوازُ العمل به لا عند
الضرورةِ: وأنّه قیاس فاسد.
[و(٦) الجوابُ]:
أمَّا السؤالُ الأوَّلُ - فحقٌّ:
وأمَّا الفرقُ الأوَّلُ - فملغيُّ بشرعيَّةِ أصل الفتوى؛ فإنَّهُ أمرٌ لكلِّ باتّباعِ الظنِّ.
وأمَّا [الفرق(٧)] الثاني - فضعيفٌ؛ لأنَّه لا ضرورةَ في الرجوع إلى الشهادةِ
والفتوى؛ لإِمكانِ الرجوع إلى البراءةِ الأصليّةِ (٨).
(١) لفظ ح: ((أحد)).
(٢) عبارة ي: ((الحق عن الباطل)).
(٣) هذه الزيادة من ح.
(٤) عبارة ل: ((أما الخبر الواحد)).
(٥) لفظ ح: ((قطعياً)).
(٦) هذه الزيادة من ح، آ.
(٧) انفردت بهذه الزيادة ي.
(٨) نقل عن القاضي الباقلانيّ أنّه قال: ((لا خلاف في وجوب قبول خبر من اجتمع فيه
جميع صفات الشاهد في الحقوق: من الإِسلام، والبلوغ، والعقل، والضبط، والصدق،
والأمانة، والعدالة ونحوها.
- ٣٨٧ -
=
المسلك السادس - دليلُ العقلِ:
وهو أنَّ العملَ بخبر الواحدِ - يقتضي(*) دفعَ ضررٍ مظنونٍ: فكانَ العملُ به
واجباً .
بيان المقدّمة الأولى:
[أن الراوي(١)] العدلَ(*) إذا أخبرَ عن الرسول - ◌َ﴾ . -: أنَّه أمرَ بهذا الفعلِ،
حصلَ ظُّ أنّه وجدّ الأمرُ؛ وعندنا مقدِّمةٌ يقينيَّةٌ(٢). أنَّ مخالفةَ الأمر سببٌ
لاستحقاق العقاب: فحينئذٍ: يحصلُ من ذلكَ الظُّ، وذلكَ العلمِ - ظنُّ أنَّا لو
تركنا قوله(٣) - لصرنا مستحقّين للعقاب: فوجبَ أنْ يجب العملُ به؛ لأنَّه إذا
حصلَ(*) الظن الراجحُ والتجويزُ المرجوحُ، فإِمَّا أن يجبَ العملُ بهما - وهو
محالٌ، أو يجبَ تركُهُما - وهو محالٌ، أو يجب ترجُحُ المرجوحِ على الراجحِ
- وهو باطلٌ بضرورة العقلِ ، أو ترجيحُ الراجحِ على المرجوحِ ؛ وحينئذ: يكونُ
العملُ بمقتضى خبر الواحدِ واجباً .
واعلم: أنَّ هذه الطريقةَ يتمسَّكُ بها - في مسألة القياس - ونستقصي الكلام
فيها سؤالا وجواباً. إن شاء الله - تعالى -..
= ولا خلاف - أيضاً - في وجوب اتفاق المخبر والشاهد في العقل والتيقُظ والذكر.
فأما ما يفترقان فيه: فوجوب كون الشاهد حرّاً وغير والد ولا مولود، ولا قريب قرابة تؤدي
إلى ظنّةٍ، وغير صديق ملاطف، وكونه رجلاً إذا كان في بعض الشهادات، وأن يكون اثنين
في بعضها، وأربعة في بعضها، وكل ذلك غير معتبر في المخبر؛ لأننا نقبل خير العبد والمرأة
والصديق وغيره)). انظر الكفاية (١٥٨)، وانظر الحاصل: (٦٨٩) وما بعدها.
(#) آخر الورقة (٦٩) من ح.
(١) هذه الزيادة من ح، وفي ي وردت ((أن)) وحدها.
(*) آخر الورقة (٤١) من ي.
(٢) لفظ ي: ((قطعيّة)) ..
(٣) كذا في ح، وهو الأنسب؛ لأنّ المراد قول الرسول الذي أخبر به الراوي، ولفظ
غيرها: «فعله)).
(*) آخر الورقة (٨٥) من س.
