Indexed OCR Text
Pages 1421-1440
واختلف أصحاب الشافعي: فذهب المُزَنى إلى جواز الاستدلال بذلك(١). وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز الاستدلال به(٢). دلیلنا: ما روي عن النبي عَّ المه قال: (لا يُفَرَّقُ بين مجتَمِع)(٣). وما روي عن أبي بكر في مانعي الزكاة: (لا أُفْرِّقُ بين ما جمعَ الله) (٤). وقول ابن عباس لما استدل على وجوب العمرة بكونها قرينة الحج [في] كتاب الله، وتلا قوله: (وَأَيِّمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)(٣). (١) نسب ذلك إليه الشيرازي في التبصرة ص (٢٢٩). (٢) وهو ما صدَّر به الشيرازي المسألة في كتابه التبصرة الموضع السابق. وانظر: اللُّمع ص (٢٤) والتمهيد للإِسنوي ص (٢٦٧). (٣) سبق تخريج الحديث. وأجاب الشيرازي عن وجه الاستدلال من هذا الحديث في كتابه التبصرة الموضع السابق: (أنه وارد في باب الزكاة، وأن النصاب المجتمع في ملك رجلين لا يفرق بينهما). قلت: وما قاله الشيرازي هو عين الصواب. (٤) أقرب الألفاظ إلى لفظ المؤلف - فيما رأيت - لفظ البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (١٣٨/٩) ولفظ الشاهد فيه: (فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فّق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقصة عزمه - رضي الله عنه - على محاربة مانعي الزكاة، وحواره مع عمر - رضي الله عنه - في هذه المسألة معلومة مشهورة. وأجاب الشيرازي في المرجع السابق عن وجه الاستدلال بقول أبي بكر - رضي الله عنه - بقوله: (إن أبابكر - رضي الله عنه - أراد لا أُفرقُ بين ما جمع الله في الإِيجاب بالأمر). (٥) هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ذكره البخاري تعليقاً في أول = ١٤٢١ ولأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيجب أن يُعطى الثاني حكم الأول. ولأن صيغة الأمر تناولتهما. واحتج المخالف: بأن جمع لفظ صاحب الشريعة بينهما في حكم من الأحكام لا يدل على اجتماعهما في غيره. ألا ترى أن العلة إذا جمعت الأصل والفرع في حكم، لا يجب أن يجمع بينهما في غيره. والجواب: أن العلة إذا جمعت بين الأصل والفرع قد أفادت حكماً شرعياً وهو إلحاق الفرع بالأصل في ذلك الحكم، يجب أن يقال مثل هذا في جميع لفظ صاحب الشريعة أن يفيد، وعندهم القرينة هاهنا ما أفادت(١) شيئاً بحال. واحتج: بأنه يجوز اقتران المتضادين في الأمر والنهي، كقوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ) (٢) وأمر بوطئهن ولم يكن واجباً، كما كان النهي واجباً = باب العمرة (٢/٣) ولفظه: (إنها لقرينتها في كتاب الله، (وَأَتِّمُوا الْحَجَّ وَالْعَمْرَةَ). وأخرجه الإِمام الشافعي في الأم في كتاب الحج، باب: هل تجب العمرة وجوب الحج؟ (١٣٢/٢). وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الحج، باب: من قال بوجوب العمرة استدلالاً بقوله تعالى: (وأُتِمُوا الْحَجَّ وِالْعُمْرَةَ) (٣٥١/٤). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه كما في التلخيص (٢٢٧/٢) وتغليق التعليق (١١٨/٣). وأخرجه ابن حجر في كتابه تغليق التعليق (١١٧/٣) بسنده إلى ابن عباس، رضي الله عنه. (١) في الأصل (أفاد). (٢) آية (٢٢٢) من سورة البقرة. ١٤٢٢ - باب العلة الدالُ على صحة العلة(١) والاعتراض عليها (١) العلة أهم باب من أبواب القياس ، ولذلك نجد علماء الأصول قد اهتموا بها قديماً وحديثاً. ومن آخر من كتب فيها الدكتور عبدالحكيم بن عبدالرحمن السعدي العراقي بعنوان ((مباحث العلة في القياس عند الأصوليين)). ويحسن بنا هنا أن نبين معناها في اللغة والاصطلاح باختصار، فنقول: العلة في اللغة مأخوذة من (عَّ) تأتي لمعانٍ ، أشهرها ثلاثة : الأول : تكرار الشىء أو تكريره، ومنه العَلَل، وهي الشربة الثانية، وسميت العلة بذلك - كما يقول