Indexed OCR Text
Pages 781-800
غَيْرَ إخْرَاج ) (١)، نسخ بقوله: ( وَالّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَبَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (٢). وأما نسخ الرَّسْم دون الحكم فجائز أيضاً ، وذلك مثل آية الرجم ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لولا أن يقال : عمر زاد في كتاب اللّه، لكتبت في حاشية المصحف : الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة ، نكالاً من الله والله عزيز حكيم (٣). وكذلك نسخ التتابع في صوم كفارة اليمين في قراءة عبد الله ، وبقي حكمها (٤) . (١) (٢٤٠) سورة البقرة. (٢) (٢٣٤) البقرة . وراجع في هذا: تفسير ابن كثير (٢٩٦/١ - ٢٩٧). (٣) هذا الحديث روي مطولاً ، كما روي مختصراً، وقد أخرجه البخاري في كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا (٢١٠/٨). وأخرجه مسلم في كتاب الحدود ، باب رجم الثيب الزاني (١٣١٧/٣). وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود ، باب في الرجم (٤٥٦/٢) . وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود ، باب ما جاء في تحقيق الرجم (٣٨/٤). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود ، باب الرجم (٨٥٣/٢). وأخرجه الإمام مالك في كتاب الحدود ، باب ما جاء في الرجم ص ( ٥١٤ ) . وأخرجه الدارمي في كتاب الحدود ، باب في حد المحصنين بالزنا (٩٩/٢). وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الحدود ، باب النهي عن مقدمات الزنا وما يوجب الرجم ... (٢٨٣/٢) . وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٨٣/٥). وهي من الآيات التي نسخت تلاوتها ، وبقي حكمها، ومراد عمر من قوله هذا أن يبقى في أذهان الناس حكم الآية ، لا تلاوتها ، والله أعلم . (٤) وذلك في قوله تعالى: ( فَصِيَامُ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) قرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ( فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ). راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (١٤٨/١) . ٧٨١ وقال قوم : لا يجوز نسخ الرسم مع بقاء حكمه . دليلنا : أن التلاوة لا تفتقر إلى الحكم الشرعي ، ولا الحكم الشرعي يفتقر إلى التلاوة ، بل يجوز أن ينفصل كل واحد منهما عن الآخر ؛ لأن الحكم قد يثبت من غير تلاوة ، مثل أفعال النبي ، فصارت التلاوة مع حكمها بمنزلة عبادتين ، فلما جاز نسخ إحدى العبادتين دون الأخرى ، كذلك نسخ التلاوة [١١٢/ب] دون الحكم ، ونسخ الحكم دون التلاوة . فإن قيل : لما لم يجز وجود العلم في القلب من غير أن يكون صاحبه عالماً ، ولا وجوده عالماً من غير وجود العام في قلبه ، كذلك لا يجوز وجود الحكم من غير تلاوة . قيل : قد بيّنا هذا ، وقلنا : إن التلاوة والحكم ينفصل كل واحد منهما ، وليس كذلك العلم ؛ لأنه لا يجوز أن ينفصل كونه علماً يعلم من العلم الذي صار به عالماً . وأما نسخهما فمثل ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات فتوفي (١) رسول اللّه عَ ل، وهي مما يقرأ في القرآن) (٢) (١) في الأصل : ( من في ). (٢) هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب الرضاع ، باب التحريم بخمس رضعات (١٠٧٥/٢) . وأخرجه الترمذي في كتاب الرضاع ، باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان (١٤٧/٣) . وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح ، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات (٤٧٦/١) . = ٧٨٢ i فكانت