Indexed OCR Text
Pages 1581-1600
! واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال بهذا(١). ومنهم من منع من ذلك(٢). وهو قول المتكلمين من المعتزلة(٣)، والأشعرية (٤). دلیلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الْأَبْصَارِ)(٥). فأمر أهل البصائر بالاعتبار، ورسول الله عَ لّه أعلى أهل البصائر رتبة وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى. ينزل عليه شىء، اجتهد، وعمل باجتهاده. انظر أصول السرخسي (٩١/٢) وتيسير التحرير (١٨٣/٤) وفواتح الرحموت (٣٦٦/٢). وهو قول الإِمام الشافعي وأكثر أصحابه. انظر: التبصرة ص (٥٢١) وشرح اللُّمع (١٠٩١/٢) والبرهان (١٣٥٦/٢) والمستصفى (٣٥٥/٢) والمنخول ص (٤٦٨) والمحصول (٩/٦) والإِحكام للآمدي (١٤٣/٤). (١) والمجوزون فريقان، فريق قال بوقوعه. وفريق أنكر وقوعه. انظر التبصرة ص (٥٢١) والإِبهاج (٢٦٣/٣). انظر : المرجعين السابقين. (٢) انظر: المعتمد (٧٦١/٢). (٣) انظر : المسوَّدة ص (٥٠٧). (٤) وهناك قولان في المسألة : الأول : التوقف، ونسه ابن السبكي إلى المحققين. والثاني : أنه يجوز في أمور الحرب دون الأحكام الشرعية. انظر : الإِبهاج، الموضع السابق. (٥) آية (٢) من سورة الحشر. ١٥٨١ وقوله - عليه السلام -: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران). وهو حاكم، فوجب أن يكون داخلاً فيه. وذكر أبو عبيد (١) في ((كتاب أدب القضاء)) بإسناده عن الشعبي قال: ( كان عَ لّه تنزل به القضية، وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى، فيمضي ما كان قضى على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن)(٢). ولأن ما يستنبط من المعاني طريق لأمته في الحكم، فوجب أن يكون طريقاً له، أصله القرآن ظاهرُه وعمومُه. ولأن الاجتهاد طاعة الله تعالى وقربة ينال بها رضاه وثوابه، فوجب أن يكون للنبي - عليه السلام - فيه مدخل، قياساً على سائر الطاعات. ولأن المجتهد إنما سُوِّغ له الاجتهاد متى كان عالماً بالأصول وطرق القياس، فيجتهد فيما لا نص فيه ليعرف حكمه بالوجود(٣)، ورسول الله عَ ليه في أعلى المنازل لمعرفة الأصول وطرق القياس، فهو أولى بالاستعمال. ولأن جواز الاجتهاد لا يخلو أن يتعلق بعدم النص حال وجود الحادثة، أو عدمه [٢٤٦/ب] في الثاني. ولا يجوز اعتبار الثاني؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الاجتهاد فيما يجوز أن يحصل عليه إجماع وأمر قاطع، فبقي أن يعتبر عدمه في الحال. وهذا الشرط يوجد فيما يعرض لرسول الله عَ ليه من الحوادث ولا نص أُنزل عليه فيها من قبل. (١) هو: أبو عبيد القاسم بن سلام. وقد سبقت ترجمته. (٢) هذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الأقضية (١٨٠/١٠). (٣) هكذا في الأصل، ولعل المقصود: حال وجود الحادثة. ١٥٨٢ ٠ وقد استدل أبو عبد الله بن بطة بدليلين(١) جيِّديْن: أحدهما : قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأُمْرِ)(٢)، فلو كان ذلك عن وحي لم يحتج إلى مشاورتهم. والثاني : أنه قد حكم باجتهاده في مواضع ، بدليل أنه عوتب عليها. من ذلك : أخذ الفدية من أسارى بَدْر، [كما في] قوله : (مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُتْخِنَ فِى الأَرْضِ)(٣). وغير ذلك مما ذكرنا في رأس المسألة. وربما احتج من نصر جواز الاجتهاد بأشياء منها: أن السنة مضافة إلى النبي عَّهِ، وحقيقة الإِضافة تقتضي أنها من قِيَلِه. والجواب : أنه إنما أضيف إليه؛ لأنها بقوله وجبت، وهو السفير. ولهذا يضاف إليه جميعُ السنن، ومعلوم أن ليس جميعها باختياره. ومنها: أن النبي عَّ المه قال في مكة: (ولا يُخْتَلَى خَلاَهَا)(٤) قال العباس: (١) ذكر هذين الدليلين: ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة أبي حفص البرمكي (١٦٣/٢) منسوبة إلى المؤلف وإلى ابن بطة. (٢) آية (١٥٩) من سورة آل عمران. (٣) آية (٦٧) من سورة الأنفال. (٤) هذا الحديث رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في كتاب الحج، باب لا ينفر صيد الحرم (١٧/٣). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (٩٨٦/٢) رقم الحديث (١٣٥٣). ١٥٨٣ (إلا الإِذْخِر)(١) فقال النبي عَّ ◌ُله (إلا الإِذْخِر)، ومعلوم أن الوحي لم يرد في تلك الحال. والجواب: أنه قد قيل: إن (الإِذْخِر)) ليس من الخلا، وإنما استثناه العباس تأكيداً(٢). أو لأنه لا يمتنع أن يكون النبي عَ لّه أراد استثناءه، فسبق العباس إلى سؤال النبي عَ ◌ِّ ذلك. ومنها قول النبي عَ ◌ّةٍ: (لو قلتُ نعم لوجبت) يعني الحج، فعلق وجوبها بقوله. الجواب : أنه لو قال : (نعم لوجبت) من حيث كان قوله دليلاً على وجوبه، وليس في الكلام ما يدل على أن قوله صادر عن اختياره أو من وحي. ومنها قول النبي عَّهِ: (لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وقوله : (لولا أن أخشى أن يفرض السواك لاستكتُ)(٣) فبين أن أمره بالسواك موقوف على اختياره. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون عنى أنه (لولا أن أشْقَّ لأمرتهم) على طريق التنظيف. ولا يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه لا ينبغي أن يأمرهم به لأجل المشقة. (١) الإِذْخِر : نبات معروف، له رائحة ذكية. انظر : المصباح المنير مادة (ذخر). (٢) كلمة (تأكيداً) غير واضحة في الأصل، وما أثبتناه موافق لما في التمهيد (٣٨٢/٤). (٣) لم أقف على هذا الحديث مع كثرة البحث والسؤال. ١٥٨٤ 1 ومنها قولهم : إن موسى - عليه السلام - أثبت الأحكام من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله عليه. والجواب: [٢٤٧/أ] أنا لا نعلم ذلك، ولو علمنا ذلك لم نعلم أن ما عدا تسع آيات لم يوح إليه. ومنها قوله - عليه السلام - : (عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق). والجواب : أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه؛ لأنه هو الذي يتولى أخذها، وهو الذي لم يأخذها الآن، وإن كان ذلك بوحي. ومنها: أن الصحابة قد حكمت في الحوادث وأضافت ذلك إلى اجتهادها، ولو كان ذلك عن دلالة لما أضيف ذلك إليها، وقد قالوا في حكمهم : (إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأًّ فمني ومن الشيطان)(١)، ولو كان عن دليل لم يقولوا ذلك. والجواب : أنه لو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صواباً، على أن من يقول الحق في واحد يقول: يجوز أن يخطئوا. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى)(٢). والجواب : أن الاجتهاد ليس من الهوى، وإنما هو من الوحي الذي أوحي إليه؛ لأن الله تعالى أمره به كما أمر أمته، وقوله: (إِنْ هُوَ إلَّ وَحْيٌ يُوحَى)، وكذا نقول؛ لأن القول بالقياس عن وحي وتنزيل. (١) هذا الكلام عقّب به كثير من الصحابة في أحكامهم الاجتهادية. وقد مضى تخريجه من قول أبي بكر - رضي الله عنه ــ وغيره، فانظر الفهرس. (٢) آية (٣ - ٤) من سورة النجم. ١٥٨٥ وأجاب أبو عبد الله بن بطة عن هذه الآية: بأن المراد به القرآن؛ لأن كفار قريش قالوا: قد ضلَّ محمد عن دين قريش وغوى، وما يأتي به من هذا القرآن من تلقاء نفسه. وأقسم الله تعالى بنجوم القرآن ونزوله في أوقاته، فقال: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) من السماء (إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى). وقد ذكر أحمد - رحمه الله - هذا فيما خرّجه في الرد على الزنادقة في متشابه القرآن(١). واحتج : بأن الاجتهاد يؤدي إلى غلبة الظن، وهو قادر على الحكم بالعلم من طريق الوحي، وإنما يجوز الحكم بغالب الظن إذا تعذر طريق العلم. والجواب : أن