Indexed OCR Text

Pages 341-360

يُؤمِرُ به من بعدُ، فَأُمِرَ بالتوجُّه إلى الكعبة؛ فإنْ لم يكن ذلك هو الظاهرُ: فهو
مُجَوَّزٌ(١) وهذا كافٍ في المنعِ من الاستدلال.
وثانيها :
قولُهُ تعالى: ﴿فَالثَنَ بُشِروهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبِ اللّه لَكُمْ﴾(٢) [وهو (٣)] نسخٌ
[لـ (٤)] تحريم(*) المباشرة، وليس التحريمُ في القرآن.
وثالثها :
نسخُ صوم [يوم(٥)] عاشوراء بصوم رمضانَ، وكان صومُ عاشوراءَ ثابتاً
بالسنَّةِ .
ورابعها :
صلاةُ الخوفِ وردت(٦) في القرآنِ ناسخةً(٧) لِما ثبتَ بالسنَّةِ (٨) من جواز
تأخيرها إلى انجلاء القتال، حتَّى قال - عليه الصلاةُ والسلامُ - يَومَ الخندقِ:
(حشَى الله قبورَهُم نَارًا))(٩) لحبسِهِم عن الصَّلاةِ.
(١) اسم مفعول من ((جوز))، وصحف في آ إلى: ((تجوز».
(٢) الآية (١٨٧) من سورة ((البقرة)).
(٣) هذه الزيادة من ص.
(٤) لم ترد اللام في ل، ح.
(*) آخر الورقة (١١٩) من ي.
(٥) لم ترد الزيادة في ص.
(٦) في غيرح: ((ورد)).
(٧) في غيرح: ((ناسخا)).
(٨) في أ: ((من السنة)).
(٩) في تأخير رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - صلاته يوم الخندق أحاديث كثيرة
- منها: حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الإمام الشافعي في الرسالة (١٨٠-١٨١) بلفظ
- قال: ((حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهُويٍّ من الليل، حتى كفينا،
وذلك قول الله: ﴿وَكَفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزا﴾ الآية (٢٥) من سورة
((الأحزاب))، فدعا رسول الله بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها، فأحسن صلاتها، كما كان
يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها هكذا، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام
العشاء فصلاها كذلك أيضاً، قال: وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف ﴿فرجالاً أو ركبانا﴾
الآية (٢٣٩) من سورة (البقرة)»، ورواه أيضاً في الأم (٧٥/١).
ورواه أيضاً الطيالسي وأحمد والنسائي على ما في هامش الرسالة وأخرج الهمذانيّ في =
:
- ٣٤١ -

وخامسُها :
قولُهُ تعالى: ﴿فلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾(١)، نسخٌ لما قرَّره(٢) رسولُ اللهُ
- رَ -: ((من العهدِ والصلح))(٣).
***
واعلم: أنَّ السؤالين المذكورين واردان(٤) في الكلِّ (*):
ومن الجُهَّال من قدحَ - في هذين السؤالين - وقالَ: لا حاجةً [بنا(٥)] إلى
تقدير سنَّةٍ خافيةٍ مندرسةٍ، ولا ضرورةَ - فِلِمَ نُقدَّرُهُما (١)(٧)؟ ..
وهذا جهلٌ عظيمٌ؛ لأنَّ المستدِلَّ لا بدَّ له من تصحيحٍ مقدِّماتِهِ بالدلالةِ،
فإذا عجزَ عنها: لم يتمُّ دليلُهُ.
***
[و(٨)] احتجَّ الشافعيُّ - رضي الله عنه - بقوله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ
= الاعتبار (٨٨-٨٩) عن عبد الله - قال شغل المشركون رسول الله - رَض له - عن صلاة العصر حتى
اصفرَّت الشمس أو احمرّت فقال: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم وأجوافهم
ناراً، أو قال: حشى الله قبورهم وأجوافهم نارا)). قال: وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم،
قلت: وهو فيه (١٢٧/٥-١٢٨) ط المصرية وأخرجه البخاري في الجهاد وفي المغازي وفي
الدعوات والتفسير فانظر بهامش الفتح (٣١٢/٧) والترمذي (١٧٢/٨) برقم (٢٩٨٧)، وسنن
أبي داود (٢٨٧/١) برقم (٤٠٩)، وابن ماجه (٢٢٤/١) برقم (٦٨٤)، والنسائي (٢٣٦/١)
ط دار الفكر ومسند الإمام أحمد (٧٩/١، ٨١، ١١٣)، ومواضع أخرى.
(١) الآية (١٠) من سورة ((الممتحنة).
(٢) في ل، أ حرفت إلى: ((بما)).
(٤) في آ: ((وردا))، وهو تصحيف.
(٥) هذه الزيادة من ١.
(٣) يريد صلح الحديبية.
. (*) آخر الورقة (٢٠٢) من ل.
(٦) عبارة آ: ((ولا تقررهما))، وهو تحریف ..
(٧) لعل المصنف - رحمه الله - يعني نحو النقشواني صاحب التلخيص، والتبريزي
صاحب التنقيح فانظر أقوالهما عن هذين السؤالين في النفائس (٢٧٨/٢ - آ) وانظر ما قاله
الأصفهاني في الكاشف (١٠٣/٣ - ب -١٠٤آ).
(٨) لم ترد الواو في ص.
- ٣٤٢ -

