Indexed OCR Text

Pages 161-180

القول في أمور
ظُنَّ أنَّها من المُجملات
وليست(١) كذلك
[وفيه مسائل(٢)]
المسألة الأولى:
ذهب الكرخيُّ: إلى أنَّ التحليل والتحريمَ المضَافَينِ إلى الأعيانِ - كقوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُ أُمَّهِنتُكم﴾(٣) - يقتضي الإِجمالَ.
***
وعندنا: [أنَّه(٤)] يفيدُ - بحسب العرف - تحريمَ الفعل المطلوب من تلك
الذاتِ(٥)، فيُفهم من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عليكُم(٥) أُمَّهتُكم﴾(٦) تحريمُ
الاستمتاع، ومن قوله: ﴿حُرِّمَت عليكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(٧) تحريمُ الأكل؛ لأنَّ هذه
الأفعالَ - هَي الأفعالُ المطلوبةُ في هذه الأعيانِ .
(١) لفظ ي: ((ليس))، وكذا في ح وزيد قبلها بدل الواو: ((مع أنه)).
(٢) زيادة لم ترد في سائر الأصول وأثبتناها لمناسبتها ما تقدم.
(٣) الآية (٢٣) من سورة (النساء))، وراجع التفسير الكبير لمعرفة الوجهين اللذين أجاب
بهما المصنف عما ذهب إليه الكرخي - (١٨١/٣) ط الخيرية.
(٤) لم ترد الزيادة في غير ص، ح.
(٥) لفظ ل: ((الذوات)).
(*) آخر الورقة (١٥٢) من ح.
(٦) الآية (٢٣) من سورة ((النساء)).
(٧) الآية (٣) من سورة ((المائدة).
- ١٦١ -

والحاصلُ أنَّا نسلِّم كونَهُ مجازاً في اللُّغةِ؛ لكنَّه حقيقةٌ - في(١) العرفِ(*).
-
لنا وجوه:
الأوّلُ(٢):
[أنَّ(٣)] الّذي يسبقُ إلى الفهم - من قول القائل: ((هذا طعامٌ حرامٌ)) -
تحريمُ أكلِهِ، ومن قوله: ((هذه المرأةُ حرامٌ)) - تحريمُ وطئِهَا؛ ومبادرةُ الفهمِ دليلُ
الحقيقة .
وثانيها :
ما روي أنه - مَ﴾ - قال ((لعن الله اليهودَ، حُرِّمَت عليهم الشُّحومُ فجَمَلُوها،
وباعُوها(٤): فدلَّ هذا على أنَّ تحريمَ الشحومِ أفادَ تحريمَ كلِّ أنواع
التصُّفِ، وإلّ: لم يتوجَّه الذمُ عليهم في البيعِ .
(١) لفظ ح: ((بحسب)).
(*) آخر الورقة (٥٥) ن ص.
(٢) لفظ خ: ((أولها)).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٤) قد أخرجه أحمد وأبو داود، عن ابن عباس، بلفظ: ((لعن الله اليهود: إنّ الله حرم
عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها)، مع زيادة هي: ((وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء:
حرم عليهم ثمنه)). كما في الفتح الكبير: (١٤/٣)، والمنتقى (٣١٦/٢).
وقدوردفي آخر حديث طويل - رواه الجماعة من طريق جابربن عبدالله - بلفظ: ((قاتل الله.
اليهود: إنّ الله لما حرم عليهم شحومها: جملوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه)). كما في المنتقى ::
(٣١٥/٢-٣١٦).
وقد وردت هذه الزيادة برواية الجماعة من هذا الطريق، بلفظ: ((قاتل الله اليهود إن الله
عز وجل لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها فأكلوا أثمانها)». وأخرجه البخاري ومسلم
· به من طريق أبي هريرة، وأخرجا - أيضاً - به هما وأحمد والنسائي وابن ماجة من طريق عمر.
كما في الفتح الكبير (٢٨٢/٢).
:
وهذا الحديث قد رواه أيضاً مالك والشافعيُّ والبيهقيُّ وغيرهم. فراجع: الموطأ
(١١٤/٣)، وسنن الشافعي (ص٤٩)، وسنن البيهقي (١٢/٦). وانظر: نصب الراية
(٥٤/٤-٥٥)، ونيل الأوطار (١٢٠/٥) والجواهر المنيفة (١٥/٢) ومعالم السنن (١٣١/٣:
و١٣٣ ١٣٤٬)، وشفاء الغليل وهامشه: ص(٢٨).
- ١٦٢ -

وثالثها :
أنَّ المفهومَ من قولنا: «فلانٌ يملك الدارَ» - قدرتُهُ على التصرُّف فيها
بالسكنى(١) والبيع ، ومن قولِنا: ((فلانٌ يملك الجاريةَ)) - قدرته على التصرُّف
فيها بالبيعِ . والوطءٍ(٢)، والاستخدام ؛ وإذا جازَ أنْ تتخلّف فائدةُ الملكِ على
هذا النحو(٣) - جاز مثلُهُ في التحريم والتحليل.
احتجّ الکرخيُّ :
بأنَّ(٤) هذه الأعيانَ غيرُ مقدورةٍ لنا - لو كانت معدومةٌ - فكيفَ إِذا كانت
موجودةً؟ فإذنْ: لا يمكنُ إجراءُ اللفظِ على ظاهرهِ، بل المرادُ: تحريمُ فعلٍ من
الأفعالِ المتعلّقةِ بتلكَ الأعيانِ، وذلك الفعلُ غيرُ مذكورٍ، وليسَ إضمارُ بعضِها
أولى من بعضٍ ، فإمّا أنْ نُضمِرَ الكلَّ - وهو محالٌ: لأنّه إضمارٌ من غيرِ حاجةٍ -
وهو غيرُ جائزٍ، أو نتوقُّف(٥) في الكلِّ، وهو المطلوبُ.
وأيضاً(٦):
فالآيةُ لو دلَّت على تحريم فعلٍ معيَّنٍ - لوجب أن يتعيَّن ذلكَ الفعلُ في
كلِّ المواضع ، وليس كذلك؛ لأنَّ المراد بقوله تعالى: [﴿حُرِّمَت عليكُم
أُمَّهاتُكم﴾ - حرمةُ الاستمتاع، وبقوله(٧)] ﴿حُرِّمَت عليكُمُ المَيْنَةُ﴾ (٨) - حرمةٌ
الأكل.
(١) لفظ ل: ((بالسكن)).
(٢) عبارة ص: (بالوطء والاستخدام والبيع)).
(٣) لفظ ل: ((الوجه)).
(٤) في آ: ((قال)).
(٥) في ي، آ، ح: ((يتوقف)).
(٦) في ي زيادة: ((فلأنه)»، وهذا هو الوجه الثاني للكرخي.
(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، والآية (٢٣) من سورة (النساء)).
(٨) الآية (٣) من سورة (المائدة».
- ١٦٣ -

