Indexed OCR Text
Pages 181-200
النظر الثاني في البحث عن الواضيع كونُ اللّفظِ مفيدًا للمعنى: إمّا أنْ يكونَ لذاتِهِ، أو بالوضعِ (١) : سواء كان الوضعُ (٢) من الله - تعالى - أو [ من(٣) ] الناس ، أو بعضه من الله - تعالى - وبعضه من الناس . فهذه احتمالات أربعة (٤): الأوّل: مذهبُ عبَّادِ (٥) بنِ سليمانِ الصَّيْمُريّ(٦). والثانى: وهو القولُ بالتوقيف: (٧) مذهبُ الأشعريّ وابنٍ فُوْرَكَ (٨). (١) الوضع في اللّغةِ: جعلُ اللّفِظِ بإزاء المعنى. وفي الاصطلاح: تخصيصُ شيءٍ بشيءٍ متَى أطلق، أو أحسَّ الشيءُ الأوَّلُ فُهِمَ منهُ الشيءُ الثاني. والمُرادُ بالإطلاق: استعمالُ اللّفظِ وإرادةُ المعنى. والإحساس: استعمال اللّفظ أعُّ من أن يكون فيه إرادةُ المعنى، أولا. راجع: تعريفات الجرجاني (١٧١). (٢) كذا في ي، آ، ح، وفي ل: ((الواضع))، وعبارة ن، ص: (( الواضع هو)). (٣) في آ زیادة: (( من )). (٤) لفظ ح: ((أربع)). (٥) هو من الطبقةِ السابعةِ من المعتزلة، كانَ من أصحاب هشام بن عمرو الفوطِيِّ رُبَّما تَكونُ وفَاتُه في حدود سنة (٢٥٠)هـ يقولُ أبو الحسين المُلْطِيُّ عنه: ((ملأ الأرضَ كتبًا وخلافًا وخرج عن حدّ الاعتزال إلى الكفرِ والزندقةِ)). راجع: ((التنبيه والردَّ)) ص (٤٤) (( والتبصيرَ في الدّين)): ص (٤٧)، وهامشه للشيخ الكوثري ، ونفائس القرافي (٩٧/١ - ب). (٦) في ل، آ: ((الصميري))، وهو تصحيف . (٧) في غير ص زيادة: ((وهو ))، ورفعها الأنسب. (٨) هو: محمد بن الحسن بن فُوْرَك بضم الفاء، وفتح الراء، وكنيته: أبوبكر، كان من أصحاب أبي الحسن الباهلي، مات مسمومًا سنة (٤٠٦). راجع: طبقات ابن السبكي (٥٢/٣)، وتبيين كذب المفتري (٢٣٢)، والوفيات (٦٨٧/١)، وطبقات الإسنوي (٢٦٦/٢)، وطبقات الأصوليين (٢٢٦/١)، والشذرات (١٨١/٣)، والوافي (٣٤٤/٢). - ١٨١ - والثالث: وهو القولُ بالاصطلاح: (١) مذهبُ أبي (٢) هاشم وأتباعِهِ. والرابعُ: (٣) هوَ القولُ بأنَّ بعضَهُ توقيفيُّ، وبعضُهُ اصطلاحيٌّ، وفيه (٤) قولان: (٥). منهم من قالَ: ابتداءُ اللّغاتِ يقعُ (٦) بالاصطلاحِ ، والباقي (٢) لا يمتنعُ(٨) أنْ يحصلَ. بالتوقيف . ومنهم من عَكَسَ الأَمَرَ ، وقالَ : القَدْرُ الضروريُّ الذي يقعُ بِهِ الاصطلاحُ توقيفيٌّ (٩) ، والباقي اصطلاحيٌّ - وهو قول الأستاذِ أبي إسحاق(١٠). وأمّا جمهورُ المحقّقين، فقد اعترفُوا بجوازٍ هذهِ الأقسامِ، وتوقُّوْا عن الجَزْمِ (١١). (١) في غير ص زيادة: ((وهو)). (٢) هو: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أُبَانَ - مولي عثمانَ بن عفَّان - رضي الله عنه، وكنيته : أبو هاشم ، ويقال له: الجُبّاني: نسبة على غير قياس إلى جُبّى - خوزستان، وهو وأبوه: - أبو علي ، من أكابر المعتزلة. توفي في بغداد سنة (٣٢١) هـراجع: العبر (١٨٧/٢) ومرآة الجنان (٢٨٣/٢)، وطبقات الأصوليين (١٧٢/١). وأما أتباعه فهم ((البهشمية)»: فرقة من فرق المعتزلة نسبت إليه .. فراجع الاعتقادات ص (٤٤)، والتبصير ص (٥٣)، وطبقات المعتزلة - الطبعة التاسعة - ص (١٠٠) . (٣) في غير آ زيادة: (( و)). أ (٤) كذا في ح ، وفي غيرها أبدلت الواو (( فاء)). (٥) في ح زيادة: (( ف). (٦) لفظ ي: (وقع)». (٨) لفظ ي : (( يمنع)). (٧) في ن: ((والثاني )). (٩) في ص: ((توقيف)). (١٠) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الأسفرابيتي، نسبة إلى إسفرايين أو أسفرائين. بلدة بخراسان، متكلّم واصولّ وفقيه - من أعلام الشافعية - توفي سنة (٤١٨) هـ. انظر: الوفيات (٥/١)، والبداية (٢٤/١٢)، وطبقات ابن السبكي (١١١/٣)، وطبقات النووي (٣٨) مخطوطة دار الكتب المصرية، وتبيين كذب المفتري (٢٤٣)، والشذرات (٢٠٩/٣)، وطبقات الشيرازي (١٠٦)، وانظر شيئًا من فتاواه في طبقات العبادي (١٠٤)، وابن هداية (١٣٥) ط بيروت. (١١) أي: بأي من الأقوال المذكورة واختاروا ((التوقف)) عن القول بأي منها، لأن جميع ذلك ممكن ، والأدلة متعارضة عدا قول عباد فإنهم جزموا ببطلانه. انظر: الكاشف (١ /٥٣ - أ)، وقال الإِسنوي: وهذا مذهب. القاضي والإمام، وأتباعه ، ومنهم المصنف - أي: البيضاوي. فراجع: نهاية السول (٢٣/٢)، والأحكام (٣٩/١). كما اختاره صاحب الجمع وشارحه حيث قال: ((والمختار الوقف عن القطع بواحد منها، لأن أدلتها لا تفيد القطع. وأن التوقيف الذي هو أولها مظنون لظهور دليله)) فراجع: جمع الجوامع (١ /٢٧١)، وانظر = - ١٨٢ - والّذي يدلُّ على فسادٍ قولٍ عَبَّاد بن سليمانَ: أنَّ دلالةَ الألفاظِ لو كانتْ ذاتيَّة لَمَا اختلفتْ(١) باختلاف * النواحي [ والأممِ(٢)]، ولاهتَدى كلُّ إنسانٍ إلى كُلِّ لغةٍ ، وبطلانُ الَّلازِم يدلُّ على بطلانِ المَلزومِ . واحتجَّ عَبَّادٌ بأنَّهُ: لَوْ لَمْ يكنْ بِينَ الأسماءِ(٣) والمُسَمَّيَاتِ مناسبةٌ بوجهٍ مَّا ، لكانَ تخصيصُ الاسمِ المعَيِّنِ * بالمُسَمَّى (٤) المُعَيَّن ترجيحًا لأحدٍ طرفي الجائزِ على الآخرِ من غير مرجِّج ، وهو محالّ . وإن حصلتْ بينهُما مناسبةٌ، فذلكَ هُوَ المطلوبُ . و (٥) الجوابُ : إِنْ كانَ الواضعُ هَوَ الله - تعالى - : كانَ تخصيصُ الاسمِ المعَيَّنِ بالمُسَمّى المعَينِ - : كتخصيص وجودِ العالمِ بوقتٍ مقدَّرٍ دونَ ما قبلَهُ أو (٦) ما بعدَهُ. وإن كانَ الناسَ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ السببُ خطورَ ذلكَ اللَّفِظِ - في ذلكَ الوقتِ - بالبالِ دونَ غيرِهِ ؛ كما قلنا في تخصيصٍ كُلٌّ شخصٍ بعلمٍ خاصّ ، من غيرٍ أنْ يكونَ بينهما مناسبة . وأمَّا الَّذي يدلُّ على إمكانِ الأقسامِ الثلاثةِ فهو: أنَّ [ الله (٧)] - تعالى - قادرٌ على أنْ يَخْلُقَ فيهم علمًا ضروريًّا بالألفاظِ (٨) والمعاني، وبأن واضعًا وَضَعَ تلكَ الألفاظَ لتلكَ المعاني . وعلى هذا التقدير - : تكون اللّغاتُ توقيفيّة . = الخصائص (٤٧/١)، تجد فيه ابن جني مائلا كذلك للتوقف . (١) لفظ ي: ((اختلف )). (٥) آخر الورقة (٢٦) من : ن . (٣) لفظ آ: ((الاسم)). (٢) سقطت من ي . (٢) آخر الورقة (١٢) من : ي . (٤) في ي: ((للمسمى )). (٥) في ص: ( فـ)). (٧) رفعت لفظة الجلالة من ي . (٦) لفظ آ: (( و)). (٨) عبارة آ: ((بالألفاظ والمعاني علمًا ضروريًا)). - ١٨٣ - وأيضًا: فيصحُّ من الواحد منهم أنْ يضعَ لفظًا لمعنى، ثمَّ إِنَّهُ يُعرِّفُ الغَيْرَ(١) ذلك الوضعَ (٢) بالإِيماءِ والإشارةِ، ويساعدُهُ الآخرُ عليهِ، ولهذا(٣) قيل: لو جُمِعَ جَمْعٌ من الأطفالِ في دارٍ بحيثُ لا يسمعونَ شيئًا من اللّغَاتِ، فإذا بلغوا الكِبرَ (٤) لابدَّ أن (٥) يُحْدِثُوْا (٦) فيما بينهم لغة يخاطبُ بِهَا بعضُهم بعضًا ، وبهذا الطريقِ (٧) يتعلَّم (٨) الطفلُ اللّغة من أبويِهِ، وَيُعَرِّفُ الأخرسُ غيرَهُ ما في ضميرهِ . فثبتّ إمكانُ كونِهَا اصطلاحيَّة . وإذا ثبتَ جوازُ القسمين : ثبتَ جواز [ القسم(٩)] الثالث - وهوَ: أنْ يكونَ البعضُ توقيفيًّا(١٠)، والبعضُ اصطلاحيًّا . ولما كُنَّا (١١) لا نجزمُ بأحدٍ هذهِ الثلاثةِ ، فذلكَ يكفي فيهِ الطعنُ في طرِقٍ القاطِعِينَ . احتجَّ(١٢) القائلونَ بالتوقيف (١٣) بالمنقول ، والمعقولِ . أُمَّا المنقولُ - فمن ثلاثةِ أوجهٍ: (١) عبارة ص: ((ذلك الغير)). . (٢) في آ: (اللفظ )). (٤) لفظ ي: (( فلا)). (٣) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((وعن هذا)). (٥) في غيري: ((وأن))، وحذف الواو هو الصحيح لغة . (٦) كذا في ح وفي ي، ل، ص، ن: ((يحدث))، وفي أ كما في ح ولكنّه حذف ((فيما)). (٧) في آ: (( النظر)). (٩) لم ترد في غير ص . (٨) في ص زيادة: ((الولد » . (١٠) نفظ آ، ص: (( توقيفاً)). (١٢)في ح زيادة : (( و)). (١١) كذا في ص، ولعله الأنسب، وعبارة غيرها: ((وأما أنا )). (١٣) أي: الإمام الأشعريُّ، ومن تابعه، وأهل الظاهر وهو اختيار الآمديِّ وابن الحاجب، والإمام في المحصول - في الكلام على القياس في اللّغات فانظر: (ج ٥ / ص ٣٣٩ وما بعدها) من هذا الكتاب ، وراجع: نهاية السول (٢٣/٢)، وقال الآمديُّ: والجقُّ أَنْ يقالَ: إن كان المطلوب في هذه المسألة يقينَ الوقوع لبعض هذه المذاهب : فالحقُّ ما قاله القاضي أبو بكر ، إذ لا يقينَ في شيء منها ... وإنْ كانَ المقصودُ إِنَّما هو : الظن - وهو الحق ، فالحق ما صار إليه الأشعريُّ لما قيل من النصوص لظهورها في المطلوب. فراجع الأحكام (٣٩/١) . - ١٨٤ - أحدُهَا: قولُه(١) تَعَالَى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلُّهَا﴾(٢)، دلَّ [ هذا (٣)] على أنَّ الأسماءَ توقيفيَّةٌ. وإذا ثبتَ » ذلكَ في الأسماءِ ثبتَ [ أيضًا ](٤) في الأفعال والحروف(٥) - من ثلاثة أوجه » . الأول : أنَّه لا قائلَ بالفرقِ . والثاني: [ أن (٦) ] التكلّمَ بالأسماءِ - وحدها - مُتَعَذِّرٌ، فلابدّ - مع تعليم الأسماءِ - من تعليمِ الأفعالِ والحروفِ . والثالث : أنَّ الاسمَ إنَّما سُمِّيَ (٧) اسمًا: لكونِهِ عَلامة عَلَى مُسَمَّاهُ، والأفعال والحروف كذلكَ ، فهي أسماء أيضًا (٨). وأما تخصيصُ لفظ الاسمِ ببعض