Indexed OCR Text

Pages 1121-1140

والصَّرْف(١).
الحمر الأهلية).
=
وهذا القول عن ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الطبراني في الأوسط
عن سالم بن عبدالله قال الحافظ في التلخيص (١٥٤/٣): (إسناده قوي).
كما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة
وحرمتها (٢٩٢/٤ - ٢٩٣) بسنده إلى محمد بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب.
وبسنده أيضاً إلى ابن عمر. قال فيه الألباني في إرواء الغليل (١٣٨/٦): (إسناده
صحيح على شرط الشيخين).
قال الألباني في كتابه المذكور: (وجملة القول: أن ابن عباس - رضي الله عنه
- روي عنه في المتعة ثلاثة أقوال:
الأول : الإِباحة مطلقاً
الثاني : الإِباحة عند الضرورة.
والآخر : التحريم مطلقاً، وهذا مما لم يثبت عنه صراحة، بخلاف القولين الأولين،
فهما ثابتان عنه).
(١) القول بجواز ربا الصرف المروي عن ابن عباس - رضي الله عنه، رواه أبو سعيد
الخدري - رضي الله عنه - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب
بيع الدينار بالدينار نساً، ولفظه: (أن أبا صالح الزيات سمع أبا سعيد الخدري -
رضي الله عنه - يقول : الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، فقلت له: فإن ابن
عباس لا يقوله، فقال أبو سعيد: سألته، فقلت: سمعته من النبي - صلى الله عليه
وسلم - أو وجدته في كتاب الله؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول
الله - صلى الله عليه وسلم - مني، ولكنني أخبرني أسامة: أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: ((لا ربا إلا في النسيئة)).
وأخرجه عنه مسلم في صحيحه في كتاب البيوع، باب بيع الطعام مثلاً بمثل
(١٢١٧/٣).
وأخرجه عن النسائي في سننه في كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالذهب والذهب
بالفضة (٢٤٧/٧ - ٢٤٨).
١١٢١
( العدة فى أصول الفقه - ٧١ )
=

والدلالة على أنه يمنع انعقاد الإجماع:
قوله تعالى: (فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ)(١) والتنازع
موجود، فوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة.
وقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(٢) وقد وجد
الاختلاف، فوجب الرجوع إلى كتاب الله تعالى.
وأيضاً: فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خالف الصحابة
- رحمهم الله - في قتال مانعي الزكاة(٣).
وخالف ابن مسعود وابن عباس في مسائل في الفرائض سائر الصحابة،
فلم ينكروا عليهما، ولم يقولوا: إن الواحد محجوج بالإِجماع، وإنه يلزمه
اتباعهم.
ولأن العقل يجوّز الخطأ على هذه الأمة، كما يجوّز الخطأ على سائر الأمم،
وإنما نفينا عنهم الخطأ بالشرع، وقد وجد الشرع بذلك في حال الاجتماع دون
الاختلاف فإذا وجد الاختلاف بقي الحكم على مقتضى العقل.
وأخرجه عنه ابن ماجة في سننه في كتاب التجارات، باب من قال: لا ربا
=
إلا في النسيئة (٧٥٨/٢).
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب الصرف، باب
الربا (٦٤/٤).
وأخرجه عنه البيهقي في سننه في كتاب البيوع، باب من قال: الربا في النسيئة
(٢٨٠/٥).
وأخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (٢٠٠/٥، ٩، ٢٠).
(١)
آية (٥٩) من سورة النساء.
أية (١٠) من سورة الشورى.
(٢)
(٣) سبق تخريج هذا (١٠٨/١) ضمن حديث: (أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله ... ).
١
١١٢٢
1
1

واحتج المخالف:
بما روى عن النبي عَّةٍ [أنه] قال: (عليكم بالسواد الأعظم).
وقوله عليه السلام: (عليكم بالجماعة).
والجواب: أن المراد به أهل الاجتهاد من أهل العصر، فهو السواد الأعظم
وهو الجماعة.
واحتج: بأن ابن عباس لما خالف الجماعة في بيع الدرهم بالدرهمين نقداً
وإباحة المُتعة، أنكر عليه ابن الزبير المُتعة(١)، وأنكر غيره عليه بيع الدرهم
بالدرهمين(٢)، فلو كان خلافه للجماعة سائغاً، لما أنكروا عليه ما ذهب إليه.
والجواب: أنهم ما انكروا عليه ما ذهب إليه، من حيث إنهم على خلاف
قوله باجتهادهم؛ وإنما أنكروا عليه؛ لأنه خالف الخبر المنقول عن النبي عَ اه.
في بيع الدرهم بالدرهمين، وهو قوله عليه السلام: (الدينار بالدينار، والدرهم
بالدرهم، لا فضل بينهما)(٢). وكذلك قوله في المتعة: (إن النبي حَرَّمها إلى
يوم القيامة)(٣).
واحتج: بأن خبر الجماعة أولى من خبر الواحد والاثنين، كذلك قول
الجماعة أولى من قول الواحد والاثنين.
والجواب: أن خبر الجماعة لو كان موجباً [١٦٨/أ] للعلم كان ما خالفه
(١) انظر: المراجع السابقة التي ذكرناها في تخريج ما أثر عن ابنُ عباس - رضي الله
عنه - من القول بإباحة متعة النساء.
(٢) انظر أيضاً: المراجع السابقة التي ذكرناها في تخريج ما أثر عن ابن عباس - رضي
الله عنه - من القول بإباحة الصرف متفاضلاً.
(٣) انظر: المراجع السابقة التي ذكرناها في تخريج ما أثر عن ابن عباس - رضي الله
عنه - من القول بإباحة متعة النساء.
١١٢٣