والجواب:
لا نزاعَ في أَنَّه لا يمكنُ إضافةُ التحريمِ إلى الأعيانِ، لكنَّ قولهُ: ((ليسَ
إضمارُ بعضِ الأحكام - أولى من بعضٍ)) - ممنوعٌ؛ فإنَّ العرفَ يقتضي إضافةً
[ذلكَ(١)] التحريمِ إلى الفعل المطلوبِ منهُ. والله أعلمُ.
المسألةُ الثانيةُ(*):
ذهبَ بعضُ الحنفيَّةِ: إلى أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَامِسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ﴾(٢)
مجملٌ؛ لأنَّه يحتمِلُ مسحَ جميعِ الرأس، ومسحَ بعضه. وإذا ظهرَ
الاحتمالُ (٣): يثبتُ الإِجمالُ.
وقال آخرون: لو خُلِّينا واللَّفظَ، لمسحنا جميعَ (٤) الرأس؛ لأنَّ: ((الباءَ))
للإلصاق(٥).
وقال ابن جنِّي: (لا فرقَ - في اللُّغَةِ - بينَ أن تقولَ: ((مسحتُ بالرأس))،
وبينَ أن تقولُ: ((مسحتُ الرأسَ))؛ لأنَّ الرأسَ اسمٌ للعضو بتمامِهِ: فوجبَ مسجُهُ
[بتمامه](٦)).
(١) لم ترد في غير ص.
(#) آخر الورقة (١٦٧) من ل.
(٢) الآية (٦) من سورة ((المائدة))، وقد ذكر المصنف - رحمه الله - في تفسير هذه الآية.
من السورة المذكورة إحدى وأربعين مسألة جعل السادسة والثلاثين في بيان أقوال الأئمة في
هذا الجزء منها. فراجع تفسيره (٣٦٨/٣).
(٣) في آ: ((الاحتمالان))، وأبدل قوله: ((ثبت)) بـ ((ظهر)).
(٤) لفظ ص: ((كل)).
(٥) هذا القول لقاضي القضاة عبد الجبّار فراجعه في المعتمد (٣٣٤/١).
(٦) لم ترد الزيادة في ح، ل. هذا، وقد راجعت تفسير المصنف للآية فلم أعثر على
نقله هذا عن ابن جني، مع كثرة ما أورد من أقوال، كما راجعت الخصائص فلم أجد فيها
هذا القول له، فلعله ذكره في غير الخصائص، ونقله عنه المصنف. وقد نقل عن ابن جني
هذا القول أيضاً صاحب جواهر الأدب فانظره في ص(١٩)، وراجع: مغني اللبيب (٩٥/١).
وما بعدها.
- ١٦٤ -

وقال بعضُ الشافعيَّةِ: إنَّها (١) للتبعيض - فهو يفيدُ مسحَ بعض الرأسِ .
***
وقال آخرون: لا إجمالَ فيه؛ لأنَّ لفظَ المسحِ مستعملٌ (٢) في مسحِ الكلِّ
بالاتِّفاقِ، و[في (٣)] مسح البعض - كما يقالُ: «مسحتُ يدي [بالمنديل،
ومسحتُ يدي(٤)] برأس اليتيم - وإنْ كانَ إنَّما مسحها ببعضِ الرأسِ ، والأصلُ
عدمُ الاشتراكِ: فوجبَ جعلُه حقيقةً في القدرِ المشتركِ بينَ مسحِ الكلُّ،
ومسحِ البعضِ فقط . - و[ذلك(٥)] هو مماسَّةُ جزءٍ من اليدِ جزءاً من الرأس.
فثبتَ: أَنَّ اللَّفظَ ما دلَّ إلَّ عليه: فكانَ الآتي به عاملاً باللَّفْظِ.
وحينئذٍ: لا يتحقَّقُ الإِجمالُ، ويكفي في العملِ [به(٦)] مسحُ أقلّ جزءٍ من
الرأسِ .. وهو قول الشافعيِّ(٧) رضي الله عنه.
(١) في ص، ح: ((الباء)).
(٢) في ص: (يستعمل)).
(٣) لم ترد الزيادة في ل.
(٤) ساقط من ص.
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
(٦) لم ترد الزيادة في ي.
(٧) وقد ضعَّف ابن الحاجب الاستدلال بنحو قولهم: ((مسحت یدي بالمنديل)). لأن
الباء هنا للاستعانة، والمنديل آلة، والعرف فيها ما ذكر فراجع: شرح المختصر (١٥٩/٢)،
ووافقه في تضعيفه لهذا الأصفهاني في الكاشف (٥١/٣- ب)، ونقل عن إمام الحرمين قوله
في ((الأساليب)»: معتمدنا في مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه وَّر مسح على ناصيته
وعلى عمامته، وليس على رأسه ـ # ـ فإنه لم يعهد ذلك قط عنه، وليس ذلك لزكمة أو نزلة
كانت به - * - لأنها لا تمنع إدخال اليد تحت العمامة، لتحقيق الاستيعاب، فالاستيعاب
ليس بواجب، والتقدير بالربع تحكم .. ويؤكد ذلك الأيمان المعلقة بمسح رأس فلا يظن أن
أحداً يخالف بالبر ببعض الرأس. أ. هـ)) وعقَّب الأصفهاني بقوله: واعلم أن مذهب مالك
أقرب إلى النص، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أقرب إلى فعله - وَلاو - انظر نفس الموضع
وراجع الأم (٢٦/١) ط الفنية. للاطلاع على ما قاله الإمام الشافعي عن آية مسح الرأس.
- ١٦٥ -

المسألةُ الثالثةُ(١):
اختلفوا في ((حرفِ النفي))، إذا دخلَ على الفعل - كقوله(٢): ((لا صلاةَ إلّ
بفاتحة الكتاب)»(٣)، و((لا عملَ لَمَنْ لا نيَّةَ له)) (٤).
فقال أبو عبد الله البصريُّ: إنَّهُ مجملٌ؛ لأنَّ ذاتَ الصلاةِ والعملِ موجودةٌ -
فلا يمكنُ صرفُ النفي إليها: فوجبَ صرفُهُ إلى حكمٍ آخر، وليسَ البعضُ أولى
من البعض (٥).
فإمّا أن يُحملَ على الكلِّ - وهو: إضمارٌ من غيرِ ضرورةٍ، ولأنَّه(*) قد يُفضي
إلى التناقض ؛ لأنَّا لؤ حملناهُ على نفيِ الصحَّةِ، ونفي الكمالِ معاً .(٦) وفي
نفيِ الكمالِ ثبوتُ الصحَّةِ: فيلزمُ التناقضُ.
أو لا يُحمَلَ على شيءٍ - من الأحكام، بل يُتوقَّفُ. وهذا هو الإِجمالُ ..
ومن الناس من فصَّل(٧) - وقالَ(٨): هذا النفيُ إمَّا أنْ يكونَ داخلاً على
(١) لفظ ي: ((الثانية))، وهو وهم من الناسخ .
(٢) في غير ل: ((كقولنا)).
(٣) أخرج أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن عبادة بن الصامت - حديث:
((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) على ما في الفتح الكبير (٣٤٥/٣). قال في فيض
القدير (٤٢٩/٦): أي لا صلاة كائنة لمن لم يقرأ فيها.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عبادة أيضاً بلفظ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن
فصاعدا))، على ما في الفتح الكبير (٣٤٥/٣). وأخرجه أحمد وابن ماجة عن عائشة وابن
عمر، والبيهقي عن علي، والخطيب عن أبي أمامة بلفظ: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب
فهي خداج». على ما في كشف الخفا (٢ /٥٠٨) ط حلب.
(٤) هو معنى حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، الذي مر تخريجه. وقد قال العجلوني
في كشف الخفا (١٤٧/١-١٤٨)، أثناء كلامه على حديث: ((إنما الأعمال بالنيات»:
وورد بألفاظ مختلفة بيناها في أوائل ((الفيض الجاري)) ومنها: ((لا عمل إلا بالنية)).
(٥) لفظ ص: ((بعض).
(*) آخر الورقة (١٥٠) من آ.
(٦) في آ: ((ففي)).
(٧) في آ زيادة: ((هذا)).
(٨) لفظ ل، ي، آ: ((فقال)).
-١٦٦ -

مسمىَّ شرعيٍّ، أو على مسمىُّ حقيقيّ .
فإنْ كانَ الأوَّلَ، فلا إجمالَ؛ لأنَّ الصلاةَ (١) اسمٌ شرعيَّ، والشرعُ أُخبرَ عن
انتفاءِ ذلك المسمَّى، عند انتفاءِ الوصفِ المخصوصِ .
فإنْ قلتَ: ((يقالُ)) (٢) ((هذه الصلاةُ(٣) فاسدةٌ)) - فدلَّ على بقاء المسمَّى مع
الفساد، وقال ◌َله: ((دعي الصلاةَ أيَّامَ أقرائِكِ)).
قلتُ: التوفيقُ(٤) بينَ الدليلين: أنْ نصرف(٥) ذلكَ إلى المسمَّى(*)
الشرعيِّ، وهذا إلى المسمَّى(٦) اللُّغوّ.
*
ومن هذا الباب، قولُهُ: ((لا نكاحَ إلَّ بوليٍّ))، و«لا صيامَ لمَنْ لم يبِيِّت
الصيامَ من اللَّيلِ)»(٧).
أمَّا إنْ كانَ المسمَّى حقيقياً - فإِمَّا أنْ يكونَ له حكمٌ واحدٌ، أو أكثرُ من حكمٍ
واحدٍ .
(١) لفظ آ: ((المعلوم)). (٢) سقطت الزيادة من ل، ص. (٣) لفظ ي، آ: ((صلاة)).
(٥) عبارة ي: ((يصرف ذلك)).
(٤) حرفت في آ إلى: ((التلفيق)).
(*) آخر الورقة (١٥٣) من ح.
(٦) لفظ آ: ((الاسم)).
(٧) وأخرج ابن ماجة عن حفصة - رضي الله عنها - حديث: ((لا صيام لمن لم يفرضه
من الليل)). على ما في الفتح الكبير (٣٤٦/٣).
والروايات في تبييت النية من الليل في صوم الفريضة متعددة الروايات والألفاظ على
اختلاف بين الأئمة في رفعها ووقفها. وسيأتي مزيد كلام فيه في كتاب الإجماع من الجزء
الثاني .
فانظر: سنن ابن ماجة (٢٦٧/١)، والدارقطني (٢٣٤)، ومسند أحمد (٢٨٧/٦: ط
الحلبي)، وسنن أبي داود (٣٢٩/٢)، والترمذي (١٤١/١) والنسائي (١٩٦/٤)، والبيهقي
(٢٠٢/٤)، والمحلّى (١٦١/٦)، ومعالم السنن (١٣٣/٢)، ونيل الأوطار (١٩٦/٤).
وانظر شفاء الغليل ص(٤٧٤)، وهامشها .
- ١٦٧ -

