Indexed OCR Text
Pages 1041-1060
والخامس عشر : أن يتقابل لفظ القرآن ولفظ السنة ، ويكون بناء كل واحد منهما على الآخر ممكناً ، فظاهر كلام أحمد : تقديم السنة وترتيب القرآن عليها (١) ، وقال : السنة بيان القرآن ؛ لأن الله تعالى يقول : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِم) (٢). وقال في رواية أبي الحارث : السنة تفسر القرآن وتبينه ، والسنة تعرف الكتاب . وقال في رواية أبي داود : السنة تفسر القرآن . وفي رواية عبد الله : السنة تدل على معنى القرآن . ويحتمل أن يقدم القرآن وترتب السنة عليه ؛ لأنه مقطوع بطريقه ، ومثاله : أن يبيح أكل كلب الماء وخنزيره بقوله عليه السلام : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) (٣) ويعارض هذا الخصم بقوله تعالى: ( أَوْ لَحْمَّ خِنْزِيرٍ ) (٤)، وهذا ينبني على نسخ السنة بالقرآن ، وقد ذكرنا جواز ذلك . السادس عشر : أن يكون أحدهما حاظراً، والآخر مبيحاً ، [١٥٧/أ] فالحاظر أولى ؛ لأن في الحظر احتياطاً ؛ لأن ترك المباح لا إثم فيه ، وفعل المحظور إثم ، فكان تركه أولى من الفعل ها هنا . ولأنه إذا اجتمع ما يبيح وما يحظر ، وجب تغليب الحظر ، كما نقول (١) في الاصل : (عليه ) . (٢) (٤٤) سورة النحل . (٣) سبق تخريج الحديث ص (٦٦٥)، وقد أورده المؤلف بلفظ: ( البحر ، هو : الطهور ماؤه .. ) الحديث . (٤) (١٤٥) سورة الانعام . ١٠٤١ العدة فى أصول الفقه - ٦٦ في المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل ، وبين من يباح منا كحتهم ومن يحرم ، والمذكي بمن تباح ذكاته ومن لا تباح . وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في رواية إسماعيل بن سعيد في الأمر المختلف فيه عن رسول اللّه ◌َ الله ، ولم يعلم ناسخه من منسوخه : نصير في ذلك إلى قول علي نأخذ بالذي هو أهنا وأهدى وأبقى . واختلف أصحاب أبي حنيفة : فذهب الكرخي والرازي إلى مثل قولنا . وذهب عيسى بن أبان : إلى أنه لا يرجح بمثل هذا ، ويتعارضان ويسقطان ويصيران كأنهما لم يردا ، ويرجع في حكم الحادثة إلى غير هذا الخبر . واختلف أصحاب الشافعي أيضاً على نحو ما ذكرنا من الاختلاف . ومن قال : لا يرجح بالحظر احتج : بأن تحريم المباح كإباحة المحظور ، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية . والجواب : أنه يبطل بالأصول التي ذكرناها ، وهو المتولد من بين المباح والمحظور ، فإن الحظر غلب الإباحة ، وإن كان هذا المعنى الذي ذكره موجوداً (١) ؛ فلأن تحريم المباح كإباحة المحظور فيما تثبت إباحته ، وها هنا ما ثبتت إباحته . ولأن للحظر مزية ، ألا ترى أنه يحكم به ، وإن كان لم تكمل شرائط الحظر ، والمباح لا يحكم به ، حتى تكتمل جميع شرائطه ، وبيان هذا : (١) في الأصل : ( موجود) . ١٠٤٢ أن البيع يحرم بوجود شرط واحد ويفسده ، وإباحته لا تحصل إلا بعد كمال شرائط الإباحة . واحتج : بأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون محظوراً على الواحد في وقت مباحاً له في ذلك الوقت ، كما يستحيل أن يكون الواحد بمكة وبغداد في يوم واحد ، وقد ثبت أن أربعة لو شهدوا على رجل أنه رُئِيَ يوم النحر بمكة ، وشهد أربعة آخرون أنه رُئِيَ في ذلك اليوم ببغداد ، أو شهد عليه شاهدان أنه قتل زيداً يوم النحر بمكة ، وشهد آخران أنه قتل عمراً ذلك اليوم ببغداد ، أن شهادة الجميع تسقط ، كذلك إذا ورد خبر بحظر شيء ، وورد آخر بإباحة ذلك الشيء في وقت واحد ، وجب أن يسقط الخبران . والجواب : أن الشهادة كانت على حقيقة الفعل ، فلهذا استحال وجود الفعل منه بمكة وببغداد في يوم واحد ، وكذلك يستحيل قتله لزيد يوم النحر، و [ قتله لعمرو في ذلك اليوم ب ] بغداد ، تهادرت البينتان ، وليس كذلك الخبران بإباحة الشيء وحظره ؛ لأنهما يوجبان ذلك [١٥٧/ب ] الشيء من طريق الحكم ، ويجوز أن يكون الشيء مباحاً في الأصل ، ثم يحظره النبي [ صلى اللّه عليه وسلم ] ويخفي علينا الباقي ، ونظير هذا من الشهادة أن يتعارضا في الملك المطلق وأحدهما خارج ، فإنما تُقْدم بينة الخارج . واحتج : بأنه لو أخبر بطهارة الماء واحد . وأخبر غيره بنجاسة ذلك الماء ، ولم يكن لأحد المخبرين مزية على الآخر ، ولا كان للمخبر رأي يعمل على الغالب منه ، أنهما يسقطان ، ويبقي الماء على أصل الطهارة وكذلك لو أن رجلين أخبر أحدهما بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي ، وأن هذا الشراب خالطه خمر ، وأخبر آخر أن ذلك حلال طاهر، ولم يكن للمخبر رأي يعمل على ما يغلب في رأيه: أن الخبرين يسقطان، ويبقى