إليهم﴾(١)؛ وهذا يدلُّ على أنَّ كلامَهُ بيانٌ للقرآن، والناسخُ بيانٌ للمنسوخِ،
فلو(٢) كانَ القرآنُ ناسخاً للسنَّةِ: لكانَ القرآنُ بياناً للسنَّةِ، فِيلزمُ(٣) كونُ كلِّ واحدٍ
منهما (٤) بياناً للآخر.
#
[و(٥)] الجوابُ:
ليسَ في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم﴾(٦) دليلٌ على أنَّه لا
يتكلّمُ إلَّ بالبيانِ، كما (٦) [أَنَّكَ(٧)] إذا قلتَ: ((إذا دخلتُ الدارَ لا أُسلِّمُ (٨) على
زيدٍ))، ليس فيه أنَّك لا تفعل فعلاً آخر.
[سلَّمنا أنَّ السنَّةَ كلَّها بيانٌ، لكنَّ البيانَ - هو الإِبلاغُ، وحملُهُ على هذا
أولی ؛ لأنَّه عامٌّ في كلِّ القرآنِ. أمَّا(١)] حملُهُ علی بیانِ المرادِ - فهو تخصیص
ببعض ما أنزلَ، وهو: ما كان مجملاً، أو عاماً (١٠)لمخصوصاً. وحملُ اللَّفظِ على
ما يطابقُ الظاهرَ، أولى من (٥) حملِهِ على ما يوجِبُ ترك الظاهر(١١). والله أعلمُ.
(١) الآية (٤٤) من سورة ((النحل».
(٢) كذا في ص، وفي غيرها: ((ولو)).
(٣) في ل، ح زيادة: ((منه)).
(٤) في ح، ص: «من القرآن والسنّة»، وما أثبتناه أنسب.
(٥) لم ترد الواو في ص.
(٦) لفظ ح: ((لما)).
(٧) لم ترد الزيادة في ي .
(٨) لفظ ي: ((تسلم)).
(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(١٠) في غيرح: ((عموما)).
(٥) آخر الورقة (١٨٣) من ح.
(١١) كثر الكلام حول مذهب الإمام الشافعيّ - رضي الله عنه - في هذه المسألة، ونحن
ننقل لك بعض أقوالهم مع نص قوله - رضي الله عنه - مع بيان ما يُفهم منه ليتبين لك -: أنهم
صعَّبوا أمراً سهلاً، وبالغوا في غير عظيم.
قال ابن السبكي في الإبهاج (٢ /١٥٩-١٦٠) وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك منه
- رضي الله عنه - حتى قال الكبالهراسي: ((هفوات الكبار على أقدارهم ومن عد خطؤه: عظم
قدره)). وقد كان عبد الجباربن أحمد كثيراً ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، =
- ٣٤٣ -

= فلما وصل إلى هذا الموضع قال: ((هذا الرجل كبير، لكن الحق أكبر منه)). قال: والمغالون
في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، كيف وهو الذي مهد هذا الفن ورتبه،
وأول من أخرجه قالوا: لا بد أن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل، فتعمِّقوا في محامل
ذكروها، وأورد الكيالهراسي بعضها. ثم قال: واعلم أنهم صعبوا أمرا سهلاً، وبالغوا في غير
عظيم، وهذا إن صح عن الشافعي فهو غير منكر، وإن جبن جماعة من الأصحاب عن نصرة
هذا المذهب فذلك لا يوجب ضعفه. ولقد صنف شيخ الدنيا أبو الطيب سهل بن أبي سهل
الصعلوكي كتاباً في نصرة هذا القول، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الاسفراييني،
وتلميذه أبو منصور البغدادي، وهما: من أئمة الأصول والفقه، وكانا من الناصرين لهذا
الرأي .
وقبل بيان المراد بقول الإمام الشافعي - رضي الله عنه - لا بد من نقل قوله. فقد ورد في
الرسالة ص(١٠٨-١١٣) قوله: (( .. وهكذا سنة رسول الله: لا ينسخها إلا سنة لرسول الله.
ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله ـ : لسنَّ فيما أحدث الله إليه،
حتى يبيِّن للناس: أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. وهذا مذكور في سنته دولار)).
ثم قال: ((فإن قال: أفيحتمل أن تكون له سنة مأثورة قد نسخت، ولا تؤثر السنة التي
نسختها)»؟: وأجاب عن هذا السؤال بقوله: ((فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع
فرضه، ويترك ما يلزم فرضه؟ ولو جاز هذا: خرجت عامة السنن من أيدي الناس: بأن يقولوا:
لعلها منسوخة)). ثم قال بعد ذلك: ((فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟
قيل: لو نسخت السنة بالقرآن: كانت للنبي فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته
الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس: بأن الشيء ينسخ بمثله».
ثم قال - رضي الله عنه -: ((ولو جازَ أنْ يقالَ: قد سنَّ رسول الله، ثم نسخ سنته بالقرآن،
ولا يؤثر عن رسول الله السنة الناسخة -: جاز أن يقال فيما حرم رسول الله من البيوع كلها:
قد يحتمل أن يكون حرمها قبل أن ينزل عليه: ﴿أحلَّ الله البيع وحرَّم الربا﴾ الآية (٢٧٥) من
سورة ((البقرة))، وفيمن رجم من الزناة: قد يحتمل أن يكونَ الرجم منسوخاً: لقول الله :
﴿الزَّانية والزَّني فاجددوا كلَّ واحدٍ منهما مائةً جلدةٍ﴾ الآية (٢) من سورة (النور)) . . الخُّ. ومما
نقلناه من كلام الإمام يتبين لنا ما يلي :
(١) أن الإِمام قرر بوضوح: ((أن الشيء لا ينسخ إلا بمثله)).
(٢) أن الإِمام فيما قاله، لم يكن يتحدث عن الناسخ والمنسوخ - من حيث الواقع،
ونفس الأمر- وإنما كان حديثه عن الحكم بالنسخ .
- ٣٤٤ -

٠
= (٣) لم يكن كلام الإمام عن جواز نسخ السنة بالقرآن، أو العكس حديثاً عن الجواز أو
عدمه من حيث العقل، أو السمع.
فإن حديثه لا يمكن حمله إلا على أنه بيان لكيفية الحكم بنسخ السنة .
وعلى هذا فيمكن القول: بأن معظم الذين تحدثوا عن رأي الإمام في هذه المسألة،
تحدثوا عنه وفي أذهانهم أقوال العلماء الآخرين ونزاعاتهم في المسألة، ولذلك فهموا من قول
الإِمام أنَّه قول مقابل للأقوال المنقولة عن الأئمة الأخرين، مع أننا نرى أن قوله إنما هو في
أمر آخر، غير أمر ((الجواز والامتناع والوقوع)) التي عليها مدار أقوال الآخرين. وإنما هو في
حكم المجتهد بالنسخ: متى يحكم به؟ ..
فالإِمام لا يرى للمجتهد الحق بأن يحكم بأنَّ هذه السنة منسوخة بالقرآن ولا العكس،
وإنما يحكم بنسخ السنّة إذا وجد سنة مماثلة تصلح ناسخة لها، وآنذاك تكون الآية مقوّية
للحكم بنسخ تلك السنّة. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن: فإن المجتهد لا يحق له أن يحكم
بأن الآية منسوخة إلا إذا وجد آية تصلح ناسخة لها، وتكون السنة الواردة في الموضوع مبينة
لكون الآية الناسخة ناسخة، والمنسوخة منسوخة والإمام حين قرر ذلك كان يهدف إلى حماية
أحكام كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - من أي تغيير أو تعطيل من قبل من
تحدثه بذلك نفسه تحت ستار النسخ .
وقد ذكر الماوردي في أدب القاضي (٣٤٨/١) ثلاثة أوجه تصلح لإِيضاح قول الإمام
- رضي الله عنه - وهي :
(١) أنه لا توجد سنة إلا ولها في كتاب الله - تعالى - أصل كانت السنة فيه بياناً لمجمله،
فإذا ورد الكتاب بنسخها: كان نسخاً لما في الكتاب من أصلها، فصار ذلك نسخ الكتاب
بالكتاب .
(٢) أن الله تعالى يوحي إلى رسوله بما يخفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنَّه الرسول
- * - أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرِدُ الكتاب بنسخه تأكيداً لنسخ رسوله: فصار ذلك
نسخ السنّة بالسنّة.
(٣) أن نسخ السنة بالكتاب يكون أمراً من الله - تعالى - لرسوله بالنسخ، فيكون الله
- تعالى - هو الآمر به، والرسول هو الناسخ له، فصار ذلك نسخ السنة بالكتاب والسنة.
ا.هـ.
ولقد اقترب ابن السبكي كثيراً إلى فهم مراد الإمام - رضي الله عنه - حيث قال في جمع
الجوامع (٧٨/٢-٧٩): ((وحيث وقع (نسخ القرآن) بالسنة فمعها قرآن (عاضد لها يبين توافق =
- ٣٤٥ -

