Indexed OCR Text

Pages 1541-1560

اختلافهم(١).
وهذا غلط؛ لأن إباحة الاجتهاد تجوز فيما جوَّزنا ورود الشرع، وغير جائز
أن يرد الشرع بالأمرين المتضادين في صفات الباري سبحانه، وما يجوز عليه
وما لا يجوز، فإنه لا يجوز أن يكون يراد لا يراد، خالق لأفعال العباد غير
خالق، والنبي صادق وليس بصادق.
ولا يشبه هذا أحكام الفروع؛ لأن قد كان يرد بإباحة عينٍ في حق واحدٍ،
وحظْرها في حق آخر، في حالٍ واحدة.
كالحائض [٢٣٨/أ] يحل لها الأكل في رمضان، ولا تجب عليها الصلاة.
والطاهر لا يحل لها الأكل في رمضان، وتجب عليها الصلاة
فجاز أن يكون كلُّ مجتهدٍ مصيباً.
[الحق في أحكام الفروع]
فأما أحكام الفروع: فالحق فيها في واحدٍ عند الله تعالى(٢).
وقد نصَب الله على ذلك دليلاً إما غامضاً أو جلياً، وكلف المجتهد طلبته
وإصابته بذلك الدليل. فإذا اجتهد وأصابه كان مصيباً عند الله تعالى وفي الحكم،
وله أجران:
أحدهما على إصابته.
والآخر على اجتهاده.
(١) نقل هذا القول عنه كثيرون.
انظر : تاريخ بغداد الموضع السابق، والمعتمد للمؤلف والتمهيد، والروضة
(٤١٨/٢) والمسوَّدة، وتهذيب التهذيب (٨/٧)، والمعتمد (٩٨٨/٢).
ولكن ذكر ابن حجر في كتابه: تهذيب التهذيب الموضع السابق: أن محمد
بن إسماعيل الأزدى نقل في ثقاته : أنه رجع عن هذه المسألة لما بُيِّن له الصواب.
(٢) انظر : المراجع السابقة في أول المسألة.
١٥٤١

وإن أخطأ كان مخطئاً عند الله تعالى وفي الحكم، وله أجر على اجتهاده،
والخطأ موضوع عنه.
والحكم بالإِصابة والخطأ من طريق غلبة الظن، لا من طريق القطع.
نص على هذا - رحمه الله - في رواية بكر بن محمد عن أبيه، فقال: ((إذا
اختلفت الرواية عن النبي عَّ له فأخذ رجل بأحد الحديثين، وأخذ آخر بحديث
آخر ضده، فالحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه:
إنه مخطىء))(١).
فقد نصَّ على أن الحق في واحدٍ عند الله.
وقوله: ((لا يقول لمخالفه إنه مخطىء)). يريد به: لا يقطع على خطئه؛ لأن
الله تعالى ما نصب دليلاً قاطعاً، وإنما نصب دليلاً خفياً، أو ما هو أمارة على
الحکم.
والذي يدل على أنه أراد بذلك ما قلنا: أنه قال بعد ذلك في رواية بكر:
((وإذا اختلف أصحاب محمد(٢)، فأخذ رجل بقول بعضهم، وأخذ آخر عن
(١) انظر هذه الرواية في كتاب : المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين
للمؤلف ص(٧٥) والتمهيد (٣١٠/٤) والمسوَّدة صٍ(٤٩٨).
(٢) في الأصل: (أصحاب عمل) وهو خطأ، والتصويب من كتاب المسائل الأصولية
من كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف ص (٧٦).
وهو كذلك في المسوّدة ص (٤٩٨).
وفي التمهيد (٣١٠/٤): (إذا اختلفت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
فأخذ رجل بأحد الحديثين، وأخذ آخر بحديث آخر ضده، فالحق عند الله في واحد).
ومعنى النقلين يختلف، فما ذكره المؤلف واضح فيما إذا اختلف الصحابة على قولين
أو أكثر، فالحق في واحد منها.
وما ذكره أبو الخطاب في التمهيد يعني ما اختلف النقل فيه عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - بأن نقل أحدهم حديثاً، ونقل الآخر حديثاً ضده فالحق في واحد.
١٥٤٢
:

رجل منهم، فالحق في واحدٍ، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق
أم أخطأ.
وكذلك قال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ). فقد نصّ
على أنه يجوز الخطأ على المجتهد.
وكذلك قال في رواية أبي طالب فيمن يقول : لا شفعة إذا لم يكن طريقهما
واحداً، ((إذا قدموه إلى هؤلاء، وحلف ماله شفعة، إنما هذا اختيار، وقد اختلف
الناس فيها))(١).
وقال في رواية بكربن محمد - في حاكم حكم في المفلس أنه أسوة الغرماء
-: (رد حكمه))(٢).
وإنما قال هذا؛ لأنه يعتقد أنه خالف النص في ذلك، لا أنه يقطع على إصابة
المجتهد وخطئه.
وقد علَّق القول في رواية أبي داود فيمن صلى خلف من لا يرى الوضوء
من مسِّ الذكر، وقد علم أنه قد مس: ((يصلى خلفه))(٣).
(١) هذه الرواية نقلها عبد الله عن أبيه في مسائله (٩٦٠/٣) رقم (١٣٠٤) ولفظه:
(سألت أبي عن رجل لا يرى الشفعة إلا لشريك، ترى أن يحلف يحنث؟ قال
لا يعجبني أن يحلف على أمر قد اختلف الناس فيه).
وقال ابن قدامة في المغني (٢٨٧/٥): (وقال في رواية أبي طالب وعبد الله ومثنى
فيمن لا يرى الشفعة بالجوار، وقدم إلى الحاكم فأنكر، لم يحلف، إنما هو
اختيار، وقد اختلف الناس فيه).
ثم نقل عن المؤلف قوله: (إنما هذا لأن يمين المنكر هاهنا على القطع والبت،
ومسائل الاجتهاد مظنونة، فلا يقطع ببطلان مذهب المخالف، ويجوز للمشتري
الامتناع به من تسليم المبيع بينه وبين الله تعالى).
وانظر: الإِنصاف للمرداوي (٢٥٥/٦).
(٢) قال ابن قدامة في كتابه الكافي (١٧٤/٢): (فقال أحمد - رضي الله عنه -
ينقض حكمه؛ لأنه يخالف صريح السنة، ويحتمل أن لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه).
وراجع: المغني (٤٠٩/٤) والإنصاف (٢٨٦/٥).
(٣) انظر هذه الرواية في مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود ص (١٢).
١٥٤٣
L

وكذلك نقل الأثرم عنه فيمن صلى خلف من احتجم ولم يتوضأ: ((فإن
كان ممن يتدين بهذا وأنه لا وضوء فيه لا يعيد، وإن كان يعلم أنه لا يجوز
فيعمدُ يعيد))(١).
وكذلك نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث فيمن صلى خلف من عليه جلود
الثعالب، فإن تأول: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) [٢٣٨/ب] ((يصلى خلفه)).
قيل له: أفتراه جائزاً؟ قال: (( لا، ولكن إذا كان يتأول فلا بأس أن
يصلى خلفه)).
قيل له: كيف وهو مخطىء في تأويله؟! فقال: ((وإن كان مخطئاً في تأويله
ليس هو كمن لم يتأول)).
ثم قال: ((من يرى الوضوء من الدم فلا يصلِّ خلف سعيد بن المسيب
ومالك، ومن سَهَّل في الدم [قال] بل يصلي(٢)).
وكذلك نقل ابن مُشْيْش عنه في جلود الثعالب.
وهذا لا يخالف ما رواه بكر بن محمد عنه.
(١) هذه الرواية المشهورة والمنصوص عليها.
وهناك رواية أخرى ذكرها ابن قدامة منسوبة إلى المؤلف: (أنه لا يصح ائتمامه
به؛ لأنه يرتكب ما يعتقده المأموم مفسداً للصلاة، .. كما لو خالفه في القبلة
حال الاجتهاد فيها)
انظر: المغني (٢٣/٣ - ٢٤) طبعة هجر.
(٢) هذه الرواية ذكرها ابن قدامة في كتابه المغني الموضع السابق عن الأثرم مع بعض
الاختلاف في الألفاظ.
ومن الاختلافات الجوهرية أنه جاء في المغني: (نحن نرى الوضوء من الدم، فلا
نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك، ومن سهَّل في الدم، أي : بلى).
بدلاً من قول المؤلف هنا: (من يرى الوضوء من الدم .. ).
١٥٤٤
!

وإنما أجاز الصلاة خلف المتأولين؛ لأنه لم يقطع على خطئهم، ولا يقطع
على أن الحق في جهته، وإنما يحكم بالخطأ والصواب من طريق غلبة الظن.
وهذا فصل يجىء الكلام فيه في أثناء المسألة.
ويحتمل أن يكون أجاز صلاتهم؛ لأن المأموم(١) معذور فيما جهل حالة
الإِمام فيه، ولهذا قلنا: إذا صلى بهم محدثاً صحت صلاتهم(٢).
ويحتمل وجهاً آخر وهو : أنه أجاز صلاتهم؛ لأن طريق هذه المسائل خفية،
يعذر الجاهل فيها.
ولهذا أجاز الصلاة خلف المبتدع إذا كان عامياً، ولم يجزها خلف
العالِم(٣)؛ لأن طريق هذه المسائل خفية، فأجازه لذلك، لا لأن الحق مع
کل واحدٍ.
يبيِّن هذا ما قاله في رواية محمد بن أحمد بن واصل(٤) ومهنّا ((لا يصلى
(١) في الأصل : (المأمور) وهو خطأ.
(٢) هذا إذا لم يعلم بالحَدَث لا هو ولا المأمون حتى فرغوا من الصلاة، فصلاة
المأمومين والحالة هذه صحيحة، وصلاة الإِمام باطلة.
هذا هو مذهب الحنابلة.
وهناك رأي آخر لبعض العلماء: أنه تلزمهم الإِعادة إماماً ومأمومين.
انظر : المغني (٥٠٤/٢) طبعة هجر.
(٣) جاء في مسائل الإِمام أحمد رواية ابن هانىء (٦١/١) أنه سأل الإِمام أحمد عمن
قال : الإِيمان قول، يصلي خلفه؟ قال: (إذا كان داعية إليه لا يصلي خلفه، وإذا
كان لا علم لديه أرجو أن لا يكون به بأس).
انظر: المغني (١٧/٣) طبعة هجر.
(٤) أبو العباس المصري. روى عن أبيه والإِمام أحمد وغيرهما. وعنه أبو مزاحم
الخاقاني وأبو الحسن بن شنبوذ وغيرهما. مات سنة (٢٧٣) هـ.
له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٢٦٣/١).
١٥٤٥