٣٨٨٠ -
[و (١)] أمّا المنكرون - فمنهم من عوِّل على العقل، ومنهم من عوَّل على
النقل .
أمّا العقل ۔ فمن وجوه :
أحدها:
لو جاز(*) أن يقولَ الله - تعالى -: ((مهما غلب على ظنكم صدق الراوي
- فاعملوا بمقتضى خبره)): جازّ أن يقولَ [الله(٢)] - تعالى - أيضاً: ((مهما غلب
على ظنّكم صدقُ المدّعي للرسالة - فاقبلوا شرعَهُ وأحكامَهُ))؛ لأنَّا في كلتا (٣)
الصورتين نكون عاملين(٤) بدليلٍ قاطعٍ - وهو إيجابُ الله - تعالى - علينا العملَ
بالظنِّ، أو إيجابُ العقلِ علينا ذلكَ، ولمّا لم يجزْ ذلك(*) - [هناك (٥)] - فكذا
هاهنا .
وثانيها :
لو جازَ التعبد بأخبارِ الآحادِ - في الفروع - لجازَ التعبّدُ بها في الأصولِ
- حتَّى يكتفى في معرفة الله - تعالى - بالظنّ.
وثالثها:
الشرعيَّاتُ مصالحُ، والخبرُ الَّذِي يجوزُ كذبُهُ - لا يمكنُ التعويلُ عليه في
تحصيلِ المصالحِ .
فإن قلت: لِمَ لا يجوزُ أن تكونَ المصلحةُ - هي إيقاعُ ذلكَ الفعلِ
المظنونِ(٦).
قلتُ: كونُ الفعلِ مصلحةٌ، إمّا أنْ يكونَ بسبب ذُلك الظنِّ، أولا بسببهِ .
(١) هذه الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (٦١) من آ.
(٢) لم ترد في ل، آ.
(٣) لفظ ل: ((كلا)).
(٤) كذا في جـ، آ، ولفظ غيرهما: ((عالمين)).
(٥) لم ترد في ح.
(*) آخر الورقة (٦٣) من ل.
(٦) كذا في ل، آ، ح، جـ، وفي النسخ الأخرى: ((المطلوب)).
- ٣٨٩ -
والأوَّلُ باطل :
لأنّه لو جازَ أنْ يؤثّرَ ظننا في صيرورة ما ليسَ بمصلحةٍ مصلحةٌ - لجازَ أنْ
يؤثّر ظنِّنَا بمجرَّدِ التشهِّي -[في ذلكَ، حتى يحسُنَ من اللهِ - تعالى - أنْ يقولَ:
(أطلقت لك في أن تحكم بمجرَّدِ التشهِّي(١)] من غيرِ دليلٍ ولا أمارةٍ))؛ ومعلومٌ
أنَّه باطلٌ.
وأمَّا الثاني - فنقولُ:
إذا كانَ كونُ الفعلِ مصلحةً(*) ليسَ تابعاً [لـ(٢)] ـ ظنًا، فيجوزُ أنْ يكونَ
الظنُّ مطابقاً، وأن لا يكونَ: فيكون الإِذن في العملِ بالظنِّ - إذناً في فعلٍ ما
لا يجوزُ فعلهُ. وأنَّه غيرُ جائزٍ.
وأمَّا المعوّلون على النقل - فقد تمسِّكوا بقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَقْفُ ما لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمْ﴾ (٣)، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلى آلهِ ما لَا تَعْلَمُونَ﴾(٤)، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي
مِنَ الحَقِّ شَيئاً﴾ (٥).
[و(٦)] الجوابُ - عن الوجوهِ العقليَّةِ:
أنَّها منقوضةٌ بالعملِ بالظنِّ في الفتوى والشهادةِ والأمور الدنيويَّةِ؛ فإنَّ من
أخبرَ: أنَّ هذا الطعامَ مسمومٌ - [و(٧)] حصلَ ظُّ صدقِهِ، فإنَّه لا يجوزُ تناوله،
ثم [إنّا(٨)] نطالبهم [فيها(٩)] بالجامعِ العقليِّ اليقينيِّ، ثمّ [بـ١٠)] بيان امتناع
الجامع .