ابن بدران في شرح الروضة (٢٢٩/٢) -: «لأن المجتهد يعاود النظر في استخراجها مرة بعد مرة)). الثاني : الضعف في الشىء ، ومنه العلة للمرض. وسميت العلة بذلك - كما يقول ابن قدامة في روضته الموضع السابق - : ((لأنها غيرت حال المحل أخذاً من علة المريض)). الثالث : السبب، تقول : هذا الشىء علة لهذا الشىء، أي سبب له، وسميت العلة بذلك، لأنها السبب في الحكم. انظر: معجم مقاييس اللغة (١٢/٤) واللسان (٤٩٥/١٣). أما في الاصطلاح فهناك أقوال كثيرة، أشهرها أربعة : الأول : أنها المعرف للحكم. الثاني : أنها المؤثرة بذاتها في الحكم. الثالث : أنها المؤثرة في الحكم بجعل الله لها ذلك. الرابع : أنها الباعث على تشريع الحكم. = ١٤٢٣ ١ والدلالة على صحتها(١) من وجوه خمسة : أحدها : لفظ صاحب [الشريعة] بنص(٢) أو ظاهر أو تنبيه، فإنه يدل على صحة العلة كما يدل على صحة الحكم، فلا فرق بينهما. وذلك ضربان : أحدهما الكتاب. والآخر السنة. فأما الكتاب : فمثل قوله تعالى في تحريم الخمر: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أُنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَاءَ فِى الْخَمْرِ والْمِّيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ)(٣) وهذا عبارة عن الإِسكار الذي يُحدث هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى . وقوله : (وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً)(٤). والإِفضاء هاهنا الوطء. فدل على أنه يقرر المهر ويمنع من سقوط نصفه بالطلاق. = انظر: المستصفى (٥٩/١) وشفاء الغليل ص (٢٠) والمعتمد (٧٠٤/٢) الإحكام للآمدي (١٨٦/٣) ونبراس العقول ص (٢١٦) ومباحث العلة في القياس عند الأصوليين ص (٧٠). (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٩/٤)، والواضح (١٠٨٢/٣) وروضة الناظر مع شرحها (٢٥٧/٢) والمسوَّدة ص (٤٣٨) والبُلبل ص (١٥٧) وهذا ما يُعبَّر عنه: بمسالك إثبات العلة. (٢) في الأصل : (بنصه). (٣) آية (٩١) من سورة المائدة. (٤) آية (٢٠ - ٢١) من سورة النساء. ١٤٢٤ وقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ القُرَى فَلَّهِ وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَتْ لاَ يَكُونَ دُوْلَةً بَيْنَ اْأُغْنِيَاءِ)(١). وَالدُّولَة : ما يتداوله الناس. فقد جعل لهؤلاء المذكورين حقاً في الفيء كيلا يتداول المال الأغنياء دون الفقراء. وقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا)(٢) وهذا يدل على تعلق الاستئذان بالبلوغ. وقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ◌ْلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاجٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ)(٣). وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (٤) يدل على تعلق القصر بالضرب في الأرض، وصلاة الخوف بالخوف. كما إذا قال لعبده: إذا فعلتَ كذا فأنت حر، ولزوجته: إذا كان كذا فأنت طالق، فيدل على تعلق الحرية والطلاق بالمعنى الذي ذكره(٥). وكذلك قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)(٦) يدل على تعلق إباحة الميتة بالضرورة. وقوله تعالى: (والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(٧) والمراد (١) آية (٧) من سورة الحشر. (٢) اية (٥٩) من سورة النور. اية (١٠١) من سورة النساء. (٣) آية (٢٣٩) من سورة البقرة. (٤) (٥) في الأصل: (ذكروه). آية (١٧٣) من سورة البقرة. (٦) أية (٥) من سورة المائدة. (٧) ١٤٢٥ به: الحرائر. وهذا يدل على اعتبار الحرية في الحلال وأن نكاح الأمة الكتابية لا يجوز؛ لأن ذكر الصفة في الحكم تعليل للحكم بها، ودليل على تعلقه بها. ومن ذلك قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ)(١). وقوله: [٢٢٠/ب] وَالسَّرِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(٢). و(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٣). لأن تخصيص صفة أو فعل في الحكم يدل على تعلقه بها. ولهذا قال أحمد - رحمه الله - : ((إنه يدل على أن ما عداه بخلافه)). وأما السنة: فمثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أَيْقُصُ الرطبُ إذا يَبِس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذاً). وقوله عليه السلام: (لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفْرٌ بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتلُ نفس بغير حق)(٤). (١) آية (٢٢٢) من سورة البقرة. آية (٣٨) من سورة المائدة. (٢) (٣) اية (٢) من سورة النور. (٤) هذا الحديث رواه عثمان بن عفان - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الشافعي كما في بدائع المنن في كتاب القتل والجنايات، باب: التغليظ في قتل المؤمن (٢٤٢/٢) ولفظه مثل لفظ المؤلف، غير أنه قال في آخره: (أو قتل نفس بغير نفس). وأخرجه الترمذي في كتاب الديات، باب: ما جاء لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث (١٩/٤). وأخرجه ابن ماجه في الباب الأول من كتاب الحدود (٨٤٧/٢). وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٦١/١). وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الحدود، باب: لا يحل دم امرىء مسلم = ١٤٢٦ L ونهيه عن بيع ما لم يُقبض، ورِبْح ما لم يُضمن(١)، وعن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل(٢). وقوله: (إِنَّما هو دم عِرْق). وقوله: (إنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات). وقوله: (لا تُمسّوه طيباً؛ فإنه ببعثُ يوم القيامة مليّياً)(٣). إلا بإحدى ثلاث (٣٥٠/٤) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، = ولم يخرجاه). ومعنى الحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٦/٩). وانظر: التلخيص الحبير (١٤/٤) والمنتقي ص (٦١٦). (١) فهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن قد سبق تخريجه. وانظر: التلخيص الحبير (٢٥/٣). (٢) هذا إشارة إلى حديث معمر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الطعام بالطعام، مثلاً بمثل). أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلاً بمثل (١٢١٤/٣). (٣) هذا الحديث رواه ابن عباس - رضي الله عنهما ــ مرفوعاً، أخرجه عنه البخاري في كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم؟ (٩٢/٢). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات (٨٦٥/٢). وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب: المحرم يموت كيف يصنع به؟ (٥٦٠/٣) طبعة بتعليق الدعاس. وأخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب: ماجاء في المحرم يموت في إحرامه (٢٧٧/٣). وأخرجه النَّسائي في كتاب مناسك الحج، باب غسل المحرم بالسدر إذا مات (١٩٥/٥). وأخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك، باب: المحرم يموت (١٠٣٠/٢) وأخرجه الدارمي في كتاب مناسك الحج، باب: في المحرم إذا مات ما يصنع به؟ (٣٧٨/١). ١٤٢٧ -- و(إنَّما نهيتُكم من أجل الدَّافَّة) يعني الجماعة الذين وفدوا(١). وقوله للمُحْرِمين(٢): (هل أشرتم؟ هل أعنتم؟)(٣). وقول الرواي: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد. وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الأعرابي: (هلكتُ وأهلكتُ) فقال النبي عَّ ◌ُله: (اعتق رقبة). وهذا يدل على تعلق (٤) الحكم بالسبب المذكور. وقالت عائشة: عَتَقت بَرِيرة فخيّر[ها] رسول الله عَ ◌ّلِ، وكان زوجها عبداً(٥). وذلك يدل على تعلق التخيير برقّ الزوج. ومثل ذلك في السنة أكثر. (١) هذه الجماعة وفدت على المدينة النبوية في أيام العيد يلتمسون ما يأكلون، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ادخار لحوم الأضاحي من أجلهم، فلما وسع الله على المسلمين أجاز لهم الادخار. (٢) غير واضحة في الأصل، والتصويب من مراجع تخريج الحديث الآتية. (٣) هذا الحديث رواه أبو قتادة - رضي الله عنه - وفيه أن أبا قتادة لم يُحْرِم بعد، فرأى حمار وحش، فعقره، فجاء به إلى رفاقه وكانوا مُحرِمين، فأكلوا منه، ثم قالوا: نأكل من لحم صيد، ونحن محرمون؟ فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (هل أُشرَتم أو أَعَنْتُم؟ قالوا: لا، قال: كلوا). أخرجه مسلم عنه في كتاب الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم (٨٥٤/٢). وأخرجه عنه النَّسائي في كتاب مناسك الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال (١٨٦/٥). وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٣٠٢/٥). (٤) في الأصل: (نطق). (٥) قد مضى تخريج حديث: أن بَرِيرة - رضي الله عنها - عتقت وكان زوجها عبداً أو أنه كان حراً (١٠٢٧/٣ - ١٠٢٨). ١٤٢٨ ٠ وإذا ثبت التعليل بلفظ صاحب الشريعة، أو بلفظ الراوي عنه، فإنه ينظر فيه. فإن كان مطرداً لم يجز أن يزاد فيه، وإن انتقض أضيف إليه وصف آخر يؤثر في ذلك الحكم، وعلم بانتقاضه أنه نصَّ على بعض العلة، وجعل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم. وهنا كما روى بعض المخالفين(١): أن النبي عَ لّه قال لبَرِيرة: (ملكْتٍ بُضْعَك فاختاري)(٢). وهذا يدلُّ على أنها إذا اعتقت تحت الحر يكون لها الخيار. فأجبنا عنه: بان هذا اللفظ غير محفوظ(٣). وقد استقصى الدارقطني في [سننه] طرق هذا الحديث وألفاظه، ولم يذكر هذا اللفظ فيها (٤). ولو ثبت لكان تقديره، ملكتِ بُضْعَك تحت العبد فاختاري. وهذا متزن. وقد أضاف إليه بعضهم مصراعاً آخر فقال: مَلَكَتِ بُضْعَكِ تَحْتَ الْعَبْدِ فَاخْتَارِي وَبَدِّلِي الدَّارَ إِنْ أَحْبَيْتِ بِالدَّارِ(٥) (١) إشارة إلى الحنفية. انظر: هذا الكتاب (١٨٢/١). (٢) هذا الحديث سبق تخريجه (١٨٢/١). ويرى المؤلف أن كونها عتقت بعض العلة، وتمام العلة: كونها: عتقت تحت عبد؛ لأنها لو عتقت تحت حر فلا خيار لها. (٣) وذلك (١٨٢/١) من هذا الكتاب. (٤) وذلك في سننه (٢٨٨/٣ - ٢٩٤). وراجع في ذلك أيضاً: التعليق المغني على سنن الدارقطني الموضع السابق، وفتح الباري (٤٠٦/٩) و(٦٠١/١١) و(٣٩/١٢) وتغليق التعليق (٢٢٣/٥). (٥) لم أقف على قائله. ١٤٢٩ 1 : الثاني : إجماع الأمة فهو حجة مقطوع بها. فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب المصير إليه والعمل به. ومثاله: قول النبي عَ له: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) أجمعوا على أن النبي عليه السلام نهى عن ذلك؛ لأن الغضب [٢٢١/أ] يشغل قلبه، ويغير طبعه، ويمنعه من التوفير على النظر والاجتهاد، فكان كل داخل على قلب الإنسان من حزن وفرح، وجوع وعطش، ونوم ومرض بمنزلة الغضب. وقد يتفق الخصمان على علة، فيلزمهما حكماً في النظر لاعترافهما بصحة ما اتفقا عليه. وقد يتفق الخصمان على أحد وصفي العلة، ويختلفان في الآخر، فيجب المصير إلى مادل المعلل عليه. منها أن المعللين اتفقوا على اعتبار الجنس في تحريم التفاضل، واختلفوا في ضم الوصف الآخر إليه. وقال بعض أهل العلم: البيع لا ينقل الملك في زمان الخيار؛ لأنه إيجاب غير لازم، كما إذا لم ينضم إليه القبول(١). (١) وهو الرواية الثانية عن الإِمام أحمد، وبه قال مالك. وقول للشافعي. والرواية الأولى عن الإِمام أحمد: أن الملك ينتقل إلى المشتري في بيع الخيار مطلقاً. أما الحنفية فيقولون: إن كان الخيار للبائع فالمبيع لا يخرج عن ملكه، والثمن يخرج عن ملك المشتري. وإن كان الخيار للمشتري فالمبيع يخرج عن ملك البائع، والثمن لا يخرج عن ملكه. وإن كان الخيار لهما فلا يخرج