والأوّلُ (١).
كقولنا(٢): ((لا شهادةَ لمجلودٍ في قذفٍ))؛ لأنَّه لا يمكنُ صرفُ النفي إلى
ذات الشهادة؛ لأنّها قد وُجدتْ، فلا بدَّ من صرف النفي إلى حكمِها وليس لها.
إلَّ حكمٌ واحدٌ - وهو: الجوازُ؛ لأنَّ الشهادةَ إذا كانتْ فيما كانتْ نُدِبنا إلى سترهِ:
لم يكنْ لإِقامتها(*) مدخلٌ في الفضيلةِ - كقولنا: ((لا إقرارَ لمن أقرّ بالزِّنى مرَّةٌ
واحدةً)) لأنَّ الأولى له أن يسترَ ذلكَ على نفسِهِ؛ فإذنْ لا حكمَ لِهُ إلاّ الجوازُ؛
وإذا لم يكنْ [له(٣)] إلَّ هذا (٤) الحكمُ الواحدُ: انصرفَ (٥) النفيُّ إليه: فصحَّ
التعلُّقُ (٦) به.
أمَّا إذا كان له حكمانِ: ((الفضيلةُ))، و((الجوازُ)) -: [فـ(٧)] لم يكن صرفُهُ إلى
أحدهما أولَى من الآخر (٨): فيتعيَّن الإِجمالُ(٩). هذا(١٠) قولُ الأكثرين.
ولقائلٍ أن يقولَ: لكنَّ (١١) صرفَهُ إلى الجوازِ أولى من صرفهِ إلى الفضيلةِ،
لوجوهٍ :
أحدها:
أنَّ المدلولَ عليه باللَّفَظِ نفيُ (١٢) الذاتِ، والدالُّ على نفي الذاتِ دالٌّ على
نفي جميعِ الصفاتِ؛ لاستحالة بقاءِ الصفةِ مع عدمِ الذاتِ.
فإذَنْ قولُه: ((لا عُمْلَ))، يدلُّ على نفي الذاتِ، و[على (١٣)] نفي الصحّة (١٤)
(١) في آ: فالأول)).
(٢) لفظ ح: ((كقوله)).
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٥) لفظ ي : (یصرف)).
(٧) سقطت من غیر ص.
(*) آخر الورقة (١٠٢) من ي .
(٤) لفظ ص: ((ذلك)).
(٦) في ل، ي: ((التعليق))
(٨) لفظ ص: ((الثاني)).
(٩) صحفت في ل، ي، آ إلى: ((الإضمار)). (١٠) في ل: («فهذا)) ..
(١١) كذا في آ، وفي ي: ((بلى))، وفي النسخ الأخرى: ((بل)).
(١٢) صحفت في آ إلى: ((هي)).
(١٣) لم ترد الزيادة في غيرح.
(١٤) صحفت في ل إلى: ((الصفة)).
- ١٦٨ -
٠٠

ونفي الكمال، تُركَ العملُ به في الذَّاتِ: فوجبَ أنْ يبقى معمولاً (١) به في
الباقي (٢) .
فإنْ قلتَ: اللَّفظُ لم يدلَّ على نفي الصحّة (٣) بالمطابقةِ، وإنَّما دلَّ
عليها (٤) بالالتزام : ضرورة(٥) أنَّه (١) يلزمُ من انتفاءِ الذاتِ انتفاء الصِّفةِ (٧)؛
ودلالةُ الالتزامِ تابعةٌ لدلالةِ المطابقةِ - التي هي (*) الأصلُ(٨).
فها هنا لَمَّا لم تُوجِدْ دلالةُ المطابقةِ - الَّتي هي الأصلُ [فـ(١)] كيفَ تبقى(١٠)
دلالةُ الالتزامِ الَّتي هي الفرِعُ؟.
وأيضاً:
[فـ ] قد جاء هذا اللَّفظُ لنفي الفضيلةِ فقط؛ والأصلُ في الكلام
الحقيقة
والجوابُ [عن الأوَّل(١٢) ]:
أنَّه لا نزاعَ في أنَّ دلالةَ [هذا١٢] اللفّظِ على نفي الصفةِ (١٤) تابعةٌ لدلالته
على نفي الذاتِ، لكنْ: بعدَ استقرارِ تلكَ الدلالةِ - صارَ اللفظُ كالعامُّ بالنسبةِ
إليها بأسرها .
(١) عبارة آ: ((به معمولا)).
(٢) لفظ ص: ((البواقي)). وحرفت في آ إلى: ((النافي)).
(٣) في ح: ((الصفة))، وکتبت الكلمتان فوق بعضهما في ص.
(٤) في آ، ح: ((عليه)).
(٥) في آ: «وضرورة)).
(٦) في غير ص، ح: ((فأنه)).
(٧) لفظ آ: ((الصحة))، وما أثبتناه أنسب.
(*) آخر الورقة (١٦٨) من ل.
(٩) هذه الزيادة من ح.
(١١) لم ترد الفاء في ح.
(١٣) هذه الزيادة من ص، مي.
(٨) ساقط من ص.
(١٠) لفظ ما عدا ص، ح: ((يبقى).
(١٢) لم ترد في ص.
(١٤) لفظ آ: ((الصحة)).
- ١٦٩ -

فإذا خُصّ [عنها (١)]، في بعض الأمورِ(٢) - وهو (٣) ((الذاتُ)) -: وجب أن
يبقى معمولاً به في الباقي .
:
وعن الثاني :
أَنَّا بِيَّّا: أنَّ اللفظَ عامِّ بالنسبةِ [إلى نفي الذاتِ، ونفي الصفات ثم تارةً
يختصُّ بالنسبةِ(٤)] إلى الذاتِ فقط؛ وحينئذ: يفيدُ نفي بقيّة الأحكامِ .
. وتارةً يختصُّ(٥) بالنسبة إلى الذاتِ، والصحّة (٦): فيبقى معمولاً به في
الباقي - وهو نفي الفضيلة.
وثانيها :
هو(٧): أنَّ المشابهة بينَ المعدوم، وبينَ ما لا يصحُ(٨)، أتُمُّ من المشابهة
بينَ المعدومِ ، وبينَ ما [يوجَدُ(٩) و] يصحُّ، ولا يفضلُ، والمشابهةُ إحدى(١٠)
أسباب المجازِ: فكانَ حمِلُ اللَّفظِ على نفي الصحّة، [أولى ..
وثالثُها:
أنَّ الخللَ الحاصلَ في الذاتِ - عند عدم الصحّة ] - أشدُّ من الخلل
الحاصل فيها(١٢) عندَ بقاءِ الصحَّةِ، وعدمِ الفضيلةِ، وإطلاقُ اسمِ العدمِ على
المختلِّ أَولَى من إطلاقه على غيرِ المختلِّ.
سلمنا: أنَّه لا يجوزُ حملُ هذا النفي على هذه الأحكام، ولا يجوزُ حملُه
على نفي الذاتِ - فلم قلتَ: إِنَّه مجملٌ؟.
(١) هذه الزيادة من آ.
(٢) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((الصور)). (٣)) لفظ ح: ((وهي)).
(٥) لفظ ما عدا ص: ((يخص)).
(٤) ساقط من ل.
(٦) في آ: ((الصفة))، وفي ص كتبت الكلمتان فوق بعضهما.
(٧) في جميع الأصول ((وهو))، وحذف الواو هنا متعين.
(٨) في ص زيادة: يفضل.
(٩) هذه الزيادة من ص.
(١٠) في ح: ((أحد)).
(١٢) لفظ ل: ((منها)).
(١١) ساقط من ل، آ.
- ١٧٠ -
=