(١) ساقط من ي، ولم ترد كلمة ((في)) الثانية في ل.
(٥) آخر الورقة (٦٣) من جـ.
(٢) سقطت من ل.
(٣) الآية (٣٦) من سورة الإسراء.
(٤) الآية (١٦٩) من سورة البقرة.
(٥) الآية (٢٨) من سورة النجم.
(٧) هذه الزيادة من ل . :
(٩) لم ترد في جـ.
(٦) لم ترد في جـ، ص، س.
(٨) هذه الزيادة من ي.
(١٠) هذه الزيادة من جـ، آ، ي، ح.
- ٣٩٠ -
وأيضاً:
ينتقضُ بتعويلِ أهلِ العالم (١) على الظنِّ - في أمر الأغذية والأشربةِ،
والعلاجاتِ والأسفارِ والأرباحِ .
وأمَّا التمسُّكُ بالآياتِ - فسيأتي الجوابُ عنها في (٢) القياس إن شاء الله.
(١) لفظ ل: ((العامة)).
(٢) زاد في ل: («مسألة)).
:
- ٣٩١ -
الباب الثاني
في شرائط العمل بهذه الأخبار
[و(١)] هذه الشرائطُ، إمّا أنْ تكونَ(٢) معتبرةً في المخبرِ.
أو المخبر عنه،
أو الخبر.
القسمُ الأوَّلُ:
في المخبر: وهو مرتَّب على فصول ثلاثة : .
الفصل الأوّل
في الأمور التي يجبُ وجودُها، حتّى يحلّ للسامع أنْ يقبلَ روايتهُ.
والضابطُ فيه: كونُهُ بحيثُ يكونُ اعتقادُ صدقِهِ راجحاً على اعتقادِ كذبِهِ، ثم
نقول تلك الأمورُ خمسةٌ :
الأوّلُ:
أنْ يكونَ عاقلاً، فإنّ المجنونَ والصبيَّ غيرَ المميِّز - لا يمكنُهُ الضبطُ،
والاحترازُ عن الخلل.
[و(٢)] الثاني:
أن يكون مكلّفاً :
وفيه مسألتان :
(١) لم ترد في ح.
(٢) عبارة ي: ((أن تعتبر)).
(٣) هذه الزيادة من ص، جـ، ل.
- ٣٩٣ -
المسألةُ الأولى :
روايةُ الصبيٍّ غيرُ مقبولةٍ(١) لثلاثةِ(*) أُوجهٍ:
الأوّلُ :
أنَّ روايةَ الفاسق لا تقبلُ، فأولى أن لا تقبلَ روايةُ الصبيّ؛ فإنَّ الفاسقَ
يخاف الله - تعالى - والصبيُّ لا يخافُ [الله تعالى(٢)] [ألبتَّةَ (٣)].
الثاني:
() أنَّـ [ـه(٥) لا يحصلُ الظنُّ بقولِهِ، فلا يجوزُ العملُ به: كالخبرِ عن الأمورِ:
الدنیویَّةِ .
الثالثُ:
الصبيُّ إن لم يكن(*) ممِّزاً - لا يمكنُهُ الاحترازُ عن الخلل، وإن كانَ مميِّزاً.
- علم أنَّه غير مكلَّفٍ(٦): فلا يحترزُ عن الكذبِ.
فإن قلتَ: أليس يقبلُ قولُه - في إخبارِهِ عن كونِهِ متطهِّراً - حتّى يجوزَ
الاقتداءُ به في الصلاة؟
قلتُ: ذلك، لأنَّ صحَّة صلاةِ المأمومِ غيرُ موقوفٍ على صحَّةِ صلاةٍ
الإِمامِ(٧).
(١) وهو اختيار القاضي وإمام الحرمين. فانظر البرهان: (٦١٢/١).
(*) آخر الورقة (٨٦) من س.
(٢) انفردت بإيراد لفظ الجلالة ل.
(٣) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٤) زاد في جـ: ((و)).
(٥) اتفردت بهذه الزيادة ي.
(*) آخر الورقة (٧٠) من ح.
(٦) هذا الوجه نقله إمام الحرمين عن القاضي. فانظر البرهان: (٦١٣/١).
(٧) اختلف في إمامة الصبيّ - الذي لم يبلغ الحلم إذا كان قارئاً -: فأجازه بعضهم.