المبيع عن ملك البائع، ولا يخرج الثمن عن ملك المشتري. انظر: المغني (٥٧١/٣) وشرح فتح القدير والشروح التي معه (٣٠٥/٦). ١٤٣٠ 1 فيقول خصمه: المعنى في الأصل أن الإِيجاب لم يصادفه القبول، وفي مسألتنا إيجاب صادفه القبول، فخالفه في الوصف الثاني، وقال: إيجاب غير لازم منتقض بمن اشترى عبداً على أنه صائغ فلم يكن صائغاً، فإن الإِيجاب غير لازم، وقد انتقل الملك وكذلك إذا وجد به عيباً. وقد يختلفان في وصف، فيزيده أحدهما وينقصه الآخر. مثاله: إذا اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً لم يكن له رد أحدهما. وقال أبو حنيفة: يجوز(١). وعلة من منع رد أحدهما: أن [فيه] تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه(٢)، فوجب أن لا يجوز قياساً على ما قبل القبض(٣). فإن قال: المعنى في الأصل أنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه في الإتمام(٤)، وليس كذلك في الفرع، فإنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير (١) الحنفية تقول بالجواز بعد قبض العبدين خلافاً لزُفَر في المشهور عنه. أما إذا قُبِض أحدهما ووُجِد بالآخر عيب قبل القبض فلا يجوز التفريق عندهم، فإما أن يأخذهما أو يدعهما. انظر: شرح فتح القدير (٣٨٦/٦). (٢) لما يلحقه من الضرر؛ لأن العادة في البيع أن يضم الجيد إلى الرديء لترويج الرديء، وهو المشهور عن زفر، كما في المصدر السابق (٣٨٧/٦). (٣) وقياساً على خيار الشرط والرؤية. انظر: المصدر السابق. (٤) يعني قبل قبضها، ففي رد أحد العبدين بعد قبلت أحدهما فقط تفريق للصفقة قبل تمامها؛ لأن تفريقها قبل القبض كتفريقها في العقد. انظر: المصدر السابق. وقد ذكر المؤلف هذه المسألة في كتابه: الروايتين والوجهين (٣٣٧/١)، وذكر أن فيها روايتين ... ١٤٣١ ------ - رضاه في الفسخ، والتبعيض في الفسخ يجوز وفي الإِتمام لا يجوز. فإذا كان كذلك وجب على الزائد أن يقيم عليه الدليل؛ لأن العلة إذا استقلت بما اتفقا عليه فلا تجوز الزيادة، إنما بحسب الحاجة إليها يجب أن يبينها. الثالث : التأثير وهو أن يوجد الحكم بوجود معنى ويعدم لعدمه، فيدل ذلك على أن الحكم متعلق به وتابع له، وهذا هو العكس. وقد بینًا فیما تقدم أنه ليس بشرط في صحة العلة، لكنه دليل على صحتها. وقد صرح أحمد - رحمه الله - بهذا في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسَّان: ((إذا أقبل به وأدبر فكان مثله في كل أحواله، فهذا ليس في نفسي منه شىء)). فقد صرح بأن وجود الحكم بوجوده وعدمه بعدمه دليل واضح على صحة القیاس. وهذا مثل ما نقول: إن عصير العنب حلال، فإذا وجدت فيه الشدة المطرِبة حُرُم، وإذا زالت الشدة حلّ. فلو قدَّرنا عود الشدة لقدرنا عود التحريم. وهذا يدل [٢٢١/ب] على [أن] صحة التحريم تابع للشدة المطربة، ولأن النبيذ حرام لوجود هذه العلة فيه. وكذلك قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (١) والعلة في نقصان أحدهما هو الرق، بدلالة أنه = ولكنه رجح عدم جواز تفريق الصفقة حيث قال: (وهو أصح، فوجهه: أن السلعة خرجت من ملك البائع جملة بجهة واحدة، فلو أجزنا رد بعضها تبعَّض الملك على البائع، وأضررنا به، فلم يجز لما عليه من الضرر). ولعل هذا هو الصواب، لما فيه من نفي الضرر عن الطرفين. (١) آية (٢٥) من سورة النساء. ١٤٣٢ يوجد بوجوده ويعدم بعدمه، فإن الرق ما دام موجوداً كان حدها خمسين. فإذا اعتقت وزال رقها كملت الحد. ولم يعدم بالعتق سوى الرق. فإذا ثبت أن نقصان الحد متعلق بالرق وجب أن يكون حد العبد على النصف قياساً على الأمة لوجود علة النقصان فيه. ومثل ما نقول في سفر المعصية، إذا كان معصية (١): إنه معنى يتعلق به تخفيف الصلاة، فإذا كان معصية لم يتعلق به كالقتال(٢) وتأثيره في الأصول أنه إذا كان طاعةً أو مباحاً جازت صلاة الخوف، وصلاة شدة