بيانه: أنَّ قولنا: هذا الشيءُ لفلانٍ معناهُ(١): يعودُ نفعُهُ إليه. [وقولنا: لا
عملَ لمن لا نِيَّةَ لهُ ـ معناهُ: لا يعودُ نفعُهُ إليه(٢)]. وهذا يقتضي نفي الصحّةِ؛
لأَنَّه لو صحَّ ذلك العملُ - لعادَ نفعُهُ إليهِ، واللَّفظُ [دلَّ(٣)] على نقيضِهِ. والله
أعلم .
المسألةُ الرابعةُ:
قال بعضُهم: ((آيةُ السرقة))(٤) مجملةٌ في اليد، و[في (٥)] القطعِ أَمَّا ((اليدُ))
- فلأنَّهُ طلَقُ اسمُ ((اليدٍ)) على هذا العضو- من أصل المنكب، وعليه من الزندِ،
وعليه من الكوع ، وعليهِ من أصولِ الأناملِ .
وأمَّا ((القطعُ)) -: فلأنَّه قد يُرادُ به الشقُّ فقط - كما يقالُ: ((برى فلانٌ قلمَهُ
فقطعَ يدَه))(٦)، وقد يُراد به: الإِبانةُ.
والجوابُ عن الأوَّلِ :
أنَّ اسمَ ((اليدِ)» موضوعٌ لهذا العضو من(*) المنكب ولا يتناولُ الكفَّ
(١) لفظ ل، ي، ح: ((أي))، وفي آ: ((أن)).
(٢) ساقط من آ، وأبدلت الواو في غيرح بالفاء، وسقطت من ص، ولفظ ((معناه)) في
ح: ((أي)».
(٣) سقطت من آ، ولفظ ح: ((دال)).
(٤) أي قوله تعالى: ﴿والسَّارِق والسَّارقةُ فاقطعوا أيديَهُمَا جَزاءً بما كَسَبا نكالاً مِنَ اللهِ والله
عزيزٌ حكيمٌ﴾ الآية (٣٨) من سورة ((المائدة)) وقد ذكر المصنف في التفسير وجوهاً أخرى
ذكرها البعض في إجمال الآية، وأجاب عنها جميعاً ثم خلص إلى أن الآية من قبيل العام
المخصوص بدليل منفصل. فراجع التفسير (٣٩٩/٣).
(٥) لم ترد في ح.
(٦) عبارة ص: ((فلان قطع قلمه)).
(*) آخر الورقة (١٥١) من آ.
- ١٧١ -

- وحده - لأنَّه لا يقالُ: ((قُطِعَتْ يدُ فلاٍ بالكليّةِ)) - إذا قُطِعت من الكفِّ.
وعن الثاني:
أنَّ ((القطعَ)) في اللُّغةِ: ((الإِبانة))، فإذا أضيفَ إلى شيءٍ: أفادَ إِبانةَ ذلكَ
الشيءِ.
((والشقُّ)) إذا حصلَ في الجلدِ(١) - فقد حصلت الإِبانةُ في تلكَ الأجزاءِ؛
بلى (٢) أطلقَ اسمُ ((اليدِ)) عليه - على سبيل إطلاقِ اسمِ الكلُّ على الجزء:
فيكونُ المجازُ - هاهنا - [في (٣)] لفظِ اليدِ، لا في لفظِ القطعِ (٤) والله أعلم.
#
*
المسألةُ الخامسةُ:
قيل - في قوله عليه الصلاةُ والسلامُ : - ((رفعَ عن أمَّتي الخطأُ والنُّسيانُ)) -:
إِنَّه مجملٌ؛ لأنَّ نفسَ الخطأ غيرُ مرفوعٍ : فلا بدَّ من صرفهِ إلى الحكمِ ؛ فيلزمُ (٥)
الإِجمالُ على ما تقدَّم تقريرُهُ.
والأقربُ: أَنَّه ليسَ بمجمل؛ لأنَّ المولَى إذا قالَ لعبدِهِ: ((رفعتُ عنكَ
الخطأ)) -: كانّ ذلك - في العرف - منصرفً(٦) إلى نفي المؤاخذة بذلك الفعل:
فكذا(٧) إذا قال الرسولُ - وَ﴿ه ـ لأمَّته مثلَ هذا القولِ: وجبَ أن ينصرف إلى ما
يُتوقَّعُ مؤاخذتُهُ لأَمَّتِهِ به - وهوَ الأحكامُ الشرعيَّةُ. [فكأنَّه قال: رفعتُ عنكِمُ
الأحكامَ الشرعيّةً(٨)] من الخطأ. والله أعلم.
****
(١) في غير ص: ((جلد اليد)).
(٢) لفظ آ: ((بل)).
. (٣) سقطت من آ.
(٤) في ي: ((قطع اليد)) وراجع المعتمد (٣٣٣/١-٣٣٧).
(*) آخر الورقة (١٥٤) من ح.
(٥) لفظ ح: ((فلزم)).
(٦) لفظ ص: ((ينصرف)).
(٧) في ل، ح: ((وكذا)) وكلاهما صواب.
(٨) ساقط من آ، ولفظ ((عنكم)) في ح: ((عليكم)).
- ١٧٢ -