كذباً أو خطأ أو منسوخاً (١)، فلا يجوز العمل به، وإن كان خبر الجماعة
لا يوجب العلم، وإنما يغلب على الظن، فإنه أولى؛ لأن خبر الجماعة أقوى
في الظن من خبر الواحد.
يدّل على ذلك : أن الشىء من الجماعة أحوط منه من الواحد(٢) والاثنين،
ولهذا قال الله تعالى: (أَنْ تَضِّلَّ إِحْدَاهُمَا، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ◌ْلأُخْرَى)(٣).
فأما اجتهاد الأكثر فلا يوجب العلم وقوة الظن، فلا تأثير له في الاجتهاد؛
لأنه لا يجوز للعالم أن يقلد عالماً، وإن كان أقوى اجتهاداً منه في نفسه،
وإنما يجب قبول اجتهاد غيره، والعمل به مع القطع بصحته، فبان الفرق
بينهما.
واحتج : بأنه لما جاز أن يكون في أهل العصر من لم يبلغه ما أجمعت
عليه الجماعة، أو بلغه فلم يظهر الخلاف وأسرَّه، صح انعقاده مع ذلك، كذلك
انعقاده مع خلاف الواحد.
والجواب: أن الإِجماع إنما يصح إذا انتشر ما أجمعت عليه الجماعة انتشاراً
ظاهراً يقف عليه الكافة، فإذا ظهر انتشاره ولم يظهر خلاف من أحد، علمنا
أن الكافة قد أطبقت عليه بنفي ما يمنع انعقاد الإِجماع، وإذا خالف واحد واثنان
فقد تيقنّا حصول ما يمنع انعقاد الإجماع.
(١) في الأصل: (منسوخ)، وحقه النصب كما أُثبت.
(٢) في الأصل: (للواحد).
(٣) آية (٢٨٢) من سورة البقرة.
١١٢٤

مسألة
يجوز انعقاد الإجماع من طريق الاجتهاد(١) خلافاً لابن جرير(٢) ونفاة
القياس(٣).
دلیلنا:
طريقان: أحدهما وجوده.
والثاني: جواز وجوده.
فأما وجوده فهو أن الناس أجمعوا على إمامة أبي بكر الصديق - رضي
الله عنه - من طريق الاجتهاد.
فمنهم من قال: (رضيه رسول الله عَّ ◌ُلِ للصلاة، وهي عماد الدين، ومن
رضيه رسول الله لديننا وجب أن نرضاه لدنيانا)(٤).
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد: (٢٨٨/٣) والمسوّدة ص (٣٣٠) وروضة الناظر
مع شرحها نزهة الخاطر (٣٨٥/١)، وشرح الكوكب المنير (٢٦١/٢).
(٢) ذكر هذا في كثير من كتب الأصول منها: التبصرة للشيرازي ص (٣٧٢)، والبرهان
(٧٢١/١) والإحكام للآمدي (٢٣٩/١).
(٣) المراد بهم الظاهرية، والسبب واضح؛ لأنهم لا يقولون بالقياس، فكذلك ما استند
إليه، وقد نسبه الشيرازي في التبصرة ص (٣٧٢) إلى داود.
ونسبه الآمدي في الإحكام (٢٣٩/١) أيضاً: إلى الشيعة.
(٤) هذا الأثر منسوب إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخرجه عنه ابن
بطة بسنده إلى الحسن وفيه: ( ... ولكن إن نبيكم نبي الرحمة - صلى الله عليه
وسلم - لم يمت فجأة، ولم يقتل قتلاً، مرض أياماً وليالي يأتيه بلال فيؤذنه
بالصلاة، فيقول: مروا أبا بكر فَلْيُصَلّ بالناس، وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - نظرنا في أمرنا أن الصلاة عضد الإسلام وقوام =
١١٢٥