الطعام والشراب على أصل الإباحة ، كذلك إذا عدم التاريخ بين خبري الحظر والإباحة ، يجب أن ١٠٤٣ يسقطا ، ويبقى الشيء على حكم الإباحة في الأصل . والجواب عنه : ما تقدم من الوجه الذي بينا ، وهو أن الشيء يكون مباحاً في الأصل ، ثم يحظره النبي [ صلى اللّه عليه وسلم ] ، وغير جائز أن يكون الماء نجساً ، ثم يصير طاهراً ، أو الطعام نجساً فيصير طاهراً . السابع عشر : أن يتعارض خبران في الحد ، فإنه لا يقدم المسقط للحد ، ولهذا أخذ أحمد رحمه الله بحديث عبادة في اجتماع الجلد والرجم (١) ، ولم يقدم عليه حديث ماعز (٢) وأنَيْس (٣) في إسقاط الجلد . ومن أصحاب الشافعي من قدم المسقط للحد ؛ لقوله عليه السلام : ( ادرؤوا الحدود بالشبهات وادرؤوا ما استطعتم ) (٤). (١) حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - الذي يشير اليه المؤلف، سبق تخريجه ص (٧٩٨)، كما سبقت ترجمة عبادة . (٢) حديث ماعز - رضي الله عنه - الذي يشير اليه المؤلف، سبق تخريجه ص (٣١٩) كما سبق ترجمة ماعز هناك . (٣) حديث أنيس - رضي الله عنه - سبق تخريجه ص (٨٨٦) في قصة العسيف . أما ترجمته فإليك إياها : هو : أنيس بن مرثد بن أبي مرتد الغنوي ، أبو يزيد . صحابي . شهد فتح مكة وحنيناً ، كما كان عين الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أوطاس . مات أنيس سنة ( ٢٠ هـ ) . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١١٥/١)، و ((الإصابة)» القسم الأول ص (١٣٨)، طبعة دار نهضة مصر . (٤) هذا الحديث روته عائشة - رضي اللّه عنها - مرفوعاً. أخرجه عنها الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود (٣٣/٤)، ولفظه: ( ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)) ). = ١٠٤٤ 1 ! وهذا غير صحيح ؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعاً ، ألا ترى أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع وجود الشبهة فرضاً ؟ الثامن عشر : أن يكون في أحدهما إلحاق النقض بالصحاح ، كخبر القهقهة (١) . التاسع عشر : أن يرجح بالقرائن ، مثاله قوله تعالى: ( أَوْ لامَسْتُم النّسَاءَ ) (٢) حمله على لمس اليد أولى من الجماع ؛ لأنه قرن ذلك بالمجيء من الغائط ، وذلك يوجب الطهارة الصغرى . العشرون : أن يرجح باستعمال مثله في نظير لفظه ، مثاله : أن يقضيَ بقوله عليه السلام : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ) على قوله : ( فيما سقت السماء العشر ) ، كما قضى بقوله : ( ليس فيما دون أخرجه الترمذي موصولاً ، ورواه موقوفاً، وقال : الموقوف أصح . = وأخرجه عنها الدار قطني في أوائل كتاب الحدود (٨٤/٣). وأخرجه عنها البيهقي في كتاب الحدود ، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات (٢٣٨/٨ ). وأخرجه عنها الحاكم في المستدرك ، في كتاب الحدود ، باب إن وجدتم لمسلم مخرجاً فخلوا سبيله (٣٨٤/٤) ، وقال بعد ذلك: ( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ) . ومدار هذا الحديث على: ((يزيد بن زيادة))، أحد رواة هذا الحديث قال البخاري فيه: ((منكر الحديث)). وقال النسائي: ((متروك الحديث)) وضعفه الترمذي وغيره. انظر ترجمته في: ((المغني في الضعفاء)) (٧٤٩/٢)، و ((الميزان)) (٤٢٥/٤). وراجع في هذا الحديث بالإضافة إلى ما سبق: ((تلخيص الحبير)) (٥٦/٤) و((تيسير الوصول)) (٣١١/١)، و((نصب الراية)) (٣٠٩/٣). (١) خبر القهقهة، الذي يشير إليه المؤلف ، سبق تخريجه ص (٨٩٥). (٢) (٤٣) سورة النساء . ١٠٤٥ خمس أواق من الورقة صدقة ) على قوله : ( في الرقة ربع العشر ) . الحادي والعشرون : أن يكون أحدهما يجمع بينهما ، والآخر يسقط أحدهما ، فيكون الجمع بينهما أولى من إسقاط أحدهما بالآخر . وأما الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن وإنما هو إلى غيرهما فمن وجوه : أحدها : أن يكون أحدهما موافقاً لظاهر القرآن ، أو موافقاً لسنة أخرى ، فيقدم بذلك ، ومثاله : حديث التغليس (١) يقدم على حديث الإسفار (٢) ؛ لأنه يوافق قول الله تعالى: (١) حديث التغليس بصلاة الفجر روته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أخرجه عنها البخاري في كتاب مواقيت الصلاة ، باب وقت الفجر (١٤٣/١) ، ولفظه : ( كان نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلی بیوتهن حین یقضین الصلاة ، لا يعر فهن أحد من الغلس ) . وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في التغليس بالفجر (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ ) . وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الصلاة ، باب في وقت الصبح (١٠٠/١). وأخرجه عنها النسائي في كتاب المواقيت ، باب التغليس في الحضر (٢١٧/١). وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الصلاة ، باب وقت صلاة الفجر (٢٢٠/١). وأخرجه عنها الدارمي في كتاب الصلاة ، باب التغليس في الفجر (٢٢١/١). وأخرجه عنها الامام الشافعي في كتاب الصلاة ، باب وقت الصبح (٥٠/١ ). وأخرجه عنها الطيالسي في كتاب الصلاة ، باب وقت صلاة الصبح (٧٣/١). وأخرجه عنها الطحاوي في كتابه (( شرح معاني الآثار)) في كتاب الصلاة باب الوقت الذي يصلى فيه الفجر .. (١٧٦/١ ). (٢) حديث الإسفار بصلاة الفجر ، رواه رافع بن خديج رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإسفار بالفجر (٢٨٩/١) = ١٠٤٦ 1 (حَافِظُوا عَلَى الصََّوَاتِ) (١). وقوله تعالى: ( سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِكُمْ)(٢)، ويوافقه أيضاً قول النبي صلى الله عليه [وسلم ]: ( أول الوقت رضوان اللّه) (٣) ، وقال : ( حديث حسن صحيح ) . = وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب في وقت الصبح (١٠٠/١). وأخرجه عنه النسائي في كتاب المواقيت ، باب الإسفار (٢١٨/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر (٢٢١/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الإسفار بالفجر (٢٢١/١). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة ، باب وقت الصبح (٥٠/١ - ٥١). وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الإسفار (٧٤/١). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: (( شرح معاني الآثار)) في كتاب الصلاة ، باب الوقت الذي يصلى فيه الفجر ( ١٧٨/١ ). (١) (٢٣٨) سورة البقرة . (٢) (١٣٣) سورة آل عمران . (٣) هذا الحديث رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً. أخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (٣٢١/١)، ولفظه : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الوقت الأول من الصلاة من رضوان اللّه، والوقت الآخر عفو الله))) . وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك ، في كتاب الصلاة . باب في مواقيت الصلاة (١٨٩/١) ولفظه: ( ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير الأعمال الصلاة في أول وقتها)))، ثم قال بعد ذلك : ( ويعقوب بن الوليد - أحد رواة الحديث - هذا شيخ من أهل المدينة ، سكن بغداد ، وليس من شرط هذا الكتاب ، إلا أنه شاهد عن عبيد الله)، وتعقبه الذهبي بقوله : ( يعقوب كذاب). وأخرجه عنه البيهقي في (( السنن الكبرى )) ، في كتاب الصلاة ، باب الترغيب في التعجيل بالصلاة في أوائل الأوقات (٤٣٥/١)، ثم قال بعد ذلك : ( قال الشيخ : هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه = ١٠٤٧ وقوله : ( أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها ) (١) ، ومثل قوله : ( لانكاح إلا بوليّ )، فيرجح على قوله : ( ليس للولي مع الثيب أمر) ، بحديث عائشة عن النبي اتهم : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) . فإن كان مع أحدهما ظاهر القرآن ، ومع الآخر ظاهر سنة أخرى ، فأيهما أولى ؟ فنقل محمد بن أشرس : أن أحمد رحمه اللّه سئل عن الحديث إذا كان صحيح الإسناد ، ومعه ظاهر القرآن ، ثم جاء حديثان صحيحان يحيى بن معين ، وكذبه أحمد بن حنبل ، وسائر الحفاظ ، ونسبوه إلى الوضع ، == نعوذ بالله من الخذلان ، وقد روى بأسانيد كلها ضعيفة ) . وقد أخرج الدارقطني في (( سننه )) في كتاب الصلاة ، باب فضل الصلاة في أول وقتها (٢٤٦/١ - ٢٥٠) عن جرير بن عبد الله ، وعن أبي محذورة ، وعن أنس رضي الله عنهم ، وكلها لا تخلو من علة قادحة، ولمزيد من الاطلاع إرجع إلى السنن المذكورة، وإلى ((نصب الراية)) (٢٤٢/١ - ٢٤٤)، و((تلخيص الحبير)» (١٨٠/١ - ١٨١). (١) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أم فروة - رضي الله عنها - في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (٣١٩/١ - ٣٢٠) لفظه: ( قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الصلاة لأول وقتها ))). ثم قال بعد ذلك : ( حديث أم فروة لا یروی إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري ، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث ، واضطربوا عنه في هذا الحديث ، وهو صدوق . وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه ) . وأخرجه عنها الحاكم في ((المستدرك )) في كتاب الصلاة ، باب في مواقيت الصلاة (١٨٩/١ ) . كما أخرجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقال : ( هو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وله شواهد في هذا الباب ) . راجع في هذا ايضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٨١/١ ). ١٠٤٨ أ خلافه ، أيما أحب إليك ؟ فقال : الحديثان أحب إليّ إذا صحا . وهذا مبني على أصل قد تقدم ، وهو إذا تقابل لفظ القرآن ولفظ السنة ، ويمكن بناء كل واحد منهما على الآخر ، هل تقدم السنة أو القرآن ؟ فقد حكينا خلافاً في المذهب ، فكذلك ها هنا . الثاني : أن يروى معنى أحدها بألفاظ مختلفة من وجوه أخر ، مثل ما قدمنا حديث لما روي عن النبي مع التم أنه قال : ( أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)، وقوله : ( أفضل [الأعمال ] الصلاة في أول وقتها )، وقوله : ( إن أحدكم ليصلي الصلاة ، وقد ترك من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله ) (١) . ٠ الثالث : أن يكون أحدهما موافقاً للقياس ، مثل قوله عليه السلام : ( ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة ) (٢) ، فيقدم على حديث (١) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة في أول وقتها (٢٤٨/١). قلت: وفي اسناده: ((إبراهيم بن الفضل المخزومي)) قال فيه النسائي وجماعة : ((متروك)) وقال ابن معين: ((ضعيف، لا يكتب حديثه)) وقال مرة: (( ليس بشيء )) . انظر ترجمته في: ((المغني في الضعفاء)) (٢٢/١)، و ((الميزان)) (٥٢/١). (٢) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في كتاب الزكاة، باب ليس على المسلم في عبده صدقة (١٤٢/٢). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الزكاة ، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (٦٧٥/٢ - ٦٧٦ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الزكاة ، باب صدقة الرقيق ( ٣٦٩/١) . = وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزكاة ، باب زكاة الخيل (٢٥/٥). ١٠٤٩ فورك السعدي ؛ لأن ما لا تجب الزكاة في ذكوره لا تجب في إنائه ، قياساً على الحمير والبغال وسائر الحيوانات التي لا زكاة فيها . الرابع : أن يكون مع أحدهما حديث مرسل ؛ لأن مجيئه من طريق مسند ومرسل أقوی له . الخامس : أن يكون أحدهما عمل به الأئمة الأربعة ، كما قدمنا رواية من روي في تكبيرات العيدين سبعاً وخمساً (١) على رواية من روى أربعاً ، كأربع الجنائز (٢) ؛ لأنه عمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم . وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في مواضع : وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الزكاة ، باب ما جاء ليس في الخيل والرقيق صدقة = (١٤/٣ - ١٥ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة ، باب صدقة الخيل والرقيق (٥٧٩/١ ). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الزكاة ، باب ما لا تجب فيه الصدقة من الحيوان (٣٢٢/١ - ٣٢٣) . وأخرجه عنه الإمام مالك في كتاب الزكاة ، باب ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل ( ١٣٧/٢ ) . وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الزكاة ، باب جامع الأشياء التي ليس فيها زكاة (٢٣٩/١ - ٢٤٠) . وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الزكاة ، باب ما جاء في الخيل والرقيق والعسل .. ( ١٧٣/١ - ١٧٤ ) . وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: (( شرح معاني الآثار)) في كتاب الزكاة باب الخيل السائمة هل فيها صدقة أم لا؟ (٢٩/٢). (١) التكبير في صلاة العيدين في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، سبق تخريجه ص (١٠٣٧). (٢) التكبير في صلاة العيدين أربعاً في الأولى والثانية ، سبق تخريجه ص (١٠٣٩). ١٠٥٠ فقال في رواية صالح : رويَ أن النبي مائهم قال : ( توضؤوا مما مست النار) (١)، وروي أنه نهس(٢) عظماً وصلى ولم يتوضأ (٣)، فنظر إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لم يتوضئوا مما مست النار، فقد تكافأت (٤) الرواية فيه. (١) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه مسلم في كتاب الحيض ، باب الوضوء مما مست النار (٢٧٣/١). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب التشديد في ذلك (٤٤/١ ). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار (١١٤/١ ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب الوضوء مما غيرت النار ( ٨٧/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب الوضوء مما غيرت النار ( ١/ ١٦٣ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الطهارة ، باب الوضوء مما مست النار والرخصة في ذلك ( ٥٨/١ ) . (٢) في الأصل : (أنهش). (٣) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق (٦٠/١ - ٦١) بلفظ (أكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحيض ، باب نسخ الوضوء مما مست النار ( ١/ ٢٧٣) بمثل لفظ البخاري . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب في ترك الوضوء مما مست النار (٤٣/١). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب ترك الوضوء مما غيرت النار (٩٠/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١٦٤/١ ) . وأخرجه عنه الطيالسى في كتاب الطهارة ، باب الوضوء مما مست النار والرخصة في ذلك ((٥٩/١) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤١٩/٦) عن ضباعة ، ولفظه (نهس لحماً، وصلى، ولم يتوضأ). (٤) في الأصل : ( تكافت ) . ١٠٥١ وكذلك نقل أبو الحارث عنه في الحديثين المختلفين ، وهما جميعاً بإسناد صحيح عن النبي ◌َ الله: ينظر إلى ما عمل به الأئمة الأربعة ، فيعمل به . وكذلك نقل الفضل بن زياد في الحديثين بإسناد صحيح : ينظر إلى ما عمل أو ما قال الخلفاء بعده [١٥٨/ب ]، يعني : أبا بكر وعمر . فإن اقترن بأحدهما عمل أهل المدينة ، لم يقدم به ، خلافاً لأصحاب الشافعي في قولهم : يقدم به ، وذكروا ذلك في حديث الترجيع (١) في الأذان (٢)، وأنه يقدم على غيره؛ لأنه عمل به أهل المدينة بعد النبي عَ لَّهِ. (١) الترجيع في الأذان : إعادة الشهادتين بصوت عال بعد ذكرهما بصوت منخفض. (٢) حديث الترجيع في الأذان رواه أبو محذورة - رضي الله عنه - مرفوعاً . أخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الترجيع في الأذان ( ١/ ٣٦٦)، وقال: ((حديث صحيح)) . وأخرجه عنه النسائي في کتاب الأذان ، باب کم الأذان من كلمة ، وباب کیف الأذان؟ (٥/٢ - ٦). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب كيف الأذان؟ ( ١١٧/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأذان ، باب الترجيح في الآذان (٢٣٤/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الترجيع في الأذان (١١٦/١ ). وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)» (٤٠٩/٣) . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة ، باب ذكر أذان أبي محذورة (/ ١ ٢٣٣ - ٢٣٥) ، وذكر اختلاف الروايات في ذلك . وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة ، باب حديث أبي محذورة في صفة الأذان ( ٥٧/١ ) . وأخرجه عنه البيهقي في كتاب الصلاة ، باب الترجيع في الأذان (٣٩٣/١). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه («شرح معاني الآثار)» ، في كتاب الصلاة ، باب الأذان كيف هو ؟ (١٣٠/١). ١٠٥٢ وكذلك إن اقترن به عمل الكوفة ، لم يقدم به ، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة ، فيما حكاه الجرجاني في أصوله : أنه يقدم بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي حنيفة ، قبل ظهور البدع ؛ لأن أمراء بني مروان غلبوا على المدينة والكوفة ، وكان فيهم تغير شيء من الشريعة ، وإنما لم نرجح بذلك ؟ لأنه بلد من البلاد ، فلم يرجح نقل أهله كسائر البلاد . السادس : أن يقترن بأحدهما تفسير الراوي ، كما قدمنا ما روى جابر عن النبي ◌ِّ الِ أنه قال: (أيما رجل أَعْمَرَ عُمْرى له ولعقبه، فإنها الذي يعطاها ، لا ترجع إلى الذي أعطاها ؛ لأنه اعطى عطاء ووقعت (١) فيه المواريث ) (٢) على رواية ( من أَعْمَرَ عُمْرى فهي له، ولعقبه ، يرثها من يرثه من عقبه) (٣)، كما روى معمر عن الزهري عن (١) في الأصل: (وقت )، والتصويب من مراجع تخريج الحديث الآتي ذكرها . (٢) حديث جابر - رضي اللّه عنه - هذا، أخرجه مسلم عنه في كتاب الهبات ، باب العُمْرى (١٢٤٥/٣) . وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع ، باب من قال فيه: ولعقبه (٢٦٤/٢). وأخرجه عنه النسائى في كتاب العمرى ، باب ذكر الاختلاف على الزهري فيه (٢٣٤/٦) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الأحكام ، باب ما جاء في العمرى (٦٢٣/٣). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الشفعة واللقطة ، باب العمرى والرقبى ( ٢١٧/٢ ) . وراجع أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (٧١/٣)، و ((نصب الراية)) (١٢٧/٤ - ١٢٩)، و((تيسير الوصول)) (٢٣/٣). (٣) أخرجه عن جابر رضي الله عنه بهذا اللفظ أبو داود في كتاب البيوع ، باب في العمرى ( ٢٦٣/٢ ) . وأخرجه عنه بهذا اللفظ النسائي في كتاب العمرى ، باب ذكر الاختلاف على الزهري فيه ( ٢٣٢/٦ ). == ١٠٥٣ أبي سلمة (١) عن جابر بن عبد الله أنه قال: ( إنما العُمْرى التي أجازها رسول اللّه ◌َ افل أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال : هي لك ما عشت ، فإنها ترجع الى صاحبها ) (٢). وكذلك حملنا التفرق على التفرق بالبدن ، لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا اراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع ، وقال أبو بردة : لا أراكما تفرقتما . وكذلك رجع أحمد رحمه الله الى تفسير ابن عمر في قول النبي مع التّهِ: ( فاقدروا له ، وأنه كان يتراءى الهلال ، فإن كانت السماء ذات غيم أصبح صائماً، وإن كانت ذات صحو أصبح مفطراً، إذا لم ير الهلال) (٣). قال أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار في الجزء الذي فيه المناولة والإجازة حدثنا العباس بن محمد بن حاتم بن واقد الدوري (٤) حدثنا روح وأخرجه عنه الطيالسى في كتاب الهبة والهدية ، باب ما جاء في العمرى (٢٨١/١) ، ۔ ولفظه : ( من أعمر عمرى ، فهي له ولعقبه من بعده ) . (١) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. ((ثقة مكثر)). مات سنة (٩٤) هـ. التقريب (٤٣٠/٢). (٢) حديث جابر - رضي الله عنه - هذا ، أخرجه عنه مسلم في كتاب الهبات ، باب العمرى ( ١٢٤٦/٣ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب البيوع ، باب من قال فيه: ولعقبه (٢٦٤/٢). راجع في هذا أيضاً: (( تلخيص الحبير)) (٧١/٣)، و((نصب الراية)) ( ٤/ ١٢٨)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٠١). (٣) سبق تخريجه ص (١٢٤). (٤) أبو الفضل البغدادي . أحد الحفاظ المشهورين . روى عن أبي داود الطيالسي وشبابة بن سوار ، وخلق . وعنه النسائي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وخلق . وثقه النسائي . أخذ الجرح والتعديل عن يحيى بن معين. مات سنة (٢٧١ هـ) وله من العمر ثمان وثمانون سنة . = ١٠٥٤ ١ ابن عبادة (١) حدثنا داود بن قيس (٢) عن محمد بن عمرو بن عطاء (٣) قال كان موسى بن يسار (٤) جالساً معنا ، فقال له ابن عمر : يا موسى بن = له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٤٤/١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٧٥/٢)، و((الخلاصة)) ص (١٦٠)، و ((طبقات الحفاظ)) ص (٢٥٧). (١) أبو محمد القيسي البصري . ثقة حافظ . روى عن شعبة وحسين المعلم وخلق . وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وخلق . كان كثير الحديث . صنف الكتب في التفسير والحديث والأحكام. مات سنة (٢٠٥ هـ). له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٤٠١/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣٤٩/١) و((الخلاصة)) ص (١٠١)، و((شذرات الذهب)) (١٣/٢)، و ((ميزان الاعتدال)) (٥٨/٢ ). (٢) أبو سليمان ، القرشي بالولاء ، المدني الدباغ ، روى عن عمرو بن شعيب وإبراهيم ابن حنين . وعنه القعنبي وابن وهب وغيرهما . وثقه أبو حاتم . مات قبل سنة ( ١٦٠هـ ) على ما قيل . له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (١٩٨/٣)، و((الخلاصة)) ص (١١٠) طبعة بولاق . (٣) أبو عبد الله القرشي العامري المدني . روى عن أبي هريرة وأبي حميد وغيرهما وعنه یزید بن أبي حبيب ومحمد بن عمرو بن حلحلة وغيرهما . وثقه ابن سعد . مات في آخر ولاية هشام . له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٣/٩)، و((الخلاصة)) ص (٣٥٤) طبعة بولاق . (٤) المطلبي بالولاء ، المدني . روى عن أبي هريرة رضي الله عنه. وروى عنه ابن أخيه محمد بن إسحاق وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهما . وثقه ابن معين . وذكره ابن حبان في (( الثقات )). له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٧/١٠)، و((الخلاصة)) ص (٣٩٣) طبعة بولاق . ١٠٥٥ يسار إذا فرغت من حديثك ، فسلم ، فإنك في صلاة . قال : وحدثنا العباس بن محمد الدوري أيضاً قال : حدثنا موسى بن داود (١) حدثنا ابن لهيعة عن حنين بن أبي حكيم (٢) عن نافع (٣) عن ابن عمر قال : من أراد حفظ الحديث فلير دده ثلاثاً (٤). (١) أبو عبد الله الضبي الخلقاني الكوفي الطرسوسي. ولي قضاء الثغور . روى عن شعبة وابن الماجشون وغيرهما . وعنه الإمام أحمد وعباس الدُّوري وخلق . وثقه الدار