Indexed OCR Text

Pages 81-100

وعن بعض فقهائنا(١): أنَّهُ لا يجوزُ.
ودليلُه: التقسيمُ الذي مرّ(٢).
المسألةُ الرابعةُ :
في تخصيصِ الكتاب والسنَّةِ المتواترةِ، بالإِجماع [وهو (٣)] جائزٌ؛ لأنَّه
واقعُ؛ فإنَّهم خصَّصوا ((آيَةَ الإِرثِ)) بالإِجماع على أنَّ العبدَ لا يرثُ (٤).
وخصَّصوا (آية الجلدِ)) بالإجماع على أنَّ العبدَ كالأَمةِ في تنصيفِ(٥) الحدِّ(١).
وأمَّا تخصيصُ الإِجماع بالكتاب والسنَّةِ المتواترةِ - فـ [إِنَّه(٧)] غيرُ جائز
للإِجماع؛ ولأنَّ إجماعَهم على الحكمِ العامِّ - مع سبقِ المخصِّصِ - خطأً،
والإِجماعُ على الخطأ لا يجوزُ.
المسألةُ الخامسةُ :
في [أنَّ (٨)] تخصيصَ الكتاب والسنَّةِ المتواترة، بفعل الرسول - صل - هل
هو جائزٌ(٩)، أم لا؟ .
والتحقيقُ فيه: أنَّ اللفظَ العامَّ إمَّا أنْ يكونَ متناولاً للرسول - وَ(*) - أو لا
یکون(١٠ )متناولاً له.
فإنْ كان متناولاً له - : كانَ ذلكَ الفعلُ مخصِّصاً لذلكَ العموم في حقُّه.
وهل يكونُ مخصِّصاً للعمومِ في حقِّ غيرهِ؟ فنقولُ:
(١) في غيرآ: ((فقهاء أصحابنا)).
(٢) مر في المسألة الثالثة ص (٧٨).
(٣) لم ترد الزيادة في ل، ي، آ.
(٤) راجع لمعرفة تفاصيل هذه المسألة: التفسير الكبير (١٥٥/٣).
(٥) في ي: ((تنصف)) وراجع التفسير الكبير (٢١٢/٦).
(٦) لفظ ل، ي، آ: ((الجلد))، وهو تصحيف.
(٧) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٨) لم ترد الزيادة في ل، ي، آ.
(*) آخر الورقة (١٣٨) من آ.
(٩) أبدلت في غير آ بـ ((يجوز)).
(١٠) في ص: ((أو ما كان)).
(١١) لفظ ص: ((تخصيصا)).
- ٨١ -

إنْ دلَّ دليلٌ على أنَّ حکمَ غيرِهِ کحكمه في [الكلِّ مطلقاً»، أو في] الكلِّ
إلّ ما خصَّهُ الدليلُ، أو في تلك الواقعةِ -: كانَ [ذلكَ(٢)] تخصصياً في حقِّ
غيره، [ولكنَّ المخصِّصَ للعمومِ لا يكونُ ذلكَ الفعلُ - وحده - بل الفعلُ مع
ذلكَ الدليل. وإنْ لم يكنْ كذلك - لم يجزْ تخصيصُ ذلكَ العامٌّ في حقِّ
غيرهِ(٣)].
وأمّا إنْ كان اللَّفظُ العامُّ غيرَ متناولٍ للرسول - عليه السلام- بل للأمة
فقط: فإنْ قامَ الدليل على أنَّ حكمَ الأمَّةِ - مثلُ حكمِ النبيِّ - صَّةَ -: صارَ العَمُّ
مخصوصاً بمجموع فعلِ الرسولِ (٤) عليه السلامُ - مع ذلك الدليل، وإلَّ فلا.
[و(٥)] احتجّ من منعَ هذا التخصيصَ - مطلقاً -: بأنَّ المخصِّص(٦) للعامِّ
هو الدليلُ الذي دلَّ على وجوب متابعتِهِ - وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (٧)؛ وذلك
أعمُّ من العامُّ الذي يدلُّ على بعض الأشياءِ فقط [فـ(٨)] التخصيصُ بالفعل
يكونُ تقديماً للعامٌّ على الخاصِّ؛ وهو (٩) غیرُ جائزٍ.
والجوابُ :
أنَّ المخصِّصَ (١٠)ليسَ مجرَّدَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾(١١) بل [هو (١٢)] مع
ذلكَ الفعل ، ومجموعُهُما أخصُّ من العامِّ الَّذي ندَّعي (١٣) تخصيصَهُ بالفعلِ.
المسألةُ السادسةُ :
من فعلَ ما يخالفُ(١٤) مقتضى العموم بحضرة الرسول - * - فلم يُنْكِرْهُ(١٥)
(١) ساقط من ص.
(٢) لم ترد الزيادة في ل.
(٣) ساقط من ص . .
(٤) لفظ آ: ((النبي)).
(٥) لم ترد الواو في ص ..
(٦) في آ: ((التخصيص)).
(٧) من الآية (١٥٨) من سورة ((الأعراف)).
(٨) في ل، آ: ((و)).
(٩) في غير آ: ((وإنه)).
(١٠) في آ: ((التخصيص)).
(١١) من الآية (١٥٨) من سورة ((الأعراف)).
(١٢) كذا في آ، وفي ص ((هي))، ولم ترد في النسخ الأخرى.
(١٣) في ل، ص، ي: ((يدعى)). (١٤) في آ: ((بخلاف)). (١٥) في آ: ((ينكر)).
- ٨٢ -

عليهِ، فعدمُ الإِنكارِ من الرسول - {﴿ - قاطعٌ في تخصيصِ العامِّ في حقِّ ذلك
الفاعلِ .
أَمَّا في حقِّ غيرِهِ - فإن ثبتَ أنَّ حكمَهُ - أََّ ــ في الواحدِ، حكمُهُ فِي
الكلِّ -: كانَ ذلكَ التقريرُ تخصيصاً في حقِّ الكلِّ، وإلّ فلا. والله أعلمُ.
- ٨٣ -

