Indexed OCR Text

Pages 281-300

[ و (١)] الجوابُ عن الأوَّلِ ، من وجهين :
أحدُهما(٢):
[أنَّه (٣)] لا يمتنعُ أنْ لا يكونَ الله - تعالى - هو: الناسخُ لذلكَ - من حيث
فعلُ الشمسِ والريحِ المؤثّرين في [تلك(٤)] الإِزالةِ، ويكونانِ - أيضاً -
ناسِخَينِ، لكونِهما مختصَّين بذلكَ التأثيرِ.
وثانيهما :
أنَّ أهلَ اللُّغةِ إنَّما أخطأوا في إضافة النسخِ إلى الشمس والريح [فهبْ أنَّه
كذلك(٥)]، لكنَّ متمسَّكَنا إطلاقُهم(٦) لفظَ(٧) النسخ [على(٨)] الإِزالةِ، لا
إسنادُهم(٩) هذا الفعلَ [إلى١٠)] الريحِ والشمسٍ.
وعن الثاني :
أنَّ النقلَ أخصُّ من الزوالِ ؛ لأنَّه حيثُ وُجدَ النقلُ - فقد عُدِمَت صِفَةٌ،
وحصلتْ(١١) - صفةٌ أخرى. فإذنْ [مطلقُ(١٢)] العدمِ أعمُّ(*) من عدمٍ يحصُلُ
- عقيبه - شيءٌ آخرُ؛ وإذا دارَ اللَّفْظُ بينَ العامِّ والخاصَّ(١٣): كانَ جعلُهُ حقيقةً في
العامِّ أولى [من جعله حقيقةٌ في خاصٍّ(١٤)]، على ما تقدَّم(١٥) تقريره في كتاب
اللُّغات (١٦). والله أعلم.
***
= وقال الأصفهاني: تناسخ القرون ليس من باب النقل فإنهم لم ينتقلوا بأعيانهم، بل هو من
باب مجاز التشبيه، فانظر الكاشف (٨٧/٣- ب).
(١) لم ترد الواو في ص.
(٣) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٥) ساقط من ل.
(٧) في آ: ((اللفظ)).
(٩) صحفت في ١ إلى: ((الإسنادهم)).
(٢) لفظ آ: ((الأول)).
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) لفظ ح: ((إطلاق)).
(٨) سقطت الزيادة من آ.
(١٠) سقطت الزيادة من آ.
(١١) لفظ ص: ((حصل))، وعبارة آ: ((وحدث صفة أخرى عفيبها)).
(١٢) سقطت الزيادة من آ.
(١٣) عبارة آ: ((الخاص والعام)).
(١٥) عبارة ح: ((مر بيانه)).
(*) آخر الورقة (١١٤) من ي.
(١٤) زيادة انفردت بها ح.
(١٦) راجع: ص(١٨٥) من هذا الكتاب.
- ٢٨١ -

المسألةُ الثانيةُ:
في حدِّ ((النسخِ)) - في اصطلاحِ العلماءِ:
الَّذي ذكره القاضي أبو بكر(*)، وارتضاهُ الغزاليُّ - رحمهما الله -: ((أَنَّه
الخطابُ الدالُّ على ارتفاعِ الحكمِ الثابت بالخطابِ المتقدِّم، على وجهٍ لولاهُ
لكانَ ثابتاً مع تراخیه عنهُ))(١).
وإنَّما آثرنا لفظ ((الخطاب)) على لفظ ((النصِّ)): ليكون شاملًا لـ ((للّفظ))
و(الفحوى)). و((المفهوم))، وكلُّ دليلٍ؛ إذ يجوزُ النسخُ (*) بجميعِ ذلكَ.
وإنَّما قلنا: ((على ارتفاع الحكم الثابت)) - ليتناولَ الأمر والنهي:
و[الخبر(٢)]، [وجميع أنواع الحكم (٣)].
وإنَّما قلنا: ((بالخطاب المتقدِّم))؛ لأنَّ(٤) ابتداءَ إيجاب العباداتِ في
الشرع ، يُزِيلُ حكمَ [العقلِ: من براءةِ الذمَّةِ، ولا يسمَّى نسخاً؛ لأنَّه لم يُزِلْ
حكمَ (٥)] الخطاب.
وإنَّما قلنا: (لولاهُ لكانَ(٦) ثابتاً))؛ لأنَّ حقيقةَ النسخِ: الرفعُ - و[هو(٧)] إنَّما.
يكونُ رافعاً: إذا(٨) كانَ المتقدِّمُ بحيثُ لولا طريانُهُ(*) لبقي .
(#) آخر الورقة (١٩١) من ل.
(١) راجع البرهان: (١٢٩٣/٢) الفقرات (١٤١٢) وما بعدها، والمستصفى:
(١٠٧/١).
(*) آخر الورقة (١٦٩) من آ ..
(٢) سقطت الزيادة من ح.
(٤) في غير ص، ح: ((إن)).
(٣) ساقط من ل، ي، آ، ص.
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(٦) في ص، ح زيادة: ((الحكم))، ومع أن هذا المعنى كذلك وأنها زيادة مناسبة، إلا
أننا آثرنا عدم إضافتها لعدم ورودها في نص التعريف.
(٧) لم ترد الزيادة في ح، وأبدلت في آ بـ: ((هاهنا)).
(٨) لفظ ما عدا ص: ((لو)).
(*) آخر الورقة (١٧٣) من ح.
- ٢٨٢ -

وإنّما قلنا: ((مع تراخيه عنهُ))؛ لأنَّه لو اتَّصل [به (١)]: لكانَ بياناً (٢)
لـ [مدَّةِ(٣)] هذه العبادةِ، لا نسخاً.
ولقائلٍ أن يقولَ: هذا الحدُّ مختلٍّ من وجوهٍ :
أحدها:
أنَّ الخطابَ الدالَّ على ارتفاع الحكمِ [المتقدِّم(٤)] ناسخٌ للحكمِ
الأول، وليسَ بنسخٍ . إذ(٥) النسخُ - هو: [نفس(٦)] الارتفاع، وفرقٌ بين الرافعِ ،
و[بينَ(٧)] نفسِ الارتفاع: فجعلُ الرافعِ عينَ (٨) الارتفاع خطأً.
وثانيها:
أنَّ تقييدَ ذلك بالخطاب خطأً؛ لأنَّ الناسخَ قد يكونُ فعلًا، لا قولاً؛ فإنَّه (١)
- ضَ﴿ - إذا فعلَ فعلاً، وعلمنا بالضرورة أنَّه قصد به رفع بعض ما كان ثابتاً -:
فذلك يكونُ ناسخاً -: مع أنَّه ليس بخطابٍ .
***
فإنْ قلتَ: الناسخُ - في (١٠) الحقيقةِ - هو: الخطابُ الدالُّ على وجوب
متابعتِهِ عليه السلام [في أفعاله ].
(١٤)
قلتُ: لو قدَّرنا أنَّه لم يردْ(١٢) أمرٌ زائدٌ(١٣) - يدلُّ على [وجوب ] متابعته في
أفعاله، ثم إنَّه - عليه الصلاةُ والسلامُ - فعلَ فعلاً، ووُجِدَ هناك - من القرائن -
(١) لم ترد الزيادة في ل.
(٣) سقطت الزيادة من ل.
(٢) حرفت في آ إلى: ((ثابتا)).
(٤) لفظ ل: ((الأول))، وسقطت من ص.
(٥) كذا في آ، ي، وفي النسخ الأخرى: ((والنسخ)).
(٦) لم ترد الزيادة في ص.
(٧) لم ترد الزيادة في ح.
(٨) في آ: ((عبارة عن)).
(٩) لفظ ص: ((لأنه)).
(١٠) في غيرآً: ((بالحقيقة)).
(١٢) في غير ص: ((يوجد».
(١١) لم ترد الزيادة في ص.
(١٣) كذا في آ، وفي غيرها: ((لفظ)).
(١٤) سقطت الزيادة من ح.
- ٢٨٣ -