٦
خلف من يقول: (الماء من الماء))(١).
وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه في إمام صلى ولم يقرأ فاتحة الكتاب:
((يعيدُ الصلاة))(٢).
(وكذلك إذا لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين))(٣).
وكذلك قال في القبلة : ((إذا اجتهد نفسان في طلبها، واختلف اجتهادهما
لم يَتْبَع أحدُهما الآخر في الصلاة)) (٤).
وكذلك قال في رواية أبي داود فيمن كان يتديَّن بحديث عُقْبة بن عامر
في المسح أكثر من ثلاثة أيام(٥) ثم ترك؟ («يعيدُ ما كان صلى وقد مسح أكثر
(١) سبق تخريج هذا الحديث.
أما هذه الرواية عن الإِمام أحمد فلم أقف عليها.
وإنما رأيت في المغني (٢٧١/١) أن داود الظاهري حُكي عنه أنه قال : لا يجب
الغسل، استدلالاً بهذا الحديث.
ومعروف أن الحديث منسوخ بحديث : (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسّ
الختان الختان فقد وجب الغسل) متفق عليه.
(٢) في مسائل الإِمام أحمد رواية ابن هانىء (٥١/١) قال: (سمعت أبا عبد الله
يقول : لاتجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
وفي مسائل الإِمام رواية أبي داود ص (٣٢) قال : (سمعت أحمد سئل عمن
صلى فقرأ، ولم يقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال : لا تجزئه صلاته).
(٣) وهو كذلك في مسائل الإِمام أحمد لابن هانىء (٥٢/١).
(٤) هذا هو الصحيح من المذهب.
وقال بعض الأصحاب: يجوز الاقتداء.
انظر: المغني (١٠٨/٢) طبعة هجر والإنصاف (١٤/٢).
(٥) هذا الأثر عن عقبة بن عامر الجهني أخرجه عنه البيهقي في سننه في كتاب
الطهارة، باب: ما ورد في ترك التوقيت (٣٨٠/١) ولفظه: (قال يعني عقبة،
خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب فقال : =
١٥٤٦
:
İ
/

من ثلاث؛ أمُرُ النبي عَّ ◌ُلِ أولى(١) من قول عُقبة بن عامر))(٢).
وهذا كله يدل على أن الحق في أحدهما، والآخر مخطىء لا يُتْبَع في اجتهاده.
وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي(٣).
ومنهم من قال - وهو القاضي أبو الطيب الطبري - إنني أعلمُ بإصابتنا
= متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت : يوم الجمعة، قال : فهل نزعتهما؟ قلت:
لا قال : أصبت السنة).
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطهارة، باب : من كان لا يوقت
في المسح شيئاً (١٨٥/١).
(١) هذه إشارة لمثل حديث شريح بن هانىء قال أتيت عائشة - أسألها عن المسح
على الخفين فقالت : عليك بابن أبي طالب فسَلْهُ، فإنه كان يسافر مع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه، فقال : جعل رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم.
أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب : التوقيت في المسح على الخفين
(٢٣٢/١).
(٢) هذه الرواية موجودة بنصها - مع اختلاف يسير - في مسائل الإِمام أحمد رواية
أبي داود ص (١٠).
(٣) وهو كذلك. قال إمام الحرمين في البرهان (١٣١٩/٢): (هو المشهور من
مذهب الشافعي).
وقال الشيرازي - في شرح اللَّمع (١٠٤٦/٢) -: (هذا هو المنصوص عليه
للشافعي في القديم والجديد، وليس له قول سواه).
ثم شَنَّع على قوم من المتأخرين نسبوا إليه القول: ((أن كل مجتهد مصيب)).
وما أنكره الشيرازي نقله القاضي عن الإمام الشافعي وقال : (لولا أن مذهبه هذا،
وإلا ما عددته من الأصولية).
انظر : البرهان : الموضع السابق.
١٥٤٧
( العدة فى أصول الفقه - ٩٨ )
L