= الكتاب والسنة) أو (نسخ السنّة) بالقرآن فمعه سنة عاضدة (له) تبين توافق الكتاب والسنة.
ا. هـ. وما بين الأقواس للشارح الجلال. وراجع قول الجلال أيضاً في ص ٨٠
ومما يعضد نحو قول ابن السبكي ما قاله الإِمام - رضي الله عنه - بعد الكلام عن صلاة
الخوف، حيث قال: «وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل هذا، في هذا الكتاب (يعني
الرسالة): من أن رسول الله إذا سن سنة، فأحدث الله إليه في تلك السنة نسخها أو مخرجا
إلى سعة منها: سن رسول الله سنة تقوم الحجة على الناس بها، حتى يكونوا إنما صاروا من
سنته إلى سنته التي بعدها.
فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها - كما أنزل الله وسن
رسوله -: في وقتها، ونسج رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم بسنته،
صلاها رسول الله في وقتها، كما وصفت)). فانظر الرسالة ص(١٨٣ -١٨٤).
وقد تطرق باحث محدث هو: السيد حسن أحمد علي مرعي إلى هذه المسألة في رسالته
- ((نظرية النسخ في الشريعة الإسلامية)) ..
فاختار لتأويل ما قاله الإمام الشافعي قول ابن السبكي، وذلك في ص(٢٦٨) من
رسالته، ولكنه عاد في ص (٢٧٥) فقرر: أن الرافع للحكم هو الذي يجب أن يسمى ناسخاً،
وهو الذي حصل به النسخ، وذلك هو القرآن)). وبذا وقع في نوع من التناقض بين ما اختاره
محملاً لكلام الإمام، وبین تفسيره له.
ولما تطرق إلى ((نسخ تأخير الصلاة عن وقتها بشرع صلاة الخوف)) وهي من أهم الوقائع
التي تمسك بها القائلون بنسخ السنّة بالقرآن جوازاً ووقوعاً.
ذكر قول الإمام - الذي نقلناه - وتمسك بقوله - رضي الله عنه -: (( ... ونسخ رسول الله
سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم بسنته، صلاها رسول الله في وقتها، كما وصفت)) ..
فتعلق الباحث المذكور باستعمال الإِمام لكلمة ((ثم)) - وهي للترتيب والتراخي - على أن
الناسخ إنما هو القرآن. فانظر ص(٢٧٨-٢٧٩) من رسالته.
ولو كان الأمر كما ذهب إليه الباحث الكريم: لما استحق كل ما أثير حوله من جدل.
وقول الإِمام: (( ... حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته)) صريح في منع هذا الذي
ذهب إليه الباحث.
ولا نرى في قوله - رضي الله عنه - في واقعة ((صلاة الخوف)) إلا ما ذهبنا إليه: من أن
الحكم بنسخ سنة رسول الله - 10 - وهي تأخير الصلوات إلى ما بعد الفراغ من المعركة، كما
فعل يوم الأحزاب، -: تمسكاً بالمواقيت واستقبال القبلة - لم يتم بمجرد نزول آيات «صلاة =
- ٣٤٦ -

المسألة الثالثةُ:
نسخُ الكتاب بالسنَّةِ المتواترةِ - جائزٌ [و(١)] واقعٌ.
وقال الشافعيُّ - رضي الله عنه -: لم يقع(٢).
***
(٣) احتجَّ المثبتون - بصورتين(٤):
إحداها(٥):
أنّه كان الواجبُ على الزانية الحبسَ في البيوتِ؛ لقوله تعالى:
﴿فَأَمسِكُوهِنَّ في البيوتِ حَتَّى يتوفّهنَّ الموتُ﴾(٦)، ثم إنَّ الله - تعالى - نسخً
ذلك بآيةِ الجلدِ، ثم إِنَّه ـ {﴾ - نسخَ الجلدّ بالرجمِ.
*
= الخوف)) بل بعد بيان رسول الله - * - لهذه الآيات حين صلى صلاة الخوف لأول مرة (يوم
ذات الرقاع) وبذلك تعاضد ما قاله الله تعالى في كتابه، مع ما بينه رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - بسنته على نسخ السنة السابقة. والله أعلم. وراجع: الرسالة ص (١٨٠- ١٨٦).
(١) لم ترد الواو في غير ص.
(٢) راجع: الرسالة ص (١٠٦-١٠٨) حيث قال - رضي الله عنه -: (( ... وأبان الله لهم
أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع
للكتاب بمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنی ما أنزل الله منه مجملا» ،ثم ذکر بعد ذلك أدلته .
(٣) في ي، آ، ح زیادة: ((و).
(٤) في سائر الأصول ((بصور)) وكذلك فيما ذكر في الشرحين من المتن، وما ذكره
صورتان فقط: فاقتضى التصحيح .
(٥) كذا في ي، وفي النسخ الأخرى: ((أحدها).
(٦) الآية (١٥) من سورة (النساء))، واختلف القائلون بأن هذه الآية منسوخة على قولين:
الأول أنها نسخت بحديث عبادة بن الصامت - انظره في الرسالة ص (٢٤٧) - والقول الثاني
أنها نسخت بآية الجلد. انظر تفسير الإمام المصنف (١٦٧/٣) ط الخيرية.
- ٣٤٧ -

فإنْ قلتَ: بل نسخَ ذلك بما كان قرآناً(١) - وهو قوله: ((الشيخُ والشيخةُ إذا
زنيا فَارْجُمُوهُمَا أَلِتَّةً))(٢).
قلتُ: إِنَّ ذلك لم يكنْ قرآناً، [و(٣)] يدلُّ عليه: أنَّ عمرَ - رضي الله عنه -
[قال(٤)]: «لولا [أنْ(٥)] يقولَ الناسُ: إنَّ عمرَ(٦) زاد في كتاب الله شيئاً - لألحقتُ
ذلك بالمصحفٍ))، ولو كان ذلك قرآناً - في الحالِ، أو كان(٧) ثم نُسِخَ -: لما
قالَ ذلك.
*
ولقائلِ أنْ يقول: لمَّا نسخَ الله - تعالى - تلاوته، وحكمَ بإخراجِهِ مِنْ
المصحفِ: كفى ذلك في صحَّة قول عمر - رضي الله عنه - ولم يلزم منه (*)
القطعُ بأنَّه لم يكن أَلبَتَّةَ قرآناً.
وثانيها :
نسخُ الوصيَّةِ للأقربين (٨)، بقوله - عليه السلامُ -: ((لا وصيّةً لوارثٍ))؛ لأنَّ
آيَةَ المواريثِ(٩) لا تمنعُ الوصيّةَ: إذ الجمعُ ممكنٌ .
وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ كونَ الميراثِ حقاً للوارثِ يمنعه من صرفه إلى الوصيّةِ
- فثبتَ: أَنَّ آيَةَ الميراثِ مانعةٌ(١٠) من الوصيَّةِ؛ ولأنَّ(١١) قولَهُ - وَّةِ - ((لا وصِيَّةً
(١) عبارة ح: ((هو قرآن)).
(٢) انظر ص (٣٢٢) من الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٤) سقطت من ي.
(٣) هذه الزيادة من آ.
(٥) سقطت من آ.
(٦) في آزيادة: ((قد)).
(٧) في ل، في، آ، ح زيادة: ((ذلك))، وحذفها أنسب.
(*) آخر الورقة (١٧٩) من آ.
(٨) يعني: الوصية الثابتة بآية سورة البقرة (١٨٠).
. (١١) من سورة
(٩) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((الميراث))، يريد بآية المواريث الآية
((النساء)).
(١٠) لفظ ص: ((مانعا))، وهو تصحيف. (١١) كذا في ح، ولفظ غيرها: (وعلى)).
- ٣٤٨ -

الوارثٍ)) خبرُ واحدٍ، إذ(١) لو قلنا: إنَّهُ [كان(٢)] متواتراً، لوجبَ أنْ يكونَ - الآنَ -
متواتراً؛ لأنَّه خبرٌ في واقعةٍ مُهمَّةٍ تتوقُّ(١٣) الدواعي على نقلِهِ(٤)، وما كان كذلكَ:
وجبَ بقاؤهُ متواتراً، وحيثُ لم يبقَ - الآن - متواتراً: علمنا أنَّه ما كان متواتراً في
الأصلِ ، فالقولُ بأنَّ الآيةَ صارتْ منسوخةً [به(٥)]، يقتضي نسخَ القرآنِ بخبرٍ
الواحدِ، وإنَّه غيرُ جائزٍ بالإِجماع .
[و(٦)] احتجَّ الشافعيُّ - رضي الله عنه - بأمورٍ:
الأوَّل(٧):
قولُهُ تعالى: ﴿ما نَنسَخْ من، ايةٍ أَو نُنْسِهَا نَأْتِ بخيْرِ منها أَوْ مِثلِها﴾ (٨) .
والاستدلالُ (٩) من وجوهٍ أربعةٍ :
أحدها:
أنَّه تعالى أخبرَ: أنَّ ما ينسخُهُ من الآياتِ - يأتِ (١٠) بخيرِ منهُ؛ وذلكَ يُفيدُ:
أَنَّه - تعالى - يأتي بما هو من جنسه - كما إذا قالَ للإِنسانِ(١١). ما آخذُ(١٢) منكَ
من ثوبٍ(١٣) آتَكَ (١٤) بخيرٍ منهُ: أَنَّه يأتيه بثوبٍ من جنسه خيرٍ منهُ.
وإذا ثبتَ أَنَّه لا بدَّ [وأنْ يكونَ °] من جنسِهِ: فجنسُ القرآن قرآنٌ.
وثانيها :
[أنَّ "] قولَهُ تعالى: ﴿فَأْتِ بخيرِ مِنها﴾، يُفيد أنَّه هو المتفرِّدُ (١٧) بالإِقیان
(١) في غير ص، ح: ((ولو)).
(٢) سقطت من ص.
(٣) لفظ ح: ((يتوفر)).
(٤) في ل، آ، ي: ((نقلها)).
(٦) لم ترد في ل، ص.
(٥) سقطت من ص.
(٧) لفظ آ، ح: ((أحدها)).
(٨) الآية (١٠٦) من سورة (البقرة)).
(٩) في غیر ص زیادة ((به)).
(١٠) في ل، آ، ي: ((يأتي)).
(١١) في غيرآً: ((الإنسان)).
(١٢) لفظ آ: «آخذه)).
(١٣) لفظ ص: ((ثوبك)).
(١٤) كذا في ح، وفي غيرها: ((آتيك))، وهو تصحيف.
(١٥) ساقط من آ.
(١٦) لم ترد الزيادة في ي .
(١٧) لفظ غيرح: ((المنفرد)»، وكلاهما صحيح.
- ٣٤٩ -
٠