ما أفادَ العلمَ الضروريَّ بأنَّ غرضَهُ - عليه الصلاة والسلام - إزالة الحكم الَّذي.
كان ثابتاً: فإنَّه يكونُ ناسخاً بالإِجماع - مع أنَّه لم يوجد الخطابُ في هذه
الصورة أصلاً.
وثالثها:
: أنَّ الأمّة إذا اختلفتْ على قولين - فسوَّغت(١) للعاميِّ تقليدَ كلِّ واحدٍ من(٢)
الطائفتين، ثم أجمعتْ بعد(٣) ذلك على أحد القولين -: فهذا الإِجماُ خطابٌ،
[و(٤)] هوَ ناسخٌ لجوازِ الأخذ بكلا (٥) القولين، فقدَ (٦) وُجِدَ هاهنا خطابٌ دالٌّ
على ارتفاع حكم خطابٍ(٧) - مع أنَّ الحقَّ أنَّ الإِجماعَ لا يُنسِخُ، ولا يُنسخُ به.
ويمكن جوابهُ: بأنَّا ذكرنا حدَّ النسخِ - مطلقاً - لا حدَّ النسخ الجائز في
الشرع .
ورابعُها:
أنَّ كونَ(٨) النسخ (٩) رفعاً باطلٌ؛ وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(١) لفظ ح: ((وسوغت)).
(٢) عبارة ل، ي: ((واحد من المتطابقين)).
(٣) لفظ آ: ((اجتمعت)).
(٥) عبارة ح: ((بكل ما وجد من القولين)).
(٧) في آزيادة: ((سابق)).
(٤) لم ترد الواو في ل، ي.
(٦) في ح: ((وقد)).
(٨) لفظ آ: ((یکون)).
(٩) لفظ آ: ((رافعا)). قلت: وهذا الاعتراض قد ذكر القرافي ما اعتبره جواباً عنه فقال:
(إنه يتخرج على المذهبين - أي مذهب القائلين بأنه ((رفع))، وبأنه ((بيان)) : وذلك أن الحكم لم
يكن مغيا في نفس الأمربل كان مستمراً لولا الناسخ - أي والناسخ رفعه - وعلى مذهب
الفقهاء: أنه لولا الناسخ لكان مستمرا في اعتقادنا، وإن كان في نفس الأمر مغيا. انظر
النفائس (٢٦١/٢ - ب).
- ٢٨٤ -

وخامسها :
أنَّ قوله: ((بالخطاب المتقدِّم)) خطاً؛ لأنَّ الحكم الأول [لو (١)] ثبت بفعل
النبي - وَ﴾ - لا بقوله -: [لـ(٢) كانَ الَّذي يرفعُهُ(٣) ناسخاً له.
فهذا ما في هذا الحدّ(٤).
والأولى أنْ يقالَ - النسخُ (٥): ((طريقٌ شرعيٍّ يدلُّ على أنَّ [مثلَ (٦)] الحكم
الَّذِي كان ثابتاً بطريقٍ [شرعيٌّ(٧)] لا يوجدُ - بعد ذلك - مع تراخیه عنه، على
وجهٍ لولاهُ: [لـ (٨)] كانَ ثابتاً)).
فقولنا: ((طريقٌ [شرعيٌّ(٩)] نعني به القدر المشتركَ بيْن القولِ الصادرِ عن
اللهِ - تعالى - و[عن(١٠)] رسوله عليه الصلاة والسلام و[الفعل (١١)] المنقول
عنهما)(١٢).
ويخرج عن اتِّفاق الأمَّة على أحد القولين؛ لأنَّ ذلك(١) ليسَ بطريقٍ شرعيٍّ
[على هذا التفسير.
ولا يلزم أنْ يكونَ الشرعُ ناسخاً لحكمِ العقلِ ؛ لأنَّ العقلَ ليسَ بطريقٍ
شرعيٍّ.
(١) سقطت الزيادة من ص، ح.
(٢) سقطت اللام من ل، ي، أ.
(٣) لفظ آ: ((رفعه)).
(٤) زاد في ي: ((الأولى)). قلت: وقد تصدى صاحب ((الإحكام)) للإجابة عن هذه
الاعتراضات التي أوردت - على تعريف القاضي. فراجع: الإحكام (١٦٢/٢) وما بعدها كما
فعل ذلك التبريزي - صاحب التنقيح - فيما نقله الأصفهاني عنه. فانظر الكاشف
(٨٨/٣- ب).
(٥) في ل، ي، آ، ح: ((الناسخ))، وكذلك في التفسير: (٤٤٢/١) ط الخيرية، وما
أثبتناه من ص.
(٦) سقطت الزيادة من ص.
(٧) سقطت الزيادة من ل.
(٨) سقطت اللام من ي.
(٩) سقطت الزيادة من ص، ح.
(١٠) لم ترد الزيادة في آ.
(١١) ساقط من آ.
(١٢) لفظ ح: ((عنه)).
(١٣) في ل، ي، آ: ((ذاك)).
- ٢٨٥ -