ومنهم من احتج بقوله: (إن تولوا أبا بكر تجدوه قوياً في دين الله ضعيفاً
في بدنه)(١).
ومنهم من رضیه، فعقد له.
الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، فولينا
=
الأمر أبابكر ... )
. انظر: المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص (٢٢٤).
وأخرجه ابن سعد في طبقاته (١٨٣/٣).
(١) هذا الحديث رواه حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أخرجه عنه البزار، ولفظه
(قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علينا؟ قال: ((إني إن استخلف عليكم
فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب)» قالوا: ألا نستخلف أبابكر؟ قال: ((إن
تستخلفوه تجدوه ضعيفاً في بدنه، قوياً في أمر الله)) قالوا: ألا نستخلف عمر؟ قال:
((إن تستخلفوه تجدوه قوياً في بدنه قوياً في أمر الله)) قالوا: ألا نستخلف علياً؟ قال:
((إن تستخلفوه ــ ولن تفعلوا ـــ يسلك بكم الطريق المستقيم، وتجدوه هادياً مهدياً))
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٦/٥): (وفيه أبو اليقظان عثمان بن عمير وهو
ضعيف).
لكن الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٨٥٩/٢) رقم الحديث (٨٥٩)
بتحقيق أحمد شاكر بسنده عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مع اختلاف
قليل في اللفظ: ومحل الشاهد منه (قال : - أي علي - يا رسول الله من نؤمر
بعدك؟ قال: ((إن تؤمروا أبابكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة ... ).
الحدیث.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٦/٥): (رواه أحمد والبزار والطبراني في
الأوسط، ورجال البزار ثقاة).
وقال أحمد شاكر: في حديث الإِمام أحمد: (إسناده صحيح)، ثم تعقب الهيثمي
في عدم تصحيحه لحديث أحمد بقوله: (فيظهر لي: أن الهيثمي لم يعرف عبد الحميد
ابن أبي جعفر، ورأى إسنادَ البزار معروفاً له فوثق رجاله).
١١٢٦

كما أن المسلمين أُمّرُوا خالد بن الوليد(١) في مُؤْتة(٢) باجتهادهم. فصوب
ذلك منهم، وأقرهم عليه(٣).
وهذا كله اجتهاد منهم.
وكذلك اتفقوا على قتال مانعي الزكاة من طريق الاجتهاد والتراجع (٤) فيه
والتحاجج عليه، والقصة منه ظاهرة، ومناظرتهم مشهورة.
ويدل عليه:
أن الأمة اتفقت على أن الأُمَة في التقويم بمنزلة العبد، إذا أعتق
شخصاً. وأن السّنّور إذا ماتت في السمن بمنزلة الفأرة. وأن الشحم الذائب
(١) هو: خالد بن الوليد بن المغيرة، أبو سليمان، المخزومي، القرشي، صحابي جليل،
وقائد عسكري محنك، شارك في الفتوح الإسلامية. مات سنة (٢١هـ). رضي
الله عنه وأرضاه.
انظر ترجمته في: الاستيعاب (٤٢٧/٢).
(٣) مؤتة: بضم أوله، واسكان ثانيه، بعده تاء فوقها نقطتان، قرية من قرى البلقاء في
حدود الشام.
انظر: معجم ما استعجم (١١٧٢/٤)، ومراصد الاطلاع (١٣٣٠/٣).
(٣) غزوة مؤتة وقعت في شهر جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. فقد جهز رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - جيشاً مكوناً من ثلاثة آلاف مجاهد، وأمَّر عليهم
زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة
فاستشهد الثلاثة، واحد بعد الآخر فأخذ الراية ثابت بن أقرم، وقال: يا معشر
المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح
الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية خلّص الجيش، ثم رجع به إلى المدينة.
ولم ينكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تولية خالد لقيادة الجيش،
بل أثنى عليه، وسماه سيف الله.
انظر: السيرة النبوية لابن هشام القسم الثاني ص (٣٧٣ - ٣٨٩) وتاريخ الطبري
(٣٦/٣ - ٤٢).
(٤) في الأصل: (والراجع).
١١٢٧
٠

بمنزلة السمن. وأن الغائط في الماء بمنزلة البول. وأن غير فاطمة بنت أبي حُبيش
من المستحاضات [١٦٨/ب] بمنزلة فاطمة. وأن غير الأعرابي في كفارة الفط
بمنزلته. وليس طريقه إلا القياس، فدل على ما قلناه.
والطريق الثاني في جواز وجوده، والدليل عليه: أن القياس وما يجري مجراه
أمارة ظاهرة، فجاز اجتماع العدد الكثير على الحكم من جهتها، أصله:
القرآن والسنة.
فإن قيل: لفظ القرآن والسنة مسموع، والجماعة تشترك في سماعه، فيجوز
أن يقفوا على حكمه، وليس كذلك الاجتهاد، فإنه رأي، ولا يجوز أن ينظر
العدد الكثير فيتفق رأيهم.
قيل: الاجتهاد يستند إلى أمارة ثابتة صحيحة، وهي تأثيرات الأصول
وشهادتها الدالة على المعاني، وظهورها كظهور لفظ القرآن والسنة، [فإذا]
جاز(١) أن يجمع العدد الكثير عن الشبهة، مثل اتفاق اليهود والنصارى
والمجوس على تكذيب الرسول عَّه وإنكار نبوته، وعلى قتل عيسى عد اله
وصلبه، كان اتفاقهم على الحجة أولى.
واحتج المخالف: (٢)
بأن القياس باطل، فلا يجوز انعقاد الإِجماع عليه.
والجواب: أن القياس عندنا صحيح ودليل من دلائل الشرع. ويأتي الكلام
على ذلك إن شاء الله تعالى.
واحتج : بأن نفس القياس لما كان مختلفاً فيه، وكان في المجمعين من لا
(١) في الأصل: (فجاز).
(٢) لو عبر المؤلف: بـ (بعض المخالفين) لكان أدق؛ لأن بعض المخالفين يقول بحجية
القیاس.
١١٢٨
:

يقول به، بطل أن يكون إجماعهم صادراً عن القياس؛ لأن ذلك يوجب كون
الشىء مجمعاً عليه ومختلفاً فيه.
والجواب: أن الإجماع عند داود إجماع الصحابة، ولا نسلم أنه كان منهم
من لا يقول بالاجتهاد، ولا في التابعين.
وما روي من ذم القياس عن بعضهم(١)، فإنما أراد به مع وجود النص
المخالف للقياس.
وقد أجيب عنه بأن النافي للاجتهاد قد تناقض، فيثبت الحكم من طريق
الاجتهاد، ويخفى عليه وجهه، كما ادعينا على داود أنه أثبت أحكاماً من طريق
الاجتهاد مع مخالفته فیه.
وجواب آخر، وهو: أنه باطل بخبر الواحد والعموم، فإنه لا يخلو عصر
إلا وفيه من ينفي خبر(٢) الواحد، ويمنع صحة العموم، ومع هذا فلا خلاف
أن الإجماع ينعقد بكل واحد منهما.
واحتج: بأن العدد الكثير لا يتفق اختيارهم لأمر واحد، واستحسانهم له؛
لأن الله تعالى باين بين الطباع، وخالف بين الدواعي والهمم، ولهذا لا يصح .
اتفاقهم على وضع كذب، وانتحال(٣) شعر، واختيار كلام.
والجواب: أن هذا خطأً؛ لما بيّنا من اتفاق رأيهم على ما ذكرنا.
(١) ذكر منها البيضاوي في المنهاج ثمانية آثار خرجها الحافظ العراقي ضمن ما خرج
من أحاديث المنهاج ص (٣٠٩ - ٣١٠) العدد الثاني من مجلة البحث العلمي
التى يصدرها مركز البحث العلمى وإحياء التراث الإسلامي في كلية الشريعة بمكة
المكرمة عام ١٣٩٩هـ تحقيق الأستاذ صبحي السامرائي وسيأتي لهذه الآثار ذكر
- إن شاء الله تعالى - في باب القياس.
(٢) في الأصل: (حتى) وهو خطأ.
(٣) في الأصل: (انتخال) بالخاء المعجمة.
١١٢٩

وعلى أن اتفاقهم على وضع كذب [١٦٩/أ] وانتحال(١) شعر، واختيار
لفظ، إنما لم يجز؛ لأنه لا أمارة عليه تدعو إليه، وليس كذلك الحكم الشرعي
فإن عليه أمارة تدعو إليه، وتدل عليه، فجاز أن تجمع خواطر العدد الكثير
على اعتقاد صحته، والحكم به. ويدل عليه أنه يجوز اتفاقهم على الصدق، وإن
كان لا يجوز اتفاقهم على وضع الكذب؛ لأن الكذب لا داعي له يعمهم،
وللصدق داع يعمهم، ويجمعهم، كذلك للحكم دليل يعمهم، ويجمعهم،
فافترقا.
واحتج : بأن من نفى القياس وخالفه لا يفسق، ومن خالف الإجماع
فسق، فكيف ينعقد الإِجماع الذي يفسق من خالفه عن قياس لا يفسق من
خالفه.
والجواب: أنه إنما يفسق إذا لم يتأيد(٢) بالإجماع عليه، فأما إذا تأيد(٣)
بالإِجماع عليه، قوي بالمصير إليه، ففسق جاحده، وهذا كما قلنا في خبر الواحد:
من جحده لا يفسق، ومع هذا إذا انعقد الإِجماع فسق مانعه.
وهكذا من منع صيغة العموم لا يفسق، فإذا انعقد الإِجماع به فسق مانعه
ومخالفه، وكذلك القياس مثله.
واحتج: بأن القياس فرع والإجماع أصل، فكيف ينعقد الأصل عن فرعه.
والجواب: أنه ليس بفرع للإجماع، وإنما هو فرع لأصله الذي استنبط منه
وذلك الأصل آية أو حديث(٤) فإذا صح انعقاده عن أصل القياس صح
انعقاده عن فرع ذلك الأصل.
(١) في الأصل (انتخال)) بالخاء المعجمة.
(٢) في الأصل (يتأبد) بالباء الموحدة.
(٣) في الأصل: (تأبد) بالباء الموحدة.
(٤) في الأصل: (أوجب).
١١٣٠

