Indexed OCR Text

Pages 1361-1380

فعبد الرحمن قال: (إنَّما أنت مؤدِّبٌ)، فرفع الضمان عنه لهذه العلة.
والقصص في هذا كثيرة. فثبت أنهم أجمعوا على اعتبار العلة.
مسألة
[ القياس على ما ثبت بالقياس ]
ما ثبت بالقياس، يجوز القياس عليه(١)، مثل حمل الدُّرة على الأُرز.
(١) راجع هذه المسألة في التمهيد (٤٤٣/٣) والروضة (٣٠٤/٢) والمسؤَّدة
ص (٣٩٤).
في تصوري أن هذه المسألة لها جانبان.
الجانب الأول: أن الحكم إذا ثبت في الأصل بدليل مقطوع به من كتاب أو سنة
أو إجماع، وكانت علته ظاهرة، ففي هذه الحالة تقاس عليه كل مسألة توفرت
فيها هذه العلة.
أما إذا كانت العلة مستنبطة، مثل العلة في الربا، فهل يقاس على ذلك ما توفرت
فيه هذه العلة المستنبطة؟
قولان لأهل العلم:
المنع، وهو رأي ابن حامد الحنبلي.
الجواز، وهو رأي أبي يعلى الحنبلي.
انظر: المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين ص (٦٨).
الجانب الثاني: أن الحكم إذا ثبت في الأصل بعلة منصوصة أو مستنبطة، ثم قسنا
على ذلك مسألة أخرى توفرت فيها العلة، فهذه المسألة الأخيرة الثابتة بالقياس هل
يجوز القياس عليها؟ هناك أمران يجب توضيحهما:
الأول: هل العلة في القياس الأخير هي العلة في المقيس عليه في الأول والمستدل
ترك القياس على الأصل الأول واستغنى بالقياس على الأصل في القياس الأوسط؟
هنا رأيان للأصوليين. الجواز وعدمه، والخطب في هذا يسير.
١٣٦١
=
( العدة فى أصول الفقه - ٨٦ )

وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث:
(لابأس بدفع الثوب إلى من يعمله بالثلث والربع، كالمزارعة))(١).
وقال في رواية المروذي: ((لا يجوز بيع أرض السواد، ويجوز شراؤها
کالمصاحف)»(٢).
الثاني: أن الثابت بالقياس يقاس عليه غيره لعلة غير العلة التي ثبت بها إن كانت
=
واحدة، أو بواحدة إن كانت مركبة.
فهنا ثلاثة آراء، ثالثها لشيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان قياس دلالة جاز، وإن
كان قياس علة لم يجز.
والقول بعدم الجواز هو الراجح - إن شاء الله - لأن التسلسل في القياسات
هذه يضعف المعنى الأول الذي ثبت به القياس.
يؤيد ذلك قول الغزالي في كتابه المستصفى (٣٢٥/٢): (لأن ذلك يؤدي في قياس
الشَّبه إلى أن يشبَّه بالفرع الثالث رابع، وبالرابع خامس، فينتهي الأخير إلى حد
لا يشبه الأول، كما لو التقط حصاة، وطلب ما يشبهها، ثم طلب ما يشبه الثانية،
ثم ينتهي بالآخرة إلى أن لا يشبه العاشر الأول؛ لأن الفروق الدقيقة تجتمع فتظهر
المفارقة).
وقد ذكر في المسوّدة ص (٣٩٥) أن للحنابلة في القياس على ما لانص فيه ولا
إجماع، بل ثبت بالقياس ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز مطلقاً.
الثاني: يجوز إن اتفق عليه الخصمان.
الثالث: يجوز مطلقاً، وإن كانت العلة في الأصل المحض غير العلة في الفرع المحض
بل في الفرع المتوسط علتان.
انظر: المراجع السابقة.
(١) هذه الرواية عن الإِمام أحمد نقلها عنه ابنه في مسائله ص (٣٠٤) ولفظه (سمعت
أبي سئل عن الرجل: يدفع الثوب إلى الحائك بالثلث والربع؟ قال لا بأس).
(٢) هذه الرواية ذكرت في المسوّدة ص (٤٠٠) ونصها: (يجوز شراءُ أرض السواد،
ولا يجوز بيعها، فقيل له: كيف تشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول،=
١٣٦٢

فقد قاس الفرع على أصل مختلف فيه.
وهو قول الرازي(١) والجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. وقول أصحاب
الشافعي.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز القياس إلا أن يثبت حكم الأصل بدليل مقطوع
عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.
وقال الكرخي: لا يجوز حمل الذُّرة على الأرز، ويكون حملهما جميعاً على
البر أولى، وليس أن يحمل أحدهما على الآخر بأولى من حمل الآخر عليه
لتساويهما في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة(٢).
دلیلنا:
قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)(٣). وهذا عام في جميع الأصول.
ولأن عمر قال لأبي بكر: (رضيك رسولُ الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا)،
فاعتبر المعنى.
ولكن استحساناً، واحتج بأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رشّصوا
=
في شراء المصاحف وكرهوا بيعها، وهذا يشبه ذاك).
وهناك روايات نقلها عبد الله عن أبيه، فانظرها في مسائله التي نقلها عن أبيه
ص (٢٨٤).
(١) صرح بذلك في أصوله ص (١٢٦) الطبعة الباكستانية حيث قال: (ويجوز القياس
أيضاً على حكم قد ثبت من طريق القياس، وإن كان مختلفاً فيه).
(٢) نقل هذا عن أبي الحسن الكرخي في كشف الأسرار (١٠٢٣/٣) وفي التقرير
والتجبير (١٣١/٢).
وهو رأي جمهور الحنفية.
انظر: المرجعين السابقين، والتلويح على التوضيح (٥٥/٢)، وفواتح الرحموت
(٢٥٣/٢).
(٣) آية (٢) من سورة الحشر.
١٣٦٣

