Indexed OCR Text
Pages 1161-1180
وقوله: (عليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)(١) فلما أمر بالاقتداء بهم، والاتباع لهم دلّ على وجوب اتباع التابعي لهم، لم يجز خلافه. فإن قيل: هذا لا يمنع خلافهم، كما لم يمنع خلاف غير الأئمة من الصحابة للأئمة. قيل: ظاهر الخبر يقتضى وجوب اتباعهم، وترك مخالفتهم من الصحابة وغيرهم، لكن قام الدليل هناك، وبقي ما عداه على ظاهره. وأيضاً: قد ثبت أن قول الصحابي إذا انفرد حجة مقدم على القياس في الصحيح من قول أصحابنا وقول أصحاب أبي حنيفة وبعض الشافعية. ومن كان قوله حجة على غير أهل عصره لم يجز لمن كان من أهل العصر مخالفته. (١) هذا الحديث رواه العرباض بن سارية - رضي الله عنه ـ مرفوعاً. أخرجه عنه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (٤٤/٥) وقال: (حديث حسن صحيح). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة (٥٠٦/٢). وأخرجه عنه ابن ماجة في مقدمة سننه، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١٥/١). وأخرجه عنه الدارمي في مقدمة سننه، باب اتباع السنة (٤٣/١ - ٤٤). وأخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (١٢٦/٤). وأخرجه عنه أبوبكر عمر بن أبي عاصم الشيباني في كتاب السنة (٢٩/١) رقم (٥٤) قال الألباني : (إسناده صحيح، رجاله ثقات). وأخرجه عنه الحاكم في مستدركه، في كتاب: العلم، باب: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٩٥/١ - ٩٦) وقال: (حديث صحيح، ليس له علة) ووافقه الذهبي على ذلك. وقد صحح الشيخ الألباني هذا الحديث في كتابه صحيح الجامع الصغير (٣٤٦/٢). ١١٦١ يدل عليه: أن النبي عَِّ لما كان قوله حجة، لم يجز لأهل عصره مخالفته . فإن قيل: فالنبي حجة مقطوع عليه، والصحابي غير مقطوع عليه. قيل : خبر الواحد والقياس غير مقطوع عليهما، ويجب اتباعهما. فإن قيل: الذي قدمنا به قول الصحابي معرفته بأحوال التنزيل وطريق الأخبار ومشاهدتها، وهذا المعنى يتساويان فيه، فلا يلزم أحدهما متابعة الآخر. قيل: فكان يجب أن لا يكون قول الصحابي حجة على غيره من بعده من العلماء، وأن يكون قوله أيضاً(١) كقول الصحابة لمساواته في الطريق، ولما لم يقل هذا، لم يصح، لما ذكرته. فإن قيل: إنما يكون حجة، إذا لم يظهر من أحد من نظرائه خلافه، فإذا ظهر خرج عن أن يكون حجة، كما أن الإِجماع ينعقد إذا لم يظهر ممن يعتدّ بقوله خلاف، فإذا ظهر لم ينعقد. قيل: لا نسلم أن التابعي نظير للصحابي في الاجتهاد، لوجوه: أحدها: أن قول الصحابي حجة على من بعده، والتابعي بخلاف ذلك. والثاني: أن الصحابي معه مزية ليست مع التابعي من مشاهدة التنزيل وحضور التأويل. والثالث: أنه منصوص عليه، لقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) وقوله: (أصحابي كالنُّجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). وهذا المعنى معدوم في [١٧٤/أ] التابعين. ونجعل هذه طريقة في المسألة فنقول: للصحابي مزية على غيره من التابعين ومن بعدهم. (١) في الأصل: (صار) ولعل ما أثبتناه هو الصواب. ١١٦٢ لأنه لا يخلو ما قاله أن يكون عن توقيف أو اجتهاد، فإن كان عن توقيف فهو أولى، وإن كان عن اجتهاد فاجتهاده أولى بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل. ولأنه منصوص عليه بقوله: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) وإذا كانت له هذه المزية على غيره كان الاعتبار بقوله دون غيره، كما قلنا في القياس مع خبر الواحد، لما كان للخبر مزية كان مقدماً على القياس، وإن كان مساوياً له في أنه حجة، طريقها: غلبة الظن. وللمخالف على هذا الدليل اعتراضات، نذكرها في قول الصحابي إذا انفرد به: أنه حجة، إن شاء الله تعالى. واحتج المخالف: بأنه قد ثبت أن الصحابة سوَّغت للتابعين الاجتهاد معها، وكانوا يفتون مع الصحابة، مثل سعيد بن المسيب وشُريح القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل(١) والشعبي وغيرهم. ألا ترى: أن عمر وعلياً - رضي الله عنهما ـــ ولًّا شريحاً القضاء، ولم ينقضا أحكامه بالفسخ مع إظهاره الخلاف عليهما في كثير من المسائل. وكتب عمر إليه: (إن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك)(٢). ولم يأمره بالرجوع إليه، ولا الحكم بقوله. (١) هو: شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، وقد سبقت ترجمته. (٢) كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله - إلى شريح مشهور، فقد أخرجه وكيع في كتابه «أخبار القضاة» (١٨٩/٢) بسنده إلى الشعبي، ولفظه: (عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح : ما في كتاب الله وقضاء النبي - عليه السلام - فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي - عليه السلام - فما قضى به أئمة العدل فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامر في، = ١١٦٣ وخاصم علي - رضي الله عنه - إلى شريح، ورضي بحكمه حين حكم عليه بخلاف رأيه(١). = ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم لك). كما أخرجه عن الشعبي بلفظ آخر هو: (عن الشعبي عن شريح كان عمر كتب إليه : إذا جاءك أمر، فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما سنَّ رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله، فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن جاءك ماليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم به أحد فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخّره، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك). (١) لعل المقصود بهذا قصة مخاصمة علي - رضي الله عنه - لليهودي عند القاضي شريح، خلاصتها: أن علياً - رضي الله عنه - سقط منه درع، فوجده في السوق مع بهودي يريد بيعه، فقال له علي - رضي الله عنه -: يا يهودي درعي سقطت مني، فأنكره اليهودي، فتحاكما إلى شريح، فقال شريح: ما أرى أن تخرج الدرع من يده، فهل من بينة، فقال علي - رضي الله عنه -: صدق شريح، ثم أسلم اليهودي. وهذه القصة أخرجها البيهقي في سننه في كتاب آداب القاضي، باب: إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما ... (١٣٦/١٠). وذكر الحافظ ابن حجر هذه القصة، وفيها: أن علياً جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، فقال: لو كان خصمي مسلماً جلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا تساووهم في المجالس)). قال الحافظ بعد ذلك: ((أبو أحمد والحاكم في الكنى في ترجمة أبي سمير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي: قال: عرف علي درعاً له مع يهودي، فقال: يا يهودي درعي سقطت مني، فذكره مطولا، وقال: منكر. وأورده ابن الجوزي في العلل من هذا الوجه، وقال: لا يصح، تفرد به أبو سمير . = ١١٦٤ وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكر أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها: فقال ابن عباس: أبعد الأجلين. وقلت أنا: عدتها: أن تضع حملها. وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. = ورواه البيهقي من وجه آخر من طريق جابر عن الشعبي، قال: خرج علي إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعاً، فعرف علي الدرع، فذكره بغير سياقه. وفي رواية له: لولا أن خصمي نصراني، لجثيت بين يديك، وفيه عمرو بن شمَّر عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان. وقال ابن الصلاح في الكلام على أحاديث الوسيط: «لم أجد له إسناداً يثبت». وقال ابن عسكر في الكلام على أحاديث المهذب: ((إسناده مجهول)) انظر التلخيص الحبير (١٩٣/٤). وفي أخبار القضاة (١٩٤/٢) زيادة: أن شريحاً طلب من على بينة على أن الدرع التي مع اليهودي له، فأحضر قنبر والحسن ابنه، فرد عليه شريح قائلاً: شهادة الابن لاتجوز للأب. فقال علي: ((سبحان الله رجل من أهل الجنة)). وفي رواية ساقها أيضاً وكيع في المرجع السابق : (أن شريحاً قال لعلي : بينتك، فجاء بعبد الله بن جعفر ومولى له، فشهدا، فكأن شريحاً لم يجز شهادة المولى ... فقال لعلي: اتبع بَيِّعك بالثمن الذي دفعت إليه. وقال [يعني علياً] في أي كتاب الله وجدت أن شهادة المولى لا تجوز). ففي الرواية الأولى نجد شريحاً خالف علياً في شهادة الابن. وعلى الرواية الثانية خالفه في شهادة المولى. وانظر: كشف الأسرار (٩٤٥/٣). ١١٦٥ فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه، وتبعه أبو هريرة(١). وذكر إبراهيم(٢) عن مسروق أنه قال: (كان ابن عباس إذا قدم عليه أصحاب عبد الله(٣) صنع لهم طعاماً ودعاهم، قال: فصنع لنا مرَّة طعاماً، فجعل يسأل ويفتي، فكان يخالفنا، فما يمنعنا أن نردّ عليه إلا أنا على طعامه) (٤). وسئل ابن عمر عن فريضة، فقال: (سلوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها منِّي)(٥). (١) أخرج هذا البخاري في كتاب التفسير (سورة الطلاق) (١٩٣/٦ - ١٩٤) وتكملته: (فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو السنابل فيمن خطبها). وأخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (١١٢٢/٢ - ١١٢٣). وأخرجه الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع (٤٩٠/٣) وقال: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الدارمي في كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها والمطلقة (٨٨/٢). وأخرجه النَّسائي في كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها (١٥٧/٦). وأخرجه الإِمام الشافعي، كما في بدائع المنن في كتاب العدد، باب عدة الحامل بوضع الحمل (٤٠١/٢). هو: إبراهيم النخعي، وقد سبقت ترجمته. (٢) (٣) يعني: ابن مسعود - رضي الله عنه. لم أقف عليه. (٤) أخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات في ترجمة سعيد بن جبير (٢٥٨/٦). (٥) وفيه (فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يُفْرِض منها ما أفرض). ١١٦٦ ٠ وسئل أنس عن مسألة فقال: (سلوا مولانا الحسن)(١). وإذا ثبت أنها قد سوغت لهم ذلك، لم يكن بينهم في هذا المعنى فرق. والجواب: أنه يحتمل أن يكونوا سوغوا الاجتهاد للتابعين فيما كانوا مختلفين فيه، ليجتهدوا في أخذ أقوالهم، فسوغوا ذلك، ولم يثبت عنهم أنهم سوغوا خلاف الواحد فيما قال. ولهذا قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني: أبا سلمة. يبين صحة هذا: أنه روي أن علياً - رضي الله عنه - نقض على شريح حكمه في ابني عم، أحدهما أخ لأم، لما جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم(٢)، [١٧٤/ب]. (١) هذا الأثر أخرجه ابن سعد في طبقاته (١٧٦/٧) في ترجمة الحسن البصري، وفيه: (فقالوا: يا أبا حمزة نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا). وذكر ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة الحسن (٢٦٤/٢) بأخصر مما ذكره ابن سعد. (١) هذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب ميراث ابني عم أحدهما زوج والآخر أخ لأم (٢٣٩/٦ - ٢٤٠) ولفظه: ( ... قال: أتي شريح في امرأة تركت ابني عمها، أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها، فأعطى الزوج النصف وأعطى الأخ من الأم ما بقي، فبلغ ذلك علياً - رضي الله عنه - فأرسل إليه، فقال: ادعوا لي العبد الأبطر (هكذا) فدعي شريح، فقال: ما قضيت؟ قال: أعطيت الزوج النصف، والأخ لأم ما بقي، فقال علي - رضي الله عنه -: أبكتاب الله أم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟! فقال: بل بكتاب الله، فقال أين؟ قال شريح: ((وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)). قال علي - رضي الله عنه -: هل قال للزوج النصف ولهذا ما بقي؟، ثم أعطى علي - رضي الله عنه - الزوج النصف والأخ لأم السدس، ثم ما بقي قسمه بينهما). ١١٦٧ = وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت لأبي سلمة ابن عبدالرحمن: (مثلك مثل الفُرُوج، يسمع الديك يصيح، فصاح بصياحه). وذلك إنكار منها عليه في مناظرة عبدالله بن عباس والدخول معه في الاجتهاد (١). = فيظهر من هذا: أن الحكم الذي نقضه علي - رضي الله عنه - على شريح هو في مسألة: امرأة تركت ابني عم، أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها. بينا الذي ذكره المؤلف هو في مسألة: امرأة تركت ابني عمها، أحدهما أخ لأم، وهي مسألة أخرى لا ذكر لشريح فيها، أخرجها البيهقي في الموضع السابق (٢٤٠/٦) ولفظه: (أتى علي بابني عم، أحدهما أخ لأم، فقيل له: إن عبد الله كان يعطي الأخ لأم المال كله، قال: يرحمه الله إن كان لفقيهاً، ولو كنت أنا لأعطيت الأخ لأم السدس، ثم لقسمت ما بقي بينهما). والذي يظهر لي: أن المؤلف - رحمه الله - خلط بين المسألتين، ولا تأثير له على وجه الاستدلال من القصة، فإن في المسألة الأولى نقضاً لحكم شريح من علي - رضي الله عنه - وهو ما يريد المؤلف إثباته. والله أعلم. (١) قول عائشة - رضي الله عنها - لأبي سلمة أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقي الختانان ص (٥٧) وفيه: أن أبا سلمة قال: سألت عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة مثل الفُرُوج يسمع الدِّيَكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان فقد وجب الغسل. ومن هذا يتبين أنه لم يكن هناك مناظرة بين أبي سلمة وابن عباس - رضي الله عنه - ولم أجد في مرجع يعتمد عليه - حسب اطلاعي - أن عائشة ـــ رضي الله عنها - قالت ذلك في مسألة عدة المتوفى عنها زوجها. نعم وجدت بعض كتب الأصول يذكر أن عائشة - رضي الله عنها - قالت ذلك لأبي سلمة لما خالف ابن عباس - رضي الله عنه - في عدة المتوفى عنها زوجها، منها المحصول (٢٥٤/٤) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٥٦/١) وشرح الكوكب المنير (٢٣٤/٢). ١١٦٨ = واحتج: بأن معه آلة الاجتهاد، فكان متعبداً به، ولم يجز له تقليد غيره. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون معه آلة الاجتهاد، ويكون متعبداً بغيره، كما كان متعبداً بخبر الواحد إذا عارضه القياس. واحتج: بأنهم من أهل الاجتهاد في وقت حدوث النازلة، فوجب أن لا ينعقد الإِجماع إلا بموافقتهم، أصله: الصحابة. والجواب: أن الصحابة قد تساووا في المزية والاجتهاد، وليس ذلك في التابعين، فإنهم وإن ساووا الصحابة في الاجتهاد، فللصحابة مزية عليهم من الوجه الذي بينا، فلهذا لم يعتد بخلافهم عليهم. واحتج بأن الاعتبار بالعلم دون الصحبة، يدل عليه: أن الصحابي إذا لم يكن عالماً وجب عليه تقليد أهل العلم من التابعين، فإذا كان كذلك، وقد شاركهم التابعي في العلم، وجب أن يكون بمنزلتهم. والجواب: أن الاعتبار بالعلم والصحبة لما فيهما من المزية، فإذا لم يكن الصحابي عالماً فقد عدم أحد الوصفين، فلهذا لم يعتد بقوله. وإذا كان من أهل الاجتهاد فقد وجد معنيان، والتابعي يوجد فيه أحدهما. = وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٩٠/٤) في ترجمة أبي سلمة قول عائشة - رضي الله عنها - بدون أن يربطه بحادثة وإنما ذكر أنها قالت له ذلك، وهو حَدَث. وفي هامش الكتاب المذكور قال المحقق تعليقاً على ذلك: (أورده ابن عساكر مطولاً في نسخه (ع)) ١٥١/٩ ب). وقال الآمدي في كتابه الإحكام (٢١٩/١ - ٢٢٠): (إن عائشة - رضي الله عنها - أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم، وزجرته عن ذلك وقالت: (فُرُوج يصيح مع الدِّيَكة). فلم يربط هذا القول بحادثة معينة. ١١٦٩ ( العدة فى أصول الفقه - ٧٤ ) : 1 مسألة [الإجماع السكوتي] إذا قال بعض الصحابة قولاً، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإِنكار عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعاً (١). وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية الحسن بن ثواب، قال: ((أذهبُ في التكبير غداةً يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شىء تذهب؟ قال: بالإِجماع: عمر وعلي وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس))(٢). وظاهر هذا: أنه جعله(٣) إجماعاً، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه (٤). وقد صرح به أبو حفص البرمكي، فيما رأيته بخطه على ظهر الجزء الرابع من شرح مسائل الكوسج، فقال: ((قال أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي(٥): ((أجمع أصحاب رسول الله عَ ليه (١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٢٦/ب) والتمهيد (٣٢٣/٣) والمسودة ص(٣٣٥) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٨١/١) وشرح الكوكب المنير (٢٥٣/٢). (٢) سبق الكلام عن هذه الرواية ص (١٠٦٠) كما سبق تخريج ما تضمنته من آثار. (٣) في الاصل: (أجعله). (٤) سبق مناقشة الإجماع في هذه