الحديث: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... ))، ولحديث عمرو بن سلمة وأنه كان يؤم قومه وهو
صبيّ ومنعه بعضهم - مطلقاً، وأجازه قوم في النفل دون الفريضة. فانظر بداية المجتهد:
(١٤٧/١).
- ٣٩٤ -
٠٠
المسألةُ الثانيةُ :
إذا كان صبيّاً عندَ التحمُّل (١)، بالغاً عند الرواية؛ قبلت روايته لوجوه أربعة:
لأوّلُ:
إجماعُ الصحابةِ؛ فإنّهم قبلوا رواية ابن عبّاسٍ (٢) وابن الزبير(٣) والنعمانَ بن
بشير(٤) - رضي الله عنهم - من غير فرقٍ بين ما تحمُّلوه قبل البلوغ أو بعده.
الثاني :
إجماعُ الكلِّ على إحضارِ الصبيانِ مجالس الروايةِ(*).
الثالثُ:
أنَّ إقدامه على الروايةِ - عندَ(٦) الكبر - يدلُّ ظاهراً على ضبطهِ للحديثِ(٧)
الّذي سمعه - حال الصغر.
الرابع :
أجمعنا: على أنَّهُ تقبل منهُ الشهادةُ - الَّتي تحمَّلها حال الصغرِ -: فكذا
الروايةُ .
والجامع: أنَّهُ - حالَ الأداءِ - مسلمٌ عاقلٌ بالغّ، يحترزُ(٨) من الكذبِ.
الشرط الثالث:
أن يكون مسلماً:
(١) انظر في تحمّل الصبيّ وسماعه الكفاية: (١٠٣) وما بعدها و(٤٦٦) وما بعدها أيضاً
(٢) كان له عند وفاة رسول الله - * - ثلاث عشرة سنة. الترجمة (٤٨٧١) الإصابة ..
(٣) توفي رسول الله - 18 - وهو ابن تسع سنين. الترجمة (٤٦٨٢) الإصابة .
(٤) ولد سنة اثنتين للهجرة، الترجمة (٨٧٢٨) الإصابة .
(٥) لفظ آ: ((الرواة)).
(٦) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((وقت)).
(٧) كذا في ح، وهو الأنسب وفي النسخ الأخرى: ((ضبط الحديث)).
(٨) لفظ ح، ل: ((محترز).
- ٣٩٥ -
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :
الكافرُ الَّذِي لا يكونُ من أهلِ (*) القبلةِ - أجمعت الأمّةُ: على أنَّهُ لا تُقبلُ:
روايتُهُ، سواء عُلِمَ من دينه [المبالغةُ في(١)] الاحتراز عن الكذبِ، أو لم يعلم.
المسألةُ الثانيةُ :
المخالفُ من أهل القبلةِ، إذا كفّرناهُ: كالمجسِّم وغيره، هل تقبلُ روايتهُ.
أم لا؟ !.
الحقُّ - أنَّه إن كان مذهبهُ جواز الكذب: لم تُقبلْ روايتُهُ؛ وإلاّ قبلناها ۔ وهو
قولُ أبي الحسين البصريّ(٢).
وقال القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبّار(٣): لا تقبل روايتهم (٤) ..
لنا:
أنَّ المقتضي للعملِ [به(٥)] قائمٌ، ولا معارضَ: فوجبَ العملُ به.
بيان أن المقتضي قائمٌ: أنَّ اعتقادهُ تحريمَ(٦) الكذب يزجرُهُ عن الإِقدام.
عليه - فيحصلُ ظنُّ صدقِهِ: فيجبُ العملُ بهِ - على ما بيِنَّهُ.
وبيانُ أنَّه لا معارضَ(٧)
أنَّهم أجمعوا(*): على أنَّ الكافرَ ـ الَّذي ليس من أهل القبلةِ - لا تُقبلُ:
روايتُهُ، وذلكَ الكفرُ منتفٍ هاهنا.
(*) آخر الورقة (٦٤) من ل.
(*) آخر الورقة (٦٢) من آ.
(١) هذه ال: بادة من ح.
(٢) انظر المعتمد: (٦١٧/٢-٦١٩).