للحق، وأقطعُ بخطأ من يخالفنا، وأمنعُه من الحكم باجتهاده غير أنني
لا أنقضه(١).
وحُكي مثل مذهبنا عن بِشْرِ المَرِّيسي والأصمِّ وابن عُلَيَّةٍ(٢).
وقال أبو الحسن الكرخي - فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عنه - :
مذهب أصحابنا جميعاً: أن كل مجتهد مصيب لما كُلِّف من حكم الله تعالى،
والحق في واحدٍ من أقاويل المجتهدين(٣).
(١) هكذا في الأصل، والصواب: (لا أفسقه)؛ لأن المراجع الآتية ذكرت أنه يقول
بالنقض، دون التفسيق والإِثم.
انظر رأيه في: التمهيد (٣١٢/٤) والمسوَّدة ص (٤٩٧).
(٢) ذكر أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد (٩٤٩/٢) مذهبهم بأوضح مما هنا،
حيث قال في تحرير مذهبهم: (إن المحق من المجتهدين واحد، ومن عداه
مخطىء في اجتهاده، وفيما أداه إليه اجتهاده. وقالوا : إن على الحق دليلاً يعلم
به المستدل أنه قد وصل إلى الحق، ويجب نقض الحكم بما خالف الحق).
وانظر في مذهبهم أيضاً: التمهيد (٣١٢/٤) والمستصفى (٣٦١/٢) والمسوَّدة
ص(٤٩٧) والوصول إلى الأصول لابن برهان (٣٤٢/٢).
(٣) ذكر السمرقندي في كتابه الميزان ص (٧٥٣) عن الحنفية نقلين:
الأول : أن الحق عند الله واحد، وقد كلف المجتهدين إصابة الحق، فإن أصابوا
فذاك، وان لم يصيبوا فقد اخطئوا في الاجتهاد، وفيما أدى إليه الاجتهاد.
والثاني : أنه مصيب في اجتهاده، ولكنه قد يخطىء فيما أدى إليه اجتهاده، بأن
يكون الحق عند الله تعالى بخلافه.
قلت : وسبب الاختلاف هنا : ما نقل عن الإِمام أبي حنيفة أنه قال ليوسف
بن خالد السمتي : (كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد).
ثم علَّق البخاري في كتابه كشف الأسرار (١١٣٩/٤) بقوله: (فبَيَّن أن الذي
أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله).
انظر أيضاً: تيسير التحرير (٢٠٢/٤) وفواتح الرحموت (٣٨١/٢) وكشف =
١٥٤٨

قال: ومعنى ذلك أن الأشبه واحد عند الله تعالى إلا أن المجتهد لم يكلف
[٢٣٩/ أ] إصابته.
قال: وهكذا حُكي عن عيسى بن أبان أن كان يقول: لابد من مطلوب
هو أشبه الأشياء بالحادثة، إلا أن المجتهد لم يُكَلَّف إصابته، وإنما يبعد أن يحكم
فيها بحكم الأصل الذي هو أشبه به في غالب ظن المجتهد.
ونحو هذا حكى أبو عبد الله الجرجاني، وفسّر الأشبه بأنه شبه الحادثة ببعض
الأصول أقرب عند الله تعالى، وأنه لو أُنْزِل ذلك الحكم لكان ينزله بأحد
الوجهين.
وذهبت المعتزلة: إلى أن كل مجتهد مصيب(١).
واختلفوا : هل هناك أشبه مطلوب أم لا؟.
فمنهم من قال: هذا أشبه مطلوب، إلا أنه لم يُكلَّف إصابته، كما قال أصحاب
أبي حنيفة.
ومنهم من قال: ليس هناك أشبه، ولا عند الله في الحادثة حكم، وإن فَرْض
كل واحد ما يغلب على ظنه، وأدى إليه اجتهاده(٢).
حُكي ذلك عن أبي هاشم(٣).
واختلفت الأشعرية
فقال الأكثر منهم مثل قول [ابن فُورك و](٤) أبي إسحاق الإِسفراييني
= الأسرار للنسفي (٣٠٣/٢).
(١)
انظر: المعتمد (٩٤٩/٢).
انظر: المصدر السابق (٩٨٢/٢) فإنه عقد باباً للقول في الأشبه.
(٢)
انظر رأيه في : التبصرة ص (٤٩٩) والتمهيد (٣١٣/٤).
(٣)
(٤) الزيادة من المسوَّدة ص (٤٩٧)، وهي ساقطة من الأصل بدلالة قوله بعد ذلك:
(و غيرهما).
١٥٤٩