العشر (١) منسوخة الحكم والرسم ، وقد ینسخ إلى بدل وغير بدل : فما نسخ إلى غير بدل : العدة حولاً إلى أربعة أشهر وعشر، وما زاد على أربعة أشهر لغير بدل . وما ينسخ إلى بدل فعلى أربعة أضرب : نسخ واجب إلى واجب ، وواجب إلى مباح ، وواجب إلى ندب ، ومحظور إلى مباح . فأما واجب إلى واجب ، فعلى ضربين : واجب مضيق إلى مثله ، كنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (٢). وواجب مخير إلى مضيق ، كالصيام ، كان المطيق القادر عليه في صدر (٣) الإسلام مخيراً بين الصيام والفدية ، فنسخ إلى مضيق وحتم (٤) ، = وأخرجه النسائي في كتاب النكاح باب القدر الذي يحرم من الرضاعة (٨٣/٦ ). وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح ، باب لا تحرم المصة ولا المصتان (٦٢٥/١ ). وأخرجه الدارمي في كتاب النكاح ، باب كم رضعة تحرم ؟ (٨٠/٢). وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الرضاع ، باب جامع ما جاء في الرضاعة ص (٣٧٦) . وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب النكاح ، باب تحريم الرضاع كتحريم النسب (٣٣٣/٢) . (١) في الأصل : ( العشرة ). (٢) سبق تخريج هذا في قصة تحويل القبلة ص (٣٥٤). (٣) في الأصل : ( صدور ). (٤) ومن القائلين بالنسخ معاذ بن جبل وابن عمر وابن عباس وابن أبي ليلى وعلقمة وابن شهاب ، ورجحه الطبري . وهناك فريق من العلماء ذهبوا إلى أن الآية محكمة وليست منسوخة ، ثم اختلفوا بعد ذلك في تفسيرها فذهب ابن عباس والسدي وسعيد بن المسيب إلى أن معنى قوله تعالى: (وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ)= ٧٨٣ قال اللّه تعالى: (وَعَلَى الّذِينَ يُطِقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِين)(١)، ثم قال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (٢). وأمّا واجب إلى مباح ، فالصدقة عند مناجاة الرسول ، كانت واجبة بقوله تعالى: ( إِذَا ذَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) (٣)، فنسخ ذلك الوجوب إلى جواز تركها وجواز فعلها بقوله [ تعالى : ( أَأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... )] (٤) وأما واجب إلى ندب [ و] كالمصابرة في صدر الإسلام، على كل واحد أن يصابر عشرة ، فنسخ إلى اثنين ، وندب إلى ما زاد بقوله تعالى : يطيقون صومه في حال شبابهم وصحتهم ، فإذا ما كبروا وعجزوا عن الصوم = فعليهم فدية طعام مسكين . وذهب ابن عباس وعلي وعكرمة وطاوس والضحاك إلى أن الآية تقرأ : ( وَعَلَّى الّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ)، ومعنى ذلك : أن الشيخ والشيخة العاجزين عن الصوم لكبرهما الذين يكلفهما الصوم ، فلا يطيقانه، لهما أن يفطرا، وعليهما فدية طعام مسکین عن كل يوم . راجع في هذا: ((تفسير الطبري)) (٤١٨/٣ - ٤٣٨)، و((تفسير ابن كثير)) (٢١٣/١ - ٢١٥). (١) (١٨٤) البقرة. وقراءة ( مساكين) بالجمع ، كما أثبتها المؤلف، قرأ بها نافع وابن ذكوان وغيرهما . أما قراءة ( مسكين ) بالافراد ، فقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وغيرهم . انظر: ((اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر)) ص (١٥٤). (٢) (١٨٥) سورة البقرة . (٣) (١٢) سورة المجادلة. (٤) (١٣) سورة المجادلة. ٧٨٤ 1 (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلَبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١) فنسخ اللّه هذا رحمة منه لعباده ورخصة بقوله: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ) (٢) فنسخ إلى مصابرة كل واحد اثنين ، وندب