القسم الثاني
في
المبیّن
[وفيه مسائل(١)]
المسألةُ الأولى: [في أقسام المبيِّن(٢)].
الخطابُ الذي يكفي (٣) - نفسُهُ - في (٤) إفادة معناهُ إمَّا - أنْ يكونَ لأمرٍ يرجعُ
إلى وضعِ اللُّغةِ، أو لا يكون كذلك.
والأول: كقوله تعالى: ﴿إنّ الله بكلِّ شيءٍ عليمٌ﴾. (٥).
أما الثاني: فإمّا أنْ يكونَ بيانُهُ على سبيل التعليلِ، أو لا على سبيلِ
التعليل :
أمَّا التعليلُ - فضربان:
أحدُهما:
أن يكونَ الحكمُ بالمسكوتِ عنهُ - أولى [من الحكم(٦)] بالمنطوق [به(٧)]
- كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٨).
(١) هذه الزيادة من آ.
(٢) هذه الزيادة من ص، ح.
(٣) لفظ آ: ((يكتفي)).
(٤) في آ: «الإفادة)).
(٥) الآية (٦٢) من سورة ((العنكبوت)).
(٧) هذه الزيادة من ص.
(٦) في غيراً: ((منه)).
(٨) الآية (٢٣) من سورة ((الإسراء)).
- ١٧٣ -

وثانيهما (١):
كما في قوله - رَله: ((إنَّها من الطوّافين عليكم والطّوَّفات))(٢)(*).
***
وأمّا الَّذي لا یکون تعلیلا - فضربان:
أحدهما:
أنَّ الأمرَ بالشيءٍ - أمرٌ بما لا يتُّ [إلّا(٣)] به.
:
وثانيهما :
أنْ يظهرَ - في العقل - تعذُّرُ إجراء الخطاب على ظاهره - ويكونَ هناك أمرٌ
يكونُ حملُ الخطاب عليه أولَى من حملِهِ على غيرِهِ - كما في قوله تعالى :
﴿وَسْئَلِ القريةَ﴾(٤).
فهذه أقسام المبيّن. والله أعلمُ.
***
(١) في آ: ((وثانيها)» :
(٢) قد أخرجه بزيادة في أوله، هي: ((أنها ليست بنجس))، مالك وأحمد وأصحاب
السنن الأربعة، وابن حبان والحاكم، عن أبي قتادة. وأخرجه بهذا أيضاً أبو داود والبيهقي في
السنن، عن عائشة. كما في الفتح الكبير (٤٤٨/١-٤٤٩).
وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، بها مع قصة متعلقة به، من طريق كبشة بنت
كعب بن مالك الأنصارية، وكانت تحت عبد الله بن أبي قتادة كما في المنتقى (١٧/١) ..
وقد ورد في شفاء الغليل (ص ٤٠) بها ومع القصة. كما ورد فيه (ص١٧٨، و١٩١) بدون
هذه الزيادة .
وهو حديث متداول معروف، قد أخرجه أيضاً الشافعي والدارميّ والدارقطني وغيرهم
فراجع أيضاً: مسند الشافعي (ص٣)، والموظّأ (٤٥/١-٤٦)، وسنن الدارمي
(١٨٧/١-١٨٨)، وسنن الدارقطني (٢٥/١-٢٦)، ومعالم السنن (٤١/١)، والتلخيص
الحبير (١٥/١-١٦)، وتيسير الوصول (٦١/٣) .. وانظر هامش شفاء الغليل (ص٤٠).
(*) آخر الورقة (١٦٩) من ل. (٣) سقطت من آ. (٤) الآية (٨٢) من سورة (يوسف).
- ١٧٤ -

المسألة الثانيةُ: في أقسام البيانات(١).
اعلم: أنَّ بيانَ المجملِ إمَّا أن يقعَ بالقولِ ، أو بالفعلِ ، أو بالتركِ.
أمَّا [بـ (٢)] القولِ - فظاهرٌ.
وأمَّا بالفعلِ - فإمّا أنْ يكونَ الدالُّ على البيانِ (٣) شيئاً يحصُلُ بالمواضعةِ أو
شيئاً [تتبعه المواضعةُ، أو شيئاً(٤)] يتبعُ (٥) المواضعَة(٦).
فالأوَّلُ: هو الكتابةُ، وعقدُ الأصابعِ .
فَأُمَّا(٧) الكتابةُ - فقد يقَعُ (٨) بها البيانُ من الله - تعالى - بما(٩) كتبَ في
اللوح(١٠) المحفوظ، ومن الرسول - رَ ﴿ - بما كتبَ إلى عمَّاله.
وأمَّا عقدُ الأصابع - فقد بيَّنَ [به ] الرسولُ - وَ﴾ - إذ قال: ((الشهر هكذا
وهكذا))، وحبسَ في الثالثةِ اصبعَهُ (١٢).
(١) لفظ آ: ((التبيان)).
(٢) سقطت من آ.
(٣) جرفت العبارة في آ إلى: ((الثاني سببا بخص)).
(٤) ساقط من ل.
(٥) في ص: «یتبعه))، وهو تصحيف.
(٦) في ص زيادة: ((أو شيئاً مانعاً للمواضعة))، ولما لم يذكر المصنف شيئاً في التفصيل
الآتي يشير إلى أنها من الأصل فإننا نرجح أنها زيادة من الناسخ.
(٧) في ص: ((وأما)).
(٨) عبارة آ: ((يشع منها))، وهو تحريف.
(٩) لفظ ص: (مما)).
(١٠) لفظ آ: ((النوع))، وهو تحريف.
(١١) سقطت من ص، وفي غیرح: ((بها)).
(١٢) أما تبيينه - * - بما كتبه إلى عماله، ففي كتب كثيرة مشهورة لا يتسع المقام
لحصرها، وإيراد نصها ونكتفي بالإشارة إلى بعضها، مع بيان المصادر التي ذكرتها.
فمنها: عهده - 18 - لعمرو بن حزم الأنصاري حين ولاه اليمن، وقد ذكره ابن هشام في =
- ١٧٥ -