واحتج: بأن القياس أمر خفي، يفتقر إلى استخراج واستنباط، وليس كل
من كان من أهل الاجتهاد يقدر عليه.
والجواب: أنه كذاك، ولكن إذا كان خفياً كان الاهتمام به أشدَّ والعناية
به أؤكد، فكان الإجماع عنه(١) أولى.
ألا ترى أن معرفة صيغة العموم أمر خفي، وكذلك الجمع بين الخبرين،
واستخراج الحكم من بينهما، من حيث بناء أحدهما على الآخر، وهو أخفى
من القياس وأدق، ومع هذا ينعقد الإجماع عنه ويصح، فانعقاده بالقياس أولى.
واحتج: بأن كل واحد منهم إذا قال في الحادثة قولاً عن قياس فهو يقول:
يجوز لغيري أن يخالفني فيه. فإذا أجمعوا عليه، فقد أجمعوا على تجويز مخالفتهم،
وإذا أجمعوا على تجويز مخالفتهم بَعُدَ قول من قال: لا يسوغ خلافهم.
والجواب: أن كل واحد منهم يعتقد جواز مخالفته، ما لم يستقر إجماعهم
على ذلك، فإذا استقر إجماعهم عليه، لم تسغ المخالفة، ولن يمتنع أن يخالف
كل واحد منهم إذا انفرد، وإذا اجتمعوا لم يجز.
ألا ترى أن خبر الواحد تسوغ مخالفته، كذلك ها هنا، وإذا ثبت هذا وأنه
[١٦٩/ب] ينعقد من طريق الاجتهاد، فإنه ينعقد عن القياس الجلي(٢)، وعن
القياس الخفي(٣).
أما الجلي (٤) [فـ] نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لّهُمَا أُقٍّ)(٥) نصّ على التأفيف
(١) في الأصل: (منه).
(٢) عرف المؤلف: القياس الجلي ص(١٣٢٥) من هذا الكتاب بأنه: (ماوجد معنى
الأصل في الفرع بكماله). وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(٣) عرفه المؤلف بما سياتي قريباً.
(٤) في الأصل: (الخفي) وهو خطأ ظاهر.
(٥) آية (٢٣) من سورة الإسراء.
١١٣١

ونبّه على الضرب.
وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (١)، (وَلاَ يُظْلَمُونَ
نَقِيرًا)(٢)، ونحو ذلك.
وأما الخفي: فهو قياس غَلَبة(٣) الشبه، وبيانه: أن تحدث حادثة، وليس
هناك إلا أصلان، أصل حظر، وأصل إباحة، وأصل الحظر له خمسة أوصاف،
وأصل الإِباحة له خمسة أوصاف، والحادثة لا تجمع أوصاف أحدهما، بل فيها
من الإباحة أربعة أوصاف، ومن أوصاف، الحظر ثلاثة، فإذا كان كذلك ألحقناه
بالذي كثرت أوصافه فيه.
وهذا يقع في الصفات والأحكام.
أما الصفات فمعروفة، و[ أما ] الأحكام فكالعبد(٤)، أخذ شبهاً من
الحر : بأنه مكلف مخاطب، وأخذ شبهاً من البهائم : بأنه(٥) مملوك،
يورث، ويباع، ويوهب، فلم يجتمع معنى أحد الأصلين، فألحقناه بكل
واحد بما هو أشبهه، فأطرافه أشبه بأطراف الحر، فأوجبنا فيها مقدراً، والجناية
على غير أطرافه بالبهائم أشبه، فألحقناه بها، فالقياس ينعقد عليه؛ لأنه كغيره
من أنواع القياس في باب العمل به، فوجب أن يكون كغيره في انعقاد
الإِجماع عليه.
(١) آية (٤٠) من سورة النساء.
(٢) آية (١٢٤) من سورة النساء، والنقير: النقرة أو النكتة التي في ظهر النواة. انظر:
مختار الصحاح والمصباح المنير مادة (نقر).
(٣) في الأصل بدون إعجام، وقد أعجمت هذه الكلمة ص(١٣٢٥) من هذا الكتاب.
(٤) في الأصل: (كالعبد) بدون الفاء.
(٥) في الأصل: (وأنه).
١١٣٢
٠