النص من الله تعالى مفقود في الحال. وعلى أنه يجوز أن يحكم بالنص، وأن يوقع نصاً ينسخه، وكذلك يجوز لغيره أن يحكم باجتهاده، وإن يئس من انعقاد الإِجماع الذي هو في معنى النص، على أنه معصوم في اجتهاده كالأمة، فلا نقول: إن طريقه غالب الظن. واحتج: بأن من ردَّ قول النبي عَ ◌ّه كَفَرَ، فلو جاز أن يحكم بالاجتهاد لم يجز تكفيره؛ لأن الاجتهاد حكم من طريق الظن، وهذا لا يجوز لإجماع المسلمين على كفره، فدل على أنه لا يجوز أن [٢٤٧/ب] يكون في حكمه ما هو اجتهاد. والجواب : أنه يكفر لكونه مكذباً للرسول في خبره. وقولهم : إن الاجتهاد يؤدي إلى غالب الظن، فلا يصح؛ لأن النبي معصوم في اجتهاده من الخطأ والزلل، مقطوع بإصابة الحق ودرك الصواب. واحتج: بأن الاجتهاد ردُّ الفرع إلى الأصل بضرب من الشَّبَه، ومتى فعل (١) انظر: رسالة: الرد على الزنادقة والجهمية للإِمام أحمد ص(٢٦). ١٥٨٦ ١ هذا وقاله صار نصاً، فإذا صار الاجتهاد نصاً ثبت أن لا يتصور فيه الاجتهاد. والجواب : أنه يصير نصاً بعد حصول الاجتهاد، وخلافنا في اجتهاده. مسألة يجوز أن يقول الله تعالى لنبيه : احكم بما ترى، أو بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بصواب(١). وهذه مبنية على المسألة التي قبلها، وأنه كان يجوز أن يجتهد فيما يتعلق بالشرع. وهو اختيار الجرجاني(٢). وامتنع من ذلك جماعة من المعتزلة(٣). وهو اختيار أبي سفيان السرخسي (٤). دلیلنا: أنه لا يخلو إما أن يتعين الخلاف فيما يحكم فيه باجتهاد واستدلال، أو يتعين فيما يقوله إذا خطر بباله من غير اجتهاد. فإن كان ذلك باجتهاد، فقد تقدم الكلامُ عليه ودليلنا على جوازه. وإن كان فيما يخطر بباله من غير اجتهاد، فإنه غير ممتنع، إذا علم الله تعالى أنه يصيب ما هو عند الله تعالى؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه مخيّر (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٧٣/٤) والمسؤَّدة ص(٥١٠) وشرح الكوكب المنير (٥١٩/٤). (٢) وبقوله قال جمهور المحدثين. انظر : المسوَّدة ص (٥١٠). (٣) انظر: المعتمد (٨٩٠/٢). (٤) انظر: المسوَّدة ص (٥١٠). ١٥٨٧ L في تقليد من شاء من العلماء، ويكون ذلك حكم الله تعالى عليه من غير أنه يرجع إلى أصل يستدل به. وكذلك ورود التعبد في الاجتهاد لإحدى الكفارات الثلاث(١). وكذلك خُيِّر في طعام عشرة مساكين غير معينين، وصرف خمسة دراهم من مائتين إلى فقير، وفقراء الدنيا تعني عينه(٢). ولأن الله تعالى قد قال: (إِلاَّ مَاحَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)(٣). فأضاف التحريم إليه، فدلّ ذلك على جواز ذلك. قال أبو بكر (٤) في تفسير : (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِى إِسْرَائِيْلَ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) لكن إِسرائيل حَّم على نفسه - من قبل أن تنزل التوراة بعضَ ذلك(٥). واحتج المخالف: بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولا طريق لأحدٍ إلى معرفة المصالح سوى الله تعالى، فلم يجز أن يقول: احكم بما ترى فإنك لا تحكم إلا بصواب. والجواب : أنا قد بيَّنًا فيما تقدم أن الشرعيات لا يقف(٦) تكليفها على المصلحة. (١) في الأصل : (الثلاثة). (٢) هاتان الكلمتان بدون إعجمام في الأصل، وقد أعجمتها بما ترى، والمعنى واضح. آية (٩٣) م. (٣) من سورة آل عمران. (٤) هو : عبد العزيز بن جعفر الحنبلي، والمشهور بغلام الخلال. وقد سبقت ترجمته. وتفسيره هذا - حسب علمي - مفقود. (٥) وانظر تفسير الآية في تفسير ابن كثير (٣٨٣/١). (٦) في الأصل: (تقف). ١٥٨٨ ٠ 1 ويبين [٢٤٨/أ] صحة هذا، و(١) أنه ليس من شرط جواز الحكم أن يكون الحاكم به عالماً بالمصلحة فيه. ألا ترى أن الحاكم في الحادثة من طريق الاجتهاد، لا يعلم أن ما حكم به صواب ومصلحة، بل يتبع