قطني. وقال أبو حاتم: ((في حديثه اضطراب)). مات سنة (٢١٧ هـ). له ترجمة في: ((الخلاصة)) ص (٣٩٠) طبعة بولاق، و(( المغني في الضعفاء)) (٦٨٣/٢)، و((الميزان)) (٢٠٤/٤). (٢) في الأصل: ( ابن أبي حاتم )، وهو خطأ . والتصويب من مراجع الأثر الآتي ذكرها . وهو : حنين بن أبي حكيم شيخ لابن لهيعة . روى عن مكحول وعلي بن رباح وغيرهما . وعنه الليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة . وثقه ابن حبان . وقال ابن عدي: (( لا أعلم روى عنه غير ابن لهيعة ، فلا أدري البلاء منه ، أو من ابن لهيعة؛ لأن أحاديثه غير محفوظة، ولا يكاد يعرف )). وقال الذهبي: ((ليس بعمدة)). وقال: ((ليس بحجة، ولا يكاد يعرف)). له ترجمة في: ((المغني في الضعفاء)) (١٩٨/١)، و((الميزان)) (٦٢١/١ - ٦٢٢ ) . (٣) هو : نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر. روى عن ابن عُمَر وأبي لبابة وأبي هريرة رضي الله عنهم، وعنه مالك وابن جريج وخلق. قال البخاري: ((أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر )). مات سنة ( ١٢٠ هـ) ، وقيل غير ذلك . له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٩٩/١)، و(تهذيب الأسماء)) (١٢٣/٢)، و ((تهذيب التهذيب)) (٤١٣/١٠)، و((الخلاصة)) ص (٣٤٣)، و ((شذرات الذهب)) (١٥٤/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٤٠). (٤) هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه ، أخرجه عنه بسنده الدارمي في مقدمة ((سننه))، باب مذاكرة العلم (١٢٠/١). ١٠٥٦ ١ باب الإجماع الإِجماع(١) في اللغة: ما اجتمع القوم عليه، سواء كانوا ممن تثبت الحجة بقولهم أو لا تثبت(٢). وهو في الشرع: عبارةٌ عمن تثبت الحجة بقوله(٣). وسمي إجماعاً؛ لاجتماع الأقوال المتفرقة [١٥٩/أ] والآراء المختلفة. (١) راجع هذا الباب في: أصول الجصاص الورقة (٢١٥) والتمهيد في أصول الفقه (٢٢٤/٣)، وروضة الناظر ص (٦٧) وشرح مختصرها للطوفي الجزء الثاني الورقة (٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢١٠/٢) والمختصر لابن اللحام ص (٧٤) والمسوَّدة ص (٣١٥). (٢) هذا أحد معنبي ((الإِجماع)) في اللغة، الذي يعبر عنه بالاتفاق، وهو الذي يتناسب مع المعنى الاصطلاحي عند الأصوليين. (٣) هذا إشارة إلى تعريف الإجماع عند الأصوليين، والعبارة وصف للمجمعين لا للإجماع، ولو عبر بقوله: عبارة عن اتفاق من تثبت الحجة بقولهم، لكان أولى. وقد سبق للمؤلف في مقدمة كتابه هذا ص (١٧٠) أن عرف الإِجماع بقوله: (اتفاق علماء العصر على حكم النازلة)، وهو تعريف غير سليم؛ لأنه غير مانع، فقوله: (علماء العصر) يشمل المسلمين وغيرهم، كما يشمل المجتهدين وغيرهم. وعرفه تلميذ المؤلف أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٢٢٤/٣) بقوله: (الاتفاق من جماعة على أمر من الأمور، إِما فعل أو ترك). وهو تعريف غير سليم أيضاً؛ لأنه غير مانع، فالجماعة تشمل المسلمين وغيرهم، كما تشمل المجتهدين وغيرهم، وهي مشعرة باتفاق بعضهم، والاجماع لا يكون إلا باتفاقهم كلهم. وهذا التعريف لأبي الحسين البصري، كما في المعتمد (٤٥٧/٢). والتعريف الذي أرتضيه هو تعريف ابن السبكي في كتابه ((جمع الجوامع)) (١٧٦/١) مطبوع مع حاشية البناني حيث قال: (إتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر على أي أمر كان). وهناك تعريفات كثيرة تزيد أو تنقص عن التعريف الذي ذكرته، حسب ما يراه المعرف. ومن أجل الوقوف على بعض تلك التعريفات أرجع إلى: الإِحكام للآمدي (١٧٩/١) وإرشاد الفحول ص (٧١) وشرح العضد (٢٩/٢). ١٠٥٧ ( العدة فى أصول الفقه - ٦٧ ) - وقيل: سُمِّي بذلك من القطع وإمضاء الرأي وتنفيذه، ومنه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكَم (١)) أي: اعزموا(٢). مسألة(٣) الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته(٤)، ولا يجوز أن تجتمع الأُمَّةُ على الخطأ. (١) (٧١) من سورة يونس. (٢) هذا إشارة إلى المعنى اللَّغوي الثاني للإِجماع، وقد صرح الفخر الرازي في كتابه المحصول (١٩/٤) بأن الإجماع مشترك بين المعنيين: أي العزم والاتفاق . وهذا ما يؤكده الأزهري في كتابه تهذيب اللغة (٣٩٦/١) فقد نقل عن الفراء قوله: (الإِجماع: الإِعداد والعزيمة على الأمر .. ) كما نقل عن غيره قوله: ( ... وكذلك يقال: أجمعتُ النَّهبَ، والنَّهب: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص، فكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم، ثم طردوها وساقوها). ثم نقل عن بعضهم قوله: (جمعت