مسألة
الاعتبار في الإِجماع بقول أهل العلم، ولا يعتبر بخلاف العامة لهم(١).
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم، وقد ذكر له عن
شريح(٢) وابن سيرين - فقال: ((هؤلاء لا يكونون حجة على من كان مثلهم
من التابعين، فكيف على من قبلهم من أصحاب النبي عَ ◌ّهِ)).
وحُكي عن قوم من المتكلمين: إذا خالفهم رجل من العامة، لم يكن
إجماعاً(٣).
دلیلنا:
أن العامي ليس من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأنه لا يجوز أن يعمل
باجتهاده، ولا يجوز لغيره أن يعمل به، فهو بمنزلة الصبيان والمجانين.
فإن قيل: لا حكم لقول الصبيان والمجانين.
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٥٠/٣)، والمسوّدة ص (٣٣١)، وروضة الناظر
وشرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٤٨/١) وشرح الكوكب المنير (٢٢٥/٢).
وهو قول الأكثرين كما عبّر الآمدي في الإِحكام (٢٠٤/١)، أو قول الجمهور كما
جاء في المسوّدة ص (٣٣١)، وبه قال إمام الحرمين كما في البرهان (٦٨٤/١)
والشيرازي كما في التبصرة ص (٣٧١) والفخر الرازي كما في المحصول (٢٧٩/٤)
(٢) شريح بن الحارث بن قيس، أبو أمية، الكندي، الكوفي. القاضي المشهور.
تولى القضاء ستين سنة. عَمَّر طويلاً. مات سنة (٧٨هـ) وقيل غير ذلك.
له ترجمة في: تذكرة الحفاظ (٥٩/١) وتهذيب التهذيب (٣٢٦/٤) والخلاصة
ص (١٤٠) وشذرات الذهب (٨٥/١)، وطبقات الحفاظ ص (٢٠) وطبقات
الفقهاء للشيرازي ص (٨٠).
(٣) واختاره القاضي أبوبكر والآمدي كما في الإحكام (٢٠٤/١).
١١٣٣

قيل: لا حكم لقولهم في أحكام الشريعة، كما لا حكم لقول الصبيان والمجانين
ووجوده وعدمه سواء.
فإن قيل: العامة مكلفون، والصبيان والمجانين غير مكلفين.
قيل: العامة لم يكلفوا الاجتهاد في الأحكام، بل منعوا منه، فلا فرق بينهم
في ذلك.
ولأن العامة محجوجة بقول أهل العلم، فوجب أن لا يُعتبر رضاهم به، كما
أن الأمة لما كانت محجوجة بقول النبي عَّم لم يعتبر رضاهم به، وكذلك
أهل [١٧٠/ أ] العصر الثاني مع أهل العصر الأول.
ولأنهم يلزمهم الرضا بما اتفق أهل العلم عليه، وما وجب الرضا به، لم
يكن لعدم الرضا حكم، وكان وجوده وعدمه سواء.
واحتج المخالف:
بقول النبي - عليه السلام - (لا تَجْتمعُ أُمَّتَي على ضلالة) و(لا تَجْتمعُ
على الخطأ)، والعامة من الأمة، فوجب أن يعتبر إجماعهم مع أهل العلم.
والجواب: أن المراد به أهل العلم والاجتهاد، ولا مدخل للعامة فيه، وإن
كانوا من الأمة، كما لا يدخل الصبيان، وإن كانوا من الأمة.
وقد قيل: إن هذا لا يوجد؛ لأن عامة المسلمين يتبعون الأئمة من أهل
العلم، ولكل فريق منهم إمام، يتبعونه، ويعتقدون(١) قوله، فلا يجوز أن يخالف
أحد منهم فيما اتفقوا الجميع (٢).
(١) في الأصل: (يعتقد).
(٢) لأن العامي في هذا الباب جاهل، ومن كان كذلك فلا يعتبر بوفاقه أو خلافه،
فالواجب عليه أن يترك ذلك لأهله، ورحم الله أمراً عرف قدره.
انظر المستصفى (١٨٢/١).
١١٣٤

فإن قيل: أليس قد اعتبرتم إجماع العامة فيما يشاركون العلماء فيه؟! مثل
الطهارة، والصلاة، وعدد ركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الربا،
والسرقة، ونحو ذلك، هلا اعتبرتم إجماعهم فيما يختص به العلماء، مثل فروع
الطهارة وفروع الصلاة، ونحو ذلك.
قيل: لأن السبب الذي عرف به هذه الأشياء، هو (١) النقل المستفيض،
وذلك يشترك(٢) في معرفته(٣) العامة والخاصة، فأما غير ذلك فطريقه
الاجتهاد، فلا معرفة لهم به.
(١) في الأصل: (وهو) والواو هنا لا معنى لها.
(٢) في الأصل: (مشترك).
(٣) في الأصل: (معرفة).
١١٣٥