حكمه في ذلك غالب الظن، ومع هذا قال: حكمه به كان جائزاً، ويحسن التعبد به، كذلك هاهنا. وكذلك في الكفارات وإطعام المساكين، كل ذلك مردود إلى اختيار المكلف. واحتج : بأن اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب. والجواب : أنه غير ممتنع أن يقع في الأمرين، كما تتفق أمور كثيرة على طريق واحدة، كما تتفق في العلوم. واحتج : بأنه لو كان ذلك جائزاً لجاز أن يبعث الله تعالى رسولاً، ويجعل إليه أن يشرع الشريعة كلها. والجواب : أنه لا يمتنع ذلك فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله تعالى أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء، إذا علم أنه لا يحتاج أكل الحرام. واحتج : بأنه لا يجوز أن يقع التعبد بما ذكر تموه؛ لأن المخبر لا يأمن الكذب فيما يخبر به. والجواب : أنه متى عرف أنه لا يقول إلا الصواب، زال هذا المعنى وأُمن وقوع الخطأ. (١) الواو هذه زائدة. ١٥٨٩ مسألة [الاجتهاد في زمن النبي عَّهُ] يجوز الاجتهاد في زمن النبي عَ لّه لمن كان غائباً عنه، أو كان حاضراً(١) معه. وحُكي عن قوم: أنه لا يجوز ذلك لمن كان بحضرته (٢). وحَكَى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز (٣). دليلنا على جوازه في الجملة: قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الْأَبْصَارِ)(٤)، ولم يفصل بين أنه يكون حاضراً عند النبي عَ لّ أو غائباً، في حياته أو بعد وفاته، بإذنه وبغير إذنه. وقوله - عليه السلام -: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران) ولم يفرِّق. ولأن النبي عَ ◌ّم جعل إلى عمرو بن العاص قضية، فقال: اجتهد يا رسول (١) راجع هذه المسألة في : المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف ص(٨٣). والتمهيد (٤٤٢٢/٣ - ٤٢٣) وروضة الناظر (٤٠٧/٢)، والمسوَّدة ص (٥١١) وشرح الكوكب المنير (٤٨١/٤). (٢) وبه قال ابن حامد - شيخ المؤلف - وبعض الشافعية. انظر : المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف ص (٨٣) والمنخول ص (٤٦٨) والمستصفى (٣٥٤/٢) والمسوَّدة ص (٥١١). (٣) انظر: تيسير التحرير ١٩٣/٤) وفواتح الرحموت (٣٧٤/٢) وللحنفية تفصيل في المسألة. انظر: المصدرين السابقين. (٤) آية (٢) من سورة الحشر. ١٥٩٠ ! أ ١ ١ الله وأنت حاضر؟! (فقال : نعم. إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأتَ فلك أجر)(١). (١) هذا الحديث رواه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٠٥/٤) بلفظ: (جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خصمان يختصمان، فقال لعمرو : اقض بينهما يا عمرو، فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال : وإن كان، قال : فإن قضيت بينهما فمالي؟ قال : إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة). انظر : الفتح الرباني (٢٠٦/١٥). وأخرجه ابن حزم في كتابه الإِحكام (٧٦٦/٦). ورواه أيضاً عقبة بن عامر - رضي الله عنه ـ مرفوعاً. أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده، الموضع السابق، مثل اللفظ السابق غير أنه قال : (فإن اجتهدت فأصبت القضاء فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد). ورواه عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - مرفوعاً. وأخرجه عنه الحاكم في أول كتاب الأحكام (٨٨/٤) بمثل لفظ الإِمام أحمد عن عقبة بن عامر. ثم قال : (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة). ولم يرتض الذهبي هذا فقال : (فرج - أحد رواة الحديث - ضعفوه). وأخرجه عنه الدارقطني في سننه في أول الأقضية والأحكام (٢٠٣/٤) بمثل لفظ الإِمام أحمد. وأخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (١٨٧/٢/٢) ولفظه: (أن خصمين اختصما إلى عمرو بن العاص، فقضى