الأقسامِ - فهذا عرفُ أهلِ اللّغَةِ والنحو . وثانيَها (٩): أنَّ الله - تعالى - ذَمَّ أقوامًا على تسميتهم (١٠) بعضَ الأشياءِ من غير توقيفٍ، بقولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِي إِلَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللهُ (١) لفظ ح ((قول الله)). (٢) الآية (٣١) من سورة (البقرة)). ووجه الدلالة فيها: أن الآية دلت على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى لهم ونسبة هذا التعليم لله تعالى جاءت في صدر الآية ﴿وَعَلَّمَ عَدَمَ﴾ وجاءت على لسان الملائكة ﴿سُبَّحْنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ الآيه (٣٢) من سورة البقرة . راجع : تفسير الإمام المصنف (١ /٢٦٣). ط. الخيرية. .... (٣) لم ترد في : ح . (٥) آخر الورقة (١٩) من : ل . (٤) لم ترد في : آ . (٥) في آ زيادة: ((أيضًا)). (*) آخر الورقة (١٨) من آ . (٦) لم ترد في ي . (٧) لفظ آ: (( يسمى)). (٨) كذا في: ص، وفي النسخ الأخرى: ((أيضًا أسماء)). (٩) لفظ ي: ((والثاني ». (١٠) في ص : ((تسمية). - ١٨٥ - بِهَامِن سُلْطَنٍ﴾ (١)، فَلَوْ(٢) لَمْ يكنْ مَا جُعِلَ (٣) دَالاً على غيرِها (٤) من الأسماءِ توقيفيًّا(٥) - لما صحَّ [هذا(٦)] الذُّ. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السَّمَوْتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ الْسِنَتِكُمْ وَالْوَّنِكُمْ (٧)﴾: ولا يجوزٌ أنْ يكونَ المرادُ منهُ اختلافَ تأليفاتِ الأَلْسِنَّةِ وتركيباتِها (٨)؛. لأَنَّ ذلكَ = في غير الألسُنِ أبلغُ وأجملُ (٩)، فلا يكونُ (١٠) تخصيصُ الأَلْسُنِ بالذكرِ [ مرادًا(١١) ] - : فبقيَ أنْ يكونَ المرادُ اختلافَ اللّغَاتِ. وأمَّا المعقولُ - فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أحدهما : أنَّ الاصطلاحَ إِنَّمَا يكونُ بِأَنْ يُعَرِّف كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ صاحبَه ما في ضميرِهِ ، وذلكَ لا يُعْرَفُ إلا بطريقٍ: كالألفاظِ والكتابةِ . وكيفَمَا كانَ - فإنَّ ذلكَ الطريقَ لا يفيدُ لذاتِهِ ، فَهُوَ: إِمَّا بالاصطلاح ، فيكونُ الكلامُ فيهِ كما في الأوَّلِ ، ويلزمُ التسلسلُ(١٢). أو بالتوقيفِ. وهو المطلوبُ. (١) الآية (٢٣) من سورة ((النجم). ومن الأمور التى استنبطها الإمام المصنف من الآية: أنّ وضع اسم لمعنى لا يجوز إلا بدليل نقليّ، أو عقليّ بأن يقع خاليًا عن وجوه المضار الراجحة. فراجع: التفسير (٥١٨/٧ -٥١٩) (٥) في ص، آ: ((توقيفا)). (٣) لفظ ح: (( ما أطلق)) .. (٤) في آ ((غيره)) وهو تصحيف، لأن المراد: غير الأصنام التي سَمّوها . (٥) في ص ، آ ( توقيفا)). (٦) لم ترد في : ل ، ن . ١ (٧) الآية (٢٢) من سورة (الروم)). وقد صحّح الإِمام المصنّف في تفسيره أن المراد: اختلاف الأصوات أو مخارج الحروف ، لا اللغات. فراجع: تفسيره (٦ / ٤٧٦). ط الخيرية. (٨) كذا في: ح، وفي النسخ الأخرى: (( تركيبها )). (*) آخر الورقة (٢٧) من : ن . (٩) كذا في: ح، ص، ل، وفي آ، ي، ن: ((وأكمل)). (١٠) كذا في: ح، وفي النسخ الأخرى: «يفيد )). (١١) لم ترد في غير: ح . (١٢) قال الإِسنويُّ: إنّها لو كانت اصطلاحيّة، لاحتاج الواضع في تعليمها لغيره إلى اصطلاح آخر بينهما ، ثم = - ١٨٦ - وثانيهما(١): أنَّها لو كانتْ بالمُوَاضَعَةِ - لارتفع الأمانُ عن الشرع؛ لأنَّها (٢) لعلَّها على خلافٍ ما اعتقدنَاهَا؛ لأَنَّ اللّغاتِ قد تَبدَّلَتْ . فإن قلت : لَوْ وَقَعَ ذلكَ - لاشْتَهَرَ . قلت : هذا مبنيٌّ عَلَى أَنَّ الواقعةَ العظيمةَ يجبُ اشتهارُهَا ، وذلك يَنْتَقِضُ (٣) بسائرِ معجزاتِ الرَّسُوْلِ ، وبأمرِ الإِقامةِ: أنَّها فُرَادَى أوْ (٤) مُتَنَّة . أما القائلونَ بالاصطلاحِ - فقد تمسَّكُوْا بالنصرِّ ، والمعقولِ . أَمَّا النصُّ - فقوله تَعَالَى: ﴿ وَمَآ أُرْسَلْنَا مِن رَّسُوْلٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾(٥) فهذا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ(٦) اللّغَةِ(٧) على بِعْتَةِ الرَسُولِ (٨)، فلو كانتْ اللّغَةُ توقيفيَّة - والتوقيفُ لا يحصَلُ إلَّ بالبعثَةِ: لزم الدورُ، وهو محال .. # = إن ذلك الطريقَ أيضًا لا يفيدُ بذاته، فلابدَّ من اصطلاح آخر ويلزم التسلسل - هكذا قرّر لزوم التسلسل - ثم قال : واعلم أن هذا التقرير هو الصواب، وهو كما أتى به المصنف - يعني البيضاوي -، ومن الشارحين من يقرره بتقرير ذكره في المحصول على وجه آخر فنقلوه إلى هنا، فاجتنبه. ا.