وغيرهما: مثل قولنا(١).
وقال أبو بكر بن الباقلاني: لأبي الحسن الأشعري في ذلك قولان(٢).
واختار (٣) أن كل مجتهد مصيب، وأن فَرْض كل واحدٍ ما يغلب على ظنه،
ويؤديه إليه اجتهاده. وليس هناك أشبه مطلوب (٤).
والكلام في فصول
أحدها : الدلالة على أن الحق في واحدٍ من القولين.
ودليله : الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والاستدلال.
[الدليل من الكتاب]:
أما الكتاب فقوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ) إلى
قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْمَاً وَعِلْمَاً)(٥).
فموضع الاستدلال أن داود قضى باجتهاده، وسليمان قضى باجتهاده؛ لأن
لو كان هناك نص ما اختلفا في الحكم.
(١) انظر رأيهما في: التبصرة ص (٤٩٨) وشرح اللَّمع (١٠٤٨/٢) والبرهان
(١٣١٩/٢) والمسوَّدة ص (٤٩٧).
وقد شدَّد أبو إسحاق الإِسفراييني النكير على من يقول بتصويب المجتهدين حيث
قال - فيما نقله عنه إمام الحرمين في كتابه البرهان الموضع السابق -: (هذا
مذهب أوله سَفْسَطَة، وآخره زندقة).
(٢) هكذا نقل الشيرازي في شرح اللَّمع الموضع السابق.
ثم علَّق على ذلك بقوله: ( ... يقال: إن هذه بقية اعتزال بقي في أبي الحسن
- رحمه الله -).
(٣) المراد : أبوبكر الباقلاني.
انظر رأيه في : شرح اللمع والبرهان والتمهيد والمسوّدة، المواضع السابقة.
(٤)
الآيتان (٧٨ - ٧٩) من سورة الأنبياء.
(٥)
١٥٥٠

فأخبر الله تعالى أنه فهّم الحكم لسليمان.
فثبت أنه كان أصاب في الحكم، وداود لم يصب. وعلى قولهم، هما
جميعاً(١)، مصيبان(٢).
فإن قيل: قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) لا يدل على أنه لم يُفَهِّم داود؛ لأن
تخصيص الشىء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.
ومن قوله تعالى: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً)(٣) ولم يدل على نفي
العلم عن غيرهما من الأنبياء.
وكذلك قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ) (٤) لا يدل على أنه لم يرض عن غيرهم من المؤمنين الذين لم يبايعوه
تحت الشجرة
قيل له: تخصيص الشىء بالذكر يدل على نفي ما عداه. وهذا أصل قد سبق
الكلام فيه(٥).
فإن قيل : قد رُوِيَ أنهما كانا حكما في الحرث بالنص، ثم نسخ الله تعالى
(١) في الأصل : (جميعان)، والنون زائدة.
(٢) قصة الحكم في هذه القضية - كما يحكيها ابن كثير في تفسيره (١٨٦/٣)
عن ابن عباس -: (أن داود قضى بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرّعاء معهم
الكلاب، فقال لهم سليمان : كيف قضى بينكم؟ فأخبروه، فقال : لو وُلِّيتُ
أمركم لقضيت بغير هذا، فأُخْبِرَ بذلك داود، فدعاه، فقال : كيف تقضي بينهم؟
قال : أدفعُ الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها
ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي
كان عليه، أخذه أصحاب الحرث، وردوا الغنم إلى أصحابها).
وانظر : تفسير ابن جرير الطيري (٥٢/١٧).
(٣) آية (١٥) من سورة النمل.
(٤) آية (١٨) من سورة الفتح.
(٥) انظر: (٤٤٨/٢) من هذا الكتاب.
١٥٥١

الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل على لسان سليمان، فيحتمل أنه فهَّمه
الناسخ، ولم يُفَهِّم ذلك داود(١).
قيل: قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) يقتضي: في تلك الحكومة.
وعندهم أنه لم يخص سليمان بالفهم في تلك الحكومة.
فإن قيل: فقد رُويَ أنهما كانا قد حكما من طريق الاجتهاد(٢)، إلا أن
سليمان - على نبينا وعليه السلام - قد أصاب حقيقة الأشبه المطلوب عند
الله، وداود لم يصب ذلك، فلم يخرجا بذلك من كونهما مصيبين الحق.
قيل: جماعة مَن خالفنا في هذه المسألة لا تقول : إن هناك أشبه، وإنما فرضه
الاجتهاد وحْدَه. فلا يصح هذا التأويل منه.
ومن قال : إن هناك أشبَه قال: بأنه لم يكلفه، وإذا لم يكلفه يجب أن لا
يؤثر وجوده وعدمه في حق أحدهما.
وعلى أنه لولا أنه يجب طلب الأشبه لم يمدح سليمان بفهمه.
وعلى أنه الآية وردت في القضية في الحكم، ولم ترد في طلب الأشبه،
فوجب أن يكون سليمان مخصوصاً بإصابة الحكم.
وجواب آخر وهو أنه رُوي في الحديث: أن سليمان نقضَ حكمَه. ولو
كان داود مصيباً لم ينقض سليمان حكمه(٣).
(١) ذكر ذلك الجصاص في كتابه أحكام القرآن (٥٥/٥) عند تفسيره للآية
المذكورة.
وانظر : إحكام الفصول للباجي ص(٧٠٩).
(٢)
انظر : المصدرين السابقين.
(٣) اختلف الناس في هذا:
١ - فقيل: إن داود حكم، ثم نُقِض حكمه بحكم سليمان.
=
١٥٥٢
٠