بينهما، فسخط المقضي عليه، فأتى رسول الله فأخبره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قضى القاضي فاجتهد فأصاب فله عشرة أجور، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر أو أجران). وانظر : الفتح الرباني (٢٠٧/١٥). وذكره ابن حزم بسند سعيد بن منصور في كتابه الإِحكام (٧٦٦/٦). والحديث بكل طرقه ضعيف. ١٥٩١ = ورُوي أن النبي عَِّ جعل إلى أبي موسى وإلى رجل معه قضية، وقال: (إن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما خمس (١). ورُوي أن النبي عليه السلام - حكَّم سعداً(٢) في بني قريظة قال: فكنًّا نكشف عن [٢٤٨/ب] مؤتزرهم فكل من أنبتَ قَتَلَه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري. فقال النبي عَ ◌ّه: (لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبع سموات)(٣). فإن قيل : إنما جاز؛ لأنه كان بإذن النبي - عليه السلام. فحديث عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عند الحاكم = والدار قطني فيه ((فرج بن فضالة التنوخي الحمصى)) وهو ضعيف. انظر: تقريب التهذيب (١٠٨/٢) وميزان الاعتدال (٣٤٣/٣) رقم (٦٦٩٦). وحديث عبد الله بن عمرو عند الإِمام أحمد فيه ((سلمة بن أكْسُوم)) قال فيه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٥/٤): (لم أجد من ترجمه بعلم). ثم الحديث معارض بما ثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). انظر: فتح الباري (٣١٨/٣) رقم الحديث (٧٣٥٢) وإرواء الغليل (٢٢٤/٨). قلت: ولم أجد الحديث باللفظ الذي ذكره المؤلف. والله أعلم. (١) في الأصل : (خمسة). وحديث أبي موسى هذا لم أقف عليه. (٢) هو : سعد بن معاذ بن النعمان أبو عمرو الأنصاري. سيّد الأوس. أسلم قبل الهجرة. شهد بدراً وأُحُداً والخندق وقريظة، وهو الذي حكم فيهم. ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهراً ثم انتقض جرحه، فمات منه. له ترجمة في: الاستيعاب (٦٠٢/٢) والإصابة (٨٧/٣). (٣) قصة حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريضة رواها أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أخرجها البخاري في كتاب المناقب، باب: مناقب سعد بن معاذ - رضي الله عنه - (٤٤/٥). ١٥٩٢ = قيل : المأذون فيه الحكم، فأما الاجتهاد فغير مأذون فيه؛ لأن الإِذن في الحکم ليس بإذن في الاجتهاد. ألا ترى أن النبي ◌َّه لمَّا أذن لعمرو بالقضاء بين يديه أستأذنه في الاجتهاد بحضرته، فلم يفهم الاجتهاد من الإِذن بالقضاء، ثبت أن الإِذن بالقضاء ليس بإذن في الاجتهاد. ولأنه ليس في الاجتهاد بحضرته أكثر من الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، وهذا جائز بحضرته؛ لأنه لو كان حاضراً في مجلس رسول الله عَ ◌ّه فروى بعضُ الحاضرين عنه خبراً جاز له العمل به، وهو عمل بغالب ظنٍ مع القدرة على القطع واليقين؛ لأنه كان يمكنه أن يرجع فيما أخبره إلى النبي عَّ ◌ُلِّ ليعلمه منه قطعاً. فلما جاز هذا ولم يرجع فيه إليه، ثبت ما قلناه. ولأن ما جاز الحكم به في غَيْبة النبي عَظله، جاز الحكم به في حضرته كالخبر. واحتج المخالف: بأنه لا يجوز الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، فإذا كان النبي عَّ الِ حاضراً فهو قادر على معرفة الحكم من جهته قطعاً، فلا معنى للاجتهاد. والجواب: أنه باطل بما ذكرناه من قبول خبر الواحد ورسول الله عَ ليه حاضر. ولأنه إذا اجتهد والنبي حاضر، فإن (١) كان صواباً فذاك، وإن أخطأ لم يقره النبي عَّةِ، كمن اجتهد ثم بان له أنه خالف النص. = وأخرجها مسلم عنه في كتاب الجهاد والسير، باب: أنه جواز قتل من نقض العهد (١٣٨٩/٣) رقم الحديث (١٧٦٨). (١) في الأصل: (وإن). ١٥٩٣ : مسألة في صفة المفتي في الأحكام الذي يحرم عليه التقليد. منها(١): أن يكون عارفاً