ولأن الحكم ثبت ابتداء في الشرع بدليل مقطوع عليه، ودليل غير مقطوع
[عليه]، وطريقه غلبة الظن، وهو خبر الواحد، في أن استعمال القياس في
الموضع المقطوع عليه، وفيما طريقه غلبة الظن.
ولأن العلة تصير علة؛ لقيام الدلالة على صحتها، لا لوجودها في أصل متفق
عليه، بدلالة أن ما دل على صحتها لا يفرق بين عين دون عين، وإذا اعتبرت
العلة، فلا فرق بين حمل فرع على نظيره، وبين اعتبارهما جميعاً [٢٠٩/أ]؛ لأن
ما ثبت بدليل، يجوز أن يجعل أصلاً، يُرُد إليه غيرُه، وإن لم يكن ثابتاً بالاتفاق.
وقول الكرخي: إنهما تساويا في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة، فهو
صحيح. وله أن يقيس كل واحد على صاحبه، كالأمرين إذا تساويا، فتساويهما
لا يوجب سقوطهما، وإنما يخير المجتهد فيهما.
فصل
[ عدم اشتراط الاتفاق على تعليل الأصل ]
ويجوز القياس على أصل بعلة، وإن لم يتفق على تعليله(١)، مثل قياس النبيذ
على الخمر لعلة وجود الشدة المطربة(٢).
فإن أبا حنيفة يمنع من أن تكون الخمر معللة(٣)، ويقيس غير المأكول عليه
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٤٣٧/٣) والمسوَّدة ص (٣٩٧).
(٢) هذا مذهب الجمهور، أو مذهب الأكثر كما هو تعبير أبي الخطاب في التمهيد.
وذلك لعدم قيام الدليل على كونها معللة عند الحنفية، بل صرح السرخسي في
(٣)
أصوله (١٤٩/٢) أن الدليل دل على أنها غير معللة حيث قال: ( ... بل الدليل
من النص دال على أنه غير معلول، وهو قوله عليه السلام: ((حُرِّمت الخمر لعينها))
و((السكر من كل شراب ... ))).
وانظر: أصول الجصاص ص (١٣٢) من الطبعة الباكستانية.
١٣٦٤
i

في الربا(١).
وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في المسألة التي قبلها.
خلافاً لما حُكي عن بِشْر بن غياث في قوله: ((إذا لم يكن الأصل منصوصاً
عليه، أو مجمعاً على تعليله، لم يجز قياس الفرع عليه))(٢).
(١) لأن العلة عنده الجنس مع الكيل أو الجنس مع الوزن، فلو باع مكيلاً أو موزوناً
غير مطعوم بجنسه متفاضلاً كالجص والحديد كان حراماً.
والحكم - كما يقول صاحب الهداية - (معلول بإجماع القائسين)، لكن وقع
الاختلاف في العلة.
انظر: شرح فتح القدير مع الهداية (٣/٧ - ٥) وأصول الجصاص ص (١٣٣)
وأصول السرخسي (١٦١/٢).
(٢) في المعتمد (٧٦١/٢) أن بِشْراً منع من القياس على الأصل إلا بعد أن تجمع الأمة
على تعليله، ولم يذكر كونه منصوصاً عليه كما ذكر المؤلف.
وقريباً من نَقْل أبي الحسين نَقْل أبي الخطاب في التمهيد (٤٣٧/٢).
وقد نُقِل كلامُ المؤلف عن بِشْر في المسوّدة ص (٣٩٧) بدون تعقيب.
ونقل الفخر الرازي في المحصول (٤٩٤/٥) عن بشر أنه يشترط في الأصل (انعقاد
الإِجماع على كونه معللاً، أو ثبوت النص على عين تلك العلة).
وفي شرح الجلال على جمع الجوامع (٢١٣/٢)، ( ... وعند الثاني [يعني بشراً]
لا يقاس فيما اختلف في وجود العلة فيه، بل لابد بعد الاتفاق على أن حكم الأصل
معلل، من الاتفاق على أن علته كذا ... )
والذي ظهر لي من كلام المؤلف أن بِشْراً يشترط واحداً من أمرين إما أن يكون
الأصل منصوصاً عليه، وإما أن يكون مجمعاً على تعليله، ولم يتعرض للنص على
عين تلك العلة.
وفي المعتمد والتمهيد: أنه يَشْتَرِط أن تجمع الأمة على تعليل الأصل، وهو أحد الأمرين
اللذين ذكرهما المؤلف.
وفي المحصول أنه يَشْتَرِط أحد أمرين: انعقاد الإجماع على كون الأصل معللاً، أو
ثبوت النص على عين تلك العلة.
١٣٦٥
==