هـ. انظر: شرحه على المنهاج (٢ /٢٤) ط السلفية. وأنت ترى أنه ليس في كلام المصنف ما يقتضي الاجتناب ، وراجع: تقرير ابن السبكي للزوم التسلسل في شرحه على المنهاج (١ /١٢٥) . (١) لفظ ح: ((وثانيها)). (٢) في ص ، ح: ( فإنها )). (٣) كذا في ل، ي، آ، وفي ص: ((منتقض))، ولفظ ن، ح: ((منقوض)). (٤) عبارة ي: ((مثناة أو فرادي)»، ولفظ آ: ((مثنى)). وهو إشارة إلى الاختلاف في الإقامة، هل هي مساوية لألفاظ الأذَان كما هو مذهب الحنفية ، أو نصفها كما هو مذهب الشافعية ؟. (٥) الآية (٤) من سورة ((إبراهيم)). وراجع: تفسير المصنف (٢١٥/٥). ط. الخيرية . (٦) لفظ ي، آ: (( تقديم )). (٧) في آ: ((الوضع)). (٨) لفظ آ: ((الرسل)). - ١٨٧ - وأما المعقولُ - فَهُوَ: أَنَّهَا لَوْ كانتْ تَوْقِيْفِيَّة - لكانَ إِمَّا أَنْ يقالَ: إِنَّهُ - تعالى - يَخْلُقُ (١) العلمَ الضروريَّ بأنَّه تَعَالَى وَضَعَهَا لتلكَ المعاني ، أَوْ لا يكونُ كذلكَ . والأُوَّل: لا يَخْلُو إِمَّا أَنَ يقالَ: [ إنَّهُ تَعَالَى(٢) ] يَخْلُقُ(٣) ذلكَ العَلَمَ في عاقلٍ ، أو في غيرِ عاقِلٍ . وباطل أنْ يَخْلُقُـ ل ـهُ(٤) ] - تعالى - في عاقلٍ؛ لأنَّ العلمَ بأنَّه تَعَالَى وَضَعَ تلكَّ اللَّفْظَةَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ بِهِ تَعَالَى؛ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ العِلمُ ضروريًّا - [ لـ (٥) ]ِكَانَ العلمُ بِهِ تَعَالَى ضَرُورِيًّا؛ لأنَّ العلمَ بِصِفَةِ الشيءٍ - مَتَّى كَانَ ضَرُوْرِيًّا: كانَ العلمُ بِذَاتِهِ أولَى أنْ يكونَ ضروريًّا؛ ولَوْ كانَ العلمُ بِهِ تَعَالَى ضروريًّا: [لَـ(٦)] بطَلَ التكليفُ؛ لكنَّ ذلكَ باطل؛ لِمَا ثبتَ: أَنَّ كُلَّ عاقل فَإِنَّهُ يَجِبُ أنْ يكونَ مُكَلَّفًا . وباطل أنْ يَخْلُقَهُ فِْ الْعَاقِلِ؛ لأَنَّهُ مِنَ الْبَعِيدِ أنْ يَصِيرَ الإِنسانُ غَيْرُ (٧) العاقِلِ عالمًا بِهذهِ اللّغَاتِ العجيبةِ، والتركيباتِ النادرةِ اللَّطِيْفَةِ. وأمَّا الثاني - وهوَ: أَنْ لا يَخْلُقَ الله - تَعَالَى - العلمَ الضروريَّ بوضع تلكَ الألفاظِ لِتِلْكَ المَعَانِي - فَحِينَئِذٍ: لا يَعْلَمُ سَامِعُهَا كَوْنَهَا مَوْضُوعَةً لتلكَ المعاني إلّا بطريقٍ آخرَ . والكلامُ فيهِ (٨) كالكلامِ في الأوّل - فيلزمُ: إِمَّا التسلسلُ، وإمّا الإنتهاءُ(٩) إلى الاصطلاح . ۔۔ (١) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((خلق)). (٢) رفعت من ي ، آ ، ص . (٣) كذا في ح، وفيما عداها: (( خلق)). (٤) لم ترد في ي . (٥) سقطت من ن . وإثبات اللام في جواب لولا هو المناسب. (٦) سقطت من آ. (٧) لفظ ح: ((الغير)). (٨) في ن ، ف، ص ، ح: (( فيها)). (٩) عبارة ي: ((إما الانتهاء إلى الاصطلاح وإما التسلسل)). - ١٨٨ - هذَا مُلَخَّص (١) ما عَوَّ عَليهِ ابْنُ مَتُّوْيَه (٢) في ((التذكرةِ)). واحتجَّ الأستاذُ أبو إسحاقَ على قوله: بأنَّ الاصطلاحَ لا يصحُّ إلَّا بأنْ يُعرِّفَ كُلُّ واحد منهُمْ صَاحِبَهُ مَا فِي ضَمِيرٍهٍ فَإنْ عَرَّفَهُ بأمرٍ آخَر [ اصطلاحيٌّ (٣)]: لَزِمَ التَسَلْسُلُ . فثبت : أنّه لابدَّ في أوّل الأمرِ منَ التوقيفِ (٤) . ثُمَّ بَعْدَ ذَلكَ ، لا يمتنعُ أنْ تَحْدُثَ لغاتٌ كثيرةٌ بسببِ الاصطلاحِ ، بل ذلكَ معلومٌ (٥) بالضرورةِ، ألا تَرَى أنَّ الناسَ يُحْدِثُوْنَ في كلِّ زمانٍ ألفاظًا ما كانوا يَسْتَعْمِلُوْنَهَا(٦) قبلَ ذلكَ !؟. فَهَذا مجموعُ أِلَّةِ الجَازِمِيْن . # والجوابُ « عن التمسّكِ بقوله تَعَالَى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٧) أن نقولَ: لِمَ لاَ يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ من التعليمِ (٨): أَنَّه تعالى أَلهَمُهُ الاحتياجَ إلى هذهِ الألفاظِ، وأعطاهُ [ من العلوم (٩) ] ما لأجلِهَا قَدَرَ على هذا الوضع. (١) لفظ آ: ((تلخيص)). (٢) هو : إبراهيم بن محمد بن الحسن بن أبي الحسن ابن متّوْيَة، المكتَّى بأبي إسحاق. توفي سنة (٣٠٢ هـ). راجع أخبار أصبهان (١٨٩/١)، والعبر (١٢٢/٢)، ومرآة الجنان (٢ /٢٤٠)، والمشتبه (٥٦٩/٢)، وتبصير المنتبه (١٣٤٢/٤). (٣) سقطت من ي . : (٤) لفظ ل، ن، ح: ((التوقف))، وهو تصحيف .. (٥) في ي: (( ملعوم)). (٦) لفظ ي: ((يعلمونها))، وفي آ: (( يتكلمون بها)). (٥) آخر الورقة (٢٠) من ل . (٧) الآية (٣١) من سورة (البقرة)). (٨) لفظ ي: (( العلوم)). (٩) هذه الزيادة من ل ، ص . - ١٨٩ - ٢ وليسَ لأحدٍ أنْ يقولَ: التعليمُ إيجادُ العلمِ . بل التعليمُ : فعلٌ صالحٌ لأن يَتَرّبَ عليهِ حصولُ العلم . ولذلكَ يقالُ: عَلَّمْتُهُ » فلم يَتَعَلَّمْ ؛ ولو كان التعليم : إيجادَ العلمِ - لما صَحَّ ذلك سَلَّمنا أنَّ التعليمَ : إيجادُ العلمِ، ولكنَّ العلمَ الَّذِيْ يَكْتَسِبُهُ العبدُ مخلوقٌ لله (١). - تعالى - فالعلمُ الَّذِيْ يحصلُ بعدَ الاصطلاحِ يكونُ من خلقِ الله تعالى . فقوله تعالى : ﴿وَعَلَّمَ (٢)﴾ لا يُنَافِي [ كَوْنَهُ بـ(٣) ]-الاصطلاح .. سَلَّمِنَا ذلكَ؛ فَلِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ مِنَ ((الأسماءِ)) العلامَاتُ والصفاتُ؟ مثل أنْ يقالَ: إِنَّه تعالى عَلَّم آدمَ - عليهِ السلامُ -: أنَّ الخيل تصلحُ للكرِّ والفرِ، والجمالَ للحملِ، والثيرانَ للزرعِ(٤)؛ وذلكَ لأَنَّ ((الاسمَ)) مشتق من ((السِمَةِ(٥)) أو من (( السُّمِ)) (٦) )، وعلَى التَّقْدِيَيْنِ(٧): فكلُّ مَا يُعَرِّفُ [ عن (٨)] مَاهِيَّةِ [ شيء (٩) ] وَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ (١٠): كانَ اسمًا [ له (١١)]. وأما تخصيصُ لفظِ (( الاسم)) بِهَذِهِ الألفاظِ - فهذا عرفٌ حادثٌ .. سَلّمنا أنَّ المرادَ من ((الأسماء)) الألفاظُ؛ فَلِمَ لَا يجوزُ أنْ يقالَ: إنّها كانتْ موضوعة بالاصطلاح من خلقٍ خَلَقَهُ الله - تعالى - قبلَ آدَمَ - عليه السلام - فعلَّمه الله مَا تواضعَ عليهِ غيرُه !؟. (٥) آخر الورقة (٩) من ص . (١) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((الله)). (٢) من الآية (٣١) من سورة (البقرة)). (٤) لفظ ي، آ: ((للزراعة). (٥) آخر الورقة (١٩) من آ. (٣) سقطت من ح . (٥) أي : كما يقول الكوفيّون . (٦) أي: كما يقول البصريون. وانظر: المغني (٧/١)، والإنصاف (٤/١ - ١٠). (+) آخر الورقة (١٣) من ي . (٧) عبارة ي: ((وعلى كل تقدير))، وعبارة آ: ((وعلى تقدير ذلك)). (٩) لم ترد في غير ح . (٨) لم ترد في غيري . (١٠) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((حقيقة)). (١١) هذه الزيادة من ص . -١٩٠ - وعن الثاني : أنَّهم إنَّما استحقُوا الذَمّ لإطلاقِهِمْ لفظَ (١) الإِلِهِ على الصنِ (٢)، مع اعتقادِ تحقَّق مُسَمّى الإِلَهِيَّةِ فِيهَا . وعن الثالث : [ أن (٣) ] ((اللِّسانَ)) اسم للجارحةِ المَخْصُوصَةِ(٤) »، وهيَ غيرُ مرادةٍ بالإجماع - فلابدَّ من المجازِ، فَلَيْسُوا بصرفِهِ إلى اللّغاتِ أولى مِنَّا بصرفِهِ(٥) إلى القدرةِ عَلَى اللّغَاتِ [ أو إلى مَخَارِجِ اللّغاتِ (٦)]. وعن الرابع : أَنَّه باطلٌ بِتَعَلّم (٧) الولِدِ اللّغَةَ من والدَيْهِ ، فإنَّ ذلكَ ليسَ مسبوقًا. بالتَّوْقِيفِ. سَلَّمْنَا أَنَّه لابدَّ - قَبَّلَ الاصطلاح - من لغةٍ أَخَرِى لِيَصْطَلِحُوا بِهَا عَلَى تِلْكَ الَّغَةِ الثَّانِيةِ - فَلِمَ لا يَجُوزُ أَنْ (٨) تكونَ هَذِهِ اللّغَاتِ الَّتي نتكلّمُ بها - الآن - تَوْقِيفِيَّة(٩) ؟ لاحتمال أنْ يقالَ: كَانَ قبلَ هذِه اللغّات لغة [أخرى(١٠)] وأنَّها كانتْ توقيفيّة ، ثم إنَّ الناسَ - بتلكَ اللّغَةِ - اصطلحُوا على [ وضع(١١)] هذِهِ اللّغَاتِ . فإنْ قلتَ: إذَا كانَ لَابُدَّ مِنَ الاعترافِ بلغةٍ توقيفيَّة - فلنعترفْ بكونِ هَذِهِ اللّغاتِ تَوْقِيفِيَّة، ولنسقط من البين [ تلكَ(١٢)] الواسطة المجهولةَ. (١) فيما عدا، ي: (( لفظة)). (٢) كان الأنسب التعبير ((بالأصنام)). (٣) سقطت من ل . (٤) لفظ ل: ((الخصوصية))، وهو تصحيف . (٥) آخر الورقة (٢٠) من ح . (٥) كذا في ص ، وفي غيرها: ((بأن نصرفه)). (٦) ساقط من ي ، وهذا هو الذي صححه في التفسير كما تقدم . (٨) في ل، ن زيادة: (( لا)). (٧) في ل ، ن: (( بتعليم ))، وهو تصحيف . (٩) لفظ ص : ((اصطلاحية))، وهو وهم من الناسخ ، يدل عليه ما بعده . (١٠) لم ترد في ي . (١١) لم ترد في ي . (١٢) لم ترد في ن ، ل، ح . - ١٩١ - قلتُ: كلامُنَا في الجزمِ ، وما ذكرتَهُ(١) ليسَ من الجزم في شيءٍ . ٠ ٠ # وعن الخامس : أَنَّه لَوْ وَقَعَ التَغْيِيرُ - فِيْ هِذِهِ اللّغَةِ - لاشْتَهَرَ . وَنَقْضُهُ بمعجزاتِ الرَسُولِ ، وأنَّ الإِقامةَ فُرَادِىَ أَوْ مُثَنّاةٌ (٢) - فسيجيءُ الجوابُ عنهُ في بابِ الأخبار (٣) إن شاء الله تعالى. أمَّا الَّذِي احتجَّ بِهِ القائلونَ بالاصطلاح - فالجوابُ عَمَّا تَمَسَّكُوا به أولا: أنَّ الحجّةَ إِنَّمَا تَتِمُّ(٤) لَوْ لَمْ يحصلْ التوقيفُ إِلَّا ببعْتَهِ الْرُسُلِ(٥)، وذلك ممنوع. وعن الثاني : - أنَّه- تعالى - خَلَقَ فيهم ◌ِلْمًا ضروريًّا: بأنَّ واضعًا وضَعَ هذهِ الألفاظَ بإزاءِ تلك المعاني، وإنْ كانَ لا يخلقُ فيهم العلمَ بأنَّ ذلكَ الواضعَ هو الله تعالى . سلَّمنا أنَّه تعالى يخلقُ فيهم العلمَ بأنَّ ذلكَ الواضعَ هو الله - تعالى - فَلِمَ قلتَ إِنَّهُ باطلٌ !؟. قوله : ((لأَنَّه ينافِي التكليفَ )). قلنا : إنَّه ينافي التكليفَ بمعرفة الله - تعالى - ولا ينافي التكليفَ بسائرِ الأشياءِ. سلَّمنا أنَّه لا يخلقـ [ ـ﴾ (٦) ] في العاقل - فَلِمَ لا يخلُقُهُ في غيرِ العاقِلِ؟. وَلِمَ(٧) لا يجوزُ في المجنونِ أنْ يَعْلَمَ بالعلمِ الضروريِّ بعضَ الأحكامِ (٨) الدقيقةِ!؟. فهذا هو الجوابُ عن وجوه القاطعينَ، وَمَتَى ظَهَرَ ضَعفُها : وجب التوقُّفُ . والله أعلم . (١) لفظ آ: ((ذكرتموه )). (٣) فراجع: (الجزء الخامس ص ٣٠٥) (٢) لفظ ح: ((مثنى)). (٤) في ص زيادة: (( أن )). (٥) لفظ غير آ: ((الرسول)). (٨) لفظ ن، ل، ص: (( الحكم )). (٧) في ن ، ل : ( فلم ). (٦) سقطت من آ ، ي . - ١٩٢ - النظر الثالث في البحث عن الموضوع اعلم أنَّ الإِنسانَ الواحد [ لما خُلِقَ بِحَيْثُ (١)] لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ - وحده - بإصلاح جميع ما يحتاجُ إلَيْهِ ، فلا(٢) بَدَّ مِنْ جمعٍ عظيمٍ لِيُعِينَ بعضُهم بعضًا، حَتّى يَتم لِكُلِّ واحدٍ منهم ما يحتاجُ إِلَيْهِ [ فـ(٣)]احتاجَ كلّ واحدٍ منهم إلَى أَنْ يُعَرِّفَ صاحبَهُ ما في نفسِهِ من الحاجاتِ . وذلكَ التعريفُ لابدَّ فيهِ من طريقٍ (٤)، وكان يُمْكِنُهم أنْ يَضَعُوْا غيرَ الكلامِ مُعَرِّفًا. لما في الضميرِ : كالحركات المخصوصةِ بالأعضاءِ المخصوصةِ - مُعَرِّفاتٍ لأصنافٍ الماهِيَّاتِ؛ إلَّا أَنَّهم وجدوا جعلَ الأصواتِ المُتَقَطِّعَةِ (٥) طريقًا » إلى ذلكَ، أَوَلَى من غيرِها (٦) لوجوه : أحدها : أنَّ إدخالَ الصوتِ في الوجودِ أسهلُ من غيرِهِ ؛ لأَنَّ الصوتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ في كيفيَّة مخصوصةٍ في إخراجِ النَّفَسِ، وذلكَ أمرٌ ضرورىّ، فَصَرْفُ ذلك الأمرِ الضروريِّ إلَى وجهٍ [ يُنْتَفَعُ(٧) ] به انتفاعًا كُلِيًّا، أولَى من تكلُّفِ طَرِيقٍ آخرَ (٨) قد يشقُّ على الإِنسانِ الإِتيانُ بِهِ . (١) لم ترد الزيادة في آ، ي ، ن . (٢) لفظ ل، ص، ح: (( بل لا )). (٣) لم ترد في ص ، ح . (٤) أبدلت في ي: بـ(( و)). (٥) كذا في آ، وفي النسخ الأخرى: ((المقطعة)). (٥) آخر الورقة (٢١) من ل . (٦) كذا في ح ، ولفظ ما عداها: (( غيره)). (٧) سقطت الزيادة من ي . (٨) لفظ ص : ((فقد)). - ١٩٣ - وثانيها : أنَّ الصوتَ كَمَا يدخلُ في الوجودِ - يَنْقَضِي : فيكونُ موجودًا - حالَ الحاجةِ(١)، ومعدومًا(٢) حالَ (٣) الاستغناء عنهُ. وأما سائر الأمور - فإنَّها(٤) قَدْ تَبْقَى وَرُبَّمَا (٥) يقفُ عَلَيْهَا(٦) من لا يُرَادُ وقوفُهُ عليهَا(٧) . وأما الإِشارةُ - فإنَّها قاصرةٌ عن افادةِ الغرضِ ، فإنَّ الشيءَ رُبَّمَا كَانَ بحيثُ لا يمكنُ (٨) الإِشارةُ إليهِ حِسًا : كذاتِ الله - تعالى - وصفاتِهِ. [ و (٩) ] أمَّا المعدوماتُ - فتعذّرُ (١٠) الإشارةِ إليهَا [ ظاهرٌ(١١)]. وأما [الأشياءُ ذواتُ الجهاتِ - فكذلكَ أيضًا؛ لأنَّ (١٢) ] الإِشارةَ إذَا (١٣) (١) أبدلت في ن ب: ((الوجود)). (٢) لفظ ل: ((معلومًا)) وهوا تحريف. (٣) في ص : (( حالة )). (٤) لفظ آ: ((فإنه)). (٥) لفظ ما عدا، ح، ي: ((فربما)). (٦) كذا في ي، ص ، ولفظٍ غيرهما: ((عليه)). (٧) كذا في ي ، وفي ح نحولها: تصحيحا، وفي غيرهما: ((عليه)). (٨) في ن ، ل، ص: (( تمكن )). (٩) سقطت من آ. (١٠) في ي: ((فيعتذر))، وفي: ن، آ: ((فتتعذر)). (١١) لم ترد في: ي ، ن ، J . (١٢) كذا في : ص، ونحوها في: ح وعلى هامشها معارضة بنسخة أخرى استبدلت فيها عبارة: «فكذلك أيضًا))، بعبارة: ((فتعذر الإِشارة إليها أيضًا)). وهي مساوية لعبارة المتن ، وفي ل أثبت ما بين المعقوفتين ثم شطب . وأما في ن ، آ، ي - فقد اسقط ما بين المعقوفتين . قلت : والصحيح اثباته ، لأن قصد المصنف - رحمه الله -: أن الأشياء بالنسبة للإشارة إليها قسمان: قسم تتعذّر الإشارة الحسيّة إليه: كذات البارى وصفاته، وألحق بهذا القسم المعدوماتِ، وقسم لا تتعذّر الإِشارة إليه، ولكنها لا تفيد تحديده، لتعدد جهاته: كالأشياء ذوات اللون والطعم والحركة، فإنه لا يمكن بطريق الإشارة تحديد الجهة المرادة من هذه