بالقرآن، ناسخِه ومنسوخِه، ومجملِه ومحكمِه، وعامِّه وخاصِّه، ومطلقِه ومقيدِه. وهو المعرفة، بما قصد به بيان الأحكام الحلال والحرام. فأما ما قصد به أخبار الأولين وقصص النبيين والوعد والوعيد، فلا حاجة به إليه. وإنما قلنا هذا؛ لأنه قد يكون الأصل الذي يرد الفرع إليه من القرآن، فإذا لم يعرفه لم يمكنه الاجتهاد فيها. ويحتاج أن يعرف من السنة جملها التي [٢٤٩/أ] تشتمل الأحكام عليها. ويعرف أيضاً المتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والعام والخاص للمفتي الذي ذكرناه. ويحتاج أن يعرف إجماع أهل الأعصار عصراً بعد عصر؛ لأنه [قد] يكون الأصل ما أجمعوا عليه، فيرد الفرع إليه. ويحتاج أن يعرف من لغة العرب والإِعراب ما يفهم عن الله تعالى وعن رسوله معنى خطابهما. وأن يكون عارفاً باستنباط معاني الأصول والطرق الموصلة إليها ليحكم في الفروع بحكم أصولها. (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٩٠/٤) وروضة الناظر (٤٠١/٢) والمسؤَّدة ص(٥١٤) وشرح الكوكب المنير (٤٥٩/٤) وصفة الفتوى ص(١٤). ١٥٩٤ ٠ ويكون عارفاً بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه منها. وإذا كان بهذه الصفة وجب عليه أن يعمل في الأحكام باجتهاده، وحرام عليه تقليد غيره، إلا أن يكون حكماً يجب له أو لغيره، فيحتاج في فصله إلى حاكم یحکم بينهما باجتهاد. وإذا صار من أهل الاجتهاد بما ذكرنا، لم يجب قبول قوله فيما يفتي به إلا أن يكون ثقة مأموناً في دينه. فإذا كان بهذه الصفة وجب على العامة الرجوع إلى قوله وقبول فتياه. وقد نُقل عن أحمد - رحمه الله - ألفاظ في المفتي(١) ترجع إلى ما ذكرنا. فقال في رواية صالح: ((ينبغي على الرجل إذا حملَ نفسَه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن))(٢). وكذلك نقل أبو الحارث عنه: ((لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة»(٣). وكذلك نقل حنبل عنه : «ينبغي لمن أفتاه أن يكون عالماً بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي)) (٤). وكذلك نقل يوسف بن موسى: «واجب أن يتعلم كل ما يكلم الناس فیه(٥))). وقد ذكر أبو حفص بن شاهين في ((الجزء الثامن من أخبار أحمد))، فقال: (١) في الأصل : (المعنى). ذكرت هذه الرواية بنصها فى المسوّدة ص(٥١٥) وإعلام الموقعين (٤٤/١). (٢) (٣) انظر هذه الرواية بنصها فى المسوّدة الموضع السابق، وإعلام الموقعين (٤٥/١، ٢٠٥/٤). (٤) انظر هذه الرواية بنصها في المرجعين السابقين. (٥) وردت هذه الرواية بنصها في إعلام الموقعين (٢٠٥/٤). ١٥٩٥ ( العدة فى أصول الفقه - ١٠١ ) حدثنا إسماعيل بن علي (١) حدثنا عبد الله سألت أبي عن الرجل يريد أن يسأل عن الشىء من أمر دينه مما يبتلى به، من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مِصْرِه من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف، ولا الإِسناد القوي فمن يسأل؟ لأصحاب الرأي أو لهؤلاء؟ أعني أصحاب الحديث على ما كان من قدر معرفتهم، قال : ((يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة))(٢). وظاهر هذا أنه أجاز تقليدهم، وإنه لم تكمل فيهم الشرائط التي ذكرنا. وذكر أبو حفص في ((تعاليقه)) فقال: حدثنا يحيى بن سهل، حدثنا بعض أصحابنا [٢٤٩/ب]، حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد الأطروش، قال : سمعت أبا الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي(٣) يقول : سألت جدي كم كان يحفظ يحيى ابن معين؟ قال: ((زهاء مائتي ألف. قلت فعثمان أخوه؟