بذلك الخير، وذلك هو القرآنُ - الَّذي هو كلامُ اللهِ - تعالى - دونَ السنَّةِ الَّتي يأتي
بها الرسول عليه السلامُ.
وثالثُها:
أنَّ قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بخيرِ منها﴾ يُفيدُ: أنَّ المأتيَّ به خيرٌ من الآيةِ،
والسنَّةُ لا تكونُ خيراً من القرآن.
ورابعُها :
أنَّه تعالى قال: ﴿أَلَم تَعلَمْ أَنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ (١)، دلَّ على أنَّ
الَّذي ((يأتي بخير منها)) - هو: المختصُّ بالقدرةِ على إنزالهِ، وهذا هو القرآن دونَ
غيره.
الثاني:
قولُهُ تعالى: ﴿لِتُبِيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزَّلَ إليهم﴾(٢)، فوصفَهُ(*) بأنَّه مُبِيِّنٌ
[للقرآن(٣)]، ونسخُ العبادةِ رفعُها، ورَفَعُها ضدُّ بيانها.
الثالث :
قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا بَدِّلنا، آيةً مكانَ آيةٍ﴾ (٤)، أخبر تعالى(٥) بأنَّه [هو
الَّذي(٦)] يبدِّل الآيةَ بالآيةِ.
أَنَّه تعالى حكى عن المشركين: أنَّهم قالوا - عند تبديل الآيةِ بالآيةِ.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفتر﴾(٧)، ثُمَّ إِنَّه(٨) تعالى أزالَ هذا الإِبهامَ بقولِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَه [ِرُوحُ
الرابع :
(١) الآية (١٠٦) من سورة ((البقرة)).
(٢) الآية (٤٤) من سورة (النحل)).
(*) آخر الورقة (٢٠٣) من ل.
(٤) الآية (١٠١) من سورة ((النحل))
(٣) سقطت من ل.
(٥) كذا في آ، وفي غيرها: ((أنه تعالى)). (٦) سقطت من ي.
(٧) الآية (١٠١) من سورة ((النحل)).
(٨) في ص: ((أن الله)).
- ٣٥٠ -

القُدُس من رَبِّكَ﴾، وهذا يقتضي أنَّ ما لم يُنزِّهُ(١)] روحُ القدسِ من ربِّه(٢)،
لا یکونُ مزیلاً للإِبهامِ.
الخامسُ :
قولُهُ تعالى: ﴿قَالَ الَّذِين لا يَرجُونَ لِقَاءَنا انْتِ بِقُرآنٍ غَيرِ هَذا أَوْ بَدّلهُ قلْ ما
يَكونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ من تِلقَآَىٍ نَفسي إنْ أَتَّبِعُ إِلَّ ما يُوحَى إِليٍّ ﴾(٣) وهذا يدلُّ على
أنَّ القرآنَ لا تنسخُه(٤) السنّةُ.
السادس :
أنَّ ذلكَ يُوجبُ التهمةَ والنفرةَ.
***
والجوابُ عن الوجوهِ:
الَّتي تمسَّكوا(٥) بها في(١) الآيةِ الأولى - بوجهٍ عامّ، ثمَّ بما يخصُّ كلَّ واحدٍ
من تلك الوجوه :
أمَّا العامُّ (٧) - فهو: أنَّ قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بخيرٍ مِنها﴾ (٨) ليسَ فيه أنَّ ذلك
الخيرَ يجبُ أنْ يكونَ ناسخاً، بل لا يمتنعُ أنْ يكونَ ذلكَ الخيرُ شيئاً مغايراً
[للناسخ] (٩) يحصلُ (١٠) بعد حصول النسخ. والَّذي يدلُّ على تحقَّق (١١)هذا
· الاحتمال: أنَّ هذه الآيةَ صريحةٌ في أنَّ الإِتيانَ بذلك الخيرِ مرتَّبٌ علی نسخِ
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، والآية بينهما: (١٠٢) من سورة ((النحل)) ولفظة ((أن))
أبدلت في ل، ي، أ، ب: ((أنه)) وكلمة ((لم)) أبدلت في غير ص بـ: ((لا)).
(٢) لفظ ل، ي، آ: ((ربك)).
(٣) الآية (١٥) من سورة ((يونس)).
(٤) عبارة آ: ((لا ينسخه غير القرآن)).
(٥) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((ذكروها في التمسك))، ويعني بذلك الإِمام رضي الله
عنه ۔ ومن وافقه .
(٦) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((بالآية)). (٧) لفظ آ: ((العوام)) وهو تصحيف.
(٩) سقطت الزيادة من ل.
(٨) الآية (١٠٦) من سورة (البقرة)).
(١٠) لفظ آ: ((فحصل)).
(١١) لفظ ل، ح: ((تحقيق)).
- ٣٥١ -

الآيةِ الأولى، فلو [كان (١)] نسخُ تلك الآية مرتَّباً على الإِتيان بذلك (٢) الخير
لزمَ ترتّبُ كلِّ واحدٍ (*) ـ منهما - على الآخر، وهو دورٌ.
وأمَّا الوجوهُ الخاصَّةُ:
فالجواب عن الأوّل:
لا نسلِّم أنَّ ذلك الخيرَ لا بدَّ وأنْ يكونَ من جنسِ الآيةِ المنسوخةِ، فليسَ(٣)
تعلُّقهم بالمثالِ الَّذي ذكروهُ(٤) أولى من مثالٍ آخرَ - وهو: أنْ يقولَ القائلُ: ((من
يلقَني بحمدٍ وثناءٍ جميلٍ ألقَهُ بخيرٍ منهُ))(٥) - [في أنَّه(٦)] لا يقتضي أنَّ الَّذي يلقاهُ
[به(٧)] من جنسِ الحمد والثناءِ، أو من قبيلِ المنحةِ والعطاءِ.
وعن الثاني :
وهو - أنَّ قوله: ﴿نَأْتِ بِخيرِ منها﴾ يفيدُ أنَّهُ هو المتفرِّدُ(٨) بالإِتيان(٩) بذلكَ
الخير - أنْ نقولَ:
المرادُ بالإِتيانِ: شرعُ الحكمِ وإلزامُهُ، والسنّةُ في ذلك كالقرآنِ: في أنَّ
المثبتَ لهما هو: الله تعالى.
وعن الثالث:
وهو قولُهُ: ((السنّةُ لا تكونُ خيراً من القرآنِ)» - أنْ نقولَ (١؟
(١) سقطت من ي.
(٢) كذا في ح، وفي غيرها: ((بهذا)). (*) آخر الورقة (١٨٤) من ي.
(٣) عبارة ص: ((وليس تعلقكم)).
(٤) لفظ ص: ((ذكرتموه)).
(٥) في ل زاد بعده قوله تعالى: ﴿مَن جاءَ بالحسنة فلهُ خيرٌ منها﴾ والراجح أنها زيادة
من الناسخ، لأن المراد منع المثل المذكور سابقاً - وهو قوله: ((ما أخذ منك من ثوب)» بقول
مماثل له .
۔۔
(٦) ساقط من ل.
(٧) سقطت الزيادة: من آ.
(٨) لفظ ي: ((المنفرد)).
(١٠) لفظ آ: ((يقول)).
(٩) عبارة ح: ((بإتيان ذلك)) ..
- ٣٥٢ -