ولا يلزمُ أنْ يكونَ العجزُ ناسخاً لحكمٍ شرعيٍّ؛ لأنَّ العجز ليس بطريقٍ
شرعيٍّ](١).
ولا يلزم تقييدُ الحكمِ بغايةٍ، أو شرطٍ (٢)، أو استثناءٍ؛ لأنَّ ذلكَ غيرُ
متراخٍ (٣).
ولا يلزمُ ما(٤) إذا أمر [نا(٥)] الله - تعالى - بفعلٍ واحدٍ، ثم نهانا عن مثله ؟
لأَنَّه لو لم يكن هذا النهيُ: لم يكنْ مثلُ حكمِ الأمرِ ثابتاً(٦).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، وقوله: إن العجز ليس بطريق شرعي)) فهم منه.
البعض التناقض مع ما قاله في بحث تخصيص العموم بالعقل - حيث قال هناك: ((لأن من
سقطت رجلاه: سقط عنه فرض غسل الرجلين وذلك إنما عرف بالعقل)) انظر ص ( ٧٤ ) من
الجزء الثالث من هذا الكتاب وما كتبناه على هامشها.
فقال صاحب جمع الجوامع: وقول الإمام من سقط رجلاه نسخ غسلهما مدخول، وقال
الجلال: أي فيه دخل أي عيب: حيث جعل رفع وجوب الغسل بالعقل لسقوط محله نسخاً،
فإنه مخالف للاصطلاح، وكأنه توسع فيه. فراجع جمع الجوامع وشرحه للجلال
(٧٥/٢-٧٦).
قلت: وقد كان المصنف هناك يحكي خلافاً في جواز التخصيص بالعقل ويدفع
اعتراضاً، وكثيراً ما نراه - رحمه الله - في مثل هذا الموقف يذكر ما لا يراه، أو يراه أصحابه
لمجرد الرد على المعترض، وكثيراً ما يرد على المعترض من مذهب المعترض، لا من مذهبه
هو، كما أن الإِمام كان دقيقاً في قوله: وذلك إنما عرف بالعقل، فإنه ظاهر بأنه أراد أن العقل
أدرك سقوط الفرض، وليس هو الذي قضى بالسقوط فتأمل. كما أن قول الجلال بأنه مخالف
للاصطلاح، وكأنه توسع فيه، أي فلعله استعمله بأحد معانيه اللغوية، وراجع: تفسيره الكبير
(٤٣٣/١) ط الخيرية .
(٢) لفظ آ: ((بشرط).
(٣) لفظ ح: ((متراخي)).
(٤) في آ: ((بما)).
(٥)لم ترد في ص.
(٦) في ل: ((ثانيا))، وهو تصحيف. هذا وقد قال الأصفهاني: إن التعريف الذي ذكره
المصنف يتقرر على قولنا: إن النسخ ((بيان))، وعلى قولهم: إنه ((رفع)): فإنه قال: طريق دالٌّ
على أن الثابت بالخطاب الأول لا يوجد بعده، وقوله: لا يوجد أعم من البيان والرفع فيصدق
مع كل واحد منهما. راجع الكاشف (٩١/٣-٢).
- ٢٨٦ -

المسألةُ الثالثةُ :
.-
قال القاضي أبو بكر - رحمهُ الله -: ((النسخُ رفعٌ)) - ومعناهُ: أنَّ خطابَ الله
- تعالى - تعلَّق بالفعلِ بحيثُ لولا طريانُ الناسخِ: لبقيَ، إلَّ أَنَّه (١) زالَ
لطريانٍ(٢) الناسخِ .
وقال الأستاذ أبو إسحاق - رحمه الله -: ((إنَّه بيانٌ - ومعناه: أنَّ الخطاب
الأول انتهى - بذاته - في ذلك الوقتِ، ثم حصلَ - بعده - حكمٌ آخرُ.
والمثالُ الكاشفُ عن حقيقة هذه المسألة: أنَّ من قال ((ببقاء الأعراض)
قالَ: ((الضدُّ الباقي يبقى لولا طريانُ الطارىء، ثم إنَّ الطارىء يكونُ مزيلاً
لذلكَ [الباقي (٣)]).
ومن قال بأنَّها(*) لا تبقَى، قالَ: ((الضدُّ الأول ينتهي - بذاته - ويحصُلُ ضدُّه
بعد ذلك، من غير أنْ يكونَ للضدِّ الطارىء أثرٌ في إزالة ما قبلَهُ؛ لأنَّ الزائلَ
- بذاته - [لا(٤)] يحتاجُ إلى مزيلٍ)).
وإذا ظهرَ هذا التمثيلُ(٥): عادت الدلائلُ المذكورةُ في تلك المسألةِ إلى
هذه المسألة نفياً، وإثباتاً(٦) - فنقول:
***
(١) في ي: ((لأنه))، وهو تصحيف.
(٢) في ل، ي: ((بالطريان)).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(*) آخر الورقة (١٩٢) من ل.
(٤) سقطت الزيادة من آ.
(٥) لفظ ي، ح: ((التمسك)).
(٦) قال القرافيُّ معقّباً على هذا التمثيل: لا نسلّم صحة هذا التمثيل، ولا نسلم أن
الأعراض مساوية للمسألة، فإن كلام الله تعالى قديم واجب الوجود، لا يوصف بما توصف
به الأعراض من عدم بقائها زمنين، وهذا بعيد جداً عن المسألة. راجع: نفائسه
(٢٦٣/٢ - أ - ب). أما الأصفهاني فقد قال: وجه هذا المثال: أن الناسخ والمنسوخ المأمور
به ينتهي بنفسه على رأي، والضد السابق ينتهي بنفسه على رأي، والضد السابق رفعه الضد
الآخر على رأي، وكذا الحكم السابق رفعه الحكم اللاحق على رأي: فالمنسوخ السابق،
والضد السابق في انتهائهما بنفسيهما، وعدم انتهائهما بنفسيهما يلزمهما جميعاً، يرتفعان
لوجود الطارىء سواء كان نفياً أو إثباتاً، فالحاصل: أن هاهنا أموراً، الضدّ السابق، والضدّ =
- ٢٨٧ -