فإن قيل : فقد قال تعالى: (وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)، وهذا يدل على
أنهما جميعاً كانا مصيبين.
قيل : لم يرد أنهما أوتيا الحكم والعلم في هذه المسألة؛ لأنه لو كان كذلك
· لما خص بالفهم أحدهما، وإنما أراد أنهما أوتيا ذلك في الجملة.
فإن قيل: يجوز أن يكون في المسألة نصٌ خفي، وقف عليه سليمان ولم
يقف عليه داود.
قيل : لو كان هناك نص لما جاز الحكم بالاجتهاد.
على أن من مذهبهم: أنه إذا كان هناك نص خفي فحكم به حاكم باجتهاده،
لم يكن مخطئاً في حكمه.
فإن قيل : كيف يجوز الخطأ على الأنبياء؟ !.
قيل : يجوز عليهم، كما يجوز على غيرهم.
ولهذا قال النبي عَ لّهِ: (إنَّما أُنَسَّى لِأَسُنَّ).
وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ، ونحن نقُّ عليه.
: ٢ - وقيل : إن داود لم يكن قد أبرم الحكم في هذه القضية، فلما سمع ما
قاله سلیمان رجع إليه.
٣ - أو أن داود قال ذلك على سبيل الفتيا، لا على سبيل الحكم.
٤ - أو أن القضية معلقة بشريطة لم تُفْصَّل بعد، فأوحى الله بالحكم الذي حكم
به سليمان فكان ناسخاً لما أراد داود ان ينفذه.
انظر : أحكام القرآن للجصاص (٥٥/٥).
والظاهر من الآثار أن داود حكم في القضية، ثم نَقَض حكمه بما سمعه
من سليمان. والله أعلم.
١٥٥٣
1

[الدليل من السنة]:
وأيضاً : ما روى أبو هريرة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وغير
[هم] عن النبي ◌َّةٍ [٢٤٠/أ] أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،
وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر).
وهذا يدل على أن المجتهدين بين الإصابة والخطأ.
فإن قيل : هذا خبر واحد.
قيل : وإن كان خبر واحد فقد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعوا على صحته
وتأويله، فصار بمنزلة المتواتر، فوجب المصير إليه.
فإن قيل : معناه : إذا أصاب الأشبَه المطلوب، فله أجران، وإن أخطأ الأشبَه
کان له أجر واحد.
قيل: عندك لم يكلف طلب الأشبه ولا إصابته، وإنما فرضُه ما يغلب على
ظنه.
وإذا كان الأشبه وغيره واحداً لم يختلفا في الثواب والأجر.
فإن قيل : أراد بالإِصابة: إصابة النص أو الإِجماع، وبالخطأ: خطأ النص
أو الإجماع.
قيل : هذا عام بما فيه نص أو إجماع وغيره، فوجب أن يحمل على عمومه.
على أن استحقاق الأجر لا يختص بإصابة النص والإِجماع، بل ما فيه النص
والإجماع، ومالا نص فيه ولا إجماع في الأجر والثواب سواء.
وعلى أنه لو وجب حمل الخبر على هذا لوجب تفسيق من خالفه وتأثيمه.
ولمَّا حكم له النبي بأجر، لم يصح حملُه على ما قالوه.
وقد قيل في جوابه : إن المجتهد إذا استقصى في طلب النص فلم يجد، فهو
مصيب عندكم؛ لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه. ولا يُسمى من لم يبلغه
النص مخطئاً، كما لا يُسمى من لم تبلغه شريعة النبي أنه مخطىء.
١٥٥٤
:
:

فإن قيل: كيف يستحق الأجر وقد أخطأ في الحكم وفي الاجتهاد؟
قيل : هو مصيب فيما فعله من الاجتهاد مخطيء في تركه للزيادة على
ما فعله، فهو مأجور على ما فعله، مغفور له ترك ما ترك من الاجتهاد.
فإن قيل : فقد أُغْرِيّ إذاً بالترك؛ لأنه قد علم أنه لا مضرة عليه في الفعل.
قيل : ليس هذا بإغراء؛ ألا ترى أنه من بشره النبي بالجنة لا يحس ضرر
النار فيما يفعله؛ لأنه علم أن إما أن يسقط عنه العقاب بالتوبة، وإما بالمغفرة،
ومع ذلك ليس مغرى.
وعلى أن المجتهد لا يكون مغرى؛ لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى إليها
من النظر غفر له تركه النظر فيما بعد. إنما ذلك شيء يعرفه الله تعالى وحده،
فجرى ذلك مجرى صغائرنا التي لا يعرفها إلا الله وحده.
وأيضاً: ما رُوِيّ أن ـ النبي عليه السلام - كان إذا بعث جيشاً قال لهم
: (إذا حاصرتم [٢٤٠/ب] أهل حصنٍ أو مدينة فأرادوا منكم أن تنزلوهم
علی حکم الله تعالى فلا تنزلوهم على حكم الله تعالى، فإنكم لا تدرون ما
حكم الله فيهم)(١).
وهذا ينفي أن يكون حكم الله تعالى في الحادثة ما يُؤدي إليه اجتهاد المجتهد.
فإن قيل : يجوز أن يكون قال لهم : لا تنزلوهم على حكم الله؛ لأنكم
لا تأمنون ورود النسخ على الحكم الثابت.
[قيل: هذا] لا يمنع وجوب العمل به قبل العلم بالنسخ.
(١) هذا جزء من حديث طويل يرويه بُرَيْدَة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، وقد سبق
تخريجه عندما أورده المؤلف بلفظ: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذا بعث أميراً على سرية أمره بتقوى الله .. ) الحديث.
١٥٥٥