(٣) زاد في ي: ((أنّه)).
(٤) انظر المعتمد: (٦١٨/٢).
(٥) هذه الزيادة من ح، جد آ.
(٦) كذا في ح، ولفظ غيرها: «لحرمة)).
(٧) زاد في ي : «له».
(*) آخر الورقة (٦٤) من جـ.
-٣٩٦ -
[و(١)] احتجَّ أبو الحسين:
بأنَّ كثيراً من أصحاب الحديثِ قبلوا أخبارَ سلفِنا: كالحسن وقتادة
وعمروبن عبيد - مع علمهم بمذهبهم، وإكفارهم من يقول بقولهم(٢).
[و(٣)] احتجَّ المخالفُ - بالنصِّ والقياسِ :
أمَّا النصُّ - فقولُه - تعالى -: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبيَّنوا﴾(٤)، أمَرَ بالتثُبُّتِ
عندَ(٥) نيٍ الفاسقِ، وهذا كافرٌ فوجبَ الثُّت عند خبرِهِ.
وأمَّا القياسُ - {فقد(٦)] أجمعنا: على أنَّ الكافرَ - الَّذي لا يكونُ من أهل
القبلةِ - لا تقبلُ روايته: فكذا هذا الكافرُ.
والجامعُ: أنَّ قبولَ الروايةِ تنفيذٌ لقولهِ على كلُّ المسلمين، وهو(٧) منصبٌ
شريفٌ، والكفرُ يقتضي الإِذلالَ، وبينهما منافاةٌ. أقصى ما في الباب أن يقالَ:
هذا الكافرُ جاهلٌ بكونِهِ كافراً، لكنَّه لا يصلُحُ عذراً؛ لأنَّهُ ضمَّ إلى كفرِهِ جهلاً
آخر، وذلك لا يوجبُ رجحانَ حالِهِ على الكافرِ(٨) الأصليّ.
[و(٩)] الجوابُ عن الأوَّلِ :
[أنّ] اسمَ ((الفاسقِ)) - في عرف الشرع - مختصّ (١١) بالمسلمِ المقدم
(١) هذه الزيادة من ل، آ، ح.
(٢) هذا القول نقله الإمام المصنف بلفظه عن المعتمد: (٦١٨/٢)، والمذكورون من
أئمة المسلمين، ومن جيل التابعين التالي لجيل الصحابة في الفضل والتقى والدين، وإذا
كان - هناك - من نسب بعض متطرفي المعتزلة من منكري الصفات وأمثالهم إلى الكفر - فلا
نعلم أحداً من المسلمين نسب الحسن أو قتادة إلى البدعة فضلاً عن الكفر.
(٣) هذه الزيادة من ح، ي.
(٤) الآية (٦) من سورة الحجرات.
(٥) لفظ ل: «أنباء)».
(٦) هذه الزيادة الواجبة انفردت بها آ.
(٧) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((وهذا)).
(٨) لفظ ح: ((الكفر)).
(١٠) لم ترد في آ، ي.
(٩) هذه الزيادة من ل.
(١١) لفظ، آ، ح: ((يختصّ)).
- ٣٩٧ -
على الكبيرةٍ(١).
وعن الثاني:
الفرقُ بين الموضعين(٢): [أنَّ كفرَ الخارجِ عن الملَّةِ أعظمُ من(*) كفرِ
صاحب التأويل ، فقد رأينا الشرعَ فَرَّقَ بينهما (٣)] في أمورٍ كثيرةٍ، مع ظهورِ
الفرقِ: لا يجوزُ الجمعُ(*).
الشرط الرابع:
العدالةُ - وهي: «هيئةٌ راسخةٌ في النفسِ تحملُ على ملازمةِ التقوى
(١) الفسق لغة من ((فسَقَ يفسُقُ - من باب قعدَ: خرج عن الطاعة، ولم يسمع في كلام.
الجاهليّة مع أنّه عربيّ فصيح، ونطق به الكتاب العزيز. ويقال: ((أصله: خروج الشيء من
الشيء على وجه الفساد)) انظر المصباح مادة: ((فسق)) ص(٦٤٦). ونقل القرطبيّ عن ابن:
زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: أن ((الفاسق)) - هو ((الكذاب)). وقال أبو الحسن الورّاق: هو
((المعلن بالذنب)). وقال ابن طاهر: ((الذي لا يستحيي من الله)). وانظر تفسير القرطبي:
(٣١١/١٦-٣١٢) وتفسير الإمام المصنف: (١١٩/٢٨-١٢٠).