دليلنا:
ما تقدم في التي قبلها من قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُويَا أُوْلِى الأَبْصَارِ)(١)، وهذا
عام في جميع الأصول.
ولأن طريق إثبات العلل، دلالة الأصول عليها، وقد توجد دلالتها في تعليل أصل
مجمع عليه، كما تدل على تعليله، مع الخلاف، فوجب اعتبار دلالة الأصول عليها.
ولأنه لما أمكن استخراج المعنى فيه، ورد الفرع إليه، لم يعتبر بالاتفاق فيه، كخبر
= فقد وافق أبا يعلى في نقله اشتراط الإجماع على تعليل الأصل، كما وافق في هذا
أبا الحسين البصري وأبا الخطاب، إلا أنه زاد التخيير بين هذا الشرط وبين ثبوت
النص على عين تلك العلة.
ويظهر من كلام شرح الجلال أن بِشْراً يشترط أمرين هما: الاتفاق على أن حكم
الأصل معلل، والاتفاق على أن علته كذا.
وهو ما وضحه الشيخ الشربيني في تقريراته على الشرح المذكور (١٢٢/٢).
وبهذا يتبين أن كلام ابن النجار الفتوحي في شرح الكوكب المنير (١٠٠/٤) غير
دقيق؛ لأنه قال ( ... الصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا يشترط أن يرد
نص دال على عين تلك العلة، ولا الاتفاق على أن حكم الأصل معلل، وخالف
في ذلك بِشْر المَرِّيسي، فاشترط أحدهما، على ظاهر كلامه في جمع الجوامع، والذي
ذكره الرازي في المحصول عن بشر اشتراط الأمرين معاً).
الا أن تكون نسخة المحصول التي أفاد منها صاحب شرح الكوكب قد جاء فيها
التعبير بالواو دون أو، فَيَتَّجِهِ.
وقد وَصَف ابنُ السبكي قولَ بِشْر بالضعف، ووَصَف من قال به بالشذوذ.
ونقل عن أبي إسحاق إبطاله لهذا القول (بأن قائله إن أراد بالاتفاق الذي اشترط
اجماع الأمة كلها أدى إلى إبطال القياس؛ لأن نفاة القياس من جملة الأمة، وأكثرهم
يقولون: إن الأصول غير معللة، وإن أراد إجماع القائسين فهم بعض الأمة، وليس
قولهم بدليل).
انظر: الإبهاج (١٦٣/٣ - ١٦٤).
(١) آية (٢) من سورة الحشر.
١٣٦٦
٠

الواحد، متى أمكن أن يستفاد منه حكم، حمل عليه، وإن لم يتفق على قبوله.
واحتج المخالف:
بأن الأصول، لما كان فيها ما هو معلل، وفيها ما ليس بمعلل، وجب أن
يكون طريق(١) التفريق بينهما الإِجماع الدال عليه، إذا لم يكن طريق إليه(٢)
غير ذلك.
والجواب: أن الأصل هو تعليل الأصول. وإنما تَرْكُ تعليلها نادر، فصار
الأصل هو العام الظاهر، دون غيره(٣).
واحتج : بأنه لما لم يجز القياس على الصلوات الخمس؛ لكونها غير متفق
على تعليلها وعدم ورود النص بذلك فيها، كذلك كل ما هذه حاله.
والجواب: أن الصلوات إنما لم يجز القياس عليها، لحصول الإِجماع على أن
ذلك لا يجوز. وقد عدم هذا المعنى في غيرها، فلم يجز أن يكون بمثابتها.
فصل
[ جواز القياس فيما لم ينص على حكمه ]
ويجوز القياس فيما لم ينص على حكمه، مثل قياسنا على تشبيهه بظهر الأم
في أنه ظهار (٤).
(١) في الأصل: (الطريق). والتصويب من التمهيد (٣٤٩/٣).
(٢) في الأصل: (إلى).
(٣) ولا يؤثر ذلك النادر لشذوذه. وهو معنى ما قاله أبو الخطاب في التمهيد (٤٤٠/٣).
انظر: المسوّدة ص (٤١١).
(٤)
وقد ذكرها أبو الخطاب ضمن المسألة السابقة، حيث نقل خلاف أبي هاشم في
هذه المسألة.
انظر: التمهيد (٤٣٨/٣).
١٣٦٧
=

خلافاً لبعض المتكلمين(١) أن القياس لا يجوز إلا فيما نص على حكمه في
الجملة، وقال: لو لم ينص الله تعالى على ميراث الأخ في الجملة، لم أجوز إثبات
مشاركته مع الجد بالمقايسة، ويكون حظ القياس في الإبانة عن تفصيله،
والكشف عن موضعه(٢).
دليلنا [٢٠٩/ب] :
أن القياس لما كان طريقاً إلى معرفة الأحكام بخبر الواحد، لم يعتبر أن يكون
الحكم الذي ثبت في أحدهما منصوصاً عليه في الجملة، كما لا يعتبر في الآخر.
ولأن الصحابة قد تكلمت في مسائل من جهة القياس، وإن لم يكن منصوصاً
عليها في الجملة.
واستدل عمر على إمامة أبي بكر بضرب من الاستدلال(٣)، وإن لم يكن
=
وقد عَنْون لها أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد (٨٠٩/٢) بقوله: (باب في
أن العلة هل يتوصل بها إلى إثبات الحكم في الفرع، وإن لم ينص عليه في الجملة
أم لا؟)
وفي رأيي أنها داخلة في المسألة السابقة؛ لأن قول أبي هاشم هذا قول بالتفصيل
في المسألة.
المراد به أبو هاشم المعتزلي.
(١)
المرجعان السابقان.
(٢) هذا معنى كلام أبي هاشم الذي نقله عنه أبو الحسين في المعتمد وأبو الخطاب
في التمهيد.
(٣) ذكر المؤلف هذا الأثر غير منسوب لأحد في مسألة: جواز انعقاد الإجماع من
طريق الاجتهاد ص(١١٢٥) وقد خرجته منسوباً إلى علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - ونصه: (رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة، وهي
عماد الدين، ومن رضيه رسول الله لديننا وجب أن نرضاه لدنيانا).
ونسبه المؤلف إلى عمر - رضي الله عنه - في مسألة: ضوابط رد الفرع إلى
الأصل ص (١٣٥٩).
وفي المسوّدة ص (٤٠٥) أن عمر وعلياً قالا ذلك لأبي بكر.
١٣٦٨