احتجِّ المنكرونَ للرفعِ ، بوجوه :
الحجّةُ الأولى:
أنَّه ليس زوالُ الباقي بطريان الطارىء - أولى [من اندفاع (١) الطارىء]،
لأجل بقاء الباقي - فإمَّا أنْ يوجدا - معاً - وهو محالٌ [بالضرورة، أو يُعْدَما معاً،
وهو محالٌ (٢)]: لأنَّ علَّةِ عدم كلِّ واحدٍ منهما وجودُ الآخرِ، فلو عُدِما معاً: لوجدا
معاً، وذلكَ(٣) محالٌ.
*
فإنْ قلتَ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: الحادثُ أقوى من الباقي لحدوثِهِ(٤) قلتُ:
هذا باطلٌ، لوجهین:
أحدهما :
أنَّ الباقي إمَّا أنْ يحصلَ له أمرٌ زائدٌ(٥) على ما كان حاصلاً (*) [له (٦)] حالَ(٧)
حدوثهِ، أو لا يحصلَ.
= اللاحق، وانتهاء السابق بنفسه، أو لا بنفسه بل برافع يرفعه على اختلاف فيه فهذه أمور ثلاثة
ومثلها في الحكم الشرعي: الحكم السابق، والحكم اللاحق، وانتهاء السابق بنفسه أو برافع
يرفعه - فهذا وجه التمسك بالمثال فافهم ذلك فإنه لم يفهمه كثير منهم، واستطرد لبيان موضع
الخلاف في كلا المسألتين فقال: ومحل الخلاف: أن عدم السابق في الضد السابق والحكم
السابق هل هو بنفسه لعدم صلاحيته، أو لا بنفسه، بل هو فيهما برافع يرفعه - هذا هو محل
النزاع فيهما نفياً وإثباتاً. فراجع: الكاشف (٩٢/٣-آ). وراجع بحث المصنف لمسألة
((الأعراض)) في المحصِّل: (٧٩-٨٠).
(١) ساقط من ي.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط كله من آ، وقوله: ((معا) لم ترد في ص.
(٣) في آ: ((وهو)).
(٤) لفظ آ، ي: ((بحدوثه)).
(٥) عبارة ي: ((أمرا زائداً))، وهو تصحيف.
(*) آخر الورقة (١٧٠) من آ.
(٦) لم ترد الزيادة في آ.
(٧) كذا في ص، خ، وفي غيرهما: ((قبل))، وهو الذي ورد في نسخة القرافي - على
ما يبدو - فرتَّب عليه من الاعتراضات والإِشكالات والاقتراحات لتعديل العبارة ما شاء، كما =.
- ٢٨٨ -

فإنْ كانَ الأولَ: كانَ ذلكَ الزائدُ حادثاً، فذلكَ الزائدُ لحدوثهِ يكونُ مساوياً
للضدِّ الطارىء في القوّةِ.
وإذا استويا(١) في القوَّةِ: امتنع رجحانُ أحدهما على الآخر(*)، وإذا امتنع
عدمُ كيفيّة الباقي : امتنعَ عدم ذلك الباقي لا محالةً .
٠
وإنْ كان الثاني وهو: أنْ لا يحصلَ للباقي أمرٌ زائدٌ على ما كان حاصلًا له
حالَ الحدوثِ -: لزمَ أنْ تكونَ قَوَّةُ الباقي مساويةً لقوةِ الحادثِ: وحينئذٍ يبطل
الرجحان .
وثانيهما(٢):
أنَّ الشيءَ - حال حدوثه - كما يمتنعُ عدمُهُ، فالباقي - حالَ بقائه - لا بدَّ له
من سبب(٣)؛ لكونه ممكناً - وهو مع السبب يمتنعُ عدمُهُ، فإذا امتنع العدمُ
عليهما: استويا في القوَّة: فيمتنعُ الرجحانُ .
الحجَّةُ الثانيةُ - هي(٤):
أنَّ طريان الحكمِ الطارىء مشروطٌ بزوال المتقدِّم، فلو كانَ زوالُ المتقدّم
معلَّلاَ بطريانِ الطارىء: لزومَ الدورُ، وهو محالٌ.
الحجَّةُ الثالثةُ :
أنَّ الطارىء إمّا أنْ يطرأ - حال كونِ الحكمِ الأولِ معدوماً أو موجوداً.
فإنْ كانَ الأول: استحالَ أنْ يُؤثِّر في عدمِهِ؛ لأنَّ إعدامَ(٥) المعدومِ محالٌ.
= لم يفته أن يذكر: أنَّ العبارة في كل النسخ التي اطلع عليها كذلك. انظر نفائسه
(٢٦٣/٢ - ب).
(١) لفظ ل: ((استوى)).
(*) آخر الورقة (١٧٤) من ح.
(٣) في غيرح: ((السبب)).
(٢) في ل، آ: ((وثانيها)).
(٤) في ص: ((وهي))، وفي ل، ي، آ، ح: ((وهو).
(٥) لفظ ص: ((انعدام)»، وهو تصحيف.
- ٢٨٩ -

وإنْ كان الثاني: فقد وُجِدَ مع وجودِ الأول، وإذا وجدا - معاً -: لم يكن
بينهما منافاةً؛ وإذا لم يكن بينهما منافاةٌ: لم يكنْ(١) أحدُهما رافعاً للآخر.
فإنْ قلتَ: لِمَ لا يجوزُ أنْ - يكونَ ذلك، كالكسرِ مع الانكسار؟
قلتُ (٢): الانكسارُ عبارةٌ عن: زوال تلك التأليفاتِ عن أجزاءِ ذلكَ
الجسم ، والتأليفاتُ أعراضٌ غير باقيةٍ: فلا يكونُ للكسرِ أثرٌ في إزالتها.
[الحجّةُ الرابعةُ - هي :
أنَّ كلامَ اللهِ - تعالى - قديمٌ، والقديمُ لا يجوزُ رفعُهُ. فإنْ قلتَ: المرفوعُ
تعلُّقُ الخطاب.
قلتُ: الخطابُ إمّا أنْ يكونَ أمراً ثبوتيً(*) أو لا يكونَ.
فإنْ لم يكنْ أمراً ثبوتيّاً: استحال رفعه وإزالته.
وإنْ كانَ أمراً ثبوتياً - فهو: إِمَّا أنْ يكونَ حادثاً أو قديماً: فإنْ كان حادثاً: لزم
کونُهُ - تعالى - محلاً للحوادث.
وإنْ كان قديماً: لزم عدمُ القديمِ ؛ وهو محالٌ (٣)].
واعلمْ(٤): أنَّ هذه الوجوه، كما أنَّها قوبَّةٌ - في نفسها(٥) - فهي أقوى لزوماً
على القاضي - رحمه الله - لأنَّه هو الذي [عوِّل(٦)] عليها في امتناع إعدام الضدّ
بالضدِّ .
(١) عبارة آ: ((لا يكون)).
(٢) لفظ ل، ي: ((قلنا».
(*) آخر الورقة (١١٥) من ي.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط كله من ص. وقوله: ((أولا)) في ي: ((أم لا)) وسقطت كلمة
((أمرا)) بعدها من ح، وقوله: ((فهو إما)) في غيرح: ((فأما))، ولم ترد عبارة ((وهو محال)) في ح ..
(٤) لفظ آ: ((فاعلم)) .
(٥) في غير آ: ((أنفسها)).
(٦) سقطت الزيادة من آ.
- ٢٩٠ -

والقولُ بكونِ النسخِ رفعاً (١)، عينُ القولِ بإعدامِ الضدِّ [بالضدِّ(٢)]:
فيكونُ لزومُ هذه الأدلَّةِ عليه أقوى (٣).
[و (٤)] احتجِّ إمامُ الحرمين - رحمه الله - على فسادِ(٥) الرفعِ بوجهٍ آخر [و(٦)]
هَ: أنَّ علمَ الله - تعالى - إمّا أنْ [يكونَ (٧)] متعلِّقاً باستمرارِ هذا الحكم أبداً،
أو يكون متعلّقاً بأنَّه لا يبقى إلّ إلى الوقت (٨) الفلانيّ -: فإنْ كانَ الأوَّل: استحالَ
نسخُهُ، وإلاّ: لزمَ انقلابُ العلمِ جهلاً، وهو محالٌ.
والثاني: يقتضي بطلانَ القولِ بالرفع ؛ لأنَّ الله - تعالى - إذا علِمَ أنَّ ذلكَ
الحكمَ لا يبقى إلّ إلى ذلكَ (٩) الوقتِ(٥): استحالَ وجودُ ذلكَ [الحكمِ بعدَ
ذلكَ (١٢]، وإلّ: لزمَ انقلابُ العلم جهلاً(١١)، وإذا كانَ ممتنعَ(١٢) الوجودِ [بعدَ
(١) كذا في ص، ح، وفي النسخ الأخرى: ((رافعا)).
(٢) هذه الزيادة من ح.
(٣) الحجج المذكورة هي حجج القاضي لما ادعاه من امتناع رفع ((العرض)) اللاحق
(العرض)) السابق، فاحتج بها المصنف عليه في امتناع كون الحكم اللاحق رافعاً للحكم
السابق، بعد أن سوى بين المسألتين كما تقدم، فكأنه يقول له: إن صحت هذه الوجوه: صح
مذهبك في مسألة ((العرض))، ويطل مذهبك في النسخ، وإن فسدت: فسد مذهبك في
مسألة ((العرض)) ولا تصلح هذه للاستدلال على مذهبك في ((النسخ)). هذا وقد نقل عن
القاضي احتجاجاً آخر على مذهبه بالقول ((بالرفع)) راجعه مع مناقشة الأصفهاني له في
الكاشف (٩٤/٣-آ -ب).
(٤) لم ترد الواو في ل.
(٥) لفظ ص: ((افساد)).
(٦) لم ترد الواو في ي .
(٧) سقطت الزيادة من آ.
(٨) لفظ آ: ((اليوم)).
(٩) عبارة ح: ((الوقت الفلاني)).
(*) آخر الورقة (١٩٣) من ل.
(١٠) كذا في ص، وفي ح وردت كلمة الحكم ولم ترد الكلمتان بعدها، وسقطت العبارة
کلها من ل، ي، آ.
(١١) في ل، آ، ي: ((فإذا).
(١٢) لفظ آ: ((يمتنع)).
- ٢٩١ -

ذلكَ(١)]: استحالَ أنْ يقعَ زوالُهُ بمزيلٍ ؛ لأنَّ الواجبَ لذاتِهِ يمتنعُ أنْ يكونَ واجباً.
لغيره (٢).
ولقائلٍ أنْ يقولَ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: عَلِمَ الله - تعالى - [أنَّ ذلك الحكمَ
لا يبقى إلى ذلكَ الوقتِ، لطريانِ الناسخ (٣)]، [لا لذاته، وإذا عَلِمَ الله
تعالى(٤)] [أنَّه يزولُ ذلكَ الحكمُ في ذلك الوقتِ، لطريانِ ذلك الناسخِ (٥)] -:
لم يكنْ (٩) ذلكَ قادحاً في (٧) تعليلِ زوالِهِ بالنسخ (٨).
ويزيدُهُ تقريراً (٩) - أنْ يقالَ: إنَّ الله - تعالى - كانَ يعلمُ أنَّ العالَم يُوجَدُ في
الوقتِ الفلانيِّ، فيكونُ وجودهُ في ذلك الوقتِ(١٠ )واجباً، ولم یکنْ ذلكَ الوجوبُ
قادحاً في افتقارهٍ(١١)إلى المؤثِّر: [لأنَّه لما عِلِمَ الله - تعالى - أنَّه يوجدُ في ذلكَ
الوقتِ بِذلكَ المؤثِّرِ: لم يكن الوجوبُ - على هذا الوجهِ - قادحاً في افتقاره إلى
(١٢)
المؤثر ]: فكذا(١٣) هاهنا (١٤)
١
(١) ساقط من آ.
(٢) انظر البرهان (١٢٩٤/٢-١٢٩٧) الفقرات (١.٠٥-١٤٢٠).
(٣) ساقط من آ، وقوله: ((إلى))، في ص، ح: ((في)) .:
(٤) ساقط من ا، ي.
(٥) ساقط من ي، وكلمة: ((ذلك)) الثانية لم ترد في ص.
(٦) عبارة ح: ((لا يكون)».
(٨) في ص، ح: ((بالناسخ)).
(٧) في آ زيادة: ((وجوب)).
(٩) كذا في ص، آ، ي، وعبارة ل: ((وهو أن يقال))، وعبارة ح: ((ونزيده تقريراً
فنقول)» ..
(١٠) في ل زيادة: ((الفلاني)).
(١١) لفظ ل: ((افتقارنا)).
(١٢) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، وسقط لفظ الجلالة من ص.
(١٣) في ل، ي، آ: ((فكذلك)).
(١٤) راجع: شرح استدلال إمام الحرمين، وتقرير ما أورده المصنف عليه، وبيان قوة هذا:
الإِيراد في الكاشف (٣/ ٩٤ــآ).
- ٢٩٢ -

[و(١)] احتجَّ القائلون بالرفع، بأمرين :
أولهما:
أنَّ النسخَ - في اللُّغةِ - عبارةٌ عن الإِزالةِ: فوجبَ أنْ يكونَ - في الشرعِ -
[أيضاً(٢)]. كذلكَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التغييرِ، [ولأنَّنا ذكرنا - في - باب نفيٍ
الألفاظِ الشرعيَّة - ما يدلُّ على عدم التغيير(٣)].
١
وثانيهما (٤):
أنَّ الخطابَ كان متعلِّقاً بالفعلِ - فذلك التعلُّقُ يمتنعُ أنْ يكونَ عدمُهُ لذاته،
وإلَّ لزمَ أنْ لا يوجدَ، وإنْ لم يكنْ لذاتِهِ فلا بدَّ من مزيلٍ، [ولا مزيلَ (٥)] إلَّا
الناسخُ(٦).
والجوابُ عن الأوَّل:
أنَّه تمسُّكُ بمجرَّدِ اللَّفظِ - وهو لا يعارضُ الدلائلَ (٧) العقلِيَّةَ.
وعن الثاني :
أنَّ كلامَ اللهِ - تعالى(٨) - القديمَ كان متعلِّقاً من الأزلِ إلى الأبد باقتضاءِ
الفعلِ إلى ذلكَ الوقتِ المعيَّن، والمشروطُ بالشيءِ عدمٌ(٩) عند عدمٍ
الشرط (١٠): فلا يفتقرُ(١١) زوالُهُ إلى مزيلٍ آخرَ (١٢). والله أعلمُ.
(١) لم ترد الواو في ي، ص.
(٢) لم ترد الزيادة في ح.
(٣) ساقط من آ، وانظر ص (٢٩٨) من الجزء الأول من هذا الكتاب.
(٤) في غيري زيادة: (وهو) وحذفها أولى.
(٥) ساقط من آ.
(٦) لفظ آ: ((النسخ)).
(٧) لفظ ص: ((الدليل)).
(٨) في آ زيادة: ((قديم)).
(٩) لفظ ح: ((يعدم)).
(١٠) لفظ ل: ((الشيء)).
(١١) في آزيادة: ((في)).
(١٢) راجع: تعليق الشيخ بخيت على شرح الإسنوي (٥٤٩/٢-٥٥٠)، وذلك للاطلاع =
-٢٩٣ -