(٤) قال : مائة ألف)). (١) هو: إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أبو محمد الخطبي. سمع عبد الله بن الإِمام أحمد والحارث بن أبي أسامة وغيرهما. وروى عنه الدار قطني وابن شاهين. وثّقه الدار قطني. ولد سنة (٢٦٩هـ)، ومات سنة (٣٥٠هـ). وله ترجمة في: طبقات الحنابلة (١١٨/٢). (٢) انظر هذه الرواية بنصها في: المسوّدة الموضع السابق وفي إعلام الموقعين (٢٠٥/٤) وفي آخرها : (ضعيف الحديث خير من الرأي) ولم يذكر الإِمام أبا حنيفة - رحمه الله تعالى -. (٣) سمع أباه وجده والصاغاني وغيرهم. وروى عنه أبو عمر بن حَيْوَة ومحمد بن فارس الغوري. ثقة. توفي سنة (٣٣٦هـ). له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٣/٢). (٤) الضمير في (أخوه) فيما يظهر لي عائد على يحيى بن معين، ولم أجد له أخاً بهذا الاسم. والله أعلم. ١٥٩٦ 1 وسألت عن أحمد بن حنبل فقال: «سمعت رجلاً يسأله إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيهاً؟ قال : لا. قال : فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟(١) قال : لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرّك يده. فقلت: كم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب عن ستمائة ألف))(٢). وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره. وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا. ويحتمل أن يكون أراد بذلك وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لابدَّ منه فالذي وصفنا. قال أبو حفص(٣): قال أبو إسحاق(٤): لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل: ((فأنت هو ذا تحفظ هذا المقدار حتى هو ذا تفتي الناس؟! فقلتُ له: عافاك الله، إن كنتُ أنا لا أحفظ هذا المقدار، فإني هوذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه))(٥). وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلِّد أحمد فيما يفتي (١) كلمة (ألف) مكررة في الأصل. (٢) انظر هذه الرواية في: إعلام الموقعين (٤٥/١) وفي آخرها : (أخذ عن ستمائة ألف) بدل (أجاب). وذكرها ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة العكبري (١٦٤/٢) بأخصر مما هنا، ومن رواية العكبري عن أبي إسحاق بن شاقْلاً. (٣) هو العكبري. هو : ابن شَاقّلاً. (٤) ذكر هذا الكلام ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة أبي حفص البرمكي (١٦٤/٢) (٥) وذكره ابن القيِّم في كتاب إعلام الموقعين (٤٥/١). ١٥٩٧ به؛ لأنه قد نص في بعض ((تعاليقه)) على كتاب ((العلل)) الدلالة على منع الفتيا بغير علم: قوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَآَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(١). وقوله : (فَلِمَ تُحَاجَّوَن فِيْمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ)(٢). وذكر ابن بطة في مكاتباته إلى البرمكي ((لا يجوز له أن يفتي بما يسمع ممن(٣) يفتى، إنما يجوز أن يقلد نفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا))(٤). وذكر أبو حفص في ((تعاليقه)) قال: ((سمعت أبا علي الحسن(٥) بن عبد الله النجاد(٦) يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار (٧) يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل، يستند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناس بها))(٨). (١) آية (٣٦) من سورة الاسراء. (٢) آية (٦٦) من سورة آل عمران. (٣) في الأصل: (من). (٤) هذه الرواية ذكرها ابن حمدان في كتابه : صفة الفتوى والمفتي ص (٢٦) كما ذكرها ابن النجَّار في كتابه شرح الكوكب المنير (٥٦٢/٤) بأخصر مما هنا. ذُكرت في المسوّدة ص (٥١٧) بنصها كما هنا. (٥) هكذا ورد مكبراً. وفي طبقات الحنابلة (١٤٠/٢) والمنهج الأحمد (٥٥/٢) بالتصغير . (٦) الفقيه الحنبلي البربهاري مات سنة (٣٦٠هـ). له ترجمة في : طبقات الحنابلة والمنهج الأحمد، في الموضعين السابقين. (٧) هو : علي بن محمد بن بشار أبو الحسن، الفقيه الحنبلي. روى عن صالح بن أحمد وأبي بكر المروذي. وعنه