أمري. والجمع: أن تجمع شيئاً إلى شىء. والإِجماع: أن تجعل المتفرق جميعاً). ومن هذا يتبين بجلاء: أن الإجماع يطلق على المعنيين في أصل اللغة، فيعتبر من قبيل المشترك. (٣) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢١٥/ب) والتمهيد (٢٤٢/٣) وروضة الناظر ص (٦٧) وشرح مختصرها للطوفي الجزء الثاني الورقة (١/٤٠) وشرح الكوكب المنير (٢١٤/٢) والمختصر لابن اللحام ص (٧٤) والمسؤَّدة ص(٣١٥). (٤) لو أعاد الضمير مذكراً بأن قال: الإجماع حجة مقطوع عليه، يجب المصير إليه، وتحرم مخالفته أو ذكره مؤنثاً في المواضع الثلاثة لكان أولى؛ لأن عدم ذلك أحدث خللاً في الأسلوب. وبمراجعة كتاب المسوّدة ص (٣١٥) وجد النص كما هو في الأصل، غير أن المحقق ذكر في الهامش أن نسخة (د) من كتاب المسوّدة فيها: (الإجماع حجة قطعية ... ). ورُبَّما قيل: مقطوع عليه ويصار إليه لكونه حجّة، = ١٠٥٨ 1 وقد نص أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية عبدالله وأبي الحارث: ((في الصحابة إذا اختلفوا لم يُخْرَج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي(١) أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا))(٢). وقد علق القول في رواية عبد الله فقال: ((من ادعى الإِجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المَرِّيسي(٣) والأصم (٤)، ولكن [يقول]: لا نعلم، [لعل] الناس اختلفوا ولم يبلغه))(٥). فلذلك جاء التأنيث، وتحرم مخالفته لكونه إجماعاً، فلذلك جاء التذكير، إذ الأمة = لا تجتمع على باطل. (١) في المسودة ص (٣١٥) .. (لا ينبغي لأحد). (٢) هذه الرواية منقولة بنصها في المسوّدة في الموضع السابق. (٣) هو: بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المريسي، بفتح الميم وتخفيف الراء، نسبة إلى ((مَرِيس))، بفتح الميم وكسر الراء قرية بمصر أو بفتح الميم وتشديد الراء نسبة إلى ((مَرِيسة)) وإليه ينسب درب ((المَرِّيسي)) ببغداد. وهو معتزلي، رُمي بالزندقة، يقول بالإِرجاء، وإليه تنسب الفرقة (المريسية)) مات ببغداد سنة (٢١٨) وله سبعون سنة تقريباً. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٥٦/٧) ولسان الميزان (٢٩/٢) والمغني في الضعفاء (٩١٦/٢) وميزان الاعتدال (٣٢٢/١). (٤) هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم. من كبار المعتزلة. اشتغل بالفقه والتفسير. وله مقالات في الأصول. مات نحو (٢٢٥هـ). له ترجمة في: طبقات المفسرين الداودي (٢٦٩/١) وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص (٢٦٨) ولسان الميزان (٤٢٧/٣). (٥) نص الرواية مشوش، ولذلك حاولنا تقويمه بما ترى. والرواية موجودة في مسائل عبد الله التي رواها عن أبيه أحمد بن حنبل ص(٤٣٨ - ٤٣٩) ونصها: (سمعت أبي يقول: ما يدعي الرجل فيه الإجماع، هذا الكذب، من ادعى الإجماع فهو = ١٠٥٩ - - وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: ((كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم لهم مخالفاً جاز))(١). وكذلك نقل أبو طالب عنه: أنه قال: ((هذا كذب، ما علمه(٢) أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس)). وكذلك نقل أبو الحارث: ((لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا))(٣). وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإِجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه. أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإِجماع في رواية عبدالله وأبي الحارث (٤). وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: ((أذهب في التكبير من غداة يوم (كذب)، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المَرِّيسي والأصم، ولكن يقول: = لا يعلم، الناس يختلفون، أو لم يبلغه ذلك، ولم ينته إليه فيقول: لا يعلم، الناس اختلفوا). : (١) الرواية هذه منقولة بنصها مع اختلاف يسير في المسوّدة ص (٣١٥). (٢) في المسودة ص (٣١٦): (ما أعلمه). وهو الصحيح وما في الأصل تصحيف. (٣) هذه الرواية والتي قبلها منقولتان بالنص في المسوّدة ص (٣١٥ - ٣١٦). (٤) ذكر المؤلف هنا تخريجين لكلام الإِمام أحمد في هذا الموضع. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية في المسوَّدة ص (٣١٦) يحمل إنكار الإِمام أحمد على إجماع من بعد الصحابة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة. والقول بأن الإجماع خاص بإجماع الصحابة هو رأي الطوفي الحنبلي في شرحه على مختصر الروضة الجزء الثاني الورقة (٤٠/أ). ١٠٦٠ ! ٠