المسألةُ الرابعةُ(*):
النسخُ - عندنا - جائزٌ عقلًا، وواقعٌ سمعاً: خلافاً لليهود (١)؛ فإنّ - منهم -
من أنكرَهُ عقلًا، ومنهم من جوِّزه عقلاً، لكنَّه منعَ منهُ سمعاً.
ويُروى (٢) عن(*) بعض المسلمين إنكارُ النسخِ .
لنا وجهان :
الأول :
أنَّ الدلالة القاطعةَ دلَّت على نبوّة محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، ونبوَّتُهُ لا
تصحُّ إلَّ مع القولِ بنسخِ شرعٍ من قبلَهُ: فوجبَ القطعُ(٣) بالنسخِ.
الثانى :
أنَّ الأمَّة مجمعةٌ على وقوعِ النسخِ .
***
= على ما نقله عن ابن الحاجب، وآخرين واختاره من أن الخلاف لفظيّ وأن سائر المناقشات
بين القائلين بالرفع، والقائلين بالبيان مناقشات في الألفاظ لا في الجوهر.
(*) آخر الورقة (١٧٥) من ح.
(١) في ح زيادة: ((عليهم اللعنة)) هذا وقد ذكروا: أن اليهود في موقفهم من النسخ ثلاث
فرق: فرقة قالت بامتناعه عقلاً وسمعاً، وثانية قالت بامتناعه سمعاً، وجوازه عقلًا، وأخرى
قالت بجوازه عقلاً وسمعاً، ولم ينكر النسخ غير تلك الفرقة من اليهود، وغلاة الروافض. انظر
الكاشف (٩٦/٣ - ب)، والنفائس (٢٦٧/٢ - ب)، وشرح الإِسنوي (٥٥٤/٢)، وشرح جمع
الجوامع (٨٨/٢).
(٢) لفظ ح: ((وروى))، وقول المصنف: ((يروى)» تحوط لطيف منه، فكأنه لا يرى مخالفا
من المسلمين في النسخ ـ على الحقيقة - بما في ذلك أبو مسلم، وأن الخلاف في الموضوع
لفظيّ وانظر ما قاله الجلال في شرح الجمع (٨٩/٢).
(٣) عبارة ي: ((النسخ بالقطع)).
(*) آخر الورقة (١٧١) من آ.
- ٢٩٤ -

ولنا على اليهود إلزامان :
الأول :
جاء في التوراةِ - أَنَّ الله - تعالى - قال لنوح عليه السلام - عندَ خروجه من
الفلك: ((إنِّي قد جعلتُ [كل(١)] دابَّةٍ مأكلًّا لك ولذريَّتِكَ، وأطلقتُ ذلك لكم
[كنباتٍ(٢)] العشب ما خلا الدمَ فلا تأكلوه))(٣)، ثم قد حرَّم الله - تعالى - على
موسى - عليه السلام - و[على (٤)] بني إسرائيل كثيراً من الحيوانات(٥).
الثانى :
كانَ آدمُ - عليه السلام - يزوِّج الأخ من الأخت(٦)، وقد حرَّم الله ذلك على
موسی .
ولقائلٍ أنْ يقول: لا نسلِّم أنَّ نبوّةَ محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - لا تصحّ
إلَّ مع القولِ بالنسخِ ؛ لأنَّ من الجائزِ أنْ يقالَ: إنَّ موسى وعيسى - عليهما
السلام - أمرا الناس بشرعِهما إلى [زمان(٧)] ظهورِ [شرع (٨)] محمَّدٍ عليه الصلاة
والسلام [ثم بعدَ ذلكَ أمرا الناسَ باتِّباع شرع محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام؛ فعندَ
ظهور شرع محمَّد - عليه الصلاة والسلام(٩)]: زالَ التكليفُ بشرع موسي
وعيسى - عليهما السلام - واموقع التكليفُ بشرع محمدٍ - عليه السلامُ - لكنّه
(١) سقطت من ح.
(٢) لفظ آ: ((كسائر))، وهو تصحيف.
(٣) النص كما في التوراة - سفر التكوين - الإصحاح التاسع ص (٦٤) هو: ((كل دابة
حية تكون لكم طعاماً کالعشب الأخضر دفعت إلیکم الجميع غیراً ن لحما بحياته ۔ دمه ـ فلا
تأکلوه».
(٤) لم ترد الزيادة في ل، ي، آ.
(٥) في ل، ي، آ: ((الحيوان))، وراجع: التفسير (٤٤٢/١) ط الخيرية.
(٦) عبارة آ: ((الأخت من الأخ).
(٧) سقطت الزيادة من آ.
(٨) كذا في ص، ح، ولفظ ل: ((نبوة)) وسقطت من آ، ي.
(٩) ما بين المعقوفتين سقط كله من ي، وقوله: ((ثم)) في ح: ((و)، ولفظ ((أمرا)) في آ:
(أمر وا)» ..
(١٠) في ي زيادة: «قده.
- ٢٩٥ -