إِذَا كانَ المرادُ بالخيرِ(١) الأصلحَ في التكليفِ، والأنفعَ في الثوابِ -: لم
يمتنع أنْ يكونَ مضمونُ الَسنَّةِ خيراً من مضمونِ الآيةِ.
وعن الرابع:
أنَّ النَّسخَ رفعُ الحكم (٢) سواءٌ ظهرَ ذلك بالقرآن (*)، أو (٣)(*) بالسنَّةِ وعلى
التقديرين: فالله تعالى هو المتفرِّدُ به .
***
[و(٤)] الجوابُ عن الحجّة الثانية:
أنَّ النسخَ لا ينافي البيانَ؛ لأنَّه تخصيصٌ للحكم (٥) بالأزمانِ(٦)، كما أنَّ
التخصيصَ تخصيصٌ [للحكم (٧)] بالأعیانِ .
***
[و(٨)] الجوابُ عن: [الحجَّةِ (١)] الثالثةِ:
أنَّ الناسخَ - سواءٌ كانَ قرآناً أو خبراً - فالمبدِّلُ (١٠) في الحقيقةِ - هو الله
تعالی .
[و(١١)] الجوابُ عن [الحجَّةِ (١٢] الرابعة:
أنَّ من يتَّهم الرّسول - عليه الصَّلاةُ والسلام - فإنَّمَا (١٣) يَتَّهِمُهُ؛ لأنَّه يشُ(١٤)
(١) لفظ ل، ي: ((من الخير)).
(*) آخر الورقة (١٢٠) من ي .
(*) آخر الورقة (١٨٠) من آ.
(٥) في غيرآً: ((الحكم)).
(٧) سقطت الزيادة من ص.
(٩) هذه الزيادة من ا.
(١١) لم ترد الواو في ص.
(١٣) كذا في ح، وفي غيرها: ((فإنه)).
(٢) في أ: ((للحكم)).
(٣) في ص: ((و)).
(٤) لم ترد الواو في ص.
(٦) لفظ ص: ((بالزمان)).
(٨) لم ترد الواو في ص.
(١٠) في آ: ((فالمنزل))، وهو تصحيف.
(١٢) هذه الزيادة من آ.
(١٤) لفظ ل، ي، أ: ((شك)).
- ٣٥٣ -

في نبوّتِهِ، ومن تكنْ هذه (١) حالُهُ: فالنبيُّ - عليه الصلاةُ والسلامُ - مفترٍ - عنده.
سواءٌ نسخَ الكتابَ بالكتاب أو بالسنَّةِ، والمزيلُ لهذه التهمةِ التمسُّكُ بمعجزاتِهِ.
[و (٢)] الجوابُ عن [الحجّةِ(٣)] الخامسة:
وهي قولُهُ تعالى: ﴿ائتِ بِقُرءَ انٍ غير هذا أَوْ بَدَّلْهُ﴾ (٤)، -: أنَّه (٥) يدلُّ
على أنَّه - عليه الصلاةُ والسلام - لا ينسخُ إلَّ بوحيٍ، ولا يدلُّ على أنَّ الوحيَ
لا يكونُ [إِلَّ (٦)] قرآناً.
[و(٧)] الجوابُ عن [الحجَّةِ(٨)] السادسة:
أنَّ النفرةَ زائلةٌ بالدليل الدالِّ (٤) على أنَّه ﴿لا يَنطِقُ عن الهوى * إِنْ هُوَ إلّ
وَحْيٌ يُوحِى﴾(١٠) والله أعلمُ.
***
المسألةُ الرابعةُ :
في كونِ الإِجماع منسوخاً(١١ ) وناسخاً.
الإجماعُ إنَّما ينعقدُ دليلاً بعد وفاة الرسول - عليه الصلاةُ والسلام؛ لأنَّه مَا
دامَ - عليه الصلاةُ والسلامُ - حيًّا(١٢) لم ينعقد الإِجماع من دونه(١٣)؛ لأنَّه - ◌ِ لخ ..
سيِّد المؤمنين، ومتى وجدَ قولُهُ - عليه الصلاةُ والسلام - فلا عبرة بقول غيره
(١) عبارة أ: ((ومن يكن هذا))، وعبارة ح: ((ومن يكن بهذه الحالة)).
(٢) لم ترد الواو في ص.
(٣) هذه الزيادة من آ، لب.
(٤) الآية (١٥) من سورة ((يونس)).
(٦) سقطت الزيادة من ي.
(٥) في آ: ((أن هذا)).
(٧) لم ترد الواو في ص.
(٨) هذه الزيادة من آ.
(٩) لفظ ل، ي: ((الأول))، وهو تصحيف.
(١٠) اقتبس الآيتين (٣، ٤) من سورة ((النجم)).
(١١) كذا في ح، ي، وعبارة غيرهما: ((منسوخا وناسخا)).
(١٢) في ح: ((في الأحياء)).
(١٣) حرفت في آ إلى كونه)).
- ٣٥٤ -

فإذن الإِجماعُ إنَّما ينعقدُ [دليلاً (١)] بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذا ثبت هذا، [فـ(٢)] نقول:
لو انتسخَ الإِجماعُ (٣×*): لكان انتساخُهُ، إِمَّا [بـ(٤)] الكتاب، أو بالسنَّةِ أو
بالإِجماع ، أو (٥) بالقياس (*)، الكلُّ باطلٌ.
أمّا بالكتاب (٦) والسنّة - فلأنّه لا يخلو [إِمَّا (٧)] أنْ يقالَ: إنَّهما (٨) كانا
موجودَين - وقت(٩) انعقادِ ذلكَ الإِجماع ، أو ما كانا موجودين [في(١٠)] ذلك
الوقت .
فإنْ كانا موجودين - مع أنَّ الأمَّة حكمتْ على خلافهما -: كانت الأمَّة
مجمعةً (١١) على الخطأ، ذاهبةً عن الحقِّ، وإنَّه غيرُ جائزٍ.
وإنْ لم يكونا موجودين: استحالَ حدوثُهُما (١٢) بعدَ ذلكَ؛ لاستحالةِ أنْ
يحدثَ كتابٌ أو سنّةً بعد وفاةِ الرسول - عليه الصلاةُ والسلامُ.
***
وأمَّا بالإِجماع - فلأنَّ انعقاد هذا الإِجماع الثاني إمّا أنْ يكونَ لا عن دليلٍ،
(١) لم ترد الزيادة في ص.
(٢) لم ترد الفاء في ي.
(٣) في ي: «بالإجماع)».
(٥) آخر الورقة (٦٦) من ص.
(٤) سقطت الياء من آ.
(٥) كذا في ح، وعبارات غيرها: ((أو السنة، أو الإجماع، أو القياس)) من غير حرف
الجر، وكلاهما صواب .
(٥) آخر الورقة (٢٠٤) من ل.
(٦) كذا في سائر الأصول، والتقدير: أما انتساخه بالكتاب.
(٧) سقطت الزيادة من ل، آ.
(٩) في آ: ((بوقت)).
(١١) في ل، مي: «مجمعین).
(٨) لفظ ص: ((إنما)) وهو تصحيف.
(١٠) هذه الزيادة من ص.
(١٢) لفظ ل، آ: ((ووجودهما).
- ٣٥٥ -