المسألة هامش ص (١٠٦١). (٥) هو: محمد بن عبيد الله بن يزيد بن المنادي، أبو جعفر البغدادي. سمع شجاع بن الوليد وحفص بن غياث وأبا أسامة وغيرهم. وعنه البخاري وأبو داود وعبد الله البغوي وغيرهم. روى عن الإِمام أحمد بعض المسائل. قال ابن حجر: ((صدوق)). مات سنة (٢٧٢ هـ) وله من العمر مائة سنة وسنة واحدة. له ترجمة في: تقريب التهذيب (١٨٨/٢) وطبقات الحنابلة (٣٠٢/١). ١١٧٠ على هذا المصحف(١))). قال أبو حفص: فبان بهذا أن الصحابة إذا ظهر الشىء من بعضهم، ولم يظهر من الباقين خلافهم: أنه عنده إجماع. وبهذا قال الأثرم(٢) من أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان السرخسي والجرجاني(٣). وهو أيضا قول الأكثر من أصحاب [١٧٥/أ] الشافعي(٤). ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: يكون حجة، إلا أنه لا يكون إجماعاً. حكاه الجرجاني(٥). ومن أصحاب الشافعي من قال: يكون حجة مقطوعاً بها، ولا يكون إجماعاً(٦)؛ لأن الشافعي قال: ((لا ينسب إلى ساكت قول))(٧). (١) هذه الرواية ذكرها ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة ابن المنادي (٣٠٤/١). لم أقف على ترجمته. (٢) وهو قول الأكثر من الحنفية. (٣) انظر: التقرير والتحبير (١٠١/٣) وتيسير التحرير (٢٤٦/٣)، ومسلم الثبوت (٢٣٢/٢). (٤) وبه قال الشيرازي في التبصرة ص (٣٩١). وفي جمع الجوامع مع شرحه للمحلي (١٨٩/٢): (والصحيح: أنه حجة مطلقاً) ثم نقل عن الرافعي: أنه المشهور عند الأصحاب، قال: وهل هو إجماع؟ فيه و جهان. (٥) في الأصل: (وحكاه الجرجاني) وهي مكررة في الأصل. ١ (٦) نقل ذلك الشيرازي الشافعي في كتابه التبصرة ص(٣٩٢) عن بعض أصحابه، ولم يُسمِّ أحداً. وعزاه الآمدي في الإِحكام (٢٢٨/١) إلى أبي هاشم، وهو ما فعله الرازي في المحصول (٢١٥/٤). (٧) ذكر الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع (١٨٩/٢) أن كونه ليس بحجة ولا - ١١٧١ وقال قوم من المتكلمين: لا يكون حجة (١). وحكي عن قوم من المعتزلة(٢) والأشعرية(٣). وحكي ذلك عن داود(٤). دلیلنا: ان الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر في الصحابة، فسكتوا عنه، فلا يخلو من خمسة أحوال: إما أن [لا] يكونوا قد اجتهدوا. أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شىء يجب عليهم اعتقاده. أو أدى إلى خلاف القول الذي ظهر، أو إلى وفاقه. أو كانوا في تَقِيَّة. ولا يجوز أن لا يكونوا قد اجتهدوا؛ لأن العادة إذا نزلت بهم نازلة أن = إجماع منسوب إلى الإِمام الشافعي، أخذا من قوله: ((لا ينسب إلى ساكت قول)). والمؤلف هنا يعلل بكلام الشافعي هذا للقول بكونه حجة وليس بإجماع، فتدبر. وقد نقل الرازي في المحصول في الموضع السابق عن الشافعي: أنه ليس بإجماع ولا حجة. وهو ما فعله الآمدي في الإِحکام. (١) وبه قال الرازي في المحصول، والغزالي في المستصفى (١٩١/١). بعدم الحجية قال أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد (٥٣٩/٢). (٢) لعل المؤلف يقصد القاضي أبابكر الباقلاني، فإن الشيرازي في التبصرة ص(٣٩٢) (٣) نسب إليه عدم القول بالحجية، حيث قال: (وقال القاضي أبوبكر الأشعري ليس بحجة أصلا). (٤) هكذا نقل المؤلف عن داود بصيغة التضعيف. ولكن الشيرازي في التبصرة ص(٣٩٢) جزم بنسبة ذلك إليه. وقد ارتآه ابن حزم في كتابه الإِحكام (٥٣١/٤، ٥٤٣). ١١٧٢ 1 ٠ ٠ أ یرجعوا إلى الظن والاجتهاد. ولأن هذا يؤدي إلى خروج الحق عن أهل العصر، وهذا لا يجوز؛ لأنهم لا يجتمعون على خطأ، ولأنه يؤدي إلى خلو العصر من قائم الله بحجة. وهذا لا يجوز؛ لما روي عن النبي عَ له أنه قال: (لا يخلو عصر من الأعصار من قائم الله بحُجَّة)(١). وقوله - عليه السلام -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يَضُّهم من نَاوَأُهُم)(٢). (١) بهذا اللفظ يقول الغماري في تخريج أحاديث اللمع ص(٢٥٥): ((لا أصل له)) أ. هـ. وقال أبو الخطاب في التمهيد (٣٥٢/٣): (هذا الحديث غير معروف في أصل). وقال الشيرازي في التبصرة ص (٣٧٦) (لا نعرف هذا الحديث) ولكن رأيت أبا نعيم في كتابه الحلية (٧٩/١) أخرجه من كلام علي - رضي الله عنه - في وصيته لكميل بن زياد، والوصية