لا يكونُ نسخاً بل يكون جارياً مجرى قوله تعالَى: ﴿ثُمَّ أَتِّمُوا الْصِيامَ إِلَى
اللَّيْل﴾(١).
***
والمسلمونَ الَّذين: أنكروا وقوعَ النسخِ بنوا مذهبهم (٢) على هذا الحرف،
وقالوا: [قد(٣)] ثبتَ في القرآن: أنَّ موسى وعيسى - عليهما السلام - بشِّرا(٤) فِي
التوراة والإنجيل بمبعث (٥) محمدٍ - وَلَ - وأنَّه(٦) عند ظهوره يجبُ الرجوعُ إلى
شرعه، وإذا كان الأمر كذلك: امتنعَ(*) تحقُّقُ النسخِ . وهكذا(٧) جوابُ اليهودِ
عن الإلزامين اللَّذين أوردناهما (٨) عليهم(٩).
وأمَّ ادِّعاءُ الإِجماع - فكيفَ يصحُ (١٠) بعدَ ما صحَّ وقوعُ الخلافِ فيه(١١)؟.
(١) الآية (١٨٧) من سورة (البقرة))، ومراده: أنه تخصيص بالغاية. وراجع: التفسير
الكبير (١٣٩/٢) ط الخيرية .
(٢) لفظ آ: ((مذاهبهم)).
(٤) في آ: ((بشروا)).
(٦) في غيرح: ((وأن)).
(٣) لم ترد الزيادة في ح.
(٥) لفظ ح: ((يبعث)).
(*) آخر الورقة (١٩٤) من ل.
(٨) في ي: ((أوردناها)).
(٧) لفظ آ: ((وكذلك)).
(٩) هذا المنع الذي أورده المصنف لم يسلمه القرافي، فراجع: النفائس
(٢٦٨/٢ - ب)، وقرره الإِسنوي بشكل آخر. فراجع: شرحه على المنهاج (٥٥٦/٢) ط :
السلفية، وسلمه الأصفهاني وقال: إنه منع صحيح لا يتم الدليل بدون الجواب عنه. وما
ذكره ابن الحاجب والتبريزي من إجابات عنه قال عنها: والذي ذكروه ليس بجواب. فراجع:
الكاشف (٩٧/٣ -٢) وما أورده المصنف هنا أورده في التفسير (٤٣٣/١) ط الخيرية.
(١٠) في ي، آ، ص، ح زيادة: «ذلك)).
(١١) أجاب القرافي عن هذا بقوله: ((إن الاتفاق حصل في المعنى، وإنما الخلاف في
التسمية)). راجع: النفائس (٢٦٨/٢ - ب)، وعقب الأصفهاني بقوله: ((قال بعضهم: لا
خلاف في المعنى، لأن الاحتمال المذكور مفسر بالتخصيص بالغاية. قلنا: التخصيص
بالغاية ليس نسخاً بأحد التفسيرين: لأن المخصِّص متَّصل في مثل الصورة المذكورة في قوله.
تعالى: ﴿ثُمَّ أَتُمُوا الصِّيام إلى اللّيل) الآية (١٨٧) من سورة (البقرة)، وأما النسخ فشرط فيه
التراخي وعدم الاتصال)) انظر الكاشف (٩٧/٣ -آ - ب).
- ٢٩٦ -

:٠١
والمعتمدُ(١) في المسألةِ(٢) - قوله تعالى: ﴿ما نَنسَخْ من ◌َآيَةٍ أو نُنسِها نَأْتِ
بخيرٍ منهَا أُو مِثْلِهَا (٣)﴾(٤)، وجهُ الاستدلالِ به: أنَّ جوازَ التمسُّكِ بالقرآن إمّا أنْ
يتوقّفَ على صحَّةِ النسخ ، أو لا يتوقّف(٥)، فإنْ توقَّف - عادَ الأمرُ إلى [أنَّ (٦)]
نبوّةَ محمدٍ - رَ﴾ - لا تصحُّ(٧) إلَّ مع القولِ بالنسخِ - وقد صحَّت نبوَّتُهُ: فوجبَ
القولُ بصحَّةِ النسخِ (٨).
.(١) لفظ ص: ((فالمعتمد)).
(٢) في ي زيادة: ((في)).
(٣) الآية (١٠٦) من سورة ((البقرة)).
(٤) في ي زيادة: ((ان)).
(٥) في ي زيادة عبارة: ((على صحة النسخ)).
(٦) سقطت من ي .
(٧) لفظ ح: ((يصح).
.(٨) بعد أن ذكر المصنف في التفسير معظم المسائل التي أوردها هنا بشكل كاد أن يكون
حرفياً قال: ((فثبت بهذا التقسيم: أن القول بالنسخ محال. واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة
في كتاب - المحصول في أصول الفقه - تمسَّكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى: ﴿ما نَنسَخ من
آيةٍ أو نُنسِها نأتِ بخيرٍ منها أو مِثلِها﴾ الآية (١٠٦) من سورة ((البقرة))، والاستدلال به أيضاً
ضعيف: لأن ((ما)) ها هنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: ((من جاءك فأكرمه)) لا يدل
على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإِكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على أنه
متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى: أن نعول في الإِثبات على قوله
تعالى: ﴿وَإِذا بدَّلنا آيَةٌ مكان آيةٍ﴾ (الآية (١٠١) من سورة ((النحل))، وقوله: ﴿يَمحوا الله ما
يشاء ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكتاب﴾ (الآية (٣٩) من سورة (الرعد)))، والله أعلم. فراجع التفسير
(٤٤٣/١) ط الخيرية، وقد ظن القرافي أن الإِمام وقع في التناقض المعيب بين ما قاله في
المحصول، وما قاله في التفسير، فانظر ما قاله في نفائسه (٢٦٨/٢ - ب)، ومنه أخذ الإِسنوي
ما قاله في شرحه على المنهاج (٢ /٥٥٧)، ط السلفية، وقد قال الشيخ بخيت في تعليقاته
على الشرح المذكور: إن ((ما)) وإن كانت شرطية كما يقول، لكن الأصل فيها أن تدخل على
الأمور المحتملة، فكانت دالة على جواز وقوع ما بعدها، كذا قال المفسرون خلافاً للإِمام.
٠
ا. هـ. نفس المصدر قلت: ولا يبدو من كلام الإمام تناقض فهو في المحصول ذكر أدلة
الجمهور ومنها هذه الآية وفي التفسیر لم يخرج عن هذا، ولکنه ذکر ثغرة یمکن أن ينفذ منها
المعترض لاضعاف هذا الدليل فاقترح أدلة أخرى خالية من مثل هذه الثغرة، كما أنه رحمه
الله لم يغفل سبب نزول الآية بل صدر به تفسيره للآية. انظر (١ /٤٤١)، وانظر مغني اللبيب
(٥/٢).
- ٢٩٧ -