الفصل الرابع(١)
في
تخصيص المقطوع بالمظنون
[وفيه مسائلُ(٢)]
المسألةُ الأولى:
يجوزُ تخصيصُ الكتاب بخبر الواحدِ - عندنا - وهو قولُ الشافعيِّ(٣) وأبي
حنيفةً ومالكٍ رحمهم الله .
وقال قومٌ: لا يجوزُ أصلاً.
وقال عيسى بن أبانَ: إِنْ كَانَ [قد(٤)] خُصَّ - قبلَ ذلكَ(٥) - بدليلٍ مقطوعٍ
[به: جازَّ (٦)]، وإلَّ فلا.
وقال الكرخِيُّ: إنْ كانَ قد خُصَّ بدليلٍ منفصلٍ - صارَ مجازاً: فيجوزُ
ذلكَ. وإنْ خُصَّ بدليلٍ مَتَّصلٍ، أو لم يُخَصَّ - أصلاً -: لم يجزْ.
وأمَّا القاضي أبو بكرٍ - رحمه الله - فإنَّه اختارَ التوقُّفَ(٧).
(١) في آ: ((الثالث))، وهو وهم من الناسخ .
(٢) هذه الزيادة من آ.
(٣) في ل، ي، آ: ((أبي حنيفة والشافعي)) وفي النقل عن الإمام أبي حنيفة نظر؛
فالمشهور عن الحنفية المنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛ لأنه ظنيّ فلا يخصّص به
القطعيّ. انظر: كشف الأسرار (٢٩٤/١).
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(٦) سقطت الزیادة من آ، ص.
(٥) في ي: «قبله)» .
:
(٧) لفظ ي: ((الوقف)).
- ٨٥ -

لنا:
أنَّ العمومَ وخبرً(١) الواحدِ دليلانِ متعارضانٍ، وخبرُ الواحدِ أخصُّ مِن
العمومِ : [فوجبَ تقديمُهُ على العموم (٢)].
إنَّما قلنا: إنَّهما دليلانِ؛ لأنَّ العمومَ دليلٌ بالاتّفاق.
وأمَّا خبرُ الواحدِ - فهو أيضاً دليلٌ؛ لأنَّ العملَ بهِ يتضمَّنُ دفعَ ضرِرٍ
مظنونٍ -: فكانَ(٣) العملُ به واجباً: فكانَ دليلاً .
وإذا ثبتَ ذلكَ: وجبَّ تقديمُهُ على العمومِ ؛ لأنَّ تقديمَ العمومِ عليهِ
يُفضي إلى إلغائِهِ بالكلِّيَّةِ؛ [أمِّ تقديمُهُ على العموم - فلا يُفضي إلى إلغاءٍ
العمومِ بالكلّيَّةِ(٤)]: فكانَ [ذلكَ(٥)] أولى، كما في سائر المخصّصاتِ.
[و(٦)) أمَّا جمهورُ الأصحاب - فقالوا: أجمعت الصحابةُ على(٧) تخصيص
عمومِ القرآن بخبرِ الواحدِ (*)، وبيَّنُوهُ بِخَمْسٍ (٨) صورٍ:
إحداها(٩) :.
أنَّهم خصَّصوا قولَهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله ني أُوْلادِكُم﴾ (١٠)بما رواه
الصدِّيقُ - رضي الله عنه - أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ قال: ((نحن معاشر الأنبياءِ
لا نُورَثُ»(١١).
(١) في ص: ((والخبر)).
(٣) في ل: ((وکان)).
(٥) هذه الزيادة من ص.
(٧) في ي، زيادة: ((أن)).
(٢) ساقط من ص.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من ص
(٦) لم ترد الواو في ل، ي.
(*) آخر الورقة (٩٤) من ي .
(٨) كذا في ح، وفي النسخ الأخرى: ((بصور خمسة)).
(٩) في غيري: ((أحدها)).
(١٠) الآية (١١) من سورة (النساء)).
(١١) أخرجه من هذا الطريق (طريق أبي بكر رضي الله عنه)، بدون صدره، ومع زيادة
ويلفظ: ((لا نورث: ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد في هذا المال)» أحمد والبخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي. كما في الفتح الكبير (٣٤٩/٣). وقد ذكر وسطه في التلخيص =
- ٨٦ -

وثانيها :
....
خَصَّصوا عمومَ قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَآءً فوقَ آَثْنَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما
تَرَكَ﴾(١)، بخبرِ محمدِ(٢) بن مسلمةً، والمغيرةِ(٣) بن شعبةً: أنَّهِ وَّل: ((جعل
للجدَّةِ السدسَ))(٤)؛ لأنَّ المتوفاة إذا خلَّفتْ زوجاً وبنتين وجدَّةً، فللزوج الربعُ
= (٢٧١/٢)، وصرح بأنه حديث متفق عليه. كما ذكره في المنتقى (٤٧٤/٢) وذكر أيضاً: أن
النسائي في أوائل الفرائض من السنن الكبرى، أخرجه بلفظ: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث،
ما تركناه صدقة)). ثم قال: ((وإسناده على شرط مسلم)).
وقد أخرج الحميدي، في مسنده - على ما في التلخيص (٢٧٢/٢) - عن أبي هريرة،
أنه قال: قال رسول الله - * -: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة)).
وقد ذكره أيضاً عن الحميدي (٢٨٦/٢)، كما ذكر أن الطبراني أخرجه في الأوسط.
وقد روى هذا الحديث مختصراً ومطولاً بألفاظ مختلفة، ومن طرق جمّة. فراجع الفتح
الكبير أيضاً، والمنتقى (٤٧٥/٢)، ومسند الشافعي (ص١٠٨)، والسنن الكبرى للبيهقي
(٢٩٧/٦، ٥٩/٧). وانظر آداب الشافعي (ص١٤٦)، وهامش شفاء الغليل (ص٦٤٥).
(١) الآية (١١) من سورة (النساء)).
(٢) هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي الأنصاري، الأوسي الحارثي، ولد
قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، وهو ممن سمي في الجاهلية محمداً، توفي أو قتل سنة
(٤٦) هـ، أو (٤٣) هـ فراجع: الإصابة (٣٦٣/٣-٣٦٤).
(٣) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، أبو عيسى أو أبو
محمد، أو أبو عبد الله، كان من دهاة العرب حتى لقب بـ ((مغيرة الرأي)» كان أحد الحكمين
بين علي ومعاوية - رضي الله عنهم - توفي سنة (٥٠هـ)، أو (٤٩هـ) راجع: الإصابة
(٤٣٠/٣-٤٣٢).
(٤) روى قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: ((جاءت الجدة إلى أبي بكر، فسألته ميراثها،
فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله
وسلم - شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطاها السدس. فقال (أبو بكر): هل معك غيرك؟
فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة. فأنفذه لها أبو بكر.
(قال): ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء،
ولکن: هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بینکما، وأیتکما خلت به فهو لها)» رواه أحمد وأبو =
- ٨٧ -