إلى مصابرة أكثر . وأما نسخ حظر إلى أمر (٣) إباحة، كقوله: ( عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَآَبَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَّ بَاشِرُوهُنّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَّ الْفَجْرِ) (٤) فكان الأكل والشرب والمباشرة [١١٣/أ] محظورة، ثم نسخت . وقال ◌َ له: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ، ولا تقولوا إلا خيراً ) ، فأباحه بعد الحظر . مسألة (٥) يجوز نسخ الشيء بمثله ، وأخف منه وأثقل . وهو قول الجماعة . واختلف أهل الظاهر فيما حكاه الحرزي في مسائله : (١) (٦٥) سورة الأنفال . (٢) (٦٦) سورة الأنفال . (٣) غير واضحة في الأصل . (٤) (١٨٧) سورة البقرة . (٥) راجع هذه المسألة في ((المسودة)) ص (٢٠١)، و((التمهيد في أصول الفقه)) = ٧٨٥ العدة في أصول الفقه - ٥٠ فذهب جماعة منهم إلى هذا . ومنع منه آخرون ، وقالوا : لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل ، وهو قول أبي [ بكر بن ](١) داود . دليلنا : أن الله تعالى أوجب الصوم في أول الإسلام على التخيير ، ثم نسخ ذلك وحتمه ، والانحتام أغلظ من التخيير . وهكذا كان حد الزاني في أول الإسلام الحبس (٢) ، بقوله تعالى : ( وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) (٣) ثم نسخ ذلك، وجعل حد البكر الجلد والتغريب ، والثيب الجلد والرجم . وهذا نسخ شيء إلى ما هو أغلظ منه وأشد ، فثبت جواز ذلك . ولأن حقيقة النسخ : الرفع والإزالة ، وإثبات الحكم الثاني طريقه ابتداء شرع ، لا أنه من مقتضى الحكم الأول وموجبه ، ألا ترى أن الله تعالى لو رفع حكماً ولم يثبت مكانه شيئاً آخر كان ذلك نسخاً ، فلم يمتنع أن يزيل حكماً ويثبت مكانه أغلظ منه وأشد ؟ الورقة (٩٥/ب)، و((الواضح في أصول الفقه)) الجزء الثاني الورقة ( ٢٣٥/أ - == ٢٣٩/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها: ((نزهة الخاطر)) (٢١٧/١ - ٢٢٥)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦١). (١) الزيادة من (( التمهيد في أصول الفقه)) لأبي الخطاب الورقة (٩٥/ب). (٢) في الأصل: (في الحبس)، و((في)) هنا زائدة ، لا معنى لها . (٣) (١٥) سورة النساء. ٧٨٦ ولأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في الأغلظ ، وفيما مضى من الأخف . واحتج المخالف : بقوله تعالى : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسأهَا نَأتٍ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) ومعلوم أنه لم يرد بقوله: خيراً منها فضيلة الناسخ على المنسوخ ؛ لأن القرآن كله متساوي الفضيلة ، فعلم أنه إنما أراد بالخير الأخف . والجواب : أن الشيء إنما يوصف بأنه خير من غيره ؛ لأن النفع الذي فيه يكون موفياً على النفع الذي في غيره ، ألا ترى أنك تقول : فِعْلُ الفرض خير لك من فعل النافلة ، تريد (٢) أنه أنفع له (٣) ، ومعلوم أن النفع في الفعل ، إنما يكثر بكثرة المشقة فيه ، أو بكثرة انتفاع غير الفاعل به ، بدلالة أن القتال في سبيل اللّه أكثر نفعاً في باب الثواب من الصوم ؛ لأن المشقة فيه أكثر من المشقة في الصوم ، وإن دعوة نبينا إلى دين الله تعالى كانت أعظم ثواباً من دعوة غيره من الأنبياء عليهم السلام ؛ لأنه قد انتفع بها أكثر مما انتفع بدعوة غيره، [١١٣/ب] إذ كان من أجابه إليها أكثر ممن أجاب إلى دعوة غيره من النبيين ، وإن كان فيهم من لحقه من المشقة أكثر مما لحق نبينا عليه السلام ، فإذا كان فعل الأشق أنفع من فعل الأخف في باب الثواب وجب أن يكون أنفع منه ، فیصح النسخ به . واحتج بأن النسخ في اللّغة هو الإزالة ، وإسقاط العبادة ، فمقتضاه التخفيف دون التثقيل . (١) (١٠٦) سورة البقرة . (٢) في الأصل: ( يريد )، بالمثناة التحتية . (٣) في الأصل : ( به ). ٧٨٧ والجواب : أن الإزالة والإسقاط موجود ها هنا ؛ لأنه رفع ما كان عليه من الحكم السابق . وقولهم : إن مقتضاه التخفيف ليس كذلك ؛ لأن الحكم الثاني ابتداء شرع ، لا أنه من مقتضى الحكم الأول وموجبه . واحتج بأن الله تعالى نسخ الشيء رحمة للمكلف وطلباً لنفعه ، فيجب أن لا ينسخ إلا بما هو أخف منه ؛ لأن ذلك أولى بالرحمة . والجواب : أن من رحمة الله تعالى له أن يكلفه أنفع الأشياء له ، وأدعاها إلى عظيم ثوابه ، وقد يكون ذلك فيما يشق عليه ، كما يكون فيما هو أخف منه ، بل قد يكون الأشق أنفع له وأجزل لثوابه . وجواب آخر وهو : أن هذا يوجب أن لا يبتدىء أحداً بتكليف ما يشق عليه ؛ لأن ذلك أخف وأسهل وأدعى إلى الرحمة ، ويلزمه أن يكون الله تعالى إذا أسقط عبادة ، أسقطها لا إلى بدل أصلاً ؛ لأن ذلك أخف . مسألة (١) لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعاً ، ولم يوجد ذلك . نص عليه رحمه الله في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث وقد سئل: هل تنسخ السنة القرآن ، فقال : لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده ، والسنة (١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٠١)، و(( التمهيد في أصول الفقه)) لأبي الخطاب الورقة (٩٧/ب) و(( الواضح في أصول الفقه)) لابن عقيل الجزء الثاني الورقة (٢٢٤/ب ) . ٧٨٨ ١ 1 تفسر القرآن (١). وبهذا قال الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة : يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (٣). وحكي ذلك عن مالك (٤) والمتكلمين من المعتزلة (٥) والأشعرية . واختلف أهل الظاهر في ذلك (٦) . دليلنا : قوله تعالى: ( مّا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأتٍ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٧)، وقرىء: (نَنْسَأْهَا) (٨)، والمراد به من (١) وهناك رواية ثانية عن الإمام أحمد، ذكرها أبو الخطاب في كتابه ((التمهيد)) الورقة (٩٧/ب) واختارها وهي أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة . على أن هناك أيضاً رواية ثالثة عن الإمام أحمد ، ذكرها ابن عقيل في كتابه ((الواضح)) الجزء الثاني الورقة (٢٤٦/أ) وهي : أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة والاحادية . (٢) راجع في هذا: ((الرسالة)) للإمام الشافعي ص (٥٦)، و((المنخول)) للغزالي ص (٢٩٢) . (٣) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (٢٠٣/٣)، و ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت )) ( ٧٨/٢ ) . (٤) راجع: ((شرح تنقيح الفصول)) ص (٣١١ - ٣١٢). (٥) راجع: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري ، باب نسخ القرآن بالسنة (٤٢٤/١ - ٤٣١) . (٦) لم يذكر ابن حزم خلافاً في ذلك ، بل ذكر أن السنة تنسخ القرآن ، سواء كانت منقولة بالتواتر أو بالآحاد، وذلك في كتابه: (( الإحكام)) (٤٧٧/٤ ) . (٧) (١٠٦) سورة البقرة . (٨) سبق أن تكلمنا عن القراءتين في هذه الآية في هامش مسألة: يجوز نسخ الشرائع عقلاً وشرعاً ص (٧٦٩) . ٧٨٩ التأخير ، ومنه : بيع النسيئة ، وهو البيع إلى أجل ، فكأنه قال : أو نَنْسَأه فلا ننسخه إلى مدة ، فأخبر الله تعالى أن كل ما ينسخ من القرآن ، فإنما ينسخ بخير منه أو بمثله ، والسنة ليست بخير من القرآن ولا بمثل له ، فلا