الجهات الثلاث . (١٣) في ل: ((فإذا)). - ١٩٤ - تَوَجَّهَتْ إِلَى محلٌّ فيهِ لونٌ وطعمٌ « وحركةٌ - لم يكنْ انصرافُهَا إِلَى بعضِهَا أَوَلَى مِنَ البعض . وثالثها: [ أنَّ(١) ] المعانيَ الَّتِي يُحْتَاجُ إلى التعبيرِ عنها كثيرةٌ جدًّا فَلَوْ وَضَعْنَا لِكُلِّ [واحدٍ (٢)] مِنْهَا علامةٌ خاصَّةٌ - لكَثُرَتْ العَلاماتُ: بحيثُ يعسُرْ ضِبطُهَا ، أو (٣) وقوعُ الاشتراكِ في أكثرِ المدلولاتِ. وذلكَ مِمَّا يُخِلُّ بالتفهيمِ (٤). فلهذهِ الأسبابِ وغيرِهَا، اثَّفَقُوا على اتّخاذِ (٥) الأصواتِ المُتَقَطِّعَةِ(٦) مُعَرِّفَاتٍ (٧) للمعاني ، [ لا غير (٨)]. (٥) آخر الورقة (٢٠) من آ . (١) لم ترد هذه الزيادة في ن، ص . (٢) في ص: ((واحدة))، ولم ترد في ح . (٣) أبدلت في ص ؛ (( و )). (٤) كذا في آ ، ي ، ن ، وفي ص : ( بالفهم »، وفي ح ، ل نحوها إلّا أنّها صُحِحت في هامشیهما على نحو ما أثبتنا . (٥) في آ، ن.، ص، ل: ((إيجاد))، وهو تصحيف. (٦) كذا في آ، ولفظ غيرها: ((المقطعة). (٧) في آ، ن: (( معرفًا». (٨) سقطت الزيادة من ي ، آ. - ١٩٥ - النظر الرابع في البحث عن الموضوع له وفيه أبحاث [ أربعة ](١): [ الأول (٢) ]: الأقربُ أَنَّ لا يجبُ أنْ يكونَ لكلٍ معنى (٣) لفظٌ يدلُ عليهِ . بلْ ولا يجوزُ، لأَنَّ المعانيَ الَّتي يمكنُ أنْ يُعْقَلَ (٤) كلُ واحدٍ منهَا غيرُ متناهيةٍ - فلو وجبّ أنْ يكونَ لكلِّ معنى لفظٌ [يدل عليه (٥)] -لكانَ ذلكَ إِمَّا على الانفرادِ ، أو على الاشتراك . والأوَّلُ باطلٌ؛ لأنَّه يُفْضِي إِلَى وجودِ ألفاظٍ غيرِ متناهيةٍ . والثاني باطلٌ (٦) - أيضًا -؛ لأَنَّ تلكَ الألفاظَ » المشتركة إمّا أنْ * يوجدَ فيهَا ما وُضُعَ لمعانٍ (٧) غير متناهيةٍ، أو لا يكونُ (٨) كذلكَ. والأوّلُ باطلٌ؛ لأَنَّ الوضعَ لا يكونُ إِلَّ بعدَ التَّعَقّلِ، وَتَعقّلُ أمورٍ غير متناهية على التفصيل محال في حقنا . وإِذَا كانَ كذلكَ : امتنعَ مِنَّا وقوعُ التخاطُبِ (٩) بمثل ذلكَ اللفظِ . (١) لم ترد الزيادة في ن، ح ، ي . (٢) لم ترد في ن : (٣) عبارة ي: «لفظ معنى))، وهو تحريف. (٤) في ص، ح : ( تعقل )). (٥) هذه الزيادة من آ. (٦) كذا في ي ، وعبارة غيرها: (( أيضًا باطل ». (٥) آخر الورقة (٢١) من ح . (٥) آخر الورقة (٣٠) من ن . (٧) كذا في: ح ، ن، وفي غيرهما: ((لمعاني)). (٨) كذا فيما عدا: آ، وعبارتها (( أو لم يكن كذلك)). (٩) لفظ آ: ((المخاطبة)). - ١٩٧ - والثاني يقتضِيْ أن تكونَ مدلولاتُ (١) الألفاظِ متناهية، لأَنَّ الألفاظَ إِذَا كانتْ متناهية ، ومدلولُ (٢) كلّ واحدٍ [ منها(٣) ] متناهٍ (٤)، فَضَمُّ (٥) المتناهِي إلى المتناهِي مراتٍ متناهية لا يفيدُ (٦) إلا التناهيَ (٧). فكانَ الكُلُّ متناهيًا - : فمجموعُ (٨) ما لا نهايةَ لهُ غيرُ مدلولِ عليهِ بالألفاظِ . إِذَا (٩) ثبتَ هذا الأصلُ - فنقولُ : المعاني علَى قسمينٍ : منها ما تكثُرُ الحاجةُ إلى التعبيرِ عنهُ ، ومنها ما لا يكونُ كذلكَ . فالأوَّلُ -: لا يجوزُ خُلُوُّ اللّغَةِ عنْ وضعِ اللّفِظِ بإزائِهِ (١٠)؛ لأَنَّ الحاجةَ لما كانتْ شديدة - كانت الدواعي إلى التعبيرِ عنها متوفِرة، والصوارفُ عنهَا زائلةٌ. ومع توفّرِ الدواعي [ إلى التعبير عنها (١١)]، [ وارتفاع (١٢)] الصوارف يجبُ الفعلُ. وَأَمَّا الأمورُ الَّتي لا تشتدُّ الحاحةُ إلى التعبيرِ عنهَا، فإنَّه يجوزُ خُلُّ اللّغَةِ عنٍ الألفاظِ الدالَّةِ عليها . البحث الثاني : في أنَّه ليسَ الغرضُ من وضع اللّغاتِ أَنْ تفادَ(١٣) بالألفاظِ المفردةِ معانيها . والدليلُ عليهِ: أنَّ إفادةَ الألفاظِ [ المفردةِ (١٤)] لمسمَّياتِها موقوفة (١٥) على العلم بكونِهَا موضوعة لتلكَ المسمَّياتِ، المتوقّفِ(١٦) على العلم بتلك (١٧) المسميات فلو (١) في ح زيادة: ( هذه ). (٣) سقطت من آ. (٥) كذا في ص ، ل ، وفي غيرهما : (( وضم ). (٧) كذا في ح ، ي، ولفظ غيرهما: ((المتناهي)). (٩) في آ، ي: ( وإذا )) .. (١١)لم ترد في ن ، ل ، ص، ح . (١٣) كذا في ص ، ن ، ل، وفي ح، ي، آ: (( يفاد)). (٢) لفظ آ: ((ومدلولات)). (٤) لفظ ل، ص: ((متناهي)). (٦) في ي : (( تفيد )). (٨) في ن: ((لمجموع )). (١٠) لفظ ل: ((بازاه )). (١٢) سقطت الزيادة من ل . (١٥) لفظ ن: ((موقوف))، وفي آ: (( تتوقف )). (١٤) سقطت الزيادة من آ . (١٧) لفظاً: ((يذلك)). (١٦) في ص: ((المتوقفة))، وهو تصحيف، لأنها وصف للعلم. - ١٩٨ - استفيدٌ (١) العلمُ بتلكَ المسمَّياتِ * من تلكَ الألفاظِ المفردةِ: لزمَ الدورُ. بل الغرضُ من وضعِ الألفاظِ المفردةِ لمسمَّيَاتِهَا : تمكينُ (٢) الإِنسانِ من تَفَهّمِ (٣) ما يتركّبُ من تلكَ المسمَّيَاتِ، بواسطةِ تركيبِ تلكَ الألفاظ المفردَةِ (٤) . فإِنْ قلتَ : ما ذكرتَهُ(٥) في المفرداتِ قائمٌ - بعينه - في المركَّبَاتِ؛ لأَنَّ المرگَّبَ لا يفيدُ مدلولَهُ إلَّا عندَ العلمِ بكونِ ذلكَ اللَّفِظِ المرَكَّبِ موضوعًا لذلكَ المدلولِ ، وذلكَ يستدعي سبقَ العلمِ بذلكَ المدلولِ. [ فلو اسْتُفِيدَ العلمُ بذلكَ المدلولِ ](٦) من ذلكَ اللَّفْظِ المركَّبِ : لزم [ الدور ](٧) . قلتُ : لا نَسلّمُ أنَّ الألفاظَ المَرَكَّبَة لا تفيدُ (٨) مدلولَها(٩) إلَّا عندَ العلمِ بكونِ تلكَ الألفاظِ المَرَكَّبةِ موضوعة لذلك المدلولِ . بيانه: أَنَّا (١٠) متى علمنَا كونَ كلِّ واحدٍ من تلكَ الألفاظ المفردةِ (١١) موضوعًا(١٢) (١) في ن، ي، ل، آ: ((استفدنا)). (٥) آخر الورقة (١٤) من ي . (٢) لفظ ح، ل: (( تمكن)). (٣) في آ ، ح: « تفهيم ). (٤) استدل الإِمام المصنف بهذا الدليل على مدَّعاه: في أنَّ الألفاظ المفردة لا تستفاد معانيها الخارجيَّة منها، فالجاهل بمسمّى من المسمَّيات أو معنى من المعاني: لا يمكنه العلم به وتصوره بواسطة اللفظ ، وبيانه : أن استفادة المعنى من اللفظ تتوقف على العلم بكون ذلك اللفظ موضوعًا لذلك المعنى ، والعلم بكونه موضوعًا لذلك المعنى : يتوقف على العلم بذلك المعنى ، فلو استفيد العلم بذلك المعنى من اللفظ : لزم الدور : راجع : الكاشف (٦٠/١ - ب - ٦١ - أ). (٥) كذا في ل، ح، ولفظ غيرهما: ((ما ذكرتموه)»، ولعل الأنسب ما أثبتنا، فهو اعتراض على دليل المصنف السابق . (٦) ما بين المعقوفتين سقط من ي ، وكذلك من متن ل، لكنَّه أثبت على هامشها: تصحيحًا . (٧) سقطت الزيادة من ن . (٨) كذا في ن، آ، وفي ح رسمت بالوجهين: «تفيد))، وفي النسخ الأخرى وردت من غير نقط. (٩) لفظ ح: ((مدلولاتها)). (١٠) في ن: ((. أنه)). (١١) لفظ آ: (( المنفردة )). (١٢) في آ، ي: (( موضوعة ). د - ١٩٩ - لتلكَ المعاني المفردةِ، وعلمْنا - أيضًا - كونَ حركاتِ تلك الألفاظِ دالَّة على النِّسَبِ المخصوصةِ لتلكَ المعاني، فَإِذَا « توالتِ الألفاظُ المفردةُ بحركاتِهَا المخصوصةِ على السمع : ارتسمتْ تلكَ المعاني المفردةُ مع نسبةٍ (١) بعضِهَا إلى بعضٍ في الذهنِ . ومتى حَصَلَتْ المفرداتُ مع نِسَبِهَا المخصوصةِ في الذَّهنِ: حصلَ العَلِمُ بالمعاني المركّبةِ لا محالةٌ . فظهرَ : أَنَّ استفادَة العلمِ بالمعاني المرَكَّبةِ لا تَتوقّفُ على العلمِ بكونِ تلكَ الألفاظِ المركّبة موضوعة لَهَا . والله أعلم . البحث الثالث : في أنَّ » الألفاظَ مَا وُضِعَتْ للدلالةِ على الموجوداتِ الخارجيَّةِ بلْ وُضِعَتْ للدلالةِ على المعاني الذهنيَّةِ (٢). والدليلُ عليهِ: أَمَّا في الألفاظِ المفردةِ - فلأَنَّا إذَا رأينا جسمًا من بعيدٍ، وظنَّاهُ صخرة : سَمَّيناهُ بهذا الاسمِ ، فَإِذَا دَنَوْنَا منهُ وعَرَفْنَا أَنَّهُ حيوانٌ، لكنَّا ظِنَّهُ طِيرًا : (٥) آخر الورقة (٢٢) من ل . (١) في ص، ل، ن، ح: (( نسب )). (٥) اخر الورقة (٣٠) من ن . (٢) لعل مراد المصنف: أنّ الألفاظ ما وُضعت للدلالة على الموجودات الخارجية ابتداء - من غير توسط دلالتها على المعاني الذهنية ، باعتبار أن اللفظ إنما يدل على وجود المعنى الخارجي بتوسط دلالته على المعنى الذهني، إذ لا يُعْقَلُ أن يكون مراده : أن دلالة الألفاظ على الموجودات الخارجية: ليست مقصودة من وضع الألفاظ كما قد يتبادر إلى الذهن من كلامه لأول وهلة ، ولعل ظاهر عبارته هو الذي حمل صاحب الحاصل على القول بأن الألفاظ موضوعة بازاء الصور الذهنية، لا الماهيات الخارجية . فراجعه : (١١ - ب). وهكذا فعل البيضاوي . فراجع : المنهاج بشرح الإِسنوي وبها مشه شرح ابن السبكي (١ /١٢٠). أما صاحب التحصيل فقد وافق الشيرازي في أن الألفاظ إنما وضعت للحقائق الخارجية ، وأجاب عن دليل الإمام المصنف واتباعه المذكور : بأن هذا الاختلاف إنما هو لاعتقاد أنها في الخارج كذلك، لا لمجرد اختلافها في الذهن. هذا ما نقله الإِسنوي عنه. فراجع: نهاية السول (١٢٢/١) ط التوفيق، ولكنني عندما رجعت إلى التحصيل وجدته موافقًا للإمام المصنف ، والجواب المذكور نقله شارحه - صاحب حل عقد التحصيل - بدر الدين التستري عن القاضي. فراجع : التحصيل بالشرح المذكور (١٥ - آ). وراجع الكاشف (١ /٦١° - آ). - ٢٠٠ - - -