أو عن (١) دليلٍ، فإنْ لم يكن [عن دليلٍ: كان ذلك إجماعاً على الخطأ، وإنَّه
غیر جائز.
وإنْ كانَ(٢)] عن دليلٍ عادَ التقسيمُ الأولُ، من [أنْ يقالَ(٣)] إنَّ ذلك
الدليلَ.
إِمَّا أنْ يكونَ(٤) - حالَ انعقادِ الإِجماع الأوَّلِ، أو حدثَ بعد [٥(٥)]، وقد بيِّنَا.
فسادَ هذين القسمين .
فإنْ قلتَ: أليسَ [أنَّ(٦)] الأمةَ إذا اختلفت على(٧) قولين - فقد جوَّرت
للعاميٍّ أنْ يأخذَ بأيِّهما شاءَ، ثم [إذا(٨)] اتفقت - بعد ذلك - على أحدِهما: فقد
منعت العاميّ من الأخذ بذلكَ القولِ الثاني؛ فهاهنا: الإِجماعُ الثاني ناسخْ(٩)
[لـ (١٠)] حكمِ الإِجماعِ الأوَّل؟
قلت: الأمَّةُ إنَّما جوَّزت للعاميِّ الأخذَ بأِّ القولين شاءَ - بشرط أنْ لا
يحصل الإِجماع على أحدِ القولين: فكانَ(١٩) الإِجماعُ الأول مشروطاً بهذا
الشرطِ، فإذا وجد الإِجماعُ (١٢) فقد زالَ شرطُ الإِجماعِ الأولِ - فانتفى الإِجماع
الأوَّل؛ لانتفاء شرطه، لا لأنَّ الثاني(١٣) نسخَه.
(١) عبارة ح: ((دليلا أو غير دليل)).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط كله من آ، ولم ترد كلمة ((ذلك)) في ص.
(٣) ساقط من ص.
(٤) عبارة ص: ((أما أن يقال: ((إنه كان)). (٥) لم ترد الهاء في ل، ي.
(٦) سقطت الزيادة من ص.
(٧) لفظ ح: ((عن)).
٠
(٨) سقطت الزيادة من آ:
(٩) لفظ ص، ح: (نسخ)).
(١٠) هذه الزيادة من أ.
(١١) فى ل: ((وكان)).
(١٢) في غير ص: ((الاتفاق))، ولفظها أنسب.
(١٣) كذا في آ، ح، وفي غيرهما: ((الناسخ)).
- ٣٥٦ -

وأمَّا(١) بالقياس - فلأنَّ شرطَ صحَّة القياس: عدمُ(٢) الإِجماع ، فإذا وجدَ
الإِجماعُ: لم يكن القياسُ صحيحاً: فلمْ يجزْ نسخُهُ [به(٣)].
وأمَّا كونُ الإِجماع ناسخاً - فقد جَوَّزه عيسى بن أبانَ.
والحقُّ: أنَّه لا يجوزُ.
لنا:
أنَّ المنسوخَ بالإِجماع - إمَّا أنْ يكونَ نصّاً(٤)، أو إجماعاً، أو قياساً(*).
والأول: يقتضي وقوعَ الإِجماع على خلافِ النصِّ، وخلافُ النّصِّ(٥)
خطأٌ، والإِجماعُ لا يكونُ خطأً .
والثاني: أيضاً - باطلٌ؛ لأنَّ الإِجماعَ المتأخِّر إمَّا أنْ يقتضي أنَّ الإِجماعَ
الأوَّل - حين وقع - وقع خطأً، (أو يقتضي أنَّه كان صواباً ولكن إلى هذه الغاية.
والأوَّل: باطلٌ؛ لأنَّ الإِجماعَ لا يكونُ خطاً(٦)]، ولو جاز ذلك: لما كان
المنسوخُ به أولى من الناسخ .
وإنْ (٧) كانَ صواباً - حين وقع - ولكنْ [كان(٨)] مؤقّتاً -: فلا يخلو ذلك
الإِجماعُ المتقدِّم، المفيدُ للحكمِ المؤقّتِ، من أنْ يكون مطلقاً أو مؤقتاً.
فإنْ كانَ مطلقاً: استحالَ أنْ يفيدَ الحكمَ مؤقتاً.
(١) في غيرآ: ((فأما)).
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٢) في آ زيادة: ((صحة)).
(٤) لفظ آ: ((أيضاً)). وهو تصحيف.
(*) آخر الورقة (١٨٥) من ح.
(٥) لفظ ح: ((النفس))، وهو خطأ.
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من ل، ولم ترد كلمة ((ولكن)) في ح.
(٧) لفظ ل، ي: «ولو).
(٨) سقطت الزيادة من آ.
- ٣٥٧ -