ذلك منصوصاً عليه، كذلك هاهنا.
وكذلك تكلموا في مسألة الحرام(١)، والبَتَّة، والخَلِيَّة، والبَرِيّة(٢)، والتسوية
والتفاضل في العطاء(٣).
مسألة
[ كل مقيس على الأصل المنصوص على علته مراد بالنص ]
جميع ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه، فهو مراد بالنص
الذي أوجب الحكم في الأصل(٤).
(١) سبق توثيق ذلك ص(١١١٥).
(٢) هذه الكلمات الأربع من ألفاظ الطلاق، ذكر الخلاف فيها عن الصحابة رضوان
الله عليهم بالسند الإِمام عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الطلاق باب: الحرام
(٣٩٩/٦ - ٤٠٥) وباب البَتَّة والخَلِيَّة (٣٥٠/٦). والبيهقي في سننه في كتاب
الطلاق، باب: ما جاء في كنايات الطلاق (٣٤٢/٧ - ٣٤٤) وباب من قال
لامرأته: أنت علَّ حرام (٣٥٠/٧ - ٣٥٢).
(٣) كان أبوبكر - رضي الله عنه - يرى التسوية في العطاء قائلاً: (فضائلهم عند
الله، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير).
بينما كان عمر - رضي الله عنه - يرى التفاضل قائلاً: (أَفأجعل من تكلّف السفر
وابتاع الظهر بمنزلة قوم إنما قاتلوا في ديارهم .. )
قال أبو عبيد: (وقد كان رأي عمر الأول التفضيل على السوابق والغناء عن
الإِسلام، وهذا هو المشهور من رأيه، وكان رأي أبي بكر التسوية، ثم قد جاء عن
عمر شىء شبيه بالرجوع إلى رأي أبي بكر).
انظر: الأموال لأبي عبيد ص (٣٣٥ - ٣٣٦).
(٤) راجع هذه المسألة في التمهيد: (٤٣٥/٣) وروضة الناظر (٢٥١/٢) والمسوّدة =
١٣٦٩

خلافاً لبعض المتكلمين في قولهم: لا يصح أن يحكم في جميع ذلك أنه
مراد بالنص(١).
دليلنا :
أن ما يحكم به المجتهد من طريق الاجتهاد مراد منه، إذ لو لم يكن كذلك،
لم يكن مطيعاً لله تعالى فيه. ولا خلاف أنه مطيع لله تعالى فيما يحكم به مما
يؤديه اجتهاده إليه. فإذا كان كذلك، وكان الحكم في الأصل المنصوص عليه
مراداً(٢) بالنص، وجب أن يكون الحكم في الفرع مثله.
فإن قيل: فهذه العلة بعينها موجودة فيما يحكم به من طريق القياس على
أصل غير منصوص عليه؛ لأن المجتهد مطيع لله تعالى فيه، ومع ذلك فلا يحكم
= ص (٣٩٠ - ٣٩٢) وشرح الكوكب المنير (٢٢٣/٤).
وعليه فإن النص هنا يتناول الأفراد لغة.
وبهذا قال أبو الخطاب وابن عقيل وابن حمدان، وهو باب سلكه كثير ممن لا يقول
بحجية القياس.
المراجع السابقة، والمعتمد (٢٠٨/١)، وتيسير التحرير (٢٥٩/١) وإرشاد الفحول
ص (١٣٥).
(١) بل بالقياس، وبه قال كثير من الأصوليين وعلى رأسهم الغزالي وابن قدامة.
انظر: المراجع السابقة، والمستصفى (٢٧٢/٢).
وفي المسوّدة ص (٣٩٢) تعقيب جيد، حيث قال: (وهذا في العلة المفسرة مستقيم،
وأما في العلة المجملة مثل قول الأعرابي: وقعت على أهلي في رمضان، فقال: اعتق
رقبة، وأن بريرة أعتقتها عائشة، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ونحو ذلك من المواضع التي علم أن ذلك السبب علة في الحكم، ولم يتبين في
العلة أهي عموم الإفطار أم خصوص الوقاع، وأنه عموم العتق أم خصوص العتق
تحت عبد ... ).
(٢) في الأصل: (مراد) وحقه النصب خبر كان.
١٣٧٠
1