يجوز أن يقع نسخ القرآن بالسنة ؛ لأن خبر اللّه تعالى لا يقع بخلاف مخبره ، يبين صحة هذا قوله : ( نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) ، وهذا إنما يتناول القرآن [١١٤/أ] الذي يأتي من عند الله دون السنة التي يأتي بها الرسول صلىالله . ويبين صحة ذلك قوله : ( إنَّ اللّهَ عَلىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، فاقتضى ذلك : أن ما يأتي به مما يختص بالقدرة عليه ، وهوَ القرآن دون السنة التي يتعلق بها قدرة غيره . فإن قيل : الآية تقتضي أنه إذا نسخ آية يأتي (١) بخير منها أو مثلها ، وليس فيه أن ما يأتي به يكون هو الناسخ ، بل يجوز أن يكون الناسخ غيره . قيل : قوله تعالى : ( نَأتٍ بِخَيْرِ مِنْهَا ) يقتضي أن يكون ما يأتي بدلاً (٢) عما نسخه، وإنما يكون بدلاً عنه إذا كان ناسخاً ، فأما إذا كانت آية مبتدأة ، فلا يكون بدلاً عنها . يبين صحة هذا أن قوله : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) شرط ، وقوله : ( نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) جزاء؛ لأن ((ما)) يجازى بها ، كما يجازى ((بمن))، ولهذا جزم قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)، وقال تعالى في سورة فاطر : ( مَا يَفْتَحِ اللّهَ للِنّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِك لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ) (٣)، (١) في الأصل ( يأت ). (٢) في الأصل : ( بدل ) بالرفع . (٣) (٢) سورة فاطر . ٧٩٠ وإذا كان كذلك وجب أن يكون الجزاء متعلقاً بالشرط ، ولهذا نقول : إذا قال: (( ما تصنع أصنع، وما أخذه أعطه مثله))، إن الثاني موجب بالأول ومفعول لأجله، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يأتي به ناسخاً . فإن قيل : فلا خلاف أنه يجوز نسخه بغير قرآن ، بأن ينسيه الله تعالى من حفظه ورفعه عن أوهامهم . قيل : ما ينسيه ويرفعه يجري مجرى القرآن ؛ لأنه من جهة الله تعالى . فإن قيل: قوله تعالى: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) في النفع ، وقد يكون ما ثبت بالسنة أنفع لنا في باب المصلحة مما ثبت بالآية المنسوخة . يبين صحة هذا أن التلاوة لا يكون بعضها خيراً من بعض ، وإنما يكون ذلك في النفع ، فيكون بعض الأحكام أسهل . قيل : الآية تقتضي أن تكون خيراً منها في النفع من القرآن ، كما إذا قال القائل: (( ما آخذ منك ثوباً إلا أعطك (١) خيراً منه أو مثله ، وما آخذ منك درهماً إلا أدفع إليك مثله أو خيراً منه )) ، يقتضي ثوباً مثل ثوبه أو خيراً منه ، ودرهماً مثل درهمه أو خيراً منه . وجواب آخر وهو : أن قوله : (نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) يقتضي [ الخيرية أو المثلية ] من كل وجه ، والقرآن المنسوخ فيه معجز ، فيجب أن يكون الناسخ معجزاً ، والسنة ليس فيها معجز ، والقرآن في امتثال حكمه ثواب ، وفي تلاوته ثواب ، وكل واحد منهما عبادة ، والسنة : الثواب في جهة واحدة منها ، وهو امتثال حكمها ، فأما درسها وتلاوتها ، فليس بعبادة ولا ثواب ، وإذا كان كذلك ، لم تكن السنة مثلاً للقرآن ، والآية تقتضي أن النسخ بالمثل أو بخير منه . (١) في الأصل : ( أعطيك ). ٧٩١ فأما قولهم : إن التلاوة لا يكون بعضها خيراً من بعض ، فلا يصح ؛ لأنه قد يكون [١١٤/ب] بعضها خيراً من بعض، على معنى أنها أكثر ثواباً، مثل سورة ((طه)) و ((يّس))، وما أشبه ذلك . وقد يكون في بعضها من الإعجاز في اللفظ والنظم أكثر مما في البعض وقد كانت العرب تعجب من بعض ، ولا تعجب من بعض . وعلى أنا لو