وإنْ كان مؤقتاً إلى غايةٍ: فذلك(١) الإِجماعُ بنتھي (٢) - عند حصول تلك
الغايةِ بنفسه: فلا يكونُ الإِجماعُ المتأخِّر رافعاً له.
والثالثُ باطلٌ؛ لأنَّ هذه المسألة لا تُتَصَوَّرُ (٢) إلَّ إذا اقتضى القياسُ حكماً،
ثم أجمعوا على خلافِ [حكم(٤)] ذلكَ القياس؛ فحينئذٍ: يزولُ حكمٌ [ذلك(٥)]
القياسِ بعد ثبوتهِ: لتراخي الإِجماع عنه؛ وهذا محال؛ لأنَّ شرطَ صحّة
القياسِ عدمُ الإِجماع ، فإذا وُجد الإِجماعُ: فقد زال شرطُ صحَّةِ القياسِ ،
وزوالُ (٦) الحكم - لزوالِ شرطهِ(٧) - لا يكونُ نسخاً.
المسألةُ الخامسةُ :
في كون القياس منسوخاً(٨) وناسخاً.
أمّا كونُهُ منسوخاً - فنقولُ: نسخُ القياسِ إِمَّا أنْ يكونَ في زمانٍ حياةٌ الرسول
- عليه الصلاةُ والسلامُ - أو بعد وفاتِهِ .
فإنْ كانَ حال حياتِهِ (٩): فلا يمتنعُ رفعُهُ بالنصِّ، أو بالإِجماع، أو (١٠)
بالقياسِ .
أمَّا بالنصِّ - فبأنْ ينصَّ الرسولُ - عليه الصلاةُ والسلامُ - في الفرع، على(١١)
خلافِ الحكم - الَّذي يقتضيه القياسُ، بعد استقرار التعبُّدِ بالقياسِ.
(١) في ل، ي: ((فذاك)) .:
(٢) لفظ ص: ((ينتقي))، وهو تصحيف.
(٣) لفظ ح: ((يتصور) .
(٤) سقطت الزيادة من ل.
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
(٥) آخر الورقة (١٨١) من آ.
(٦) في ل، ي: «وزوال»
(٧) لفظ ل، ي، أ: ((الشرط)).
(٨) في آ، ص: ((ناسخاً ومنسوخاً).
(٩) لفظ آ: ((حياة)).
(١٠) عبارة ص: ((وبالإجماع وبالقياس)). (١١) كذا في آ، وفي غيرها: ((بخلاف)) ..
- ٣٥٨ -

وأمَّا [بـ(١)] الإِجماع - فلأنَّه إذا اختلفت الأمَّةُ على قولين: قياساً، ثم
أجمعوا على أحد القولين -: كانَ إجماعُهُم على أحدِ القولين، رافعاً لحكمٍ
القياسِ الَّذي اقتضاءُ (٢) القولُ الآخرُ.
وأمَّا [بـ(٢)] القياس - فبأنْ ينصَّ في صورةٍ على (٤) خلافِ ذلكَ الحكمِ،
ويجعَلُهُ معلَّلاً بعلَّةٍ موجودةٍ(*) في ذلكَ الفرع، وتكونُ (٦) [أمارةُ(٧)] علَِّّتها أقوى
من أمارة علِّيّةِ الوصفِ للحكمِ الأول [في الأَصلِ الأوَّل (٨)] و(٩) يكونُ [كل (١٠)]
ذلكَ بعد استقرارِ التعبُّد بالقياسِ الأول.
وأمَّا بعد وفاة الرسول(*) - عليه الصلاةُ والسلامُ - فإنَّه(١١) يجوزُ نسخُهُ في
المعنى - وإنْ كانَ [ذلك] لا يُسمَّى نسخاً في اللّفظِ.
أمَّا [ب(١٢)] النصِّ - فكما إذا (١٤) اجتهدَ إنسانٌ في طلبِ النصوصِ، ثمَّ لم
يظفرْ بشيءٍ أصلاً، ثم اجتهدَ فحرَّم شيئاً بقياسٍ، ثم ظَّفِرِ (١٥) - بعد ذلك -
بنصٍّ، أو إجماعٍ ، أو قياسٍ أقوى من القياسِ الأول على خلافه.
فإنْ قلنا: كلُّ مُجتهدٍ مصيبٌ - كانَ هذا الوجدانُ ناسخاً [لحكمِ القياسِ
(١) لم ترد الباء في ل.
(٢) في ل، ح: ((اقتضى))، ولفظ ص: ((يقتضيه).
(٣) لم ترد الباء في ص.
(٥) في آ: «بوجوده)).
(٧) سقطت الزيادة من ل.
(٩) في آ زيادة ((أن)).
(*) آخر الورقة (٢٠٥) من ل.
(١٢) هذه الزيادة من آ، ص.
(١٤) تكررت هذه العبارة في ي.
(٤) في غيرأ: ((بخلاف).
(٦) في آ، ل، ي: ((ویکون)).
(٨) ساقط من ل.
(١٠) سقطت الزيادة من ص.
(١١) لفظ ص: ((فلا))، وهو تحريف.
(١٣) سقطت الباء من آ.
(١٥) لفظ آ: ((ظهر).
- ٣٥٩ -

الأول(١)]، [لكنّهُ لا يُسمَّى ناسخاً؛ لأنَّ القياسَ إِنَّما يكون معمولاً به بشرطِ أن
لا يعارضه شيء من ذلك.
وإنْ قلنا: المصيب واحدٌ: لم يكن القياسُ الأوَّل متعبَّداً به(٢)] [فلم يكن
النصُّ - الَّذي وجدّه آخراً - ناسخاً لذلك القياس.
وأمَّا كونُ القياس ناسخاً - فهو (٣)]: إمَّا أنْ ينسخَ كتاباً أو سنَّةً أو إجماعاً أو
قياساً، والأقسام الثلاثةُ الأوَّلُ(٤) باطلةٌ بالإِجماعِ .
وأمَّا الرابع - وهو كونُهُ ناسخاً لقياسٍ آخرَ - فقد تقدَّم القول(٥) فیه.
أعلم .
المسألةُ السادسةُ:
*
في كون الفحوى منسوخاً و(٦) ناسخاً.
أمَّا كونُهُ منسوخاً - فقد اتَّفقوا على جوازِ نسخِ الأصلِ والفحوى معاً.
وأمّا نسخُ الأصلِ - وحده - فإِنَّه(*) يقتضي نسخ الفحوى؛ لأنَّ الفحوى
تبعُ(٧) الأصلِ، وإذا(٨) زالَ المتبوعُ: زالَ التبعُ لا محالةً.
وأمَّا نسخُ الفحوى مع بقاء الأصل، فاختيارُ(٩) أبي الحسين - رحمه الله -
أنّه لا يجوزُ، قالَ: ((لأنَّ فحوى(١٠) القول لا يرتفعُ (١١) - مع بقاء الأصلِ إلَّا
(١) ساقط من آ.
.(٢) ما بين المعفوفتين ساقط من آ، ل، ولفظ ((يكون)) في ي، ص: ((كان)).
(٣) ساقط من أ.
(٤) كذا في ي، ح، وفي غيرهما: ((الأدلة)).
(٥) انظر: ما ورد في أول المسألة.
(٦) عبارة ي: ((ناسخا ومنسوخا)) وعبارة آنحو ما أثبتنا. مع إبدال ((الواو)) بـ (أو)).
(٧) لفظ آ: ((تابع)).
(*) آخر الورقة (١٢١) من ي.
(٩) لفظ آ: ((فاختار)).
(٨) لفظ ص: ((فإذا)).
(١٠) في ي: ((الفحوى)).
(١١) لفظ ص: ((ترتفع)).
- ٣٦٠ -