وهذا البابُ يستحيلُ على الله تعالى؛ لاستحالة الجوارح عليه . ..
السيرة (٣٨٤/٢)، وابن جرير الطبري في التاريخ: (١٥٧/٣)، والقلقشندي في صبخ
الأعشى (٩/١٠)، والبلاذري في فتوح البلدان (ص٧٧) على ما في جمهرة رسائل العرب
(٦٢/١-٦٥).
ومنها: كتابه -* - إلى معاذ وهو باليمن، المذكور في فتوح البلدان للبلاذري
ص(٧٨). على ما في جمهرة رسائل العرب: (٦٥/١).
ومنها: کتابه - آ﴾ - إلی خالد بن الوليد، الذي رد فیه علی کتاب لخالد أرسله إلى رسول
اللّه ينبئه فيه بإسلام بني الحارث بن كعب سنة عشر من الهجرة، وقد ورد في تاريخ الطبري:
(١٥٦/٣) وسيرة ابن هشام: (٣٨٣/٢)، وصبح الأعشى: (٣٧٦/٦) على مافي الجمهرة:
(٦١/١-٦٢).
وغير ذلك مما ورد هو وغيره مما يتصل به: من كتبه ويله إلى ملوك وأمراء العرب وغيرهم،
وإلى الوفود التي وفدت عليه. مما ذكر الكثير منه في أواخر كتب السيرة المطولة، وقد ورد
بعضه في الجزء الأول من الجمهرة وفي كتب التاريخ المشهورة، وفي بعض الكتب الحديثة،
فلیرجع إليها .
وأما عقد الأصابع، فالحديث المستشهد به قد أخرجه مسلم عن ابن عمر، ولفظه: ((أنه
ذكر رمضان، فقالم38: الشهر هكذا وهكذا وهكذا - ثم عقد إبهامه في الثالثة - صوموا
لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم علیکم فاقدروا ثلاثین». كما في المنتقى: (١٦٠/٢). وقد
رواه أيضاً بهذا اللفظ غير مسلم، على ما ذكره ابن حجر في كتابه «إتحاف أهل الإسلام،
بخصوصيات الصيام)) (ص٥٦: ط الفجالة الجديدة بالقاهرة سنة ١٣٨٠هـ - ١٩٦١م).
۔
وانظر: نيل الأوطار (١٦٢/٤).
وهذا اللفظ أحد ألفاظ حديث ابن عمر الذي أخرجه الشيخان وأحمد والنسائي وابن ماجة
والبيهقي والحاكم، بألفاظ مختلفة. فراجع: المنتقى (١٥٩/٢-١٦٠) والتلخيص (١٨٧/١)
والإتحاف.
وقد أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجة والنسائي عن ابن
عباس، وأخرجه الطبراني عن البراء بن عازب. على ما في الإِتحاف والمنتقى
(١٦٠/٢-١٦١). وانظر: الفتح الكبير (١٨٤/٢ و١٩٤).
- ١٧٦ -

وأما القسم الثاني: وهو: الَّذي تتبعه المواضعةُ - فهو: الإِشارةُ؛ لأنَّ
المواضعةَ مفتقرةٌ إليها، وهي غيرُ مفتقرةٍ إلى المواضعةِ، وإلّ: لافتقرتْ إلى
إشارةٍ أخرى، ولزم التسلسلُ(١)؛ وهو محالٌ.
و[قد(٢)] بَيِّن الرسول - ◌ََّ - بالإِشارة، [وذلك(٣)] حينَ أشارَ إلى الحريرِ
بيده(٤) - وقالَ: ((هذا حرامٌ على ذكورِ أمَّتي، حلَّ لإِناثها))(٥).
*
وأما القسم الثالث: وهو: الَّذي يكونُ تابعاً للمواضعةِ -: فهو كما إذا قال
(١) كتبت في ح: ((التسلّل)).
(٢) لم ترد الزيادة في ي .
.. -
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٤) لفظ غير ل: ((في يده).
(٥) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ.
والظاهر أنه مقتبس ومأخوذ ببعض تصرف، من الحديث الذي رواه ابن ماجة من طريق
عليّ - كرّم الله وجهه -. وهو: ((أخذ النبيُّ - ◌َلَ - حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله
في شماله، ثم قال: إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإِناثهم)). ورواه عنه أحمد وأبو
داود والنسائيُّ وابن حبان، بدون قوله: ((حلِّ الإناثهم)). على ما في نيل الأوطار (٧٠/٢).
وقد ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (١٠٢/٣) عن أبي داود والنسائيِّ فقط وكذلك ذكره
ابن الديبع في تيسير الوصول: (١٦٤/٤).
وورد مع الزيادة من طريق علي، عن أحمد وأبي داود والنسائيٍّ وابن ماجة في الفتح
الكبير: (٤٢٨/١). وورد أيضاً معها فيه، من طريق ابن عمر عند ابن ماجة. وأخرجه
الطحاويُّ أيضاً عن علي معها، كما في التعريف في أسباب ورود الحديث الشريف:
(١ / ٢٥٠).
ويؤيد معناه حديث أبي موسى الأشعري - الذي أخرجه أحمد والنسائيُّ والترمذيُّ، وأبو
داود والحاكم والطبرانيُّ: أنَّ النبيَّ - ﴿ - قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي،
وحرم على ذكورها)). انظر: المنتقى (٢٨٤/١)، ونيل الأوطار (٢/ ٧٠)، وتيسير الوصول
(١٦٤/٤) والفتح الكبير (٥٤/١).
- ١٧٧ -