((= (١) ثلاثةٌ، وللبنين الثلثان ((=)) ثمانيةٌ، وللجدَّةِ السدسُ ((=)) اثنانِ ـ عالت.
المسألةُ إلى ثلاثةَ(٢) عشرَ، [وثمانيةٌ(٣)] من ثلاثةَ عشرَ أقلُّ من ثلثي التركةِ(*).
وثالثُها:
أنَّهم خصَّصوا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهِ الْبَيعَ﴾(٤) بخبر أبي سعيد ((في
المنعِ من بيعِ الدرهم بالدرهمين»(٥).
= داود والترمذي وابن ماجة، وصححه الترمذي .. كما في المنتقى (٤٥٩/٢).
وقد ورد في التلخيص الحبير (٢٦٤/٢) بالإشارة إلى قصته، وقال الحافظ: ((أخرجه
مالك وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من هذا الوجه. وإسناده صحيح الثقة
رجاله. إلا أن صورته مرسل: فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق، ولا يمكن شهوده
للقصة. قال ابن عبد البر بمعناه ... ))ا. هـ فيكون النسائي قد أخرجه، خلافاً لما صرح به
ابن تيمية في المنتقى: من أنه لم يخرجه. ثم قال الحافظ: ((تنبيه: ذكر القاضي حسين (من
أصحاب الوجوه عند الشافعية): أن التي جاءت إلى الصديق أم الأم، والتي جاءت إلى عمر
. أم الأب. وفي رواية ابن ماجة ما يدل له. وسيأتي - فيما بعد - أنهما معاً أنتا أبا بكر)). ا. هـ.
فراجعه، وراجع فيه وفي المنتقى (٢ /٤٦٠) روايات وطرقاً أخرى لهذا الحديث. ثم راجع
الأقضية للقرطبي ص(١٠٩-١١٠).
(١) لم ترد هذه العلامة وما تلاها من علامات في ص.
(٢) في ل: ((ثمانية)).
(٣) سقطت من ل.
(*) آخر الورقة (١٤١) من ح.
(٤) الآية (٢٧٥) من سورة ((البقرة)).
(٥) أخرج الإمام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه: أن رسول الله - * - قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها
على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا
شيئاً منها غائباً بناجز» وهذا الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي على ما
في هامش الرسالة ص(٢٧٧). وراجع: الفتح الكبير (٣١٤/٣) للإطلاع على طرقه
الأخرى .
- ٨٨ -

ورابعُهَا :
خصَّصوا قولَهُ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشركِينَ﴾(١)، بخبر عبد الرحمن بن
عوفٍ - في المجوسِ (٢): ((سُنَّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهلِ الكتابِ)).
وخامسها :
[خصَّصُوا(٣)] قولَهُ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذلِكُمْ﴾(٤) بخبر أبي
هريرة(٥): ((في المنع من نكاحِ المرأةِ على عمَّتها، وخالتِهَا وبنتِ أخيها، وبنتِ
أختها)) (٦).
(١) الآية (٥) من سورة ((التوبة)).
(٢) قدمت على قوله: ((بخبر)) في غيرح.
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٤) الآية (٢٤) من سورة (النساء)).
(٥) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقيل: غير ذلك، ففي اسمه واسم أبيه اختلاف
كبير، توفي بالعقيق سنة (٥٧) هـ، أو (٥٨)هـ، أو (٥٩) هـ راجع: الإصابة: وبحاشيتها
الاستيعاب (٢٠٠/٤-٢٠٨).
(٦) قال ابن تيمية في المنتقى (٥٢٨/٢).
عن أبي هريرة، قال: ((نهى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن تنكح المرأة على
عمتها أو خالتها))، رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) وفي رواية (يعني: عن أبي
هريرة): ((نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها))، رواه الجماعة إلا ابن ماجة
والترمذي .
ثم قال: ولأحمد والبخاري والترمذي - من حديث جابر - مثل اللفظ الأول. ا. هـ. وقد
ورد حديث أبي هريرة هذا، في الشرح الكبير الرافعي، بلفظ: ((لا تنكح المرأة على عمتها،
ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها: ولا (تنكح)
(الزيادة للإيضاح) فقد ورد في الفتح الكبير (٣٤١/٣-٣٤٢) بدونها من طريق أبي داود فقط.
الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى».
قال الحافظ في التلخيص (٣٠٠/٢): ((رواه) أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث
داود بن أبي هند عن الشعبي عنه (يعني: عن أبي هريرة) وليس في رواية النسائي: لا تنكح
الكبرى على الصغرى، إلى آخره. وصححه الترمذي)).
=
- ٨٩ -