سلمنا أنه لا يجوز في التلاوة تفاضل ، فإننا نحمل قوله : ( نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) على الحكم، وقوله: (أَوْ مِثْلِهَا) على التلاوة ولا شك أن المماثلة متأتية في التلاوة ، ولا يتأتى أن يقال ذلك في السنة ، فإنها ليست مثل القرآن . ويدل عليه ما روى الدار قطني (١) في سننه في جملة النوادر قال : حدثنا محمد بن مخلد (٢) ، حدثنا محمد بن داود القنطري أبو جعفر الكبير (٣). (١) هو الحافظ الإمام علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن البغدادي . روى عن البغوي وابن صاعد وغيرهما . وعنه الحاكم وأبو حامد الاسفراييني وغيرهما . له كتب منها: ((السنن))، و((العلل))، و((الافراد)). ولد سنة (٣٠٦) ومات سنة (٣٨٥) . له ترجمة في: («البداية والنهاية)) (٣١٧/١١)، و((تاريخ بغداد)) (٣٤/١٢)، و ((تذكرة الحفاظ)) (٩٩١/٣)، و((شذرات الذهب)) (١١٦/٣)، و((غاية النهاية)) لابن الجزري (٥٥٨/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٣٩٣)، و((اللباب)) (٤٠٤/١)، و((المنتظم)) (١٨٣/٧)، و((النجوم الزاهرة)) (١٧٢/٤). (٢) هو : محمد بن مخلد بن حفص أبو عبد الله الدوري العطار الخضيب، ثقة مأمون. روى عن مسلم بن الحجاج والحسن بن عرفة . وعنه الدار قطني مات سنة (٣٣١هـ) و له من العمر ثمان وتسعون سنة . له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣١٠/٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (٨٢٨/٣)، و ((طبقات الحفاظ)) ص (٣٤٤). (٣) روى عن جبرون بن واقد حديثين باطلين، كما قال الذهبي في ((الميزان)) (٣/ = ٧٩٢ ٠ أ حدثنا جبرون بن واقد (١) ببيت المقدس ، حدثنا سفيان بن عيينة (٢) عن أبي الزبير (٣) عن جابر بن عبد الله (٤) قال: قال رسول اللّه تختمٍ (كلامي لا ٥٤٠ )، ونقل عن ابن عدي أنه ذكر الحديثين في ترجمة جبرون ، وقال : == (( تفرد بهما محمد))، يعني محمد بن داود القنطري . (١) هو : جبرون بن واقد الإفريقي . روی عن سفيان بن عيينة ، و عنه محمد بن داود القنطري، قال الذهبي في ((الميزان)) (٣٨٧/١): ((متهم)) وقال في ((المغني في الضعفاء)) (١٢٧/١)) ليس بثقة ، روى بقلة حياء عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر ((كلام الله ينسخ كلامي)) ... ((الحديث)). (٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون أبو محمد الهلالي الكوفي . الإمام المتقن . روى عن عمرو بن دينار والزهري وخلق . وعنه الشافعي وابن المديني وابن معين وخلائق . مات بمكة سنة ( ١٩٨ هـ) . له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٧٤/٩)، و((تذكرة الحفاظ)» (٢٦٢/١)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١٢٣)، و((شذرات الذهب)) (٣٥٤/١)، و ((غاية النهاية)) (٣٠٨/١)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٩٠/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (١٧٠/٢ ). (٣) هو : محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير الأسدي المكي . روى عن جابر وابن عمر وابن عباس وغيرهم . وعنه مالك والسفيانان والزهري وغيرهم . وثقه ابن معين والنسائي وابن المديني، وضعفه ابن عيينة وآخرون مات سنة ( ١٢٨ هـ). له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٦/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٤٠/٩)، و ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٣٦٠)، و ((ميزان الاعتدال)) (٣٧/٤). (٤) هو جابر بن عبد الله أبو عبد الله الأنصاري . صحابي جليل . كان من المكثرين الحفاظ للسