Indexed OCR Text
Pages 301-320
كانَ صدقاً - فلا بدَّ من أنْ يُكذَبَ (١) عليهِ. وإنْ كانَ كذباً - فقد كُذِبَ عليه أيضاً.
وثانیھا(٢):
أنَّه قد حصلَ في الأخبارِ ما لا يجوزُ نسبتُهُ إلى الرسولِ - وَلَ ـ ولا يَقبَلُ
التأويلَ، وإذا كانَ كذلكَ: وجبَ القطعُ بكونِهِ كذباً.
وثالثُها:
ما روي عن شعبة(٣): ((أنَّ نصفَ الحديثِ كذبٌ)).
-
= رقم (٨٢٣٣، و٣٤، و٣٥، و٣٦، و٣٧، و٣٨، و٣٩)، وانظر الاستنتاجات الباطلة لأبي ربة
وأمثاله من هذا الحديث في أضوائه (٣٦-٤٤). وانظر ماكتبه المرحوم الدكتور السباعي في
الرد على استنتاج أحمد أمين في كتابه ((السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي))
ص(٢٣٨-٢٤١).
(١) عبارة جـ، !: ((فلا بد وأن يكون قد كذب عليه)).
(٢) لفظ ح: ((والثاني)).
(٣) لعله شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام العتكي، قال فيه سفيان الثوريّ: ((شعبة بن
الحجّاج أمير المؤمنين في الحديث)) كان عابداً زاهداً متقشفاً، قال أبو بكر البكراويّ: ((ما
رأيت أعبد الله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه .. ))، وكان يقدّم ـ في
التثبّتُ على سفيان الثوريّ. وكان أعلم بالرجال، وحين توفي قال سفيان: ((مات الحديث))
ولد سنة ثلاث وثمانين وتوفي سنة ستين ومائة. انظر ترجمته في تاريخ بغداد:
(٢٥٥/٩-٢٦٦)، والتذكرة: (١٩٣/١-١٩٧)، وتهذيب التهذيب: (٣٣٨/٤-٣٤٦)،
والتاريخ الكبير: (٢/ق٢٤٤/٢-٢٤٥)، والصغير: (١٣٥/٢)، وطبقات ابن سعد:
(٢٨٠/٧).
وأمّا الكلام الذي نسب إلى شعبة - فهو كلام لم أعثر عليه في سائر مصادر ترجمته - التي
اطلعت عليها - كما لم أعثر عليه منسوباً لأيّ ممن يحمل اسم شعبة، وترجمت لهم المصادر
المشار إليها والمصنف قد أخذه عن أبي الحسين البصري - الذي أورده في المعتمد:
(٥٥٠/٢) بلفظ: ((ثلث الحديث كذب))، وهو لفظ ساقط لا عبرة به، ولا يصلح دليلاً لما
يراد الاستدلال له، وعلى فرض صحة نسبته إلى شعبة فقد يكون قاله - قبل أن يستقيم أمره، =
- ٣٠:١ -
[و(١)] أمَّا المقامُ الثاني - وهو سبب الكذب - فاعلم: أنَّ ذلكَ إِمَّا أنْ يكونَ
من جهةِ السلفِ، أو من جهةِ الخلفِ:
أمّا السلفُ - فهم منزَّهونَ عن تعمُّدِ الكذبِ، إلّ أنَّهُ لو وقعَ [ذلك(٢)] - لوقع
علی وجوه :
أحدها:
أنْ يكونَ الراوي يرى نقلَ الخبرِ بالمعنى، فيبدِّلُ مكانَ اللفظِ آخرَ لا يطابقُهُ
- في معناه - وهو يرى أنَّه يقومُ مقَامَه.
وثانيها :
أنَّهم لا يكتبونَ الحديثَ - في الغالب - فإذا قَدُمَ العهدُ، فربَّما نسِيَ اللّفظَ،
فأبدلَ بِه لفظاً آخرَ - وهو يرى أنَّ ذلكَ اللَّفظَ - هو المسموعُ، وربَّما نسِيَ زيادةٌ
يصحُّ بها الخبرُ.
[وثالثُها (٣)]:
ربّما أدرك الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ - وهو يروي متنَ الخبر، ولم یذکرْ
إسنادَهُ إلى غيرِهِ: فيظنُّ أنَّ الخبرَ من جهتِهِ - رَّةَ - ولهذا كانَ - عليه الصلاةُ :
والسلامُ - يستأنفُ الحديثَ إذا أحسِّ بداخلٍ، ليكملَ لهُ:
ومن ذلك ما روي: [أنَّه (٤)] عليه الصلاةُ والسلامُ - [قال(٥)]: ((الشؤمُ في:
ثلاثةٍ: المرأةِ والدار والفرسِ))(٦) فقالت عائشة(*) - رضي الله عنها - ((إنَّما قالَ
رسول الله - * - ذلك: حكاية عن غيره)).
= وينتقل إلى الاشتغال بالحديث، فقد قال يزيد بن زريع: ((قدم علينا شعبة البصرة ورأيه رأي
سوء خبيث، فما زلنا به حتى ترك قوله ورجع وصار معنا)). انظر تاريخ بغداد: (٢٦٠/٩).
(١) لم ترد الواو في ل، آ، ح.
(٢) لم ترد الزيادة في ل.
(٣) لم ترد الزيادة في ح.
(٤) لم ترد هذه الزيادة في س.
(٥) لم ترد الزيادة في لى.
(*) آخر الورقة (٥٣) من جـ.
(٦) بهذا اللفظ وغيره من طريق أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أخرجه البخاريّ في
(١٠/٧) ط. صبيح والشعب، وبهامش الفتح (١١٨/٩) و(١٨١/١٠)، ومسلم في =
- ٣٠٢ -
= (١٤ / ٢٢٠-٢٢٣) ط. المصريّة، و(١٧٤٧/٤) ط. عيسى الحلبي، وسنن الترمذي:
(٤٦/٨) رقم (٢٨٢٥) و(٢٨٢٦)، وابن ماجه: (٦٤٢/١) رقم (١٩٩٣، ١٩٩٤،
و١٩٩٥)، والنسائي: (١٨٣/٦) ط. الحلبي، ومسند الحميدي: (٢٨٠/٢) رقم (٦٢١).
وسنن أبي داود (٢٣٧/٤) رقم (٣٩٢٢)، وانظر (٣٩٢١) أيضاً، وسنن البيهقي
(١٤٠/٨)، ومسند أحمد (٨/٢، و٣٦، و٨٥، و١١٥، و١٣٦، و١٥٣، و٣٣٣/٣،
و٣٣٥/٥، و٣٣٨، ٢٤٦/٦). والمشكاة (١٥٩/٢)، ومجمع الزوائد (١٠٤/٥-١٠٥)،
وكشف الخفا (١٧/٢) رقم (١٥٦٤).
وأما أثر عائشة - رضي الله عنها وقولها: ((إنّما قال ذلك حكاية عن غيره - فقد أخرجه أبو
داود الطيالسيُّ في مسنده عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة: أن أبا هريرة
يقول: قال رسول الله -*-: ((الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس))، فقالت عائشة:
(لم يحفظ أبو هريرة: ((أنّه دخل ورسول الله - وَّله - يقول: ((قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في
ثلاثة في الدار والمرأة والفرس: فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله)) انظر مسنده (٣٤٧/١)
ومحمد بن راشد وثقه أحمد وغيره، ولكن الشك في الواسطة بين مكحول وعائشة، حيث إن
الثابت لدى علماء الرجال: أنّ مكحولاً لم يسمع من أحد - من الصحابة - إلا من أنس.
وجاء من وجه آخر في المسند عن أبي حسّان الأعرج: أنّ رجلين (زاد في رواية: من
بني عامر) دخلا على عائشة - رضي الله عنها - فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث: أنّ نبيّ الله - ◌َّ -
كان يقول: ((إنّما الطيرة في المرأة والدابة والدار))؛ قال: فطارت شقة منها في السماء، وشقة
في الأرض، فقالت: ((والذي أنزل القرآن على أبي القاسم - ما هكذا كان يقول؛ ولكن نبيّ
الله - * - كان يقول: ((كان أهل الجاهليّة يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابَّة))؛ ثم
قرأت: ﴿ما أصابَ مِنْ مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسِكُمْ إلا في كتابٍ﴾ إلى آخر الآية. انظر
المسند: (٢٤٦/٦) والفتح الرباني: (٢٠٠/١٧-٢٠١) قال الزركشي: ورواية عائشة - في
. هذا - أشبه بالصواب إن شاء الله لموافقته نهيه عليه الصلاة والسلام عن ((الطيرة) نهياً عاماً
وترغيبه في تركها، ثم نقل عن ابن الجوزي إنكاره على عائشة - رضي الله عنها - استدراكها
: هذا، وقال: ((الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها)). ثم قال: والصحيح : أن المعنى
- إن خيف من شيء أن يكون سبباً لما يخاف شره ويتشاءم به فهذه السبيل لا على السبيل
التي تظنها الجاهليّة من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيراً» فانظر الإجابة
(١١٤-١١٧)، ومشكل الآثار: (٣٣٩/١-٣٤١)، ودفاع عن أبي هريرة لأخينا الأستاذ عبد
المنعم العلي ص(٢٣٣)، وتأويل مختلف الحديث (١٠٢) وما بعدها.
- ٣٠٣ -
ورابعها:
أنَّه ربّما خرجَ الحدیثُ علی سببٍ، وهو مقصورٌ علیهِ، ویصحُ معناهُ به، وما
هُذا(*) سبيله(١) ينبغي أنْ يُروى مع سَبَبِه، فإذا لم يُعرَفْ(*) [سبُبُهُ(٢)] أُوهُمْ.
الخطأ: كما روي أنَّهُ - عليه الصلاةُ والسلامُ - قالَ: ((التاجرُ فاجرُ))، فقالت
عائشةُ - رضي الله عنها -: ((إنَّما قالَ ذلكَ في تاجرٍ دلِّس))(٣) ..
وخامسُها :
ما روي أنَّ أبا هريرةً كان يروي أخبارَ الرسولِ (٤) - ◌َ - وكعبٌ يروي أخبارَ
(١) لفظ ح: ((وجب)).
(٢) سقطت الزيادة من ح.
(*) آخر الورقة (٥٥) من ح.
(*) آخر الورقة (٧٤) من س.
(٣) الحديث بلفظ: ((التاجر فاجر)) لم أجده عند غير الزركشي في الإجابة، حيث ذكره
بهذا اللفظ نقلًا عن المحصول، فقال - (وهو يتحدث عن قوله - ﴾ -: ((إنّ الميّت
ليعذب)))، ونظير هذا ما روي أنّه ـ * - رأى تاجراً يبخس الناس في البيع فقال: ((التاجر
فاجر))، يعني ذلك الرجل فرواه بعضهم على أنّه للاستغراق ذكر هذا فخر الدين الرازي في
بعض كتبه الأصوليّة وجعله من أسباب الغلط في الرواية، ولا شك أنّه من أسبابه، لكن هذا
الحديث ليس من هذا الباب؛ فإن في السنن: ((التاجر فاجر إلّ من بر وصدق))؛ وهذا يدل
على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه. انظر ص(١٠٣). وأخرج الطحاويّ في المشكل.
قوله عليه الصلاة والسلام: (إنّ التجار هم الفجّار)) فقيل: يا رسول الله أليس الله قد أحل البيع
والشراء قال: ((بلى؛ ولكنهم يحلفون ويبيعون، ويحلفون ويكذبون)»، وأخرجه في الموضع
نفسه عن عبد الله بن شبل. ثم قال: ((فإن قال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله - ) -
وقد أحل الله البيع فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللّهِ الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبُوا﴾، وقال: ﴿لا تَأْكُلُوا أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالبَشِطِلِ إِلَّ أَنْ تَكون تِجَرَةٌ عَنْ تراضٍ﴾، فكيف يجوز أن يكون أهل هاتين الآيتين فتجاراً؟
وكان جوابنا له - في ذلك بتوفيق الله وعونه -: أن ذلك - عندنا - والله أعلم إنّما هو على
المذمومين - من التجار في تجارتهم، لا على المحمودين فيها، ثم أخذ يستدل على صحّة
هذا التأويل ولم يورد شيئاً عن استدراك أم المؤمنين عائشة ولا تأويلها. فانظر مشكل الآثار:
(١٢/٣-١٥)، وقد أخرج البيهقي وغيره قوله - وَّه -: ((التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً إلّ
من اتّقى الله وبرَّ وصدق) فانظر السنن: (٢٦٦/٥)، وبلفظ: ((التجار هم الفجار))، أخرجه
الحاكم في المستدرك: (٧٢٦/٢) وأحمد في المسند: (٤٤٤/٣)، وأخرجه الدارمي : = :
(٢٤٧/٢)، والترمذي: (٥١٥/٣-٥١٦) وانظر الترغيب والترهيب: (٤٧/٤)، والمشكاة
(٨١/٢) وسنن ابن ماجه: (٧٢٦/٢). وانظر كشف الخفا الحديث (٦٦٥).
۔۔
(١) لفظ ح: ((النبيّ))، وهو مساوٍ.
- ٣٠٤ -
اليهودِ، والسامعونَ ربَّما ألبسَ عليهم ذلكَ - فرووا في الخبرِ: أنَّهم سمعوا من
أبي هريرة: وإنَّما سمعوا من كعبٍ(١).
وأمَّا سببُ الكذبِ في الأخبارِ - من جهةِ الخلفِ - فوجوهُ:
أنَّ الملاحدةَ وضعوا الأباطيلَ ونسبوها إلى الرسولِ (٢) - عليه الصلاةُ
أحدها :
(١) بهذا اللفظ لم أجد هذه الرواية في مظان وجودها - التي رجعت إليها - ولكني وجدت
قريباً منها ما روي عن مسلم بن الحجاج عن بشربن سعيد قال: ((اتقوا الله وتحفّظوا من
الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول الله - * - ويحدثنا عن كعب
الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب وحديث كعب
عن رسول الله وفي رواية يجعل: ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب،
فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث)). وهذا قد أورده أبوريّة تحت عنوان ((تدليسه)) أي: أبي هريرة
- رضي الله عنه - وعزاها إلى البداية والنهاية لابن كثير: (١٠٩/٨) فانظر أضواءه على السنّة
المحمدية ص(١٦٥) وهامشها وقد رجعت إلى صحيح الإِمام مسلم بن الحجاج وقرأت
مقدمته - كلّها - وقد تحدث فيها عن حال بعض الرواة، ومعايب الرواة، والنهي عن الحديث
بكل ما سمع، والنهي عن الرواية عن الضعفاء، وهي مظنّة وجود هذه الرواية - لو صحت عنه -
ولكنني لم أجد منها فيها حرفاً. فانظر صحيح مسلم: (٤٣/١-١٤٤) ط. المصرية.
وقد أعاد نقل الرواية المذكورة صاحب: ((الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنّة
من الزلل والتضليل والمجازفة)) في ص(١٦٣).
وقال يزيد بن هارون: ((سمعت شعبة يقول: ((أبو هريرة كان يدلُّسُ - أي: يروي ما سمعه
من كعب وما سمعه من رسول الله - * - ولا يميز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر» فانظر هذه
الحكاية والحكاية السابقة فيه وفي البداية في الموضع المذكور، وانظر تعليق صاحب الأنوار
عليهما.
قال شعيب: الخبر رواه مسلم في كتاب ((التمييز) وهو من تأليفه ص٢٨، طبع جامعة
الرياض. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا مروان الدمشقي، عن الليث بن
سعد، حدثني بكير بن الأشج، قال لنا بشربن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا في الحديث، فوالله
لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ويحدثنا عن كعب، ثم نقوم، فأسمع بعض
من كان معنا يجعل حديث رسول الله (19 عن كعب، وحديث كعب عن رسول اللّه ◌َلتر، وهذا
(٢) لفظ ح: ((النبيّ)).
إسناد صحيح على شرط مسلم.
.--
- ٣٠٥ -
٠٠
والسلامُ -: تنفيراً للعقلاءِ منهُ - كما يُروى ذلك عن عبد الكريم بن أبي
العوجاء(١).
:
وثانيها :
ما قيل: إن الإِماميَّةِ يسندون إلى الرسول (*) - # - كلّ ما صحّ عندهم -
عن بعضِ أئمّتهم؛ قالوا: لأنَّ جعفر بن محمدٍ قال: ((حدَّثني أبي وحدَّثني :
جدي، وحديثُ أبي وجدّي حديثُ رسولِ الله - {َ﴿ ــ فلا حَرِجَ عليكم إذا
سمعتُم مِنِّي حديثاً أن تقولوا: قال رسولُ اللهِ - وَلِ))(٢) ..
(١) عبد الكريم بن أبي العوجاء: خال معن بن زائدة زندیق وضّاع، قال أبو أحمد بن
عدي: لما أخذ لتضرب عنقه قال: ((لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال
وأُحلِّل الحرام)). الميزان: (٦٤٤/٢)، ولسان الميزان: (٥١/٤) والفرق للبغدادي:
(٢٥٥-٢٥٦) وقد ذكره ضمن أصحاب التناسخ ولقد توهم الزنديق : أنه بعد أن وضع کل هذه .
الأحاديث أنّه لن يقتل قبل أن يسأل عنها، وينبه عليها ولكن علماء السنة الكثيرين في ذلك ..
الوقت كانوا قادرين على غربلة الحديث وإسقاط افتراءات أمثاله، فقتله أبو جعفربن:
محمد بن سليمان العباسي العامل على البصرة للمهدي سنة ستين ومائة أو بعدها، وانظر
- أيضاً - السنة ومكانتها في التشريع ص(٧٨)، والمغني في الضعفاء للذهبي الترجمة
(٣٧٨١)، وقد وصفه بالزندقة .
(*) آخر الورقة (٥٣) من آ.
(٢) أمّا جعفر بن محمد - فهو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب - رضي الله عنهم - يكنى أبا عبد الله، وهو المدنيّ الملقب بـ((الصادق))، وأمه أم فروة:
بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولذلك كان
يقول: ((ولدني أبو بكر مرتين))، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر للشيعة الإِمامية، روى عن أبيه :
وعن الزهري ونافع وعروة وغيرهم، وروى عنه شعبة والسفيانان ومالك وابن جريج وأبو حنيفة ، .
وابنه الإِمام موسى وخلق كثير، وثّقه الإِمام الشافعيّ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ((ثقة لا.
يسأل عن مثله)) وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً.
وفضلاً)» توفي سنة (١٤٨)هـ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: (١٠٣/٢-١٠٤)،
والميزان: (٤١٤/١)، وقال: ((برِّ صادق كبير الشأن، لم يحتج به البخاري)). والتاريخ
الصغير: (٩٢/٢)، والكبير: (١٩٨/١)، والتذكرة: (١٦٦/١-١٦٧). وأمّا النصّ المنقول =
- ٣٠٦ -
وثالثُها : .
أن يكون الراوي [يرى(١)] [جواز (٢)] الكذب المؤدّي إلى صلاحِ الأمَّةِ (٣)؛
فإِنَّ من مذهب الكرَّامِيَّةِ: أنَّهُ إذا صحَّ المذهبُ - جازَ وضعُ الأخبارِ فيهِ؛ لأنَّ
ذلكَ سببٌ لترويجِ الحقِّ: فوجبَ أن يكونَ جائزاً .
ورابعُها:
الرغبةُ، كما وضعوا في ابتداءِ دولةِ بني العبّاس أخباراً في النصِّ على إمامةٍ
العبّاسِ وولدهِ(٤).
مسألةٌ :
٧ في تعديلِ الصحابة - رضي الله عنهم -:
مذهبُنا(*): أنَّ الأصلَ فيهم - العدالةُ، إلَّ عندَ ظهورِ المعارضِ للكتاب
والسنَّةِ :
أمّا الكتاب - فقوله - تعالى -: ﴿وَكَذُلك جَعَلْنْكُمْ أُمَّةً وَسَطَأْ﴾(٦)، وقوله
- تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٧)، وقوله تعالى: ﴿والسَّبقونَ
الأَوَّلُونَ﴾(٨).
[و(٩)] أمّا السنّةُ - فقولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: ((أصحَابِي كالنّجومِ بأيِّهم
= عنه فلم أجده بلفظه، وهناك نحوه وما في معناه وأكثره تجده في كتاب ((الحجة)) من أصول
الكافي: انظر على سبيل المثال: (٢٢٣/١، وقبلها ٢١٤، و٢٢٨، و٢٣٩، و٢٦٣، و٢٧٥،
وانظر ٣٠٦).
(١) لم ترد في ل.
(٢) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٣) لفظ جـ، آ: (إصلاح)).
(٤) انظر للاطلاع على بعض البواعث على الوضع ((السنة ومكانتها في التشريع))
لمصطفى السباعي (٧٨-٧٩)، وستجد نماذج وأمثلة الأحاديث الموضوعة نتيجة لتلك
البواعث.
(٥) في ح، آ زیادة: ((و)).
(٦) الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٧) الآية (١٨) من سورة الفتح.
(٨) الآية (١٠٠) من سورة التوبة.
(٩) هذه الزيادة من ح.
- ٣٠٧ -
اقتديتُمُ اهتديتُم))، وقوله: ((ولا تسبُّوا أصحابي))، وقوله: ((لو أنفقَ أَحدُكُم مِل:
الأرضِ ذهباً ما بلغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَهُ))، وقوله: ((خيرُ الناس قرني))(١).
وقد بالغ إبراهيم النظّامُ - في الطعن فيهم - على ما نقله الجاحظُ عنهُ - في
کتاب «الفتیا)» ونحن نذكر ذلك مجملاً وَمفصّلاً.
أمَّا مجملا - فإنَّهُ رَوى من طعن بعضهم في بعضٍ أخباراً كثيرةً يأتي
تفصيلُها؛ وقال [النظّامُ (٢)]: ((رأينا بعضَّ الصحابةِ يقدحُ في البعض ؛ وذلكَ
يقتضي توجُّهَ القدحِ إمّا في القادح - إن كان كاذباً - وإمَّا في المقدوحِ فیهِ - إِنْ
كانَ القادحُ صادقاً» .
[بيان(٣)] المقام الأوَّل ـ من وجوه:
: أ. قال عمرانُ بنُ الحصين: ((واللهِ لو أردتُ لحدثْتُ عن رسولِ اللهِ - عليهِ ..
الصلاةُ والسلامُ - يومين متتابعين، فإنّي سمعتُ كما سمعوا، وشاهدت كما.
شاهدوا، ولكنَّهم يحدِّثون أحاديثَ ما هي كما يقولونَ، وأخافُ أنْ يُشبَّهَ لي كما
شُبِّهَ لهم)) . (٤).
(١) ((خير الناس قرني))، ورد بألفاظ متعددة وروايات كثيرة بعضها في الصحيحين عن:
ابن مسعود وغيره وكذلك الطبراني والحاكم والترمذي وأحمد. فانظر الفتح الكبير: (٩٩/٢)،
وكشف الخفا: (٤٧٥/١) الحديث (١٢٦٥)، والمقاصد الحسنة ص(٢٠٨) حديث
(٤٦٦)، وذخائر المواريث: (٧٠/٣) حديث (٥٩٦٦)، وقال: أخرجه البخاري ومسلم، ..
والترمذي وأبو داود والنسائي، والجامع الصغير: (١٣/٢).
(٢) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٣) من هنا إلى آخر المطاعن التي ردّدها النظّام سقط من س، ل، آ، جـ، وانفردت.
بإيراده ح، ص، ي، ولعل الناسخين الذين أسقطوا ذلك أسقطوه تحرّجاً، ولكن الأمانة:
العلمية تفرض إثباته وإن كنا نود لو أن الإمام المصنف لم يكترث بأقاويل هذا الزنديق، ولم
يحيها - بالتدوين، وإن كان قد رد عليها، وأجاب عنها.
(٤) عمران بن حصين، أو الحصين بن عبيد بن خلف الأسلميّ الخزاعيّ، صحابيّ
جلیل أسلم عام خیبر سنة (٧)هـ وتوفي سنة اثنین وخمسین، وقیل: (٥٣)هـ، روى عن رسول
الله -* - جملة من الأحاديث في أمور مختلفة - منها ما أخرجه أحمد في مسنده : =
- ٣٠٨ -
ب. عن حذيفةً: أنَّه يحلفُ - لعثمان بن عَفَّنَ على أشياءَ - باللهِ - إنَّهُ ما .
= (٤٢٦/٤-٤٤٦)، له ترجمة في الإصابة: (٢٦/٣-٢٧) وبهامشها الاستيعاب: (٢٢/٣)،
وطبقات ابن سعد: (٩/٧-١٢)، والتاريخ الكبير للبخاري: (٣/ق٤٠٨/٢) الترجمة
والتذكرة: (٢٩/١-٣٠)، وتهذيب التهذيب: (١٢٥/٨-١٢٦)، وسير أعلام النبلاء:
(٣٦٣/٢)، والمرآة: (١٢٥/١). وأما الكلام المنقول عنه فلم يذكره أحد ممن اطلعت على
ترجمته له فيها غير ابن قتيبة في تأويله ص(٤٠) وقد علمت أنّه - رضي الله عنه - قد حدّث
كثيراً عن رسول الله - 8 * - وإن لم يكن من المكثرين، كما أن سيدنا عمر - رضي الله عنه
وأرضاه - قد أوفده إلى أهل البصرة ليفقههم - وقد فعل، كما أنّه قد ولي قضاء البصرة ثم
استعفى، وهذا القول إذا صح عنه - رضي الله عنه - فإنَّه لا يعني تكذيب عمران لأحد من
الصحابة، بل هو محمول على التحذير من الإكثار من الرواية على رسول الله - * - إلا بعد
مزيد من التثّت خشية الوقوع في الخطأ، فهو كما روي عن عمر - رضي الله عنه -: ((أنّه كان
شديد الإِنكار على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم
بأن يُقلّوا الرواية، يريد بذلك ألا يتّسع الناس فيها، ويدخلها الشوبُ، ويقع التدليسُ والكذبُ
من المنافق والفاجر والأعرابيّ، وكان كثيرٌ من جلّة الصحابة وأهل الخاصّة برسول الله - إلَيه -
كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يُقلّون الرواية عنه، بل كان بعضهم
لا يكاد يروي شيئاً كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة».
انظر تأويل مختلف الحديث (٣٩).
وقال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((لولا أنّي أخشى أن أخطىء لحدثتكم بأشياء
سمعتها من رسول الله - {18َ -)»، وكان رضي الله عنه - إذا حدّث عن رسول الله - وَله - حديثاً
ففرغ منه قال: ((أو كما قال رسول الله (*))، أنظر سنن الدارمي (٧٦/١-٧٨) و(٨٤)،
وجالس الشعبيّ ابن عمر - رضي الله عنهما - سنة فما سمعه يحدث عن رسول الله - زا -
شيئاً. المرجع نفسه، ص (٨٤) وسنن ابن ماجه: (١١/١)، ونحو ذلك ما روي عن ابن
عباس في الحديث (٢٧) من سنن ابن ماجه والحديث (٢٨ و٢٩) وانظر ((شرف أصحاب
الحديث)) للبغدادي ص (٩١) لمعرفة تأويله لتشديد سيدنا عمر - رضي الله عنه - على
الصحابة في روايتهم لحديث رسول الله- 10 - ومما قاله: (( ... وفي تشديد عمر - أيضاً -
على الصحابة في روايتهم حفظً لحديث رسول الله - 8#1 - وترهيب لمن لم يكن - من
الصحابة - أن يدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنّه إذا رأى الصحابيّ المقبول القول،
المشهور بصحبة النبيّ - * - قد تشدّد عليه في روايته - كان هو أجدر أن يكون للرواية
أهیب .. . )).
- ٣٠٩ -
قالَها، وقد سمعناهُ قالَها، فقلنا لهُ فيهِ - فقَالَ: ((إنِّي أُشتري ديني بعضَهُ ببعضٍ ،.
= ونحو ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن بعض الصحابة وحذرهم الشديد من التحدیث
بكل ما سمعوا خشية الوقوع في الخطأ، أو فوت التثبت فانظر صحيح مسلم: (٦٥/١-٨٣)
ط. المصرية. وانظر نحو ذلك في جامع بيان العلم وفضله: (١٢٠/٢-١٢٤).
وهذا دليل على تثبت الصحابة - رضوان الله عليهم - هذا التثبت الذي يحمل على اليقين.
بعدالتهم، والإيمان بصدق رواياتهم إلا في القلوب المريضة والضمائر المنافقة الملحدة.
(١) هذه الفقرة خصّ النظام بها حذيفة بن اليمان العبسيّ - من كبار الصحابة واسم أبيه
حسل، كان أبوه قد أصاب دماً فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل فسمّاه قومه
اليمان، لكونه حالف اليمانيّة، وتزوج والدة حذيفة، فولد له بالمدينة، وأسلم حذيفة وأبوه،
وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، وشهدا أحداً وبها استشهد الیمان، روى ذلك
البخاري، وشهد حذيفة الخندق وله بها ذکر حسن، استعمله عمر - رضي الله عنه - علی
المدائن، وبقي بها حتى مات - رضي الله عنه - بعد مقتل عثمان ومبايعة عليّ بأربعين يوماً،
وذلك سنة (٣٦) هـ، وقد أخرج مسلم في صحيحه عنه قال: ((لقد حدّثني رسول الله - ﴾ -
ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة))، وهو صاحب سر رسول الله - ◌َ -. انظر الإصابة:
(٢١٨/١) الترجمة (١٦٤٧) وبهامشها الاستيعاب: (٢٧٧/١-٢٧٨)، والطبقات الكبرى:
(١٥/٦) وذكره وأباه فيمن شهد أحداً، وذكر استشهاد أبيه بيد المسلمين خطأ في: (٣٦/٢)
وما بعدها، وتهذيب التهذيب: (٢١٩/٢-٢٢٠). هذا:
١ - وهنا لا بد من وقفة فجميع مصادر ترجمة هذا الصحابيّ الجليل قد أطبقت على أنه
استعمل على المدائن من قبل عمر - رضي الله عنه - وأنه بقي فيها حتى مات ودفن فيها أيضاً،
وأنه غادرها غازياً إلى الدينور وماسيذان وهمذان والري وقد فتحت كلها ثم عاد إلى المدائن
ليستقر فيها حتى وفاته، وهذا يكذب رواية النظام ويدحضها، فهو ليس ممن أقام بالمدينة
ليتصور أنه قد جرى بينه وبين أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - ما يبرر تلك الكذبة
الصلعاء عليه، وإذا زار المدينة فإنّه يلم بها فقط لأن إقامته في المدائن.
٢ - حين بلغه مسير أهل الفتنة نحو المدينة ومحاصرة عثمان- رضي الله عنه - كان يخذّل
عن الخروج عليه - رضي الله عنه - أخرج أحمد في مسنده عن ربعيّ أنّه أتى حذيفة بن اليمان
بالمدائن يزوره ... قال: فقال حذيفة: «ما فعل قومك يا ربعيّ، أخرج منهم أحد؟ قال:
نعم؛ فسمّى نفراً، فقال حذيفة: ((سمعت رسول الله - * - يقول: ((من خرج من الجماعة
واستذل الإمارة: لقي الله ولا وجه له عنده)). المسند: (٣٨٧/٥)، وروى عنه عبد الله بن
- ٣١٠ -
=
مخافةً أن يذهبَ كلُّه)» .
ج. ابن عباس - رضي الله عنهما - بلغَهُ أنَّ ابن عمرَ - رضي الله عنهما -
يروي: ((أنَّ المَيِّتَ لْيُعَذِّبُ ببكاءِ أهلِهِ) - قالَ: ((ذَهِلَ أبو عبد الرحمن، إنَّما مرَّ
النبيُّ - عليه الصَّلاةُ والسلامُ - بيهوديّ يبكي على ميِّتٍ - فقال: ((إنَّه ليبكي
عليه، وإِنَّهُ ليُعذّبُ))(١).
= عبد الرحمن الأشهلي: أن النبيّ - 08 - قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا
بأسيافكم، ويرث دياركم شرارُكم». المسند: (٣٨٩/٥-٣٩٣) نعم كان دعاة الفتنة يحاولون
أن يوقعوا بين أصحاب رسول الله - #-، وقد روى عبد الله عن أبيه ... عن حذيفة قال:
((كان رجل يرفع إلى عثمان الأحاديث من حذيفة))، قال حذيفة: ((سمعت رسول الله - زَيد -
يقول: ((لا يدخل الجنّة قتات - يعني: نمّاما)). المرجع نفسه ولكن أين هذا من تلك المقالة
الشنيعة التي نسبها الملاحدة إليه للإساءة إليه وإلى عثمان وإلى الصحابة جميعاً؟ !!.
لقد كان حذيفة من فضلاء الصحابة وكان جريئاً في الحق وله مكانة لا تخفى على أحد
وخاصة على مثل عثمان - رضي الله عنه - لقد كان عمر لا يتقدم للصلاة على جنازة حتى ينظر
إن كان حذيفة بين المصلين: لأنه صاحب سر رسول الله - عزَ * -.
وهذه الشبهة قد أخرجها ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص(٢٢) وقد تأولها في
ص(٣٣) وما بعدها؛ وعن أبي محمد أخذ الإمام الرازي هذه الشبهات فكان فيها إحياء لها،
وكان حقها أن تهمل وتعزل مع صاحبها قاتله الله .
(١) حديث: ((إن الميت ليعذّب ببكاء أهله عليه)) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز
(باب ما يكره من النياحة على الميت)) عن عمر - رضي الله عنه - بلفظ: ((عن النبي - ) -
قال: (المیت یعذّب في قبره بما نيح علیه)) وأخرجه عنه مع قصة بكاء صھیب علیه حین طعن
في باب ((قول النبيّ -﴿ -: يعذب الميّت ببعض بكاء أهله عليه))، وفي نفس الباب أخرجه
عن ابن عمر وتعقيب ابن عباس على ذلك، مع ذكر واقعة بكاء صهيب، ونهي عمر له عن
البكاء واستشهادة بالحديث، وفيه قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فلما مات عمر - رضي
الله عنه - ذكرت ذلك لعائشة - رضي الله عنها - فقالت: ((رحم الله عمر !! والله ما حدّث رسول
الله - * -: إنّ الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه))؛ وقالت: ((حسبكم القرآن: ولا تزر وازرة
وزر أخرى» قال ابن عباس - عند ذلك -: ((والله هو أضحك وأبكى)) قال ابن أبي مليكة: «والله
ما قال ابن عمر شيئاً). الباب نفسه، وأخرج البخاري في المغازي في ((باب قتل أبي جهل)) =
- ٣١١ -
د. ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبيّ - عليه الصلاةُ والسلامُ - قال في
الضب: ((لا آكلُه، ولا أحلُّه ولا أُحرّمُه)»، فقال زيد الأصم: قلت لابن عبّاس:
إنّ ناساً يقولون: إنّه - عليه الصلاة والسلام - قال في الضب: ((لا آكله ولا أُحله
= حديث عائشة وابن عمر عن عروة قال: ((ذكر عند عائشة - رضي الله عنها -: أن ابن عمر رفع
إلى النبيّ - * -: ((إنّ الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله))، فقالت: ((وَهَلَ ابن عمر - رحمهِ.
الله - (أي: ذهب وهمه إلى غير المقصود) إنما قال رسول الله - م# -: ((إنّه ليعذب بخطيئته
وذنبه وإن أهله ليبكون عليه»، ثم ذكرت حديث القليب الذي سيأتي ضمن - الاستدراكات.
: وأخرج البخاري في الباب - نفسه - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((إنّما مر رسول
الله - * - على يهوديّة يبكي عليها أهلها، فقال: ((إنّهم ليبكون عليها، وإنّها لتعذّب في:
قبرها)).
وأخرج حديث المغيرة: ((من نيح عليه يعذّب بما نيح عليه)). فانظر اللؤلؤ والمرجان فيما
اتفق عليه الشيخان: (١ /١٨٤-١٨٧) الأحاديث رقم (٥٣٤-٥٣٩). ط أوقاف الكويت.
وقد أخرج البخاري هذه الأحاديث في كتاب الجنائز - كما مر- فعقد «باب قول النبي
- *-: يعذب الميّت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النوح من سنته)) انظره بهامش فتح
الباري: (١٢٠/٣) وقد عقب الحافظ الشارح عليه: بأنه تقييد من المصنف لمطلق ..
الحديث، وحل منه لرواية ابن عباس المقّدة بالبعضيّة على رواية ابن عمر مطلقة، وقوله: ٤١
(إذا كان النوح من سنته قاله الإِمام البخاري تفقُّهاً وليس جزءاً من الحديث ولفظ: ((النوح))
فيه إشارة إلى أن البكاء المنهي عنه ما كان عويلاً وصياحاً وما يصحبهما من كلام غير مشروع
ولطم خد وشق جيب وغير ذلك من المنهيات، ثم قال البخاري: ((فإذا لم يكن من سنته فهو.
كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهو كقوله: ((وإن تدع مثقلة
(ذنوباً) إلى حملها لا يحمل منه شيء، ثم قال: «وما یرخّص من البكاء في غیر نوح)»، قال.
الحافظ الشارح: (فهو كما قالت عائشة) أي: كما استدلت بقوله - تعالى -: ﴿ولا تزر وازرة:
وزر أخرى﴾ - أي: ولا تحمل حاملة ذنباً ذنب أخرى عنها؛ وهذا حمل منه لإنكار عائشة . .
على أنّها أنكرت عموم التعذيب لكل ميّت بُكي عليه)) وفي الشرح فوائد أخرى تتعلق بهذا.
الباب يحسن الاطلاع عليها في الشرح المذكور، وليست عائشة - وحدها - هي التي:
استدركت على هذا واعترضت عليه بعموم قوله - تعالى -: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى» فقد.
روي - أيضاً - اعتراض أبي هريرة - رضي الله عنه - عليه، بعموم هذه الآية فكان استدراك من.
استدرك إنما كان بناء على ما استشعره من معارضة القرآن الكريم. وحمل بعضهم الأحاديث -
- ٣١٢ -
--
-
ولا أُحرِّمه)) - قال: ((بئسَ ما قلتم، ما بعث الله النبيَّ إلا محلِّلًا محرّماً)(١).
هـ. عن ابن عمر: ((أنَّ النبيَّ - ◌ِّهِ - وقفَ على قليب بدرٍ - فقالَ: هل
وجدتم ما وعد. ربُّكُم حقاً؟ ثمَّ قال: إِنَّهم - الآنَ يسمعونَ ما أَقُولُ))، فذكروه
لعائشة - رضي الله عنها - فقالت: لا، بل قالَ: ((إنَّهم ليعلمون أنَّ الَّذي كنتُ
الدالة على تعذيب الميت بالبكاء: على أنه يعذب لو أوصى بالبكاء على نفسه كما قال
شاعرهم طرفة :
إذا مت فانعيني بما أنا أهله،، ، وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وحملها بعضهم على غير ذلك جمعاً بين الأحاديث وعموم آية ((ولا تزر وازرة وزر أخرى))
ونحوها فانظر ذُلك مفصلاً في البخاري وشرحه الفتح: (١٢٠/٣-١٤١) ومسلم بشرح
النووي: (٢٢٨/٦-٢٣٨)، والإجابة: (٧٦ -٧٧) وانظر الحديث من طريق عمر - رضي الله
عنه - في مسنده من مسند أحمد: (٣٩/١، ٤١، ٤٢، ٤٧)، وانظر دفاع عن أبي هريرة:
(٢٣٠-٢٣٣).
(١) حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: ((سأل رجل رسول الله - * - عن أكل الضبّ؟
فقال: لا آكله ولا أحرّمه)) متفق عليه من حديثه على ما في تلخيص الحبير: (١٥٢/٤)
الحديث (١٩٩٦) وانظر حديث ابن عباس في الموضع نفسه (١٩٩٧) وهو متفق عليه أيضاً
وقد أورد أبو جعفر حديث زيد بن الأصم بتمامه فانظر شرح معاني الآثار: (٢٠٢/٤) وعرض
لما روي في أکل الضباب والمذاهب فيها ورجح أن أكلها لا بأس به فانظر ذلك في «باب
أكل الضباب)) من كتابه المذكور: (١٩٧/٤-٢٠٢) وقد أخرج حديث ابن عمر في طرح
التثريب وقال: أخرجه الستة خلا أبا داود، وشرح الحديث وأوضح مذاهب العلماء في أكله
والروايات الواردة في ذلك فيه في (٢/٦-٦)، لكن لفظ حديث يزيد بن الأصم فيه: ((ما بعث
نبيُّ الله إلّ محلّ ومحرّماً))، وانظر نصب الراية: (٤ /١٩٥-١٩٦)، وحديث ابن عمر أخرجه
المجد بن تيمية - أيضاً - في المنتقى، وقال: متفق عليه، ولم يخرج حديث يزيد بن الأصم
وسؤاله لابن عباس، فانظر نيل الأوطار: (٢٨٦/٨ -٢٩٠)، وفي سبل السلام أورد حديث ابن
عباس المتفق عليه: ((أكل الضب على مائدة رسول الله - صل# -)): (١٦١/٤-١٦٢). ط
جامعة الإمام، وقد أخرج مسلم الأحاديث في حله، ومنها حديثا ابن عمر وابن عباس الذي
رواه يزيد بن الأصم في صحيحه فانظر: (١٣ /٩٧-١٠٣)، ولفظ ابن عباس فيه: ((بئس ما
قلتم ما بعث نبي الله - {#14 - إلّ محلّ ومحرّماً)) مما يدل على أن لفظ المحصول فيه تحريف
اقتضى التصحيح، حيث أن العبارة فيه: ((ما بعث الله النبيّ محلّلاً ولا محرّماً)».
- ٣١٣ -
أقولُ لهم هو الحقُّ))(١).
قال النظام: وهذا هو التكذيبُ.
و. لِمَّا روت فاطمةُ بنتُ قيسٍ : ((أنَّ زوجي طلَّقني ثلاثاً ولم يجعلْ لي
رسولُ اللهِ - عليه الصلاة والسلام - سكنى ولا نفقةً)) [فـ(٢)] قال عمرُ: ((لا نقبلُ
قولَ امرأةٍ لا ندري أصدقَتْ أم كذبَتْ))(٣).
وقالت عائشةُ - رضي الله عنها -: ((يا فاطمةُ قد قتلتِ الناسَ))؛ ومعلومٌ أنَّها
كانتْ من المهاجراتِ، مع أنَّها عند عمرَ وعائشةَ - رضي الله عنهما - كاذبةٌ .
ز. أراد عمر - رضي الله عنه - ضربَ أبي موسى - رضي الله عنه - في خبر(*)
الاستئذانِ، حتى شهد له أبو سعيد الخدريّ)) (٤).
ح. كان عليٍّ - رضي الله عنه - يستحلفُ الرواةَ؛ فلو كانوا غيرَ متهمين -
لما استحلفهم، فإنَّ عليّاً أعلمُ بهم منَّا(٥).
· (١) الحديث عن ابن عمر واستدراك عائشة عليه أخرجه البخاري في كتاب المغازي
في باب ((قتل أبي جهل)) فانظر اللؤلؤ والمرجان الحديث (٥٣٧)، (١٨٦/١) ط. الكويت،
وانظر الإِجابة تجد فيه الحديثين بتمامهما مع ترجيح حديث ابن عمر وتأويل ما استدلت به
السيدة عائشة رضي الله عنهم أجمعين (١٠٩-١١٠) وانظر المسند: (٢٠٩/٦، و٢٧٦).
(٢) هذه الزيادة من ج.
(٣) تقدم تخريجه، ولا متمسّك فيه لنحو الجاحظ والنظّام .
(*) آخر الورقة (٥٦) من ح.
(٤) حديث أبي سعيد الخدري في الاستئذان حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم
ومالك في الموطأ والشّافعي في الرّسالة، والذي شهد لأبي موسى أبيّ بن كعب وأبو سعيد هو
الراوي: وليس في الحديث ما يشهد لسخافات النظّام وأمثاله، فعمر قد قال - في آخره - لأبي
موسى: أما أنّي لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقوَّلَ الناس على رسول الله - صل) - فهو لحمل
الناس على عدم الرواية إلا بعد التثبت كما مر. انظر اللؤلؤ والمرجان: (٥٥٧/٢) الحديث
(١٣٩١)، والموطأ: (٩٦٤/٢)، والرسالة: (٤٣٥)، ومشكل الآثار: (٤٩٩/١-٥٠٢) ..
(٥) أثر عليّ - رضي الله عنه - في استحلاف الرواة أخرجه أحمد في المسند فانظر ط أحمد
شاكر: (١٥٤/١، ١٧٤، و١٧٨)، وتذكرة الحفاظ: (١٠/١)، والكفاية: (٦٨)، وتدوين =
- ٣١٤ -
ط. حُميد بن عبد الرحمن الحميريِّ بعثَ ابنَ أخٍ له إلى الكوفةِ، وقالَ:
((سل عليّ بن أبي طالب عن الحديث - الَّذي رواهُ عنهُ أهلُ الكوفةِ في البصرةِ -
فإنْ كان حقاً فخبِّرنا عنهُ))، فأتى الكوفةَ، فلقي الحسنَ بن عليٍّ - رضي الله
عنهما - فأخبرهُ الخبرَ - فقال له الحسنُ: ((ارجعْ إلى عمِّك، وقل له: قالَ أميرُ
المؤمنينَ - (يعني أباه) -: إذا حدَّثْتُكم عن رسولِ الله - فإِنِّي لن أكذبَ على اللهِ
ولا على رسولِهِ، وإذا حدَّثْتُكُم برأيي - فإنَّما أنا رجلٌ محاربٌ))(١).
ويروى عنهُ هذا المعنى برواياتٍ.
قال عمرو بن عبيد الله (٢): وهاشمٌ الأوقص(٣) يرى - أنَّ قوله: ((أمرتُ (٤) أن
= السنّة: (١١٦)، والأم: (٣٠٨/٧) ط. الأميرية، وانظر ما سيأتي في ص(٣٧٣) من هذا
الجزء.
(١) قول أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: ((إذا حدثتكم ... الخ) أخرجه عبد الله في
المسند: (٨١/١، و١١٣)، وهو يعني به تأكيد اليقين بما يرويه، ولا يعني أن ما يقوله من
نفسه يمكن أن يكون كذباً - معاذ الله - أن مشركي العرب في ذلك العصر ما كانوا يكذبون
فكيف يكذب أمير المؤمنين وإمامهم، ويعترف على نفسه بذلك؟ إن أبا سفيان قد استنكف
- وهو على شرك يومئذ - أن يكذب على هرقل في رسول الله - ## - فكيف يمكن أن يكذب
عليّ في الإِسلام؟ !! وقد يكون - رضي الله عنه - قد أراد بقوله: ((فإنّما أنا محارب)» التفريق
بين ما يرويه وما يقوله عن نفسه، وما دام محارباً فقد يعرّض، أو يوري أو نحو ذلك مما يحتاجه
المحارب مما كان رسول الله - مَ ل# - يفعل بعضه.
(٢) عمرو بن عبيد الله أو عبد الله، لعله أبو إسحاق السبيعيّ الكوفي رأى علياً وغيره من
الصحابة، ولد في سنتين من إمارة عثمان - رضي الله عنه وتوفي سنة (١٢٩هـ) وقيل: سنة
(١٢٧) ترجم له البخاري في التاريخ الكبير: (٣/ق٣٤٧/١) الترجمة (٢٥٩٤) وقال في
حاشيته: له ترجمة في الجرح والتعديل، وترجم له في الصغير: (٣٢٦/١)، والميزان:
(٢٧٠/٣) الترجمة (٦٣٩٣) وقال عنه: ((من أئمة التابعين وأثباتهم)). ونقل عن الفسوي عن
بعض أهل العلم: قد اختلط».
(٣) هاشم بن الأوقص، قال البخاريّ فيه: ((غير ثقة؛، وهو في كتاب عديّ - هاشم
الأوقص. انظر الميزان: (٢٨٨/٤) الترجمة (٩١٨٠) وانظر (٩١٩٤) أيضاً.
(٤) إن كان يريد بـ ((أمرت أن أقاتل الناس)) الحديث المرفوع - الذي آخره: ((حتى يقولوا
- ٣١٥ -
أقاتلَ الناسَ، أو القاسطين، أو المارقين)) من ذُلك.
وقوله - في ذي الثديَّةِ -: ((ما كذبتُ ولا كذبتُ))، فإنَّهُ ربَّما كانَ الشيءُ
عندهُ - حقاً، فيقولُ: إِنَّ الرسولَ أمَرَنِي بِهِ؛ لأنَّ الرسولَ كان آمراً بكلِّ حقِّ (١) .
لا إله إلا الله)) فهو حديث صحيح تقدم تخريجه وإن كان يريد به أثراً للإِمام عليّ - رضي الله
عنه ـ وأنه قال في معاركه مع الصحابة - كما يبدو من ذكره له ضمن المطاعن - فقد عرفت أن:
ابن الأوقص غير ثقة من ناحية ولو أن أمير المؤمنين - رضي الله عنه - كان يرى نفسه مأموراً
بمقاتلة الآخرين - لكان عاصياً بترك مقاتلتهم سواء كان ذلك بناءً على صلح أو تحكيم (كما
هو مذهب الخوارج)، ولكن الوقائع الثابتة تخالف هذا، وتؤكد أن ما حدث لم یکن إلا من
قبيل الفتن الداخلية، والجروب الأهلية التي أشعلت أوارها الدسائس التي لم يكن أسلاف
النظّامِ عنها ببعيد.
!