-
ولقائل أن يقولَ: [هل(١)] أجمعت الصحابةُ على تخصيص هذه العمومات
- في هذه الصورِ - أو ما أجمعتْ؟
فإنْ قلتُم: ما أجمعوا - [فقد (٢)] سقطَ دليلُكُم؛ وإنْ قلتُم: أجمَعُوا، فَلِمَ
لا يجوزُ أنْ يقالَ: المخصِّصُ (٣) لهذه العموماتِ ذلكَ الإِجماعُ؟
فإنْ قلتَ: لا بدَّ لذلكَ الإِجماع من مستندٍ - هو: هذهِ الأخبارُ إِذْ رُبَّ
إجماعٍ خفي مستندُهُ(*)، لاستغنائهِمْ بالإِجماعِ عنه(٤).
= ثم قال: ((وأصله في الصحيحين - من طريق الأعرج عن أبي هريرة - بلفظ: ((لا يجمع
بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها)). ولمسلم - من طريق قبيصة عن أبي هريرة -
بلفظ: ((لا تنكح العمة على بنت الأخ، ولا ابنة الأخت على الخالة)). وله (لمسلم) من طريق
أبي سلمة عنه (عن أبي هريرة): ((لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها)). وفي رواية:
((لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا المرأة وخالتها)). ورواه البخاري بنحوه عن جابر.
ثم تكلم عن بعض الأسانيد، وذكر بعض التخريجات والروايات الأخرى . .
ثم قال: ((تنبيه: قال الشافعي: لم يرد هذا الحديث، من وجه يثيته أهل العلم
بالحديث، إلا عن أبي هريرة. (انتهى قول الشافعي). قال البيهقي: قد روي عن جماعة
من الصحابة (يعني: غير أبي هريرة) إلا أنه ليس على شرط الشيخين. قلت: قد ذكرنا: أن
البخاري أخرجه عن جابر)) ا. هـ ـ هذا. وقد أخرج أحمد في المسند حديث أبي هريرة،
بلفظ: ((لا تنكح العمة على ابنة الأخ، ولا ابنة الأخت على الخالة)) كما في الفتح الكبير
(٣٤١/٣). وقد أخرج النسائي وابن ماجة، حديث أبي هريرة، بلفظ: ((لا تنكح المرأة على
عمتها ولا على خالتها))، كما في الفتح الكبير (٣٤٢/٣). وأخرج الحديث بهذا اللفظ، عن
جابر، والنسائي وابن ماجة. وأخرجه به عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري. وابن
ماجة. كما في الفتح الكبير (٣٤٢/٣).
(١) سقطت الزيادة من آإ
(٢) هذه الزيادة من ص.
(٣) في آ: ((التخصيص)).
(*) آخر الورقة (١٣٩) من آ. والورقة التالية من هذه النسخة مفقودة.
(*) آخر الورقة (١٥٣) من ل.
(٤) لا بد للإجماع من مستند، ولكن العمل بالإِجماع لا يتوقف على معرفة مستنده . .
- ٩٠ -

سلَّمنا: أنَّ ذِلكَ [المستندَ(١)] هو هذه الأخبارُ، لكنْ: لعلَّ هذه الأخبارَ
کانت متواترةٌ - عندهم - ثم صارت آحاداً عندنا.
[و(٢)] احتجِّ المانعونَ: بالإِجماعِ ، والخبرِ، والمعقولِ .
أمَّا الإِجماعُ - فهو: أنَّ عمرَ - رضي الله عنه - ردَّ خبرَ فاطمةً(٣) بنتِ قيسٍ ،
وقالَ: ((لا ندعُ كتابَ رَبِّنَا وسنَّةَ نبِيِّنَا، لقولٍ (٤) امرأةٍ [لا ندري (٥)] لعلَّها نَسِيَتْ(٦)
أو كذبَتْ(٧)).
وأمَّا الخبرُ - فما(٨) روي أَنَّهِوَه قال: ((إذا رُوي عِنِّي حديثٌ فاعرِضُوهُ على
كتاب اللهِ، فإنْ وافقهُ فَاقْتَلُوهُ، وإِنْ خالفَهُ فردُّوهُ))(٩)؛ والخبرُ الذي يخصِّصُ
(١) لم ترد هذه الزيادة في ل، آ.
(٢) لم ترد الواو في ل، ي، آ.
(٣) هي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشيّةُ الفهريّةُ، أخت الضحاك بن قيس، وكانت
من المهاجرات الأول راجع: الإصابة (٣٧٣/٤)، وبحاشيتها الاستيعاب (٣٧١/٤).
. (٤) في غير ص: ((بقول)).
(٥) سقطت الزيادة من ص.
(٦) عبارة : ((صدقت أم كذبت)). ومراده - رضي الله عنه - بـ ((كذبت)): أخطأت؛
للإجماع على عدالة الصحابة .
(٧) خبر أن عمر - رضي الله عنه - رد خبر فاطمة بنت قيس، وقال: ((لا ندع کتاب ربنا
وسنة نبينا - بقول امرأة لا ندري: لعلها صدقت أم كذبت)).
قال ابن تيمية في المنتقى (٦٥٤/٢) ١ - في باب نفقة المبتوتة وسكناها ـ ((عن الشعبي:
أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - 98 - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ
الأسود بن يزيد كفا من حصى، فحصبه به، وقال: ويلك: تحدث بمثل هذا؟ قال عمر رضي
الله عنه: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا، لقول امرأة لا ندري: لعلها حفظت أو نسيت. رواه
مسلم)» ا. هـ.
وخبر فاطمة بنت قيس، بدون كلام عمر، قد ورد في المنتقى أيضاً (٦٤٨/٢-٦٦٥) من
طرق عدة، وبألفاظ مختلفة. فراجعه مع هامشة. وانظر التلخيص (٣٣٣/٢).
(٨) في ل، ي، آ: ((فهو ما روى))، وعبارة ح: ((فهو أنه قال)).
(٩) جاء في الرسالة للإِمام الشافعي ص(٢٢٤): ((قال فهذا عندي كما وصفت أفتجد
حجة على من روى أن النبيَّ قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا
- ٩١ -