أبو الحسن أحمد بن مقسم وأبو علي النجاد . توفي سنة (٣١٣هـ). له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٥٧/٢) والمنهج الأحمد (٧/٢). (٨) هذه الرواية مذكورة بنصها في: طبقات الحنابلة (٦٣/٢، ١٤٢) والمنهج الأحمد (١١/٢، ٥٦) والمسؤَّدة ص(٥١٧) وشرح الكوكب المنير (٥٦٢/٤). ١٥٩٨ 1 وهذا منه مبالغة(١). وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب ((الرد على من أفتى في الخلع)) أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء، حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة(٢)، حدثنا العباس بن الحسين العيطوي حدثنا محمد بن الحجاج قال : كتب أحمد بن حنبل - رحمه الله - عني كلاماً، قال العباس وأملاه علينا قال : ((لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه، يعني للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال. أما أولها: أن تكون له نية، فإنه إن لم تكن له نية [٢٥٠/أ] لم يكن على كلامه نور، ولم یکن عليه نور. وأما الثانية : فيكون له حلم ووقار وسكينة. وأما الثالثة : فيكون قوياً على ما هو فيه، وعلى معرفته. وأما الرابعة : فالكفاية، وإلا مَضَغَه الناس. والخامسة: فمعرفة الناس))(٣) ورأيت في أخبار بِشْر بن الحارث رواية أبي عبد الله محمد بن مُخْلِد في المسوّدة الموضع السابق زيادة : (في فضله) منسوبة إلى المؤلف. (١) (٢) العكبري. كنيته أبو طالب على ما في الطبقات، وكناه المؤلف هنا بأبي نصر. وهو من أصحاب الإِمام أحمد الذين رووا عنه كثيراً من المسائل. روى عنه أبو حفص عمر بن رجاء وغيره. مات سنة (٢٤٤هـ). له ترجمة في : طبقات الحنابلة (٢٤٦/١). (٣) ذكر هذه الرواية ابن القيّم في كتابه إعلام الموقعين (١٩٩/٤) وعلق عليها تعليقاً نفيساً، وحري بطالب العلم أن يطلع عليه. وقد نقلها بسنده عن ابن بطة ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة أبي حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري ـ أحد المذكورين في سند المؤلف (٥٧/٢). ١٥٩٩ 1 العطار (١) قال: حدثني عيسى بن جعفر أبو موسى الوراق(٢) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - وذاكره دُخَيم (٣) بالأصول عن النبي - عليه السلام - قال أحمد - رضي الله عنه -: ((أما الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي فينبغي أن تكون ألفاً أو ألفاً ومائتين))(٤). وهذه الرواية تؤيد صحة التأويل لقول أحمد - رحمه الله - ((لا يفتي [إلا] وقد حفظ مائة ألف ومائتي ألف))، على طريق الاحتياط؛ لأنه قد حَرَّر الأخيار التي يدور عليها العلم، يعني الحلال والحرام، بألف أو ألف ومائتين. (١) هو : محمد بن مُخَلِد بن حفص أبو عبد الله الدوري العطار صاحب بعض تلاميذ الامام أحمد، منهم صالح بن الإِمام أحمد وأبو داود السجستاني. حدَّث عنه الدارقطني وابن شاهين. ثقة مأمون ولد سنة (٢٨٣هـ) ومات سنة (٣٣١هـ) له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٧٣/٢) وتاريخ بغداد (٣١٠/٣) وطبقات الحفاظ ص(٣٤٤). (٢) الصفدي من أصحاب الإِمام أحمد، وممن نقل عنه بعض المسائل. سمع شبابة ابن سوار وشجاع بن الوليد وغيرهما. وروى عنه يحيى بن صاعد ومحمد بن مخلد وغيرهما. مات سنة (٢٧٢). له ترجمة في : طبقات الحنابلة (٢٤٧/١). (٣) هو : عبد الرحمن بن إبراهيم أبو سعيد الدمشقي، المعروف بدُحَيم. روى عن الإِمام أحمد ومعروف الخياط وخلق. وعنه الإِمام البخاري وجماعة. قال فيه الإِمام أحمد: ((عاقل ركين)). وقال أبو داود: ((حجة، لم يكن بدمشق في زمنه مثله)). توفي سنة (٢٤٥). له ترجمة في: تاريخ بغداد (٢٦٥/١٠) وتذكرة الحفاظ (٤٨٠/٢) وطبقات الحفاظ ص (٢٠٨) وطبقات الحنابلة (٢٠٤/١). (٤) ذكرت هذه الرواية في: المسوَّدة ص(٥١٦) وشرح الكوكب المنير (٥٦١/٤). ١٦٠٠