بأن ما حكم به مراد بالنص، كذلك هاهنا.
قيل: إنما وجب ذلك فيما ذكرت؛ لأنه لا نص (١) هنا يوجب الحكم في
الأصل، وإنما أوجب الحكم فيه بالإجماع، أو ما يجري مجراه من الأدلة، مثل
فحوى الخطاب كقوله عليه السلام في السَّمن الذي ماتت فيه الفأرة: (إِن
كان جامداً، فألقوها وما حولها، وإن كان معائعاً، فأهريقوه)، وليست هذه
سبيل الأصل المنصوص عليه؛ لأن الحكم إنما وجب فيه بالنص الوارد به.
يبين صحة ذلك، أن الحكم المجمع عليه، إذا كان له ذكر في الكتاب أو
في السنة، صار الإجماع صادراً عن ذلك النص، وإن كان لو لم يكن له ذكر
فيهما لم يكن الإِجماع صادراً عن نص، كذلك القياس، إذا كان على أصل
منصوص عليه، صار الحكم الذي حكم به من طريق القياس، مراداً بذلك
النص. وإن لم يجب أن يكون مراداً بالنص، لو لم يكن الأصل منصوصاً عليه.
واحتج المخالف:
بأنه لما لم يجز أن يراد بالعبادة الواحدة، معنيين مختلفين في حالة واحدة،
وكان الحكم المحكوم به من طريق القياس مخالفاً في المعنى لحكم الأصل
[٢١٠/أ] المنصوص عليه، كقياس الجص على البر، والزعفران والقطن على
الذهب والفضة، لم يجز أن يحكم بأنه مراد بالنص الموجب لحكم الأصل.
والجواب: أن المعنيين إذا كانا مختلفين، جعل النص كأن الله تعالى أمر به
في وقتين، فأراد به أحد المعنيين في وقت، والمعنى الآخر في الوقت الآخر .
كما قلنا في آية الصلاة : أنه أريد بها الفرض والنافلة، فقدرناها على هذا
الوجه.
(١) في الأصل: (مصر) وهو تصحيف.
١٣٧١

مسألة
[ طريق الإلحاق بالعلة المنصوص عليها ]
إذا ورد النص بحكم شرعي معللاً، وجب الحكم في غير المنصوص عليه،
إذا وجدت فيه العلة المذكورة في النص سواء ورد النص بذلك قبل ثبوت
حكيم القياس أو بعد ثبوته، مثل قوله: حرمتُ الخمر لحموضته، وأبحتُ السكّر
لجلاوته(١).
وإلى هذا أوما أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني فقال: ((إذا كانت
الثمرة واحدة فلا يجوز رطب بيابس)) واحتج بالرطب بالتمر لحديث النبي(٢).
فجعل أحمد - رحمه الله - العلة عامة في جميع ما توجد
فيه تلك العلة. وبهذا قال إبراهيم بن سيَّار(٣)
(١) راجع في هذا المسألة: التمهيد (٤٢٨/٣)، وروضة الناظر (٢٥١/٢)، والمسوَّدة
ص (٣٩٠).
(٢) إشارة إلى حديث سعد بن أبي وقاص: قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: (أينقص الرطب إذا
يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك) رواه الخمسة وصححه الترمذي كما في نيل
الأوطار (٢٢٤/٥).
وقد سبق تخريجه مفصلاً (١٧٨/١).
(٣) هو النظَّام، وقد سبقت ترجمته.
ونقلُ المؤلف عن النظام هو معنى ما نقلَه أبو بكر الجصاص في أصوله ص (١٤١)
من الطبعة الباكستانية حيث قال :- (الناس في هذا الضرب من التعليل على قولين:
منهم من يجعله نصاً على كل ما فيه العلة، ويجريه مجرى لفظ العموم، والنظام ممن
يقول بذلك، وهو من نفاة القياس، وقال: لو أن الله تعالى قال: حرمت عليكم
الماعز؛ لأنه ذو أربع، عقلنا من اللفظ تحريم كل ذات أربع ... ).
وهو ما ذكره المؤلف في المسألة التي قبل هذا، غاية ما هنا أنه زاد أن ذلك مطلق، =
١٣٧٢

٢
[و] القاشاني(١)، والنَّهْرِيُّون(٢).
سواء أورد النص بذلك قبل ثبوت حكم القياس أم بعد ثبوته.
ويشكل على ما ذكره الجصاص ما نقله أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد
(٧٥٣/٢) عن النظَّام من أنه يقول: إن النص على العلة يكفي في التعبد بالقياس بها.
وتابعه على ذلك أبو الخطاب في التمهيد (٤٢٨/٣) حيث قال: (النص على علة
الحكم يكفي في التعبد بالقياس بها، وبه قال النظام ... ).
وبتفسير الجصاص لمذهب النظّام فسره الغزالي في المستصفى (٢٧٢/٢) وتابعه ابن
قدامة في الروضة (٢٥١/٢).
ولذلك قال صاحب مسلَّم الثبوت (٣١٦/٢): (مسألة: النص على العلة يكفي
في إيجاب تعدية الحكم ولو عدم التعبد بالقياس مطلقاً عند الحنفية وأحمد وأبي
إسحاق الشيرازي، وهو المختار، وعليه النظَّام، لكنه قال: إنه منصوص).
ولم يرتض ذلك تاج الدين السبكي في كتابه الإِبهاج (٢٤/٣) ووجَّهه بقوله: (فإنه
هنا يقول [يعني النظام] إذا وقع التنصيص على العلة كان مدلول اللفظ الأمر
بالقياس، ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره، بل لمدلوله لغة، وهناك أحال
وروده من الشارع، فعنده حينئذ أن الشارع لا يقع منه التنصيص على العلة من
حيث هو مدلوله ما ذكرناه).
ثم عقب على ذلك بقوله: (فافهم هذا، فإن بعض الشراح ظن مناقضته في مقالته،
وذلك سوء فهم، فإن الكلام في مدلول اللفظ إن ورد، غير الكلام في أنه ھل یرد).
(١) هو محمد بن إسحاق أبوبكر، قيل كان ظاهرياً، ثم صار شافعياً، وقد سبقت ترجمته.
ونسبة القول هذا إليه ذكرها أبو الخطاب متابعة للمؤلف (٤٢٨/٣).
ونسبها إليه ابن حزم في الإِحكام (١١١٠/٨) قائلاً: قال أبو محمد: (وهذا ليس
يقول به أبو سليمان - رحمه الله - ولا أحد من أصحابنا، وإنما هو قول لقوم
لا يعتد بهم في جملتنا كالقاساني [بالمهملة] وضربائه).
(٢) في الأصل (النَّهريين)، وفي التبصرة ص (٤٣٦) وفي الإِحكام للآمدي (٤٧/٤):
(النَّهرواني)، وهو نسبة إلى النَّهروان، بُلَيْدة قديمة، قرب بغداد.
انظر: اللباب (٣٣٧/٣).
١٣٧٣