فصل
فيمن كان منتسباً إلى العلم، كأصحاب الحديث والكلام في الأصول(١)،
إلا أنه لا علم له بأحكام الفقه وفروعه وطرق المقاييس والرياضة بوجوه اجتهاد
الرأى، فإنه لا يعتد بخلافه أيضاً(٢).
وقد قال أحمد - رحمه الله، في رواية أبي الحارث -: ((لا يجوز الاختيار
إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة، ممن إذا ورد عليه أمر، نظر الأمور وشبهها
بالكتاب والسنة))(٣).
وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه لا يصح الإجماع إلا بأن يجتمع عليه جميع
أهل العلم والمنتسبين إلى العلم (٤).
(١) راجع هذا الفصل في: التمهيد (٢٥٠/٣) والمسوَّدة ص (٣٣١) وروضة الناظر مع
شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٥١/١ - ٣٥٣) وشرح الكوكب المنير
(٢٢٦/٢٢٥/٢).
وكذلك الكلام في الفروع، فإن الخلاف يتناول الفقيه الذي لا علم له بالأصول،
كما يتناول الأصولي الذي لا علم له بالفقه.
(٢) وبه قال معظم الأصوليين، كما في البرهان (٦٨٥/١) وكما في المسوّدة ص (٣٣١).
(٣) هذه الرواية منقولة بنصها في المسوَّدة الموضع السابق.
(٤) نقل إمام الحرمين في كتابه البرهان (٦٨٥/١) عن أبي بكر الباقلاني قوله:
(إن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر خلافه ووفاقه).
قلت: وهذا لا خلاف في اعتبار قوله؛ لأنه أصولي فقيه. وإنما الخلاف فيمن
اتصف بأحدهما.
وقال ابن بدران في شرحه على روضة الناظر (٣٥١/١): (وأما الأصولي إذا
كان ماهراً في فنه، فإني أرى إخراجه ممن يعتد بإجماعهم ليس من الإِنصاف،
وكيف لا وهو الممهد للمجتهد ومؤسس القواعد له، وله تدقيق في غوامض
الأصول، لا يصل إليها المدقق في الفروع، ولا إلى قريب منها، فحقق ذلك واعتبره
ترشد).
١١٣٦
=
1

دليلنا:
أن من لا مدخل له في طرق الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول، فإنه يجري
في أحكام الشرع مجرى العامي، فلما لم يعتد بالعامة فيما لا علم لهم به، لأنهم
تبع للعلماء، منقادون لهم، وجب أن لا يعتبر أيضاً في الإِجماع من ليس من
أهل النظر والاجتهاد.
ويبين صحة هذا: أن من لا مدخل له في تقويم الثوب وما يجري مجراه،
فإنه لا يرجع إلى قوله فيه، ولا يعتد بقوله إذا احتيج إلى تقويم الثوب ونحوه،.
كذلك من لا مدخل له في النظر بطرق الاجتهاد في أحكام الحوادث.
ولأن القول يتبع العلم [١٧٠/ب] بالقول، والعمل يتبع العلم بالمعمول به،
فلم يجز أن يعتد في الإجماع على الشيء بمن لا علم له به.
ولأن المجتهد في الإِجماع هو من كان معه آلة الإجماع التي يتوصل بها إلى
معرفة الحكم، بأن يعرف القياس وأحكام المسائل وعلَلَها، حتى يقيس نظائرها
عليها، ويرد الفروع إلى الأصول التي تشبهها، ومن لا يعرف أحكام الفروع
لا يتمكن من هذا الذي ذكرنا، فلم يكن من أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً
بأشياء أخر، كمن عرف الحساب واللغة وغير ذلك من أنواع العلوم.
فإن قيل: إذا عرف أصول الفقه أمكنه رد فروعه إليه.
قيل: ليس الأمر على هذا، لأنه إنما يمكن رد الفروع إلى الأصول، إذا عرف
معانيَها ونظائرها، حتى يقيسَ عليها.
ويبين هذا: أنه لو كان هذا من أهل الاجتهاد لا يُحْتَمل قوله في الحادثة
وتوقيفُه على الحكم، وما اقتصر على مجرد سكوته.
= قلت: ولاشك أن معرفة أصول الفقه شرط في المجتهد، ولكنها ليست كل الشروط،
فمعرفتها وحدها لا تكفي في تسنم رتبة الاجتهاد. والله أعلم.
١١٣٧
( العدة فى أصول الفقه - ٧٢ )