وإنْ لم تتوقّف(١) عليه -: فحينئذٍ يصحُّ الاستدلالُ بهذه الآيةِ على النسخِ
[و(٢)] احتجَّ منكرو النسخ عقلاً: بأنَّ الفعل [الواحد(٣)] إِمَّا أنْ(*) يكونَ حسناً،
أو قبيحاً، فإنْ كانَ حسناً: كان النهيُ عنه نهياً عن الحسن، وإنْ كان قبيحاً.
كان الأمرُ به أمراً بالقبيحِ .
وعلى [كلا(٤)] التقديرين: يلزمُ إمَّا الجهلُ، وإِمَّا(٥) السفَّهُ.
***
[و(٦)] احتجَّ المنكرون شرعاً(٧) بوجهين :
الأول هو(٨):
أنَّ الله - تعالى - لمَّا بيّن شرعَ موسى - عليه السلام - فاللّفظ (٤) الدالُّ عليه،
إِمَّا أنْ يقالَ: إِنَّه دلَّ (١٠) على دوامِ شرعهِ، أو ما دلَّ عليه.
فإنْ كانَ الأول: فإمَّا أنْ يكونَ قد ضمَّ [الله ] - تعالى - [إليه ] ما يدلُّ
على أنَّه سينسخُهُ، أو [لم ٢] يضمَّ إليه ذلكَ؛ فإنْ كانَ الأولَ: فهو باطلٌ من
وجھین :
الأول :
أنَّ التنصيصَ على اللَّفظِ الدالّ على الدوامِ مع التنصيصِ على أنَّه لا يدومُ
- جمعٌ بين کلامين متناقضين، وإِنَّه عبثٌ وسفَهُ .
(١) في آ، ح: ((يتوقف)).
(٣) لم ترد الزيادة في ل.
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) لم ترد الواو في آ، صنّ.
(٨) في ص: (وهو).
(١٠) لفظ ص: يدل ..
(١٢) سقطت الزيادة من ي.
(٢) لم ترد الواو في ص.
(*) آخر الورقة (٦٣) من ض.
(٥) كذا في آ، وفي غيرها: ((أو).
(٧) في ص، ح: ((سمعا)) .
(٩) في ل، ي، ص: ((باللفظ)).
(١١) لم ترد في ص، ح.
(١٣) لفظ آ: ((لا))، وسقطت من ي
- ٢٩٨ -

الثاني:
أَنْ [يكونَ(١)] على هذا التقدير - قد بيَّن الله - تعالى - لموسى عليه السلام -
أنَّ شرعَهُ سيصيرُ منسوخاً، فإذا نقلَ شرعَهُ: وجبَ أنْ ينقل هذه الكيفيَّةً.
أمَّا - أولاً (٢) - فلأنَّه لو جازَ أنْ يُنقلَ أصلُ الشرع - بدون هذه الكيفية -: جازّ
في شرعنا - أيضاً - ذلك(٣): وحينئذٍ لا يكونُ لنا طريقٌ إلى القطع بأنَّ شرعنا غير
منسوخٍ .
وأمَّا - ثانياً -: فلأنَّ ذلك من الوقائعِ العظيمةِ الَّتي تتوفّر الدواعي على
نقلِهَا (٤)، وما كان كذلكَ: وجبَ اشتهارُهُ، وإلّ: فلعلَّ القرآنَ عُورض ولم يُنقلْ،
ولعلَّ محمداً - عليه الصلاة والسلام - غيَّر هذا الشرعَ عن هذا الوضعِ ، ولم
يُنْقَلْ.
وإذا ثبتَ وجوبُ نقلِ هذه الكيفيَّةِ بالتواتر: وجبَ أنْ يكونَ العلمُ بتلكَ (٥)
الكيفيّةِ [كالعلم (٦)] بأصلِ الشرع، حتَّى يَكونَ علمُنا(٧) بأنَّ موسى - عليه
السلام - نصَّ: على أنَّ شرعَهُ سيصيرٌ منسوخاً، [كعلمنا بأصل شرعه(٨)] [ ولو
كان كذلك: لعلمَ الكلُّ - بالضرورة - أنَّ من دين موسى - عليه السلام(*) - أنَّ
شرعَهُ سيصير منسوخاً(٩)](*)، ولو كان ذلك ضروريًّاً: لاستحال منازعةُ الجمع
العظيم فيه، وحيثُ [نازعوا (١٠)فيه]: دلَّ [ذلك ] على أنَّه - عليه السلامُ - ما
نصّ على هذه الكيفيَّة .
(١) هذه الزيادة من ل.
(٢) لفظ ص: ((الأول)).
(٤) في غيرآ: ((نقله)).
(٦) سقطت الزيادة من ح.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(٩) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(١٠) لفظ ل: «منازلة)).
(٣) في آ: ((كذلك)).
(٥) لفظ آ: ((بذلك)).
(٧) لفظ ص: ((تعلمنا)).
(*) آخر الورقة (١٧٦) من ح.
(*) آخر الورقة (١١٦) من ي.
(١١) هذه الزيادة من ص، ح.
- ٢٩٩ -

[ وأمَّا (١)] القسمُ الثاني - وهو: أنَّ الله تعالى، ذكر لفظاً يدلُّ على الدوام (*)،
ولم يضمَّ إليه ما يدل على أنَّه سيصير منسوخاً - فنقول: على هذا التقدير،
وجنبّ (٢) أنْ لا يصير منسوخاً، وإلاّ لزمت محالاتٌ:
أحدها:
أنَّ ذكرَ اللَّفظ الدالِّ على الدوامِ - مع أنَّه لا دوامَ(٣) - تلبيسٌ (٤)، وهو غيرُ
جائز.
وثانيها :
إِنْ(٥) جوَّزنا ذلك: لم يكنْ لنا طريقٌ إلى العلم بأنَّ شرعنا لا يصير منسوجاً؛
لأنَّ أقصى ما في الباب أنْ يقول الشرعُ: هذه الشريعةُ [ دائمةً(٦)][ و(٧)] لا تَصِيرُ
منسوخةً قط(٨) ألبّة، ولكنْ إذا رأينا مثلَ هذا - مع عدم الدوام في بعض
الصورِ -: زالَ الوثوقُ عنهُ(١) في كلِّ الصورِ.
وثالثُها:
أُنَّه - مع تجويزِ مخالفةِ الظاهرِ - لا يبقى وثوقٌ بوعِدِهِ ووعيدهِ وكلّ بياناته.
فإِنْ قلتَ: عرفناه بالإِجماع ، أو (بـ ] -التواتر.
قلتُ(١١): أمَّ الإِجماعُ - فلا يُعرف كونُّهُ دليلاً إلَّ بآيةٍ أو خبرٍ، ولا تتمُّ(١٢) دلالةٌ
الآيةِ والخبر إلَّ بإجراءِ اللَّفظِ على ظاهرِهِ، فإذا(١٣) جَوَّزنا خلافَهُ لا يبقى دليلُ}
الإِجماع (*) موثوقاً به .
(١) ساقط من ل.
(*) آخر الورقة (١٧٢) من آ.
(٣) لفظ ح: ((لا يدوم)).
(٥) لفظ ما عداي: (إذا).
(٧) لم ترد الزيادة في ح.
(٩) لفظ ح: ((به)).
(١١) لفظ ي: ((قلنا)).
(١٣) لفظ ح: ((وإذا)).
(٢) لفظ ل: ((واجب)).
(٤) لفظ ي: ((تلبس))، وفي آ: ((يلبس)).
(٦) كذا في ص، ح، ولفظ غيرهما: ((قائمة)).
(٨) لفظ ل، ي، آ: ((فقط)).
(١٠) لم ترد الباء في ص.
(١٢) في ص، ح: ((يتم).
(*) آخر الورقة (١٩٥) من ل.
- ٣٠٠ -