قال أبوسفيان: وإلى هذا كان يشير شيخنا أبوبكر، يعني الرازي في
احتجاجه بقول النبي عَِّ: (إنَّما هو دُمُ عِرْق، وليست الحيضة، فتوضَّئي
لكل صلاة) في إيجاب الوضوء من الرُّعاف ونحوه. ويجعله بمنزلة أمر النبي
عليه السلام بالوضوء من كل دم ◌ِرْق(١).
وكان يحكيه عن الكرخي(٢). ولم يفرق بين ورود النص بذلك قبل
ثبوت حكم القیاس، أو بعد ثبوته.
وقال أبو سفيان: وذهب بعض شيوخنا(٣) إلى أنه لا يجب أن يحكم فيما
وُجِدت فيه تلك العلة بحكم المنصوص عليه، قبل ثبوت حكم القياس.
واختار أبو سفيان ذلك(٤).
(١) الذي رجَّحه أبو بكر الرازي في كتابه الفصول ص (١٤٢) هو القول أن ذلك
من باب القياس لا من باب العموم، حيث يقول: (قال أبوبكر: والأظهر أن إلحاق
ما يوجب فيه هذه العلة بحكم الأصل، إنما هو من طريق القياس لا من طريق
النص والعموم؛ لأن المنصوص عليه هو ما تناوله الاسم، وقوله: ((في دم الاستحاضة
الوضوء؛ لأنها دم عرق)) لم يتناول الاسم منه إلا دم الاستحاضة، وقوله: ((إنها دم
عرق)) ليس بعموم في غير دم الاستحاضة، وإنما هو صفة من صفات المذكور بعينه
دون غيره ما لم يذكر ... ).
وبهذا يعلم أن في نقل أبي سفيان الحنفي وهماً، تابعه عليه المؤلف، مع أن المؤلف
رجع إلى كتاب الفصول واستفاد منه كثيراً، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.
(٢) لم أجد في كتاب الفصول لأبي بكر الرازي المشهور بالجصاص نقلاً عن شيخه
الكرخي في هذه المسألة.
ولكن ما ذكره المؤلف وجدته منسوباً إليه في التبصرة ص (٤٣٦)، والإِحكام
للآمدي (٤٧/٤).
(٣) يعني: الحنفية.
(٤) الذي نصَّ عليه الكمال بن الهمَام الحنفي في كتابه التحرير (١١١/٤) مطبوع مع
شرحه تيسير التحرير: (أن النص على العلة يكفي في إيجاب تعدية الحكم بها، ولو =
١٣٧٤

وهو قول جعفر بن حرب، وجعفر بن مُبَشِّر(١).
واختلف أصحاب الشافعي. فمنهم من قال مثل قولنا.
ومنهم من قال: لا يجب الحكم بدلك فيما وجدت فيه تلك العلة. وهو
اختيار الاسفراييني(٢).
دليلنا :
ان النص معلل، فوجب الحكم في غير المنصوص عليه إذا وجدت علته.
أصله: إذا ورد النص بعد ثبوت حكم القياس.
ولا يلزم عليه قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ... )(٣).
ولم يكن النص موجباً لحمل غيرها عليها مما ينهى (٤)؛ لأننا لو تُرِكْنا
وظاهر هذه الآية لقلنا: أي موضع وُجِدت هذه العلة، تعلق الحكم بها، لكن
منع منه [٢١٠/ب] الدليل في الموضع الذي لا يجب.
فإن قيل: إنما وجب الحمل هناك لأجل أنه أمر بالقياس، فإذا نص على
العلة، وجب القياس عليها، وهذا معدوم قبل ورود التعبد بالقياس.
لم تثبت شرعية القياس وفاقاً للحنفية ... ).
=
وهو ما ذكره صاحب مسلَّم الثبوت عن الحنفية (٣١٦/٢).
ولم يذكرا خلافاً عن الحنفية في ذلك.
(١) انظر رأيهما في المعتمد (٧٥٣/٢) والتمهيد لأبي الخطاب (٤٢٨/٣).
ولأبي عبد الله البصري المعتزلي تفصيل نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد
الموضع السابق بقوله: (إن كانت العلة المنصوصة علة في التحريم كان النص عليها
تعبداً بالقياس بها، وإن كانت علة في إيجاب الفعل أو كونها ندباً لم يكن النص
عليها تعبداً بالقياس بها).
(٢) انظر في نسبة هذين القولين إلى الشافعية: التبصرة ص (٤٣٦)، والإِحكام للآمدي
(٤٨/٤) وصرَّح الآمدي بنسبة القول الثاني إلى أبي إسحاق الإِسفراييني وأكثر
الشافعية.
(٣) الآية (٤٥) من سورة العنكبوت.
(٤) في الأصل: (ما سهى) بدون إعجام.
١٣٧٥