ومن يخالف في هذه المسألة يقول:
إذا أجمع أهل الاجتهاد على شيء، ورضي المتكلمون بذلك في الجملة، ولم
يعرفوا غير الحكم، ولا اجتهدوا، انعقد الإِجماع.
وهذا يدل على أنهم بمنزلة العامة، وأنهم خارجون من جملة أهل
الاجتهاد .
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)(١) وهؤلاء من جملة المؤمنين.
وقول النبي عَ ◌ّهِ (لا تَجتمعُ أمتي على الخطأ) ولم يخص.
والجواب: أن المراد بذلك من هو من أهل الاجتهاد، ألا ترى أنه لم يرد
به العامة.
واحتج: بأن من عرف أصول الفرائض، ولم يعرف الغامض فيه [يعتبر قوله
في ذلك](٢).
والجواب: بأن من عرف أصول الفرائض، يمكنه بناء فروعها عليها بالحساب
والقياس، ومن عرف أصول الفقه لا يمكنه بناء أحكام فروعه عليه؛ لأن الفروع
تختص بأدلة لا يشاركها الأصول فيها(٣).
(١) (١١٥) سورة النساء.
(٢) الزيادة من التمهيد (٢٥٢/٣).
(٣) ينبغي أن يقال هنا: إن الواحد من الأمة لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن لا يعرف الفقه والأصول فهذا لا يعتبر قوله إلا على رأي من اعتبر
قول العامة، وهو رأي مرجوح.
الثانية: أن يعرف الفقه والأصول فهذا يعتبر وفاقه وخلافه بدون خلاف.
الثالثة: أن يعرف أحدهما دون الآخر، وهذا فيه الخلاف الذي ذكره المؤلف.
انظر: نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر (٣٥٢/١).
١١٣٨
:

فصل
ولا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع بأهل الضلال والفسق، وإنما الإجماع
إجماع أهل الحق، الذين لم يثبت فسقهم وضلالهم(١).
وقد قال أحمد - رحمه الله - ، في رواية بكر بن محمد عن أبيه : ((لا یشهد
عندي رجلٌ، ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه؟! يعني:
الجَهْمي))(٢).
وبهذا قال الرازي(٣) والجرجاني (٤).
(١) راجع في هذا الفصل: أصول الجصاص الورقة (٢٢٣/أ) التمهيد (٢٥٢/٣) والمسوّدة
ص (٣٣١) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٥٣/١) وشرح
الكوكب المنير (٢٢٧/٢).
وكان ينبغي أن يحرر القول في هذه المسألة فيقال: إن الكافر على قسمين:
معاند ومتأول، فالمعاند كاليهودي لا يعتبر وفاقه أو خلافه؛ لأن العصمة في الإجماع
للمؤمنين، وهو ليس بمؤمن.
أما المتأول كالقدرية ففيهم رأيان، أحدهما لا يعتبر قولهم، والثاني يعتبر عند
من لم يكفرهم .
انظر: نزهة الخاطر العاطر (٣٥٣/١)، والإِحكام للآمدي (٢٠٧/١).
(٢) هذا ليس بعدل عند الإِمام أحمد؛ لأنه جهمي، والجهمي كافر عنده.
انظر: مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود ص (٢٦٣) وما بعدها، والمعتمد في أصول
الدين للمؤلف ص (٢٦٧).
(٣) صرح بذلك في أصوله الورقة (٢٢٣/ب).
(٤) واختاره الأستاذ أبو منصور، حيث قال: (قال: أهل السنة: لا يعتبر في الاجماع
وفاق القدرية والخوارج والرافضة).
وهو مروي عن مالك والأوزاعي ومحمد بن الحسن وغيرهم.
انظر: شرح الكوكب المنير (٢٢٧/٢) ونزهة الخاطر العاطر (٣٥٤/١).
١١٣٩

وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يعتد في الإجماع بمن خالف الحق، كما
يعتد بأهل الحق، سواء عظمت معصية المخالف للحق أو لم تعظم.
وهو اختيار أبي سفيان الحنفي.
وذكر الإِسفراييني(١): إن ارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بقوله، وإن فسق
بها، أو أتى كبيرة يعتد به (٢) [١٧١/أ].
دليلنا:
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (٣)
فجعلهم شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به، لكونهم وسطاً.
والوسط في اللغة: هو العدل (٤)، فلما لم يكن أهل الفسق والضلال بهذه
الصفة، لم يجز أن يكونوا من الشهداء على الناس، فلا يعتد بهم في الإجماع.
ويدل عليه أيضاً: قوله: (وَيَتَبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ)(٥) فلما لم يكن سبيل
أهل الفسق والضلال سبيل المؤمنين، لم يجز أن يكون سبيلهم مأموراً باتباعه.
ولأنه قد يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه من الإِجماع، كما يعصي في غيره،
(١) نقل ذلك عنه في التمهيد (٢٥٣/٣) والمسوَّدة ص (٣٣١).
(٢) واختاره أبو الخطاب من الحنابلة كما في التمهيد الموضع السابق وإمام الحرمين كما
في البرهان (٦٨٨/١) والغزالي كما في المستصفى (١٨٣/١) والآمدي كما في
الإحكام (٢٠٧/١).
وهناك رأي آخر يقول: (إن ذكر مستنداً صالحاً اعتد بقوله، وإلا فلا)
انظر: المسوّدة الموضع السابق، وشرح الكوكب المنير (٢٢٨/٢).
(٣) آية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٤) قد مضى الكلام على معنى هذه الكلمة في الهامش عند استدلال المؤلف بهذه الآية
على حجية الإجماع.
(٥) آية (١١٥) من سورة النساء.
١١٤٠
١
:
.