(١) قول أمير المؤمنين الإمام عليّ - رضي الله عنه وأرضاه - في ((ذي الثدية)) أخرجه
البخاري في (١٦٦/٤-١٦٧، و٢٤٣، و٢٤٤، و٥ /٢٠٧، و٢٤٤/٦)، و(٨ /٤٧)،
و(٢١/٩-٢٢، و١٥٥، و١٩٨) ط. صبيح والشعب بالقاهرة. ومسلم في (٧٤/٢-٧٥) ط.
عيسى الحلبي، والدارمي: (٢١٣/٢-٢١٤)، والترمذي: (٤٨١/٤)، وسنن ابن ماجه :
(٥٩/١، ٦٠، ٦١، ٦٢)، وأبو داود: (٥٤٤/٢) ط. الحلبي، والموطأ: (٣٠٩) الطبعة
الثانية للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية القاهرة، ومسند الحميدي: (٣١/١-٣٢،
و٥٣٥/٢)، والمستدرك الحاكم: (١٤٦/٢، و١٤٧، و١٤٨، و١٥٤)، ومستد الإِمام
أحمد: (٨١/١، و٨٨، و٩٢، ١٠٨، و١١٣، و١٣١، و١٤٧، و١٥١، و١٥٦، ١٦٠،
و٤٠٤، ٢١٩/٢٠، و٤/٣، ١٤٥/٤، و٤٢١، و٤٢٢، و٤٢٤، و٤٢٥، و١٥/٥، و٣١،
و٣٣، و٣٤، و٤٢، و٥٢، و٥٦، و٦٠، و٦٨، و٧٣، و١٥٩، و١٧٤، و١٨٩)، وسنن
البيهقي: (٢٢٥/٣، و٣٣٩/٦، و١٨/٧، و١٦٩/٨، و١٧٠، و١٧١، و١٨٨)،
والمشكاة: (٢٨١/٢، و٢٨٦، و١٧٥/٣)، ومجمع الزوائد: (٢٢٥/٦، و٢٢٧، و٢٢٨،
و٢٢٩، و٢٣٠، و٢٣١، و٢٣٢، و٢٣٥، و٢٢٢،٢٣٩). والحديث من أهم أحاديث قتال
الخوارج، وهذه المواضع التي أحلنا عليها جاء الحديث في بعضها كاملاً وجاء جزء منه في
البعض الآخر، ولذلك آثرنا أن نحيل على كل ما اطلعنا عليه منها، وأمّا استدراك أم المؤمنين
عائشة - رضي الله عنها - فقد أخرجه عبد الله في المسند بطوله فانظره في (٨٦/١-٨٧)،
وخلاصته: أنّها - رضي الله عنها قالت لعبد الله بن شدّاد - وهو عائد من العراق تسأله عما
جرى في قتال علي ومعاوية وما حدث بعد التحكيم من خروج الخوارج عليه، ومما سألته عنه : =
-٣١٦ -
ي. ورويتم عن أبي سعيد الخدريِّ وجابرٍ وأنسٍ - رضي الله عنهم - قالَ،
وذكرَ سنةً مائةٍ: ((أنَّهُ لا يبقى على ظهرها نفسٌ منفوسٌ)).
ثّ يروي أنَّ عليّاً - رضي الله عنه - قال لأبي مسعودٍ: إنَّكَ تُفتي الناسَ؟
قالَ: أجلْ، وأخبرهُم أنَّ الأخيرَ شرِّ، قالَ: فأخبرني ما سمعتَ منهُ، قال:
سمعتُهُ يقولُ: ((لا يأتِيَ على الناسِ مائة سنةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرف))، فقال
عليٌّ : أخطأتَ وأخطأتَ في أوّل فتواك، إنَّما قالَ ذلك لمن حضره يومئذ - وهل
= قالت: (( ... فما شيء بلغني عن أهل الذمة يتحدَّثونه، يقولون: ذو الثدي وذو الثدي؟ قال
عبد الله: قد رأيته وقمت مع عليّ - رضي الله عنه - عليه في القتلى، فدعا الناس فقال:
أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: رأيته في مسجد بني فلان يصلي، ورأيته في مسجد
بني فلان يصلي، ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك))، قال: ((فما قول عليّ حين قام كما يزعم
أهل العراق))؟ قال: ((سمعته يقول: صدق الله ورسوله))، قالت: هل سمعت منه أنه قال غير
ذلك؟ قال: ((اللهم لا»، قالت: ((أجل صدق الله ورسوله، يرحم الله عليّاً إنّه كان من كلامه
لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال: ((صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون
عليه في الحديث)). وانظر الإجابة ص(١٧٨)، أما عبارة الإِمام عليّ التي تعلّق بها نظّام
الكذب وهي (فوالله ما كذبت ولا كذبت) فقد حرّفها أوّلاً ثم تعلّق بها فجعلها (فوالله ما كذبت
وما كذبته) فاعتبر كأن الإمام يريد: ما كذبت في قولي، ولا كذبت على رسول الله فيما حدثت
عنه - فهي لا تدل على شيء مما ذهب إليه؛ ذلك: أن الرجل ذا الثدي كان على عهد رسول
الله - ﴿ - وكان مكثراً في العبادة، ولكن رسول الله - 14 - يعلم أن فيه سفعة من الشيطان،
وأنه يرى نفسه أفضل الناس وكان - عليه الصلاة والسلام - يعلم أن هذا سيكون من دعاة الفتن
حين تنشب مع كل مظاهر الصلاح التي كانت تبدو عليه، وسيدنا عليٍّ حين دعا الناس إلى
قتال الخوارج، ورأى لدى البعض شيئاً من تردد لما يرونه من مظاهر الصلاح والتمسُّك بالدين
بينهم -: أخبرهم بما كان قد سمع من رسول الله ـ 148 - فيهم لينشطهم لقتالهم، وذكر لهم
- كما في بعض روايات الحديث -: أن فيهم ذا الثدي، فلما عثر عليه بين القتلى دعا أصحابه
لمشاهدته ليستيقنوا أنهم على الحق وأن الإِمام ليس بظالم في قتاله لهؤلاء مع كل مظاهر
الصلاح التي يبدونها، فكبر حين وقف عليه، وقال ثلاثاً: ((فوالله ما كذبت ولا كذبت)) - أي:
ما كذبت ولا كذبت في الماضي ولا في الحاضر ولا فيما قلت ولا فيما رويت. ومن العجيب
أن يذهب نظام الكذب هذا بهذه العبارة هذا المذهب، ويعتبره تصريحاً من الإِمام بأنه قد
يأمر بكل ما يراه هو وينسب الأمر به إلى رسول الله - * - فأي افتراء فوق هذا الافتراء؟ !!.
- ٣١٧ -
الرجاء إلا بعد مائة (١)؟ !!
يا. أبو هريرة - رضي الله عنه - أنَّه قال : - عليه الصلاة والسلام -:
((الشمس والقمر ثوران مكوّران في النار يوم القيامة)) قال الحسن: ((ما ذنبهما))؟
قال أبو هريرة: أحدِّثك عن رسول الله - ◌ِ *) (٢).
(١) الحديث عن جابر أخرجه في المسند: (٣٠٥/٣، ٣١٤، و٣٢٢، و٥ ٣٤، و٣٧٩)
وأخرج البخاري عن عليّ حديثاً في ((باب موعظة المحدث عند القبر ... )) في الجنائز وفيه:
(( .... ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار ... )) فانظر هامش فتح الباري : :
(١٧٩/٣)، ونحوه في تفسير سورة: ﴿وَآلِّيلِ إِذا يَغْشَى﴾ (٥٤٤/٨)، وأخرجه مسلم في
((فضل الصحابة)) عن عبد الله بن عمر قال: ((صلَّى بنا رسول الله -18 - ذات ليلة صلاة
العشاء في آخر حياته، فلم سلّم قام، فقال: أرأيتکم لیلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنة منها
لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» قال ابن عمر: «فوهل الناس في مقالة رسول الله
- * - تلك فيما يتحدثون - من هذه الأحاديث - عن مائة سنة، وإنّما قال رسول الله- آ-نا.
«لا یبقی ممن هو الیوم على ظهر الأرض أحد يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، وروي نحوه
عن جابر وعن أبي سعيد: فانظر صحيح مسلم: (٨٩/١٦-٩٢).