الرسول - ﴿ -: ((هذا الفعلُ بيانٌ لهذه الآيةِ)) أو يقول: ((صلُّوا كما رأيتموني
اُصلِّي»(١).
#
واعلم: أنّه لا يُعلمُ كونُ الفعلِ بياناً للمجملِ ، إلَّ بأحدِ أمورٍ ثلاثةٍ :
أحدها:
أن يُعلّمَ (٢) ذلك بالضرورةِ(٣)، من قصده.
وثانیھا :
أن يُعلَمَ (٤) بالدليلِ اللَّفظيِّ - وهو أنْ [يقول(٥)]: «هذا الفعلُ(*) بيانٌ لهذا
المجمل ))، أو يقولَ أقوالاً (٦) يلزمُ(٧) من مجموعِها ذلكَ.
وثالثها :
بالدليلِ العقليِّ - وهو: أنْ يذكرَ المجملَ - وقت الحاجة إلى العمل به،
ثم يفعلُ فعلًا يصلحُ أنْ يكونَ بياناً [له(٨)]، ولا يفعلُ شيئاً آخر - فيُعلم (٩) أنَّ ذلكَ
الفعل بيانٌ للمجملِ ؛ وإلَّ: فقد أخّر البيان عن وقت الحاجةِ، وإنَّه لا يجوزُ.
(١) قد ورد في الشرح الكبير الرافعي بلفظه، مع زيادة هي: ((فإذا حضرت الصلاة
فليؤذن أحدكم)). وذكر الحافظ في التلخيص (٢٣/١): أنه متفق عليه بين الشيخين من
حديث مالك بن الحويرث بألفاظ مختلفة، وأن اللفظ المذكور في الشرح للبخاري في كتاب
الأذان، وزاد البخاري في أوله قصة، وزاد في آخره: «ثم ليؤمكم أكبركم».
وقد أخرج حديث مالك بن الحويرث هذا أحمد أيضاً، على ما يؤخذ من المنتقى :.
(٢٤٠/٢)، وقد أورد صاحب المنتقى منه عبارة: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم.
(٢) في ل: ((تعلم)) وكلاهما صحيح.
ولیؤمکم أکبركم». فقط.
(٣) عبارة ص، ح: ((بالضرورة ذلك)). (٤) لفظ ل: ((نعلم)).
(٥) سقطت من ي.
(٦) لفظ ص، خ: ((أقاويل)).
(٨) سقطت من ي .
(٥) آخر الورقة (١٠٣) من ي.
(٧) في ل زيادة ((لا)) وهو وهم من الناسخ.
(٩) كذا في ص، وفي النسخ الأخرى: ((فيعقل).
- ١٧٨ -

وأمَّا التركُ (١) - فاعلمْ أنَّ الفعلَ يبيِّنُ الصفةَ، ولا يدلُّ على وجوبِها (٢) وتركُ
[الفعلِ (٣)] يبيِّن نفي وجوبه، وذلكَ على [أربعة (٤)] أضربٍ:
أحدها:
أن يقومَ - من الركعة الثانية إلى الثالثة، ويمضي على صلاِهِ: فيُعلَمُ أنَّ
هذا التشهُّدَ ليسَ بشرطٍ - في صحَّة الصلاةِ -، وإلّ: لم تصحَّ مع عدم شرطٍ (٥)
الصحّةِ. ويدلُّ على أنَّه ليسَ بواجبٍ (٦): أَنَّه - نَّهِ - لا يجوزُ أن يتعمَّدَ تركَ
الواجب.
وثانيها :
أنْ يسكتَ عن بيانِ حكم الحادثةِ(٧) - فُيُعلم(٨) أنَّه ليس فيها حكمٌ شرعيٍّ .
وثالثها :
أنْ يكونَ [ظاهرُ الخطاب(٩)] متناولاً له، ولأمَّته - على سواءٍ، فإذا ترك
الفعلَ: دلَّ على أنَّه كانَ مخصوصاً(١٠) من الخطاب، ولم يلزمهُ ما لزِمَ أمَّتَهُ.
ورابعُها:
أن يتركَهُ - بعد فعله إِيَّاهُ - فَيُعلَمَ(١) أنَّه(٥) قد نُسخَ عنه.
ثم يُنظرُ (١٢) - فإنْ كانَ حكمُ الأمَّةِ حكمَهُ(١٣): نسخَ عنهم أيضاً، وإلّ كانَ
حكمُهم بخلافِ [حكمِ(١٤)] ـه. والله أعلمُ.
***
(١) كذا في جميع الأصول، والأولى المناسب لما سبق: ((بالترك)).
(٢) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((وجوبه)). (٣) سقطت من ل، آ.
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٥) عبارة آ: ((تقدم الشرط)).
(٦) في ل، ي زيادة: ((هو).
(٧) لفظ ح: ((الواقعة)).
(٨) في ل: ((فنعلم)).
(٩) ساقط من ص.
(١٠) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((أنه مخصوص)).
(١١) في ل: ((فتعلم)).
(١٢) في ل، ي: ((ننظر)).
(*) آخر الورقة (١٥٢) من آ.
(١٣) في آ: ((حكم)).
(١٤) لم ترد في آ.
- ١٧٩ -

المسألةُ الثالثةُ:
الحقُّ: أنَّ الفعلَ (*) قد يكونُ بياناً: خلافاً لقوم (١).
لنا :
[أنَّ(٢)] الخصمَ إمّا أنْ يقولَ: إِنَّه لا يصحُّ وقوعُ البيانِ بالفعلِ ، أو يقولَ:
إِنَّه يصحُّ عقلاً، لكنْ لا يجوزُ في الحكمةِ .
والأوَّل ضربان :
أحدهما: [أن يقالَ(٣)] إنَّ الفعلَ لا يؤثِّرُ في وقوع اليقين أصلاً.
والآخر: أن يقال: إنَّه لا يؤثِّر في ذلك إلَّ مع غيرِهِ - هو أنْ يقولَ الرسول(*)
- مَ * -: «هذا [الفعل](٤) بيانٌ(٥) لهذا الكلام(٦).
والأوَّل باطلٌ؛ لأنَّ فعلَ الرسولِ - وََّ - ((للصلاةِ، والحجِّ)) أدلَّ عليهما من
صفته لهما؛ فإنَّه ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ، ولهذا بَيَّن الرسولُ - تَِّ ((الحَجِّ
[والصلاةَ](٧).
وقال(٨): ((خُذوا عنِّي مناسِكَكُم(٩))، وقالَ: صلُّوا كما رَأَيتمونِي أُصلِّي)).
(*) آخر الورقة (١٥٥) من ح.
(١) لم يبين أبو الحسين في المعتمد من هو المخالف واكتفى بنقله بصيغة ((وقال بعض
الناس)) فانظر المعتمد (٣٣٨/١).
(٢) سقطت من ص :
(٣) هذه الزيادة من خ.
(*) آخر الورقة (٥٦) من ص.
(٤) لم ترد الزيادة في ص.
(٥) في ي: ((بيانا))، وهو تصحيف.
(٦) لفظ ح: ((الحكم)).
(٧) زيادة يقتضيها المقام، ولم ترد في جميع الأصول.
(٨) في آ، ح: ((فقال).
(٩) قد ورد بهذا اللفظ في موضعين من كتاب الحج من الشرح الكبير للرافعي، على:
ما في التلخيص الحبير (٢١٢/١، ٢١٩).
- ١٨٠ -