ألا ترى أنه لا جائز أن يقول النبي عَ لّم لهم: لا تصلوا ولا تصوموا؛
لأنكم لا تأمنون أن يكون قد يصح ورودُ نسخِ ذلك من الله تعالى.
[الاستدلال بالإجماع]
وأيضاً: فإن المسألة إجماع الصحابة.
فإنه قد ظهر منهم اختلاف في مسائل خطَّأَ بعضُهم بعضاً فيها، وأنكر
بعضهم على بعض. فلو كان كل مجتهدٍ في ذلك مصيباً لم يخطِّىء بعضهم بعضاً.
بل كان يقول بعضُهم لبعض: أنا مصيب وأنت مصيب.
فمن ذلك ما رُويَ عن عمر أنه أرسل إلى امرأة فأُفْزَعَها ذلك، فأَجْهَضَت.
فاستشار الصحابة، فقالوا: (لاشىء عليك، إنما أنت مؤدِّب). وكان عليّ: في
القوم ساكتاً، فقال عمر: (عزمت عليك يا أبا الحسن لتخبرنِّي، فقال علي إن
كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قاربوك(١) فقد غشوك. أراك
قد ضمنت الدية. فِقِبلَ قوله).
فقد أطلق اسم الخطأ عليهم، وإن كانوا مجتهدين.
وقال عمر في قضية قضى بها : (لا أدري أصبت أم أخطأت، ولكن لم
آل عن الحق).
وقال ابن عباس: (من شاء باهَلْتُه، أن الفرائض لا تعول).
(١) قارَبَه: ناغاه بكلام حسن.
انظر : القاموس (١١٥/١) مادة (قرب).
والكلمة هذه ثابتة في : إحكام الفصول للباجي ص (٧١٢) وقد سبق تخريج
الأثر.
والذي في المصنف لعبد الرزاق (٤٥٩/٧): (وإن كان قالوا في هواك فلم
ينصحوا لك).
١٥٥٦
i

وقال : (ألا يتقي الله زيد: يجعل ابن الابن بمنزلة الابن، ولا يجعل أبا
الأب بمنزلة الأب).
وقال: (من شاء باهَلْتُه عند الحجر الأسود أن الجَد أب)(١).
وقال ابن مسعود: (من شاء باهَلْتُه أن سورة النساء القصرى(٢) نزلت بعد
قوله تعالى: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)(٣).
وقالت عائشة: (أبلغي زيد بن أرقم أن الله أبطل جهاده مع رسول الله
صَلىالله
عَوِ ◌ٍّ إن لم يتب).
فإن قيل : يحمل قول علي : (أخطؤوا)(٤) حقيقة الأشبه المطلوب.
(١) هذا جزء من أثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما ــ سبق تخريجه، وقد ذكره .
المؤلف بلفظ: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل الابن ابناً .. ).
(٢) في الأصل : (القصوى) وهو تصحيف.
(٣) آية (٢٣٤) من سورة البقرة.
وهذا الأثر أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب : (وَأَولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ
أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١٩٤/٦) ولفظ ابن مسعود فيه: (أتجعلوا عليها التغليظ،
ولا تجعلون عليها الرخصة؟! لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: (وَأُولاَتُ
الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب: في عدة الحامل (٧٣٠/٢) طبعة
الدعاس، ولفظه: (من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة
الأشهر وعشراً).
وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب : عدة الحامل المتوفي عنها زوجها
(١٦٣/٦) ولفظه: (من شاء لاعنته، ما أنزلت .. ).
وأخرجه ابن ماجة في كتاب الطلاق، باب : الحامل المتوفي عنها زوجها
(٦٥٤/٢) ولفظه: (والله لمن شاء لاعنَّاه .. ).
(٤) في الأصل : (أخطى).
١٥٥٧