الخوف مخرجة عن المعصية، فدل على أن الحكم تابع لذلك. ومثل ما قلنا: إن العلة في تحريم الربا التفاضل في الكيل دون الطعم، بدليل أن المكيلين متى تساويا من طريق الكيل جاز البيع فيهما وإن كانا مختلفين في الأكل. وحكى أبو سفيان السرخسي وأبو عبد الله الجرجاني عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يمنع أن یکون وجود الحکم بوجودها وعدمه بعدمها دلالة على صحتها(٣)، وخالفاه على ذلك. (١) عبارة (إذا كان معصية) زائدة لا معنى لها. (٢) عدم جواز القصر في سفر المعصية هو المذهب. وفي مسائل الإِمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣٨٧/١) وفي مسائله رواية أبي داود ص (٧٤) وفي مسائله رواية ابن هانىء (١٢٩/١) يجيب الإِمام أحمد فيها كلها بعدم الجواز. وانظر: المغني (٢٦٢/٢) والإنصاف (٣١٦/٢) والروض المربع بحاشية العنقري (٢٧١/١). (٣) هكذا نقله عنه الجصاص في أصوله ص (١٤٤). وقد خالفه الجصاص، ورأى أن ذلك دليل على صحة العلة، وأكد ذلك بقوله ص (١٤٥): ( .... هو عندي وجه قوي في هذا الباب، وما ينفك أحد من القائسین من استعماله). ١٤٣٣ والدليل على أن ذلك دلالة على صحتها: أنه دلالة على صحة العلل العقلية، وأن المعنى الموجب لكون المحل أسود(١) وجود السواد فيه وارتفاعه بارتفاعه. وإذا كان ذلك دلالة العقليات مع كون العلل فيها موجبة، فاولى أن يجري ذلك في الشرعيات مع كونها غير موجبة(٢). فإن قيل: تكفير المُستحِلُّ للخمر قد وُجد بوجود الشدة وعُدِم بعدمها، ولم يدل على أنها العلة في التكفير(٣). قيل: هذا لا يدل على بطلان هذا الأصل؛ لأن العلل الشرعية وما هو دلالة عليها، ليست بموجبة لما يتعلق بها من الأحكام. فغير ممتنع أن يدل على شىء ولا يدل على نظيره، كخبر الواحد يجوز إثبات الحكم به فيما لم يرد القرآن بخلافه، ولا يجوز قبوله(٤) فيما يخالف القرآن، والنقل فيهما على وجه واحد(٥) فإن قيل: لو جاز ذلك لوجب أن تصح علل القائسين في تحريم التفاضل في الأشياء المنصوص عليها؛ لأن كلاً منهم يمكنه أن يبين وجود الحكم بوجود علته، وعدمه بعدمها. ولا خلاف أن جميع عللهم غير صحيحة(٦). (١) في الأصل: (الأسود). (٢) هذا الدليل إلزامي لأبي الحسن الكرخي الذي فرق بين العلة العقلية في هذا المقام، فجعل وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها يدل على صحتها وبين العلة الشرعية فأبى ذلك. (٣) انظر: المصدر السابق ص (١٤٤). هذا الاعتراض هو الدليل الأول لأبي الحسن فيما ما ذهب إليه. انظر: المصدر السابق. (٤) في الأصل: (قوله). (٥) يعني أن النقل في خبر الواحد في صورة ما إذا لم يرد القرآن بخلافه، وفي صورة ما خالف القرآن جاء على وجه واحد. (٦) وهذا هو الدليل الثاني لأبي الحسن الكرخي. انظر: أصول المصدر السابق. ١٤٣٤ . قيل: الجواب عنه ما تقدم. وعلى أن [٢٢٢/أ] ذلك دليل على صحتها ما لم يمنع مانع، كالعموم يدل على الحكم ما لم يمنع مانع، وقد منع هناك مانع. الرابع : شهادة الأصول فمثل قولنا: لا تجب الزكاة في إناث الخيل؛ لأنها لا تجب في ذكورها، كالبغال والحمير والفِيّلة وغير ذلك من الحيوانات، وعكسه الإبل والبقر والغنم. وإذا كانت الأصول مرتبة على التسوية بين الذكور والإناث في وجوب الزكاة وسقوطها، ووجدنا الخيل لا زكاة في ذكورها إذا انفردت بالإجماع، لم تجب في إناثها. وكان ذلك طريقاً يقتضي غلبة الظن؛ لأن الظن يمنع وجود الحكم في الغالب. ولهذا نقول: إذا ثبت من عادة الواحد أنه إذا أعطى بناته شيئاً من أمواله أعطى بنيه مثله، وتكرر ذلك من فعله، ثم سمع أنه أعطى بناته شيئاً غلب على ظن من سمع ذلك ممن علِم عادته أنه أعطى بنيه. ومن ذلك: من صح طلاقه صح ظهاره. وما جاز بيعه جاز رهنه. ومن لزمه العُشْر لزمه ربع العُشْر. وما حرم فيه [التفاضل] حرم فيه التفرق قبل التقابض. ومثل ذلك