وأمّا استدراك الإمام عليّ - رضي الله عنه - على (أبي مسعود: عقبة بن عمرو الأنصاريّ -
وهو الصواب، وليس ابن مسعود كما في لفظ المحصول - الذي صححناه) - فقد أخرجه عبد
الله عن أبيه في المسند بلفظ: ((دخل أبو مسعود: عقبة بن عمرو الأنصاريّ على عليّ بن أبي
طالب - رضي الله عنه - فقال له عليَّ: أنت الذي تقول: ((لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى
الأرض عين تطرف))؟ !! إنّما قال رسول الله ـ ـ ـ: ((لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى
الأرض عين تطرف ممن هو حيَّ - اليوم - والله إنّ رجاء هذه الأمة بعد مائة عام)). انظر
المسند: (٩٣/١)، وظاهر أن الإمام علم بأن البعض فهم - من الحديث - قيام الساعة،
وانتهاء الدنيا بعد مائة عام من قول رسول الله -* - ذلك، وهذا فهم غير صحيح أراد الإِمام.
تصحيحه، فأيّ شيء - في هذا - يخدش عدالة المصحّح أو المصحَّح له؟ - رضي الله عنهم
أجمعين -. وانظر مشكل الآثار: (١٦١/١-١٦٤). وتأويل مختلف الحديث ص(٩٩).
(٢) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((الشمس والقمر مكوِّران يوم القيامة))، حديث
صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. فانظره بهامش فتح الباري : (٢١٤/٦) في باب
((صفة الشمس والقمر)) في كتاب ((بدء الخلق))، وانظره في الجامع الصغير: (٢ /٦٩)،
والفتح الكبير: (١٨٢/٢)، وأخرج ابن مردويه عن أنس: ((الشمس والقمر ثوران عقيران في =
-٣١٨ -
وهذا من الحسن ردّ على أبي هريرة.
يب. قال علي لعمرَ - رضي الله عنهما - في قصَّةِ الجنين: ((إنْ كانَ هذا
جهدَ رأيهم - فقد قصَّروا، وإن كانوا قاربُوكَ - فقد غشُّوكَ))(١).
وهذا من عليٍّ - رضي الله عنه - حكمٌ بجوازِ اللَّبسِ.
يجــ أبو الأشعثِ - قال: كُنَّا فِي غزاةٍ، وعلينا معاويةُ - رضي الله عنه -
فأصبنا ذهباً وفضَّةً، فأَمرَ معاويةُ رجلًا ببيعِها للنّاس في أعطياتِهم، فتسارعَ الناسُ.
= النار إن شاء أخرجهما، وإن شاء تركهما)»، وهو ضعيف فانظر من الجامع الصغير والفتح الكبير
الصفحات نفسها وقد زاد البزَّار ومن ذكر معه في روايتهم لحديث أبي هريرة - الصحيح -:
(في النار))، وعلى هذه الزيادة كان تعقيب الحسن واستدراكه في قوله: ((وما ذنبهما))؟ فقال
أبو سلمة: ((أحدثك عن رسول الله - * - وتقول: وما ذنبهما))؟.
وأخرج أبو يعلى معناه من حديث أنس وفيه: ((ليراهما من عبدهما كما قال - تعالى -:
﴿إِنَّكُم وما تَعْبدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جهَنَّم﴾، وأخرجه الطيالسيّ - من هذا الوجه -
مختصراً، وأخرج ابن وهب نحوه في كتاب ((الأهوال)) عن عطاء، ولابن أبي حاتم عن ابن
عباس نحوه - موقوفاً. وقال الخطابيُّ: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنّه
تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا)» فانظر هذا ونحوه من الفوائد في شرح الحافظ على
البخاري: (٢١٤/٦-٢١٥)، ومشكل الآثار: (٦٦/١-٦٨) وتأويل مختلف الحديث
ص(١٠١).
(١) خبر مشاورة عمر الصحابة - رضوان الله عليهم - في دية الجنين، أخرجه الدارقطني
فانظر سننه: (١١٦/٣) وانظر ما قاله صاحب التعليق المغني عليه، وأحاديث دية الجنين
أخرجها أبو داود في باب ((دية الجنين)» (٤٥٦٨، و٤٥٧٠، و٤٥٧٢، و٤٥٧٣) وأخرجها
مسلم في القسامة (١٦٨٢) باب ((دية الجنين))، والترمذي في الديات (١٤١١) باب «دية
الجنين))، والنسائي في القسامة حديث (٤٨٢٥) باب ودية جنين المرأة))، وابن ماجه في
الديات حديث (٢٦٤٠) باب «دية الجنين))، وأخرج بعض طرقه البخاري في باب ((جنين
المرأة)»، كما أخرجه ابن حبان في موارد الظمآن الحديث (١٥٢٥)، وأخرجه ابن حجر في
الدراية الحديث (١٠٤٠) وقال: أخرجه أصحاب السنن والحاكم: (٢٨٢/٢) وانظر نصب
الراية: (٣٨١/٤-٣٨٤)، ومجمع الزوائد: (٣٢٩/٦-٣٣٠) ولم ينف أحد جواز الخطأ أو
اللبس على صحابيّ ليزعم نظّام الفِرى: أن الحجة قد قامت له على ذلك بهذا !!.
- ٣١٩ -
فيها، فقامَ عُبَادة بنُ الصامتِ - رضي الله عنه - فنهاهم فرُوها - فَتَّى الرجلُ
معاويةَ فشكا إليه، فقامُ معاويةُ خطيباً - فقالَ: ((ما بالُ رجالٍ يحدِّثون عن رسول
الله - عليه الصلاة والسلام - أحاديثَ قد كنّا نشهدُهُ ونصحَبُهُ فلم نسمعها
منهُ))؟ !!
فقامَ عبادةُ، وأعادَّ القصة، ثمّ قالَ: (واللهِ لنُحدِّثنَّ عن رسولِ اللهِ - عليه
الصلاةُ والسلامُ - وإن كرهَ معاويةُ (١)، أو قال: ((وإن رغم، ما أبالي أن لا أُصحبه
في جنده ليلةً سوداءَ».
فهذا يدلُّ إِمَّا على كذب عبادةَ، أو كذب معاويةً، ولو كذّبنا معاوية لكذّبِنَا
أصحابَ صفّين: كالمغيرة وغيره.
(١) حديث عبادة - رضي الله عنه - مع إنكاره على معاوية - رضي الله عنه - بيع الذهبية
والفضة للناس ديناً في أعطياتهم وبدونه -: حديث صحيح روي من طرق عدة: فقد أخرجه
الإمام الشافعي في مسنده فانظر آخر الجزء الثامن من الأم: (٣٨٨/٨) ط. دار المعرفة بلبنان
وفي مختصر المزني ص(٧٦)، و(٤٠١/٨) وفي اختلاف الحديث: (٥٣١/٨)، وأخرجه
البيهقي في السنن: (٢٧٦/٥)، والنسائي في (٢٧٤/٧ -٢٧٦)، ومسلم في صحيحه من
طريق أبي الأشعث - المذكور في المحصول، ومن طريق آخر من غير ذكر قصة معاوية فانظر
صحيح مسلم: (١٢/١١ -١٤) ط. المصريّة، وجامع الأصول: (٤٦١/١-٤٦٢) ط. مصر،
والترمذي برقم (١٢٤٠)، (٣٦/٤)، وقال: ((حديث عبادة حديث حسن صحيح))؛ وأبو داود
برقم (٣٣٤٩)، (٦٤٣/٣-٦٤٦) وانظره في مسند الإمام أحمد: (٣١٤/٥، و٣٢٠)، وسنن
ابن ماجه رقم (٢٢٥٤) (٧٥٧/٢) وقال الإِمام الشافعي فيه: ((أنّه أَتُمُّ الأحاديث وأكملها)»
على ما في تكملة المجموع: (٦٠/١٠) يريد: أتم الأحاديث في الربا. كما أخرجه أبو جعفر
الطحاويّ في شرح معاني الآثار: (٤/٤-٥). ولقد بنى الضالّ استدلاله على تحريف
الحديث - وهو زعمه أن معاوية قال: ((ما بال أقوام يحدثون عن رسول الله - ﴾ - أحاديث
يكذبون فيها)» كما هو في المخطوط وهذا اللفظ تحريف لمقالة معاوية فهو لم يقله ولم يرد
فيما صح من الروايات، وبالتالي يسقط ما ادعاه وبناه على الكذب والتحريف، فالحديث يدل
على عكس ما أراد فهو يدل على جرأة عبادة في قول الحق وإصراره على التزام السنّة والتقيّد
بما أمر به رسول الله - ◌َّم - ويدل تراجع معاوية وأخذه بذلك على تقُّده والتزامه بالسنّة حين
یتأکد له ورودها عن رسول الله ۔ ۔۔ ۔
-٠۵
۔ ۔
- ٣٢٠ -