طويلة، جاء فيها (كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ... ). وفي معناه جاء حديث: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها). أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة (٤٢٤/٢) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. كما أخرجه الحاكم عنه في كتاب الفتن باب ذكر بعض المجددين في هذه الأمة (٥٢٢/٤). وأخرجه البيهقي في المعرفة حكى ذلك السيوطي والمناوي والألباني. وقد رمز السيوطي له بالصحة في كتابه الجامع الصغير. ونقل المناوي في كتابه فيض القدير (٢٨٢/٢) عن الزين العراقي: أن سنده صحيح. وصححه كذلك الشيخ الألباني في كتابه صحيح الجامع الصغير (١٤٣/١) رقم الحديث (١٨٧٠). (٢) هذا الحديث أخرجه البخاري عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - مرفوعاً، في كتاب الاعتصام، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تزال طائفة = ١١٧٣ ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فلم يؤد [ اجتهادهم ] إلى شيء يجب اعتقاده في مدة العصر؛ لأن العادة بخلافه، ولأن طرق الحق ظاهرة، ولأن ذلك يؤدي إلى خطأ الجميع في الاجتهاد، وعدولهم عن طريق الصواب وهذا لا يجوز. ولأنهم إذا كانوا بهذه الصفة، فليس لهم قول في الحادثة، بل هم بمنزلة العامة فيها، فلا يعتد بقولهم وبخلافهم. ولا يجوز أن يكونوا في تقية وفزع(١): لأنه إذا كان الأمر على هذا، فانه لا يحكم بانعقاد الإجماع، وإنما يحكم بذلك إذا سكتوا عمن لا يخالفونه ولا یتقونه. ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فأدى [اجتهادهم] إلى خلافه، فلم يظهروه؛ لأن إظهار الحق واجب، والحق في واحد، فيكون ذلك إجماعاً على خطأ؛ لأن القائل عندهم مخطىء، والمقر على الخطأ مخطىء ولا يجوز أن يجتمعوا على خطأ. = من أمتي ظاهرين على الحق) (١٢٥/٩) ولفظه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون). ورقم الحديث في الفتح (٧٣١١). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإِمارة، باب: لا تزال طائفة من أمتي ... (١٥٢٣/٣). وأخرجه الترمذي عن ثوبان ــ رضي الله عنه ـ مرفوعاً في كتاب الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين (٥٠٤/٤) وقال: (حديث حسن صحيح). وأخرجه عنه أبو داود في أول كتاب الفتن (٤١٣/٢ - ٤١٤) جزء من حديث طويل. وأخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (٢٧٨/٥) جزء من حديث طويل أيضاً. كما أخرجه عن أبي أمامة - رضي الله عنه - (٢٦٩/٥). (١) في الأصل: (وفرع) بالراء المهملة. ١١٧٤ أ ولا يجوز أن يقال: سكتوا مع اعتقادهم أن كل مجتهد مصيب؛ لأن المسألة مبنية على أن الحق في واحد، وعلى أن العادة جارية بأن من له مذهب، وسمع خلافه، أظهر مذهبه، ودعا إلى قوله، وناظر عليه، وإن كان يعتقد أن كل مجتهد مصيب، كما فعل أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة، وإذا جاز ذلك ثبت أن سكوتهم كان لرضا منهم بقوله [١٧٥/ب]. واحتج المخالف: بأن سكوتهم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا في مهلة النظر، ولم ينكشف لهم الصواب. ويحتمل أن يكونوا معتقدين أن كل مجتهد مصيب. وأن الإنكار والمخالفة لا يجب. ويحتمل أن يكون ذلك لهيبة قائله، كما قال عبدالله بن عباس: (أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، وايم الله لو قدَّم من قدمه الله، وأخر من أخره الله ما عالت الفرائض. فقال زفر بن أوس(١): فما منعك(٢) أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته). وإذا احتمل السكوت ما ذكرناه، لم يجز حمله على الرضا والاتفاق. والجواب: أن مهلة [النظر] لا تمتد إلى آخر العصر؛ لأن طرق الحق واضحة، ومن نظر فيها من أهل الاجتهاد، فلا بدَّ من أن يصل إلى الحق. (١) هو زفر بن أوس بن الحدثان، النصري، المدني. روى عن أبي السنابل بن بعكك، وعنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ما روى عنه سواه، كما يقول الذهبي. يقال: أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعرف له رواية ولا صحبة. له ترجمة في: تهذيب التهذيب (٣٢٧/٣) وميزان الاعتدال (٧١/٢). (٢) في الأصل: (فما يمنعك) والتصويب من سنن البيهقي (٢٥٣/٦). ١١٧٥ وقولهم: يحتمل أن يسكتوا لاعتقادهم أن كل مجتهد مصيب: لا يصح؛ لأنه لم يكن في الصحابة - رضوان الله عنهم ــ من يعتقد ذلك، ونحن نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى؛ لأنهم لو اعتقدوا ذلك لوجب أن يظهر منهم خلافه، كما نشاهد ذلك في زماننا، وسمعناه من حال من تقدمنا من الاختلاف والمناظرة. وقولهم: يحتمل أن يكون للهيبة: لا يصح؛ لأن الهيبة لا تمنع من إظهاره لغيره، کما أظهره عبد الله بن عباس. فصل(١) ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون القول فتيا أو حكماً. وقال بعض الشافعية، وهو ابن أبي هريرة(٢): إن كان حكماً، لم يكن إجماعاً، ولم يحتج به؛ لأنا نحضر مجالس الحكام، وهم يحكمون بخلاف ما نعتقده، فلا ننكر عليهم، فإذا كان فتيا، أفتى كل واحد منا بما يعتقده(٣). دليلنا: أن الحاكم يستحب له أن يستشير ويعرف ما عند أهل العلم فيما يريد أن يحكم به، فيكون الحكم المسكوت عنه أولى بالإجماع. (١) هذا الفصل تابع للمسألة التي قبله، فلو جمع المؤلف بينهما لكان أفضل، وهو ما فعله كثير من الأصوليين؛ لأنه قول بالتفصيل في المسألة. (٢) هو: الحسن بن الحسين، أبو علي، ابن أبي هريرة الشافعي. الفقيه القاضي. تفقه علي ابن سريج وأبي إسحاق المروزي. مات سنة (٣٤٥هـ). له ترجمة في: تاريخ بغداد (٢٩٨/٧)، وشذرات الذهب (٣٧٠/٢) وطبقات الشافعية (٢٥٦/٣) ووفيات الأعيان (٣٥٨/١). (٣) نَسَبَ هذا إلى ابن أبي هريرة: الشيرازيّ في التبصرة ص(٣٩٢)، والآمدي في الإِحكام (٢٢٨/١) وجمع الجوامع مع شرح الجلال (١٨٩/٢). ١١٧٦ 1 ولأن الصحابة لم يكن عادتهم كما ذكر ابن أبي هريرة، وكان من عنده حق أظهره ورد عليه. وقالت امرأة لعمر بن الخطاب - لما نهى عن المغالاة في المهور - : (أويعطينا الله، وتمنعنا يا عمر؟). وروي: (يا ابن الخطاب، قال الله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً، فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهِ شَيْئاً)(١) فقال عمر: امرأة خاصمت(٢) عمر فخصمته)(٣). (١) (٢٠) من سورة النساء. (٢) في الأصل: (خصمت). انظر: القاموس مادة (خصم). هذا الأثر أخرجه البيهقي في كتاب الصداق، باب لا وقت (لا تقدير) في الصداق . قل أو أكثر (٢٣٣/٧) بلفظين: أحدهما: (قال عمر - رضي الله عنه - خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء، حتى قرأت هذه الآية: (وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ فِنْطَاراً)) ثم قال البيهقي بعد ذلك: هذا مرسل جيد. الثاني: (قال: خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وقال: ألا لاتغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شىء ساقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو سيق إليه، إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال. ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) فقال عمر - رضي الله عنه -: -: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثاً، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له). ثم قال البيهقي بعده: هذا منقطع. وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه المطالب العالية في كتاب النكاح (٤/٢ - ٥)، ونسبه إلى أبي يعلى ١١٧٧ مسألة إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يظهر في الباقين، ولم يعرف له مخالف، فإن كان القياس يدل عليه: وجب المصير إليه والعمل به (١). وإن كان القياس يخالفه، فإن كان مع قول الصحابي قياس أضعف منه كان قول الصحابي مع أضعف القياسين أولى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون كل واحد منهما حجة حال الانفراد، ثم يصير حجة [١٧٦/ أ] بالاجتماع، كاليمين مع الشاهد؛ لأن اليمين حجة ضعيفة في جَنَبَة المدعي؛ لأن مقتضاها أن يكون في جَنَبَة المدعى عليه، ومع هذا: فقد قویت بانضمام الشاهد إليها. وكذلك كل واحد من الشاهدين ليس بحجة في نفسه، ويصير حجة مع غيره. وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم: ((ربما كان الحديث عن النبي عَّلِ في إسناده شىء، فيؤخذ به إذا لم يجىء خلافه أثبت منه، مثل: حديث عمرو بن شعيب(٢)، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم یجیء خلافه)). وذكره الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد في كتاب النكاح، باب الصداق (٢٨٣/٤ - = ٢٨٤). ثم قال: (رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، وقد وثق). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب النكاح، باب: غلاء الصداق (١٨٠/٦). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه في كتاب الوصايا، باب: ماجاء في الصداق (١٩٥/٣) حديث رقم (٥٩٨). (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد: (٣٣١/٣) المسوّدة ص: (٣٣٥). (٢) في الأصل: (عمرو بن سعيد)، وهو خطأً؛ لأن المؤلف قد أورد هذه الرواية ص: (١٠٣٢)، وذكر اسمه (عمرو بن شعيب)، وهناك ترجمنا له في الهامش. ١١٧٨ وقال - في رواية أبي طالب -: ((ليس في النَّبِق(١) حديث صحيح(٢)، (١) في الأصل: بدون إعجام، والنبق :- بفتح النون وكسر الباء وقد تسكن -: ثمر السدر، أو حمل السدر. انظر: القاموس (٢٨٤/٣)، النهاية (١٢٣/٤) مادة: (نبق). (٢) هكذا يقول الإِمام أحمد، فهو ذهاب منه إلى عدم صحة الأحاديث الواردة في ذلك. ولكن النهي عن قطع السدر: قد ورد من حديث عبدالله بن حبشي الختعمي، - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من قطع سدرةٌ صوَّب الله رأسَه في النار). أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في قطع السدر (٦٥٠/٢). كما أخرجه النسائي في السير، والضياء في المختارة، كما في الجامع الصغير وشرحه فيض القدير (٢٠٦/٦)، حديث (٨٩٦٢). وأخرجه الطبراني في الأوسط بزيادة (من قطع سدرة من سدر الحرم .. )، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٥/٨): (رجاله ثقات). وقد رمز له السيوطي بالصحة، ووافقه الألباني في كتابه: صحيح الجامع الصغير (٣٤١/٥). ومدار الحديث: على ((سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم)). وقد روى عن أبيه وجده وعبد الله بن حبشي وأبي هريرة، وروى عنه جماعة منهم: ابن عمه عثمان بن أبي سليمان بن جبير وابن أبي ذئب وهشام بن عمارة النوفلي. قال الحافظ ابن حجر - في التهذيب (٧٦/٦) - (روی له أبو داود والنسائي حديثاً واحداً في قطع السدر). وسعيد هذا: ذكره ابن حبان في الثقات. قال الذهبي في الميزان (١٥٧/٢): (وسعيد فيه جهالة، فتحرر حاله، فإنه روى أيضاً عن أبي هريرة وجماعة). وقال ابن القطان: فيما نقله المناوي في فيض القدير -: (لا يعرف حاله، وإن عرف نسبه وبیته، روى عنه جمع، فالحديث لأجله حسن لا صحيح) . = ١١٧٩ وقد أخرج أبو داود هذا الحديث في سننه في الموضع السابق عن عثمان = بن أبي سليمان عن رجل من ثقيف عن عروة بن الزبير مرسلاً. وقد قال بعض العلماء: إن الحديث مضطرب، من أجل ذلك. انظر: عون المعبود (٥٣٠/٤). فالخلاصة: أن هذا الحديث صحيح، فسعيد بن محمد بن جبير معروف،. وقد وثّقه ابن حبان. والحديث محمول على سدر الحرم، لما أخرجه الطبراني في الأوسط بزيادة: (من سدر الحرم)، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي، والله أعلم. والنهي عن قطع السدر: قد جاء في عدة أحاديث: منها: ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الذين يقطعون السدر يصبون في النار على وجوههم صباً). قال الهيثمي: (رجاله كلهم ثقات). ومنها: ما أخرجه الطبراني - أيضاً - في الأوسط عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اخرج فناد في الناس: لعن الله قاطع السدر). قال الهيثمي: (فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك). ومنها: ما أخرجه الطبراني في الكبير عن معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من الله لا من رسوله: لعن الله قاطع السدر). قال الهيثمي (٦٩/٤): (وفيه يحيى بن الحارث، قال العقيلي: لا يصح حديثه، يعني هذا الحديث). ومنها: ما أخرجه الطبراني في الكبير - أيضاً -: عن عمر بن أوس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من قطع السدر إلا من الزرع بنى الله له بيتاً في النار). = ١١٨٠ ١