قلته، وما خالفه فلم أقله)). فقلت ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر ...
وهذه أيضاً رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء)). ا. هـ.
·قال محققه: هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن بل وردت فيه ألفاظ كثيرة
كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد.
ونقل عن عون المعبود (٣٢٩/٤) أنه: حديث باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا الساجي
عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة كما نقل عن تذكرة الموضوعات
ص(٢٨) عن الخطابي أنه قال أيضاً: وضعته الزنادقة وقد كتب ابن حزم في هذا المعنى .
فصلاً نفيساً جداً في كتاب الإِحكام (٧٦/٢-٨٢) وروى بعض ألفاظ هذا الحديث
المكذوب، وأبان عن عللها فشفى. ومما قال فيه: ((ولو أن امرءاً قال لا نأخذ إلا ما وجدنا
في القرآن - لكان كافراً بإجماع الأمة ... الخ: فانظر هامش الرسالة ص(٢٢٤-٢٢٥).
وقال الصغانيّ - أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحافظ اللغوي ((في الموضوعات))
ص(١١): ((ومنها - يعني: من الموضوعات - قولهم: إذا رويتم - ويروى إذا حدثتم - عني
حديثاً فاعرضوه على كتاب الله: فإن وافق فاقبلوه، وإن خالف فردوه)) .ا. هـ.
قلتُ: وحديث العرض على الكتاب قد روي بألفاظ كثيرة منها ما ورد في المقاصد
الحسنة (ص٣٦: ط مصر) وكشف الخفا (٨٦/١) عن الدارقطني في الأفراد، والعقيلي في
الضعفاء، وأبي جعفربن البختري من طريق أبي هريرة مرفوعا. ولفظه: ((إذا حدثتم عني
بحدیث یوافق إلی، فصدقوه وخذوا به حدثت به أو لم أحدث».
وهو حديث منكر جداً، وليس له إسناد صحيح .
وقد سئل الحافظ ابن حجر عنه، فقال: ((إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال، وقد جمع
طرقه البيهقي في كتابه ((المدخل)).
وقال السيد عبد الله صديق الغماري (مصحح المقاصد الحسنة: بهامش ص٣٧):
((واستوعبت طرقه في كتاب)) الابتهاج، بتخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي، وبينت بطلانه
من جميع طرقه. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وحاول السيوطي يعني: في (اللآلىء
المصنوعة) أن يتعقبه، فلم يصب)).
والحق أن هذا الحديث من وضع الخوارج والزنادقة، كما قال الإمام الجليل عبد
الرحمن بن مهدي. على ما نقله عنه الحافظ ابن عبد البر في كتاب ((جامع بيان العلم
وفضله)) (١٩٠/٢-١٩١)، وغيره. وقد استغله وغرر به بعض القدامى الذين أنكروا حجيّة =
- ٩,٢ -

الكتاب، على مخالفة الكتاب: فوجبَ ردُّه.
وأمَّا المعقولُ - فوجهان:
الأوَّلُ:
أنَّ الكتابَ مقطوعٌ بِهِ، وخبرُ الواحدِ مظنونٌ، والمقطوعُ أولى من المظنونِ .
والثاني :
أنَّ النسخَ تخصيصٌ في الأزمانِ - والتخصيصَ تخصيصٌ في الأعيانِ؛
فنقولُ: لو جازَ التخصيصُ بخبرِ الواحدِ في(١) الأعيانِ - لكانَ لأجل أنَّ
تخصيصَ العامِّ أولى من إلغاءِ الخَاصِّ؛ وهذا المعنى قائمٌ في النسخِ : فكانَ
يلزمُ جوازُ النسخِ بخبرِ الواحدِ، ولمَّا(٢) لَمْ يَجُزْ ذلكَ: علمنا أنَّ ذلكَ [أيضاً(٣)]
غیرُ جائزٍ.
والجوابُ عن الأوَّلِ :
أَنَّا لا ندَّعي تخصيصَ العموم بكلِّ ما جاءً(٤) من أخبارِ الآحادِ ـ حتَّى يكونَ
ذلكَ علينا؛ وإنَّما(٥) نجوِّزُهُ بالخبرِ الَّذي لا يكونُ راويه متَّهماً بالكذب والنسيانِ؛
وهذا الشرطُ ما كانَ حاصلاً - هنا(٦)؛ لأنَّ عمرَ - رضي الله عنه - قَدَحَ في روایِهَا
بذلكَ: فلم يكنْ قادحاً في غرضِنَا؛ بل هو بأنْ يكونَ حجَّةٌ لنا أولى؛ وذلكَ:
لأنَّ عمر - رضي الله عنه - بَيَّنَ أنَّ روايتها إنَّما صارتْ مردودةً - لكون الراوي غيرَ
مأمونٍ من الكذب(٧) والنسيانِ، ولو كانَ خبرُ الواحدِ المقتضِي لتخصيصِ
= الأخبار، وبعض المحدثين الذين أنكروا حجيّة السّنة. وبيان ذلك وتفصيله لا يسمح به
المقام، ولا يدخل في الغرض.
(١) عبارة ي، ل، آ، ص: ((في الأعيان بخبر الواحد)).
(٢) في ح: ((فلما).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٤) لفظ غير ص: ((كان)).
(٥) في ي: ((فإنما)).
(٦) في ل، ي، آ: ((هاهنا)) وفي خ: ((فيها)).
(٧) أي: عقلًاً، أو أنّ المراد بالكذب هنا: الخطأ للإجماع على عدالة الصحابة. كما
أسلفنا ..
- ٩٣ -