قيل: لو كان الحمل هناك، كما ذكرت، لوجب أن يختص التعدي هناك
بهذه العلة، ولجاز أن يتعدى الحكم إلى غير السُّكَّر بعلة هو غير الحلاوة؛ لأن
الأمر بالقياس يعم هذه العلة وغيرها. ولما قالوا بأن التعدي يحصل بهذه
العلة، دل على أن التعدي كان لأجلها، لا لأجل الأمر بالقياس.
وأيضاً: فإن قوله: ((حَرَّمتُ السُّكَّرِ)) قد أفاد الحكم [و] قوله بعد هذا:
((لأنه حلو)) إنما ذكره(١) لفائدة، وليس فائدته إلا القياس عليها. فلو قلنا: لا
يقاس عليها بطلت فائدتها، وهذا لايجوز.
فإن قيل: فائدتها بيان العلة التي ثبت الحكم لأجلها، ولو لم يذكر العلة
لكان يكون الحكم ثابتاً بغير علة.
قيل: لو كان التعليل لا يفيد إلا إفادة النص أو الإجماع، كان وجوده
كعدمه، لا يفيد فائدة، فوجب تعديته لتحصل الفائدة.
فإن قيل: فائدته(٢) عِلْمُنا بالوجه الذي لأجله صار الفعل مصلحة
للمكلف، وإن لم يجب حمل غيره عليه إذا شاركه في العلة.
قيل: فلا فائدة في معرفة ذلك إذا لم يتعد إلى غيره؛ لأنا قد استفدنا
الحكم بالنص، وإنما يستفيد المكلف معرفة الوجه بالمصلحة ليعمل عليه، فإذا
كان مقصوراً لم يفد؛ لأن ذلك مستفاد بالنص، وهذه طريقة أجود شىء في
المسألة.
وأيضاً: فإن العلة وضعت للحكم تنبيهاً على غيره من الأحكام، كالنهي
عن الأدنى، تنبيهاً على المنع من الأعلى، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا
أُفِى)(٣)، كان فيه تنبيه على المنع من الضرب، ونحو ما يجب أن يكون ذكر
العلة ها هنا تنبيهاً على نظيره قبل ورود التعبد بالقياس وبعده، كما قلنا ذلك
(١) في الأصل: (ذكروه).
(٢) في الأصل: (فائدة).
(٣) الآية (٢٣) من سورة الإِسراء.
١٣٧٦
:

في لفظ التنبيه.
فإن قيل: لا نسلِّم أن العلة وضعت للتنبيه على غيرها من الأحكام.
قيل: لا خلاف أنها بعد ورود التعبد بالقياس [تكون] تنبيهاً على غيرها،
فيجب أن تكون قبله تنبيهاً كالتنبيه باللفظ.
فإن قيل: إنما كان النهي عن التأفيف موجباً لما ذكرت؛ لأن هذه اللفظة
موضوعة في اللغة لذلك، فليست هذه حال التعليل؛ لأن تعليل الحكم غير
موضوع في اللغة يحمل غيره عليه.
قيل: بل هو موضوع يحمل غيره عليه بدليل بعد ورود التعبد بالقياس.
واحتج [٢١١/ أ] المخالف:
بأن هذه الشرعيات، إنما حَسُن التعبد بها، لما فيه من المصلحة الداعية،
وقد بيَّن الله تعالى ونبّه على ذلك بقوله: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرٍ). فإذا كان كذلك، وكان ما يدعو إلى فعل الشىء قد لا يدعو إلى
فعل أمثاله: بدلالة أن العاقل إذا أكل شيئاً لأنه حلو، لم يأكل جميع ما
يشاركه في الحلاوة في تلك الساعة. فلا يمنع أيضاً أن يكون الحكم
المنصوص عليه مصلحة للمكلف، ولا يكون ماشاركه في تلك العلة
مصلحة له.
والجواب: أن حُسْن التعبد لا يقف عندنا على ما فيه وقد بيَّنا ذلك
فيما تقدم.
وعلى أن العلة هاهنا موجودة ممن هو عالم بالمصالح، فوجب تقديمها
لوجود المصلحة فيها.
واحتج : بأن مجرد الوصف لا يدل على شىء. ألا ترى أن الحلاوة كانت
موجودة في السُّكَّر قبل(١) أن ينص على تحريمه، ولم تكن دلالة على التحريم.
(١) في الأصل (مثل).
١٣٧٧
( العدة فى أصول الفقه - ٨٧ )