وكذلك قول ابن عباس : (من شاء باهلته) ثقة من نفسه أنه أصاب الأشبه.
قيل : قد أجبنا عن هذا وقلنا:
إن عندك لم يكلف طلب الأشبه ولا إصابته، وإنما فَرْضُه ما يغلب على
ظنه، فحكمه وحكم غيره سواء.
ولا يجوز حمل ذلك على أنه كان هناك نص؛ لأن القوم صرحوا بالرجوع
إلى الرأي. فقال علي : (إن اجتهدوا فقد أخطؤوا).
وكذلك [٢٤١/أ] ابن عباس (ألا يتقى الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا
يجعل أبا الأب أباً).
وهذا رجوع إلى الرأي.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون عدولُه عما ثوابه أكثر إلى شىء ثوابه أقل من
الشيطان. وقد أضافت الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان.
وأيضاً فإنهم إذا اختلفوا على قولين متضادين مثل تحريم وتحليل، وتصحيح
وإفساد، وإيجاب واسقاط، فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين، أو أحدهما صحيحاً والآخر فاسداً.
ولا يجوز أن يكونا فاسدين؛ لأنه يؤدي إلى إجماع الأمة على خطأ فاسد،
وهذا لا يقوله أحد.
ولا يجوز أن يكونا صحيحين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشىء الواحد حراماً
حلالاً، واجباً غير واجب، وصحيحاً باطلاً.
ولهذا قلنا في الفُرُوج، وهو إذا تزوج حنبلي امرأة من وليها، بعد أن تزوجها
حنفي بغير ولي، فالحنبلي يقول : الأول باطل ونكاحي صحيح، وهي حلال
لي دونه.
١٥٥٨

والحنفي يقول : نكاحي صحيح، والثاني باطل.
فلو كان كل مجتهد مصيباً كانت حلالاً لكل واحد منهما. وهذا لا يجوز
بالإجماع.
فإذا بطل هذان القسمان، ثبت أن أحدهما صحيح والآخر فاسد.
فإن قيل: إنما لم يصح استباحتها لشخصين؛ لأن الإِجماع دال على أنه لا
يجوز الجمع بينهما.
قيل: الإِجماع يحصل على أن أحدهما مباح والآخر حرام.
فإن قيل: المجتهدان(١) إذا أفتى أحدهما بحظر الوطء، والآخر بإباحته،
وتساوى فتواهما عند المستفتي، فإن المستفتي يكون مخيراً في الأخذ بأي القولين
شاء.
فإذا اختار الأخذ بأحدهما تعيّن(٢) عليه الحكم الذي اختاره من حظر أو
إباحة، فلا يكون قد اجتمع الحظر والإِباحة في الوطء الواحد.
كما يقول في المكفر عن يمين: هو مخير بين الأشياء الثلاثة، فإذا اختار
أحدها(٣) تعيّن(٤) عليه ما اختاره.
قيل : لو كان هذا يجري مجرى الكفارة لجاز لأحد المجتهدين أن يقول له
أنت مخيّر بين الحظر والإِباحة، كما يقول له: أنت مخيّر بين العتق والإِطعام.
فإن قيل : الحكم بصحتها لا يؤدي إلى التضاد في حق شخص(٥)، إنما
(١) في الأصل : (المجتهدين).
(٢) في الأصل: (تغير).
(٣) في الأصل : (أحدهما).
(٤) في الأصل (تغير).
(٥) يعني باعتبارات مختلفة وبأحوال متعددة، فالشخص الواحد يكون مقيماً ويكون
مسافراً، والمرأة تكون طاهراً وتكون حائضاً.
١٥٥٩

يؤدي إلى ذلك في حق شخصٍ واحدٍ في وقت واحدٍ، فأما على شخصين
أو فريقين فلا يستحيل، كما ورد الشرع بإيجاب الصلاة على الطاهر، وأسقطها
عن الحائض.
ووجوب الإِتمام على المقيم، والرخصة في القصر (١) للمسافر.
قيل: [٢٤١/ب] الأدلة إذا كانت عامة لم يجز أن يكون مدلولها خاصاً،
والدلالة على كل واحدٍ منهما عامة في الجميع؛ فلا يجوز أن يكون حكمها
خاصاً. وإذا كانت عامة ثبت التضاد ولم يجز أن يكون الجميع صحيحاً(٢).
فإن قيل : الأمارة على الحكم خاصة وليست بعامة؛ لأن الأمارة على الحكم
ظن المجتهد، وذلك يخصه، فكان الحكم خاصاً فيه.
يدل على ذلك : أن الأمارات التي فيها متكافئة ليس بعضها أقوى من بعض
فلا طريق أولى من طريق.
قيل [طريق] الاحكام هو الكتاب والسنة، دون الظن، وذلك عام.
يدل على صحة هذا قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْئءٍ فَرُدُوهُ إلَى اللهِ وَالَّسُولِ)
والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دون الظن.
فإن قيل : فالقياس طريق الأحكام، وهو ظن القياس.
قيل : القياس يرجع إليهما؛ لأن القياس يقع على ما ثبت بالكتاب والسنة،
ويتعدى الحكم من الأصل الثابت بالكتاب والسنة(٤).
وجواب آخر وهو: أن المجتهد يرجع إلى أدلة من الكتاب والسنة والقياس.
وقوله: ((إن الأمارة هي الظن)) مخالف لإِجماع الأمة(٥).
(١) في الأصل: (والقصر).
(٢) انظر في هذا: شرح اللُّمع (١٠٥٦/٢).
(٣) آية (٥٩) من سورة النساء.
(٤) يعني : إلى الفرع لاشتراكهما في العلة.
(٥) في شرح اللَّمع (١٠٦٠/٢): (فقد خالف هذا النص) ويعني به قوله تعالى: (فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالَّسُولِ).
١٥٦٠