الكتاب مردوداً - كيفَ [ما (١)] كانَ - [لَمَا (٢)] كانَ لذلكَ التعليلِ وجهٌ.
وعن الثاني :
أنَّ ما ذكرتُمُوهُ يقتضي أنْ لا يجوزَ تخصيصُ الكتاب بالسنَّةِ المتواتِرَةِ فإنْ
قلتم: [إنَّ(٣)] ما يقتضي تخصيصَ الكتاب، لا يكونُ على خلافِهِ.
قلنا - في مسألتنا ـ ذلكَ بعينِهِ .
وعن الثالث: أنَّ البراءةَ الأصليَّةَ يقينيّةٌ، ثُمَّ إِنَّا نترُكِهَا بخبرِ الواحدِ: فبطلَ
قولكُم: [إنَّ(٤)] المقطوعَ لا يُترَكُ بالمظنونِ(٥).
ثم نقولُ: لا نسلِّمُ حصولَ التفاوتِ؛ وبيانُهُ من وجهينِ :
الأوَّلُ: أنَّ الكتابُّ مقطوعٌ في متنِهِ مظنونٌّ في دلالتِهِ؛ والخبرُ مظنونٌ في:
دلالته؛ فلِمَ قُلتُم إنَّهُ حَصلَ التفاوتُ - بينهما - على هذا التقدير؟ !.
الثاني: أنَّ الدليلَ القاطعَ لمَّا دلَّ على وجوبِ العملِ بالخبرِ المظنونِ: لم
يكنْ وجوبُ العملِ مظنوناً؛ لأنَّ تقديرَ ذلكَ: أَنَّ الله - تعالى - قالَ: ((مهما
حصلَ في قلبِكُم ظنُّ(٦) صدقِ الراوي - فاقطعوا أنَّ حكمي ذلكَ)).
فإذا وجدنا ذلكَ الظنَّ، واستدللْنَا(٧) به على الحكم -: كُنَّا قاطعينَ
بالحكم ؛ وإذا كانَ كذلِكَ - فَلِمَ قلتُمْ: إِنَّ التفاوتَ حاصلٌ على هذا التقدير؟.
وعن الرابع: أنَّ الأصوليِينَ(٨) اعتمدوا - في الجواب - على حرفٍ
[واحد(٩)] - وهو: أنَّ العقلَ ليسَ يأبى ذلكَ، وإنَّما فصلنا بينَهُما - لإِجماعِ
الصحابة على الفصل بينهما؛ فقبلوا خبرَ الواحدٍ في التخصيصِ ، وردُّوهُ في
النسخ .
(١) لم ترد الزيادة في ص.
(٢) سقطت الزيادة من ل، آ، ح.
(٣) هذه الزيادة من ص، خ.
(٤) هذه الزيادة من ح.
(٥) البراءة الأصلية تُزال بكل ما يعتبر دليلاً؛ لأنها عبارة عن عدم ورود الدليل.
(٦) في ل، ي، آ: ((ظنوا)).
(٧) في ص: ((فاستدللنا)».
(٨) في ي: ((الأصوليون))، وهو تصحيف. (٩) سقطت الزيادة من ي.
- ٩٤ -

وهذا الجوابُ ضعيفٌ:
لأَنَّا بيًّا: أنَّ الَّذي عوَّلوا عليهِ - في أنَّهم قبِلُوا خبرَ الواحدِ في التخصيص -
ضعيفٌ.
وإذا ثبتَ ذلك - فنقولُ: ثبت بما ذكرنَا: أنَّ القياسَ يقتضي أنَّه لو قُبلَ خبرُ
الواحدِ في التخصيصِ : لوجبَ قبولُهُ في النسخِ ؛ وثبتَ بالاتفاقِ(*) أنَّهم ما قَبلُوهُ
في النسخِ - فوجبَ أن يُقالَ: إِنَّهم ما قبِلُوهُ في التخصيص [أيضاً(١)]، ضرورةً
العمل بالدليل .
والجوابُ: الصحيحُ لا يحصُلُ إلَّ بـ [ذكر(٢)] الفرق بينْهُما - وهو: أنَّ
التخصيصَ أهونُ من النسخِ ، ولا يلزمُ من تأثيرِ الشيءِ في الأضعفِ تأثيرُهُ في
الأقوى. والله أعلمُ.
تنبيهً : (*)
فأمَّا قولُ عيسى بن أبانَ، والكرخيِّ - فمبنيَّانِ على حرفٍ واحدٍ - وهو: أنَّ
العامَّ المخصوصَ(٣) - عند عيسى مجازٌ؛ والعامُّ المخصوصُ(٤) بالدليل
المنفصلِ مجازٌ - عند الكرخيِّ؛ وإذا صارَ مجازاً: صارت دلالتُهُ مظنونةً، ومتنُهُ
مقطوعاً، وخبرُ الواحدِ: مَنُهُ مظنونٌ(٥)، ودلالتُهُ مقطوعةٌ(٦): فيحصل التعادل.
فأمَّا - قبلَ ذلكَ: فإنَّهُ حقيقةٌ في العمومِ - فيكونُ قاطعاً في متِه، وفي
دلالتِهِ: فلا يجوزُ أنْ يُرَجَّحَ (٧) عليهِ المظنونُ .
فهذا هو مأخذُهُمْ، والكلامُ عليهِ [هو(٨) ما] تقدَّمَ. والله أعلم.
(*) آخر الورقة (١٤٢) من ح.
(١) لم ترد الزيادة في ل، آ.
(٢) لم ترد الزيادة في ي.
(*) آخر الورقة (١٥٤) من ل.
(٣) في غيري، ص: ((المخصص)).
(٤) كذا في ص، وفي غيرها: ((المخصص)).
(٦) لفظ ص: ((مقطوع)).
(٥) في ل، آ: ((مقطوع))، وهو خطأ.
:(٧) لفظ ص: ((يترجح)).
(٨) هذه الزيادة من ص.
- ٩٥ -