کثیر. الخامس : قيام الدلالة على بطلان ما سواها مثاله: اختلاف الفقهاء في علة فساد البيع حالة التفاضل، مع اتفاقهم أن الأصل يبطل بتعليله بإحدى العلل المذكورة. فمتى قامت الدلالة على بطلان جميعها إلا واحداً تعين الحق في الحرية في الآخر، كما لما لم يكن هناك من يستحق الحرية غيره. ١٤٣٥ ( العدة فى أصول الفقه - ٩١ ) فصل [ الطرد لا يدل على صحة العلة ] وأما الطرد فليس بدليل على صحتها، لكنه شرط في صحتها(١). وقد تقدم الكلام في ذلك، أن الطرد شرط في صحتها، وأن تخصيصها نقض لها. وهذا ظاهر قول أحمد - رحمه الله - وأن الطرد ليس بدليل على صحتها؛ لأنه قال في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسَّان: ((القياس: أن يقاس على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر)). وقال أيضاً - رضي الله عنه ـــ في رواية الأثرم، مذكور في كتاب الصيام: ((إنما يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا شبّهته به فأشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فقد أخطأت، قد يوافقه في بعض أحواله ويخالفه في بعض، فإذا خالفه في بعض أحواله فليس هو مثله)). وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة: الجرجاني والسرخسي(٢)، وأكثر أصحاب الشافعي(٣) والمتكلمين. (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٠/٤) وروضة الناظر (٣٢١/٢) والمسوَّدة ص (٤٢٧) وشرح الكوكب المنير (١٩٨/٤). (٢) الخلاف واقع في هذه المسألة عند الحنفية، ومن قبله وقع الخلاف في تحديد معنى الطرد. فانظر: كشف الأسرار (١٠٨٥/٣) وأصول السرخسي (١٧٦/٢) وميزان العقول ص (٥٩٩) وتيسير التحرير (٥٢/٤). (٣) انظر: التبصرة ص (٤٦٠) وشرح اللُّمع (٨٦٤/٢). ١٤٣٦ أ / i وقال بعض الشافعية: الطرد دليل على صحتها(١). دليلنا : أن الطرد لو كان دليلاً على العلة لجاز [٢٢٢/ب] أن يقتصر على ذكر العلة في الفرع من غير ذكر الأصل وتكون العلة صحيحةٌ لوجود الطرد على أصله. مثل: أن يسأل عن تحريم النبيذ فيقول: إنه شراب فيه شدة مُطرِبة، فوجب أن يكون حراماً. والدليل على أن الشدة المطربة دليل على تحريمه: أن ذلك مطرد فيه، لا ينتقض على أصل. فلما أجمعوا على أنه ليس بدليل، وأنه دعوى لا دليل عليها، دل على أن الطرد ليس بدليل على صحة العلة. ١ يدل على ذلك أن كل ما هو دليل على صحة العلة فلا فرق بين أن يذكر في الفرع أو في الأصل، مثل قول صاحب الشريعة ونطقه به. ولأنه إذا لم يكن ذلك دليلاً في الفرع وجب أن لا يكون دليلاً إذا رده إلى الأصل؛ لأن دعواه للطرد فيهما جميعاً واحدة، ولا فرق بينهما. ولأن جريانها في معلولاتها ليس فيه أكثر من أنها جامعة لفروعها، وهذه الفروع قوله ودعواه، فيكون جامعاً بين دعوتين، فلا يكون من ذلك دليلاً على صحة علته. (١) ونسبه الشيرازي في المصدرين السابقين إلى أبي بكر الصيرفي. ثم عقّب عليه في شرح اللُّمع بقوله: (وهو فاسد). والشافعية قول ثالث، ذكره الشيرازي في التبصرة بقوله: (وقال بعض أصحابنا: إذا لم يردها نص ولا أصل دل على صحتها). ولتحقيق مذهب الشافعية انظر: البرهان (٧٨٩/٢) وشفاء الغليل ص (٣٠٣/٢٦٦) والمنخول ص (٣٤٠) والمحصول (٣٠٥/٥) والإبهاج (٨٥/٣). ١٤٣٧ وقد قيل: الطرد زيادة في الدعوى؛ لأنه يقال له: ما الدليل على أن العلة ما ذكرته في الأصل؟ قال: لأني أطردها ولا أنقضها في موضع من المواضع. وهو يطالب بالدليل على صحة ما فعله في جميع المواضع، فلا يجوز أن تصح الدعوى بزيادة الدعوى. وأيضاً: فإن الطرد لو كان دليلاً على صحة العلة لم يجز وجوده مع الفساد. والعلة الفاسدة تطَّرد كما تطرد الصحيحة. مثل ذلك: أن يعلل فيما يخالف الإِجماع بعلة تطَّرد. ومثال ذلك في إزالة النجاسة بالمائعات: مائع لا يعقد على جنسه القناطر، أو لا تبنى عليه القناطر، أو الجسور(١)، أو لا تكون فيه السباحة، أو لا يصطاد فيه السمك، فوجب أن لا تزال به النجاسة، كاللبن والدهن والمرق، ولا ينتقض بالماء، فإنه يعقد على جنسه الجسور وتبنى عليه القناطر. أو يقول: كلب، فوجب أن يكون نجساً كالميت. ويقول: مسَّ ذکرَه، كما لو مسَّ ذكره وبال. أو يقول في وطء الثيب: شرع في نافذ، فلا يمنع الرد بالعيب، كما لو مشی في الشارع وأخرج رأسه من الرّوْزَنَّة(٢). ولا ينتقض بالبكر، فإنه إذا وطأها لم يشرع في نافذ. ويقول فيه: أدخل المُدخل في المَدخل، فلا يمنع من الرد. أصله: إذا أدخل رأسه في القَلَتْسُوَة وأدخل رجله في الخف. وقال بعضهم في القهقهة: اصطكاك الأجرام العلوية، فلا تنقض الطهارة کالرعد. (١) في الأصل: (الجسورة). (٢) الَّوْزَنَة: الكوة. انظر: القاموس (٢٢٧/٤) مادة: (رزن). ١٤٣٨ ٣ ولا تنتقض بالضُّراط؛ لأنه احتكاك الأجرام السفلية [٢٢٣/أ]. وهذا مع فساده متناقض فيه إذا منعته امرأته فصفعها(١)، فإن ذلك اصطكاك الأجرام العلوية، وهو ناقض لطهارته(٢). وقال بعضهم في مس الذكر: إنه مس آلة الحرث، فلا ينتقض طهرُه، كما لو مس الفَدَّان(٣). وقال: إنه طويل مشقوق، فأشبه البوق والقلم والمنارة. وقال في السعي بين الصفا والمروة: إنه سعي بين جبلين، فوجب أن لا يكون ركناً في الحج كالسعي بين جبلي نيسابور(٤). ولا يشك عاقل أن هذا فاسد. ووجه فساده ظاهر؛ لأن المائعات لا تبنى عليها القناطر؛ لأنها لا تكون في طرق الناس. ولا تمنع الاستطراق والاجتياز، والماء الكثير يجعل(٥) في الطريق ويمنع جواز الناس، فاحتاجوا إلى بناء القناطر عليه، فلم [يكن] لذلك تعلق بالتطهير، وكذلك لمس الفَدَّان سواء كان يصلح لآلة الحرث أو لم يصلح، وكان البوق على صفته، أو كان قصيراً، أو كان مصمتاً لا شق فيه، لا يثبت الوضوء بمسه، فلم يكن له تعلق بالحكم الذي علته عليه. (١) في الأصل: (وضعها) والصواب ما أثبتناه استعانة بشرح اللُّمع (٨٦٦/٢). انظر: المصدر السابق. (٢) الفَدّان بالتشديد آلة الحرث في الزراعة، ويطلق على الثورين يحرث عليهما في قِران (٣) واحد. انظر: المصباح (٧١٣/٢) مادة: (فدن). (٤) نيسابور: مدينة عظيمة من مدن المشرق الإسلامي. فتحها المسلمون في عهد عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - وقيل: في عهد عمر، رضي الله عنه. انظر: مراصد الاطلاع (١٤١١/٣). (٥) في الأصل: (ويجعل) بزيادة الواو. ١٤٣٩ وفي ذلك تنبيه على فساد جميع ما يجانسه إذا كان ذلك فاسداً، وكان مع ذلك مطرداً، دلَّ على أن الطرد ليس بدليل على الصحة. واحتج المخالف: بأن عدم الطرد يفسد العلة، فوجب أن يكون وجوده دالاً على صحتها. ألا ترى أن عدم التأثير عند المخالف، لما كان دالاً على فسادها كان التأثير دالاً على صحتها. والجواب: أن الطرد شرط في صحة العلة، وليس بدليل على الصحة. وفَقْد شرط من شروط الحكم يبطله، ووجوده لا يدل على صحته. كالطهارة، فَقْدها يوجب بطلان الصلاة، ووجودها لا يدل على صحتها. واحتج: بأنها إذا اطَّردت فقد عدم ما يفسدها، فوجب أن لا تكون فاسدة. وإذا لم تكن فاسدة وجب أن تكون صحيحة؛ لأنه لا قسم بين الصحيح والفاسد، كما أنه إذا لم يكن قديماً وجب أن يكون محدثاً. والجواب: أنه قد وجد ما يفسده(١)، وهو عدم الدليل على صحته. وعدم ما يصححه دليل على فساده. يدل على ذلك: أن من ادعى النبوة، وقال: الدليل على صحة قولي عدم ما يفسده. وإذا لم يكن ما يفسده وجب أن يكون صحيحاً. قلنا: قد وجد ما يفسده، وهو عدم ما یصححه. وكذلك من قال في كل حكم سُئل عن صحته: ليس هاهنا ما يفسده. وعدم ما يفسده دليل على أنه ليس بفاسد. وإذا لم يكن فاسداً وجب أن يكون صحيحاً. كان الجواب عنه: أن عدم ما يصححه دليل على فساده. [٢٢٣/ب]. (١) في الأصل: (يفسدها) ولمراعاة الضمائر الآتية التي تعود على ((الطرد)) أثبتنا ما أثبتناه ليستقيم الكلام. ١٤٤٠ 1