وقد اختلف العلماء اختلافاً كبيراً فيما يفسق به المرء، ولذلك فقد ذهب جمهور أهل
العلم إلى وجوب الكشف عن سبب التفسيق ليظهر إنْ كان يصلح سبباً لذلك أم لا . وانظر
الكفاية: (١٧٨-١٧٩).
وأما بالنسبة لأصحاب الأهواء - فقد اتفقوا على رفض رواية من كانت بدعته مكفرة،
وكذلك اتفقوا على رفض رواية من يستحل الكذب ولو لم يكفر ببدعته، أمّا إذا لم يكن
كذلك: فلم يكفر ببدعته، ولم يستحل الكذب على مخالفيه فذلك الذي فيه الخلاف؛ وقد
فرق كثير - من العلماء - بين من كان داعية لبدعته ومن لم يكن كذلك: فرفضوا رواية الداعية،
وبعض الأئمة استثنى طوائف معيّنة - من أهل الأهواء لاشتهارها باستباحة الكذب على
مخالفيها، كما نُقل عن الإِمام الشافعي: ((أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابيّة من الرافضة)).
الكفاية (٢٠٢)، ويحكى نحوه عن أبي حنيفة وأبي يوسف - فانظر تفصيل هذا كله في هذا.
الفصل من الكفاية: (٢٠٢ - ٢١٠).
(٢) لفظ ل: ((الوضعين)).
(*) آخر الورقة (٨٧) من س.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط كله من ي، ولفظ ((أعظم)) في جـ: ((أغلظ)).
(*) آخر الورقة (٤٢) من ي.
- ٣٩٨ -
والمروءةِ - جميعاً - حتى تحصلَ ثقةُ النفسِ بصدقِهِ)).
ويعتبر فيها الاجتنابُ عن الكبائر، وعن بعض الصغائر: كالتطفيف في
الحبّة، وسرقة باقة من البقل. وعن المباحات القادحة في المروءة: كالأكل في
الطريق والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، والإِفراط في المزاح.
والضابطُ فيه: أنَّ كلَّ ما لا يؤمن معه جرأتُهُ على الكذب: تردُّ به الرواية،
وما لا ، فلا.
ويتفرع على هذا نوعان من الكلام:
النوع الأول - في أحكام العدالة:
وفيه مسائل :
المسألة الأولى:
[الفاسق(١)] إذا أقدمَ على الفِسق، فإن عَلِمَ (٢) كونَهُ فسقاً: لم تُقبل روايتُهُ
- بالإجماع .
وإن لم يَعْلَم كونَّهُ فسقاً [فكونه فاسقاً(٣)] - إمّا أنْ يكون مظنوناً أو مقطوعاً:
فإن كان مظنوناً - قبلت روايته بالاتّفاق؛ قال الشافعي - رضي الله عنه -:
((أقبلُ شهادةَ الحنفيِّ، وأحدُّه إذا شرب(٤) النبيذ))(*).
(١) لم ترد الزيادة في ل.
(٢) عبارة ي: ((فإن كان يعلم)).
(٣) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٤) قال الإمام الشافعيّ - رحمه الله -: ((ومن شرب عصير العنب الذي عتّق حتى سكر
- وهو يعرفها خمراً -: ردت شهادته لأنّ تحريمها نصٌّ، ومن شرب سواها من المنصّف أو
الخليطين فهو آثم، ولا ترد شهادته إلّا أن یسکر، لأنّه عند جميعهم حرام».
وقال المزنيُّ - رحمه الله -: (( ... فكيف يحدُّ من شرب قليلاً من نبيذ شديد، ويجيز
شهادته)»؟! فانظر الأم: (٣١٠/٨-٣١١) ط الفنّة، ونقل عن الإِمام نحوه في (٢٠٦/٦)
وانظر من الرسالة ص(٢٥، و٣٨، و٤٩٣) ففیھا له - رحمه الله - کلام دقیق في تحديد مفهوم
العدالة، عنده ونحوه في آداب الشافعي ومناقبه: (٣٠٦) بتحقيق شيخنا عبد الغني، وعلوم
الحديث لابن الصلاح: ص(٩٥) وما بعدها، وتدريب الراوي: (٣٠٠/١) وما بعدها،
والكفاية (١٣٦) وما بعدها.