---
المسألةُ الثانيةُ :
يجوزُ تخصيصُ عمومِ الكتاب والسنَّةِ المتواترة بالقياس - وهو: قول
الشافعيَّ وأبي(١) حنيفةَ، ومالكٍ، و(٢) أبي الحسين البصريِّ، والأشعريٌّ، وأبي
هاشمٍ [أخيراً(٣)].
ومنهم: منْ منعَ(*) مِنهُ - مطلقاً - وهو قولُ الجبائيِّ، وأبي هاشمٍ أَوَّلاً
ومنهم من فصَّلَ ـ ثُمَّ ذكروا فيهِ وجوهاً أربعةً .
الأوَّلُ: قولُ (٤) عيسى بن أبانَ: إِنْ تطرّقَ التخصيصُ إلى العموم جازَ وإلّ
فلا ..
والثاني: قولُ الكرخِيِّ - وهو: أنَّهُ إِنْ خُصَّ بدليلٍ منفصلٍ جاز؛ وإلاّ فلا
والثالثُ(٥): قولُ كثيرٍ - من فقهائنا - ومنهم ابن سريجٍ -: يجوزُ بالقياسِ
الجليِّ دونَ الخفيِّ.
ثم اختلفوا في تفسير(*) ((الجليِّ)) و((الخفيِّ))، على ثلاثة أوجهٍ:".
أحدُها: أنَّ الجليَّ - هو ((قياس المعنى))، والخفيِّ [هو(٦)]: «قياسُ
الشبهِ)).
وثانيها: أنَّ الجليَّ - [هو(٧)] مثل قوله وَّر: ((لا يقضي القاضي وهُوَ
غضبانُ))(٨)؛ وتعليلُ ذلكَ بما يدهشُ العقلَ عن إتمامِ
(١) قدم علی «الشافعي)) في ل، ي، آ.
(٣) سقطت الزيادة من ص.
(٤) في ص: ((قال)).
(*) آخر الورقة (٩٥) من ي.
(٧) لم ترد الزيادة في ص.
(٢) في ص زيادة: ((كذلك)).
(*) آخر الورقة (١٤٠) المفقودة من آ.
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(٦) لم ترد الزيادة في ل، ي.
(٨) أخرجه الإمام الشافعي في الأم (١٩٧/٦-١٩٨) ط الفنية، من طريق أبي بكرة
بلفظ: ((لا يقضي القاضي، أو لا يحكم الحاكم بين اثنين، وهو غضبان)).
ونقله الماوردي في أدب القاضي عنه (٢١٢/١-٢١٤)، وقد قال محققه في هامش
(٢١٤): ((قال الحافظ ابن حجر: متفق عليه من حديث أبي بكرة بمعناه، ورواه ابن ماجة =
-٩٦ -

الفكرِ(١) حتى يتعدَّى إلى الجائع والحاقنِ.
وثالثُها: قول أبي سعيدِ الاصطخريِّ - وهو أنَّ الجليَّ - هو: [الذي(٢)]
إذا(٣) قضَى القاضي بخلافهِ ينتقضُ قضاؤهُ.
والرابعُ (٤): قولُ الغزاليُّ - رحمه الله - [وهو(٥)]: أنَّ العامَّ(٦) والقياسَ إنْ
تفاوتا في إفادةِ الظنِّ - رجَّحنا الأقوى؛ وإن تعادلا: توقَّقْنا(٧).
وأمَّا القاضي أبو بكرٍ، وإمامُ الحرمينِ - فقد ذهبًا إلى الوقفِ .
قالَ إمامُ الحرمينِ: ((والقولُ بالوقفِ يشارك القولَ بالتخصيص من وجه،
ویباینهُ من وجهٍ :
أمّا المشاركةُ - فلأنَّ المطلوبَ من تخصيصِ العامِّ (٨) بالقياسِ إسقاطُ
الاحتجاج بالعامِّ والوقفُ(٩) يشاركهُ فيهِ .
باللفظ المذكور)) التلخيص (٢٠٩١) وأخرجه البيهقي (١٠٥/١٠) وأبو عوانة (١٦/٤).
ويلفظ المحصول ورد في شفاء الغليل ص(٦١).
وقال محققه: هو معنى حديث أبي بكرة الذي رواه الجماعة، فراجعه في مسند الشافعي
(٩٤)، وأحمد (٣٦/٥ و٣٧) ط الحلبي، وصحيح البخاري (٦٥/٩) ومسلم (٢ /٦٢) وسنن
أبي داود (٣٠٢/٣) والترمذي (٢٥٠/١) وابن ماجة (٢٧/٢) والنسائي (٢٣٧/٨ و٢٤٧)
والسنن الكبرى (١٠٤/١٠) والمنتقى (٩٣٦/٢) ونيل الأوطار (١٧٧/٩)، والمشكاة
(٣٣٣/٢).
وانظره في الفتح الكبير (٣٦٨/٣).
(١) لفظ ل، ي: ((الفكرة)).
(٢) سقطت الزيادة من آ.
(٣) لفظ ل، ي، آ، ح: ((لو).
(٤) في ل، ي، ح، آ زيادة: ((هو).
(٥) هذه الزيادة من ص.
(٦) عبارة ح ل: ((القياس العام)). وراجع: المستصفى (١٢٢/٢-١٣٦).
(٧) في ل، ص: ((وينافيه)).
(٨) في ص: ((العموم)).
(٩) كذا في ص، آ، وفي غيرهما: ((الواقف)).
- ٩٧ -

وأمَّا المباينةُ - فهي (١): أنَّ القائل بالتخصيصِ يحكمُ بمقتضى القياس،
والواقفُ لا یحکمُ بهِ .
تنبيه :
نسبةُ قياسِ الكتابِ إلى عمومِ الكتابِ - كنسبةٍ قياسِ [الخبر المتواترِ إلى
عمومِ الخبر المتواترِ، وكنسبةٍ قياسٍ (٢)] خبرِ الواحدِ [إلى عمومٍ خبر
الواحدِ (٣)]، والخلافُ جَارٍ(٤) في الكلِّ. وكذا القولُ في قياسِ الخبرِ المتواثرِ:
بالنسبةِ إلى عمومِ الكتابِ، وبالعكسٍ .
أما قياسُ خبر الواحدِ - إذا عارضَهُ عمومُ الكتابِ، [أو السنةِ المتواترةِ -
وجبّ أنْ يكونَ تجويزهُ أبعدَ .
لننا :
أنَّ العمومَ، والقياسَ(٥)] [دليلانِ(٦)] متعارضانِ، والقياسُ خاصٍّ: فوجب
تقدیمُهُ.
أمَّا أنَّ العمومَ دليلٌ - فبالاتفاق.
وأمَّا أنَّ القياسَ دليلٌ - فلأنَّ العملَ بهِ دفعُ ضررٍ مظنونٍ - فكانَ العملُ
[به(٧)] واجباً. وسيأتي تقرير هذه الدلالة - في باب القیاس - إن شاء الله تعالی .
وإذا ثبت ذلك(٨)، فالتقريرُ ما تقدَّم في المسألةِ الأولى.
واحتجَّ المانعونَ بأمورٍ:
(١) لفظ ل، ي، ح (فهو).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(٣) ساقط من آ.
(٤) لفظ ل: ((جائز).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من أ، وقوله: ((وجب)) كان ينبغي أن يقول: ((فيجب)).
باعتباره جواب ((أما)»؟.
(٦) لم ترد هذه الزيادة في ل، آ، ص.
(٧) سقطت الزيادة من ل، ح.
(٨) في ح: ((هذا)).
-٩٨ -