فلما نص على تحريمه، وذكر العلة، فقد ذكر علة خاصة تقتضي ثبوت الحكم
في الأصل المذكور وتعلقه به. وقد تكون العلة خاصة فيه، وقد تكون علة
فيه وفي غيره، فلم يكفِ مجرد ذكرها في وجوب رد غيرها إليها، بل احتيج
في ذلك إلی دلیل.
والجواب: أن هذا باطل بجميع العلل الشرعية، فإن أوصافها كانت
موجودة قبل التعبد بالقياس، ولا يتعلق بها حكم، وبعد التعبد بالقياس تعلق
بها الحكم، كذلك هاهنا لما ورد النص بها وجب أن يتعلق الحكم بها وإن لم
يتعلق بها قبل ذلك.
وقولهم: إن العلة قد تكون خاصة، فوجب التوقف حتى يدل الدليل على
التعدي، فلا نسلِّمه؛ لأنه ليس عندنا علة مقصورة غير متعدية.
وهذا أصل، يأتي الكلام عليه إن شاء الله.
واحتج : بأنه لا يجوز أن يقول: حرمتُ السُّكَّر لحلاوته، وأحللتُ غيره
مما(١) توجد فيه الحلاوة، فلا يكون ذلك تناقضاً. فلو كان النص على العلة
يوجب أن يكون كل ما يوجد فيه مشاركاً، لما جاز أن ينص على ثبوت
الحكم في بعض ما يوجد فيه العلة، وعلى ضده في بعضها، بل يكون ذلك
ضرباً من المناقضة.
فلما جاز هذا، ثبت؛ لأن مجرد النص على العلة والحكم لا يوجب إلحاق
الغير به إلا بدليل.
والجواب، أنا لا نسلِّم هذا، وهذا على أصلنا ظاهر. و(٢) أن تخصيص العلة
لا يجوز، وفي هذا تخصيص لها.
(١) في الأصل (ما).
(٢) الواو هذه زائدة، وكان الأولى حذفها، وقد تركناها؛ لأن المؤلف يعبر بها كثيراً.
١٣٧٨
!

وفي الجملة يجوز أن تكون أحكام صاحب الشرع متناقضة(١). فأما تعليله
فلا يجوز أن يتناقض.
واحتج : بأن الاعتبار باللفظ دون [٢١١/ب] المعنى. بدليل أنه لو
حلف فقال: ((والله لا أكلتُ السُّكَّر لأنه حلو))، لم يحنث بأكل ما عداه.
كذلك ألفاظ صاحب الشريعة.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن صاحب الشريعة لا تجوز عليه المناقضة، وغيره تجوز عليه
المناقضة.
والثاني: أن صاحب الشريعة قد أمر بالقياس، فإذا نص على العلة وجب
القياس عليها، وغيره لم يأمر بذلك. فلو قال لنا قائل: ((قيسوا كلامي بعضه
على بعض))، ثم قال: ((لا أكلتُ السُّكَّر لأنه حلو))، شَرَكَه فيه كُلُّ حلو.
مسألة
[ العلة القاصرة ]
العلة الشرعية إذا كانت مقصورة على موضع الوفاق لم تكن صحيحة
وكان وجودها كعدمها(٢).
(١) الحق أن صاحب الشريعة لا تجوز عليه المناقضة بحال من الأحوال، وهو ما صرَّح
به المؤلف في الجواب عن الدليل الآتي للمخالف، حيث قال: (إن صاحب الشريعة
لا تجوز عليه المناقضة، وغيرُه تجوز عليه) فلعله سبقُ قلم. والله أعلم.
(٢) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٦١/٤) والواضح لابن عقيل (٨٦٢/٢)، وروضة
الناظر (٣١٥/٢) والبلبل (١٥٢) والمسوَّدة ص (٤١١) وهذا قول أكثر الحنابلة،
ومنهم المؤلف.
١٣٧٩

وهو قول أصحاب أبي حنيفة(١).
وقال أصحاب الشافعي: هي علة صحيحة كعلة الذهب والفضة(٢). العلة
في تحريم التفاضل فيهما عندهم كونها قيم المتلفات فلا تتعدى(٣).
دليلنا :
أن المتفق على حكمه إنما يجب لأعيانه التي تقاس عليه ؛ لأن
= وذهب أبو الخطاب وابن قدامة والمجْد إلى أنها صحيحة.
انظر: المراجع السابقة.
وكان الأولى أن يذكر المؤلف محل النزاع، فإن العلة القاصرة قسمان: منصوص
عليها ومستنبطة، والخلاف إنما هو في المستنبطة، ولذلك قال أبو الخطاب في التمهيد:
( ... فقال أصحابنا - رضي الله عنهم - وأصحاب أبي حنيفة: هي باطلة إلا
أن ينص عليها صاحب الشرع).
وقال في المسوّدة: ( ... فأما القاصرة المنصوصة فيجوز التعليل بها وفاقاً، ذكره
أبو الخطاب).
وذكر الآمدي في الأحكام (٢٠٠/٣) أن العلة القاصرة إذا كانت منصوصة أو
مجمعاً عليها أنها صحيحة.
وذكر ابن السبكي في الإبهاج (١٥٤/٣) أن الاتفاق في العلة المنصوصة نقله جماعة،
منهم القاضي أبوبكر.
ثم قال: (وأغربّ القاضي عبد الوهاب في الملخّص، فحكى مذهباً ثالثاً: أنها لا
تصح على الإطلاق فيه، سواء كانت منصوصة أو مستنبطة ... ولم أر هذا القول
في شيءٍ مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا).
(١) انظر أصول السرخسي (١٥٨/٢) وتيسير التحرير (٥/٤) وفواتح الرحموت
(٢٧٦/٢) وهو قول جمهورهم كما عبر به صاحب فواتح الرحموت.
(٢) انظر: التبصرة ص (٤٥٢) والبرهان (١٠٨٠/٢)، وشفاء الغليل ص (٥٣٧)،
والمستصفى (٣٤٥/٢)، والمحصول (٤٢٣/٥)، والإِحكام للآمدي (٢٠٠/٣)
والإبهاج (٢٥٤/٣).
(٣) في الأصل (يتعدا) بالمثناة التحتية.
١٣٨٠