(*) آخر الورقة (٧١) من ح.
- ٣٩٩ -
وإنْ كان مقطوعاً به : قبلت روايته - أيضاً - قال الشافعيُّ - رضي الله عنه -:
((أقبل روايةً أهل الأهواءِ إلا الخطّبيَّةَ - من الرافضةِ لأنهم يرونَ الشهادةَ بالزورِ
لموافقیهم»(١).
(١) الخطّابيّة: نسبة إلى أبي الخطّاب محمد الأجدع مولى بني أسد، كان ينسب نفسه
إلى أبي عبد الله - جعفر بن محمد الصادق - رحمه الله - ولكن الصادق تبرأ منه، وأمر أصحابه
بالبراءة منه لما اطلع على كفره بنسبته وآبائه الكرام إلى الألوهية، وقوله: ((إنهم أبناء اللّه
وأحباؤه)». انظر لمعرفة بقية ضلالاتهم وكفرياتهم: الفرق: (٢١٥)، وأصول الدين (٣٣١)،
والغلوّ والفرق الغالية: (٩٩)، والحور العين: (١٦٩)، والزينة لأبي حاتم القسم الثالث:
(٢٨٩)، ولمعرفة فرق هذه الطائفة الضالة ومقالات كل منها انظر مقالات الإسلاميين:
(٧٦/١ -٨٠) ط النهضة المصرية الثانية، واعتقادات الفرق للمصنف: (٨٧) ط الكليّات
الأزهرية (١٩٧٨م)، والملل (١ /٣٨٠-٣٨٥) ط الأزهر، والفصل (٤ /١٨٥-١٨٦).
وأمّا الرافضة - فهم فئة كانت مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي
الله عنهم - فخرج بهم إلى العراق لمقاتلة واليه من قبل هشام بن عبد الملك: يوسف بن عمر
الثقفي، فلما استحر القتال بين قوات زيد ويوسف جاء بعضهم إلى زيد وقالوا له: (إنا ننصرك
على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك)) فقال زيد: ((إني لا
أقول فيهما إلّ خيراً، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيراً، وإنما خرجت على بني أميّة الذين
قاتلوا جدي الحسين وأغاروا على المدينة يوم الحرّة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق
والنار»، فانفصلوا عنه وفارقوه؛ فقال لهم: ((رفضتموني))؟ فسموا ((رافضة)»، ولم يثبت من
خمسة عشر ألفاً كانوا معه غير مائتين، فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً. انظر الفرق (٢٥) وما بعدها،
والحور العين (١٨٤) وما بعدها، ومقالات الإسلاميين: (٨٨) وما بعدها، وقد ذكر أنّهم سَمّوا
رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، واعتقادات الفرق للمصنف: (٧٧)
ط الأزهرية. وكلام الإمام الشافعيّ جاء بلفظ: ((لم أرَ أحداً - من أصحاب الأهواء - أشهد
بالزور من الرافضة)» في الحلية: (١١٤/٩) والسنن الكبرى: (٢٠٨/١٠)، والآداب
الشرعية: (١٥٨/٢) وآداب الشافعيّ ومناقبه: (١٨٧)، وبلفظ كلفظِ المحصول جاء في.
الكفاية: (١٩٤ -١٩٥) ظ. دار الكتب الحديثة، وعلوم الحديث: (١٠٣) ط. المكتبة
العلمية بالمدينة المنورة، وتدريب الراوي: (٣٢٥/١) ط. المكتبة العلمية الثانية، ومناقب
الفخر: (٥٢) والطرق الحكميّة: (١٥٤)، والذي في السنن الكبرى ومناقب الفخر: ((أجيز
شهادة أهل الأهواء كلهم إلا الرافضة؛ فإنه يشهد بعضهم لبعض))، وانظر أقوال العلماء في =
- ٤٠٠ -
٠