أحدها : : [أنَّ(١)] الحكمَ المدلولَ عليهِ بالعمومِ معلومٌ، والحكمُ المدلولُ
عليهِ بالقياسِ مظنونٌ، والمعلومُ راجحٌ على المظنونِ .
وثانيها: أنَّ القياسَ فرِعُ النصِّ، فلو خصَّصْنا العمومَ بالقياس - لقدَّمنا
الفرِعَ على الأصلِ ، وإِنَّه غيرُ جائزٍ.
وثالثها: أنَّ حديثَ(٢) معاذٍ دلَّ
(١) لم ترد في ل.
(٢) حديث معاذ: ((كيف تقضي .... )) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أحمد وأبو داود
والترمذي وابن عدي والطبراني والبيهقي من حديث الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب
معاذ. قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بمتصل (التلخيص الحبير رقم
٢٠٧٦). وقال النابلسي: أخرجه أبو داود في القضايا عن حفص بن عمر والترمذي في
الأحكام عن هنّاد (ذخائر المواريث رقم (٦٢٩٨) عن أدب القاضي هامش الفقرة (١٤)
(١٢٩/١). وأورده الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٨٨/١) وما بعدها، وقال: فإن اعترض
المخالف بأن قال: لا يصح هذا الخبر، لأنه لا يروى إلا عن أناس من أهل حمص لم يسمّوا،
فهم مجاهيل - فالجواب: أن قول الحارث بن عمرو: ((عن أناس من أصحاب معاذ» - يدل
على شهرة الحديث، وكثرة رواته. وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه
الدين والتفقه والزهد والصلاح. وقد قيل: إن عبادة بن نسيِّ رواه عن عبد الرحمن بن غنيم
عن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة. على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا
به: فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صل1 -: ((لا وصية
لوارث)) وقوله في البحر (١٩٠): ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) وقوله: ((إذا اختلف المتبايعان
في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادًا البيع))، وقوله: ((الدية على العاقلة))، وإن كانت هذه
الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم
عن طلب الإِسناد لها: فكذلك حديث معاذ وقد استطرد الخطيب في الدفاع عن صحة
الحديث وقوته، كما استشهد به وقواه ودافع عن صحته بمثل ما فعل الخطيب - ابن القيم،
فراجع إعلام الموقعين (٢٠٢/١) وما بعدها.
والحديث من الشهرة بحيث يكاد لا يخلو كتاب أصولي أو قضائي عن الاستشهاد به .
وقد تكلم ابن حزم كثيراً في الحديث لجهالة رواته، وذلك في كتابه الأصولي ((النبذ)) فرد عليه
محققه الشيخ زاهد الكوثري في ص (٤١) من هامشه فراجعه. كما أثار ذلك في كتابه الإِحكام =
- ٩٩ -

على (٥) أنّه لا يجوزُ الاجتهادُ إِلَّ بعدَ ذلكَ الحكمِ في الكتاب والسنَّةِ؛ وذلكَ
يمنعُ من تخصيصِ النِصِّ بالقياسِ .
ورابعُها: أنَّ الأَمَّةَّ مجمعةٌ (١): على أنَّ من شرطِ القياس - أنْ لا يردّهُ النص
وإذا كانَ العمومُ مخالفاً(*) [له(٢)]: فقد ردَّهُ.
= (١٣٢/٥) وقد بنى المستشرق (جولد تسيهر) على كلام ابن حزم في الحديث كثيراً من
الاستنتاجات الباطلة. فانظر: ((نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي)) وراجع ص (٥٧)،:
((العقيدة والشريعة)) ص(٤٨) وما بعدها و(٥٥) وما بعدها للمستشرق المذكور.
وقد نقل الأخ الصديق الشيخ محمد الصبّاغ كلام الشيخ ناصر الألبانيّ في الحديث
- الذي نقله الشيخ الألبانيّ عن البخاريّ وفيه: ((إنه حديث منكر)) فانظر حاشية كتابه ((الحديث
النبويّ مصطلحہ ۔ بلاغته - کتبه)) ص(٢٦)، وقد رجعت إلى التاريخ الكبير للبخاري فوجدته
يقول: ((الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفيّ عن أصحاب معاذ عن معاذ،
روى عنه أبو عون ولا يصح ولا يعرف إلا بهذا، مرسل)) فانظر (القسم الثاني (٢٧٥/١).
الترجمة (٢٤٤٩) وتأمله .
كما نقل - حفظه الله - ما قاله السبكيّ في الطبقات نقلًا عن الذهبيّ وفيه: ((وأنّى له:
الصحة، ومداره على الحارث بن عمرو- وهو مجهول عن رجال من أهل حمص لا يُدری من
هم عن معاذ»؟ والذي قاله الحافظ في الميزان - في الحديث -: «قلت: تفرد به أبو عون
محمد بن عبيد الله الثقفيّ عن الحارث بن عمرو الثقفيّ - ابن أخي المغيرة، وما روى عن:
الحارث غير أبي عون: فهو مجهول)». فانظر الميزان (٤٣٩/١) الترجمة (١٦٣٥) وانظر:
طبقات ابن السبكي (١٨٧/٥).
قلت: وقد تكلم الحافظ ابن حجر في الحديث وراويه، ونقل معظم ما قيل فيه. فانظر
تهذيب التهذيب: (١٥٢/٢).
وأما أبو عون - الذي روى عن الحارث هذا الحديث - فهو ثقة وثّقهُ ابن معين وأبو زرعة
والنسائي وابن حبّان وابن سعد. وأخرج ه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
فانظر المرجع نفسه: (٣٢٢/٩).
(*) آخر الورقة ٥٢ من ص.
(١) لفظ آ: «مجتمعة)).
(*) آخر الورقة (١٥٥) من ل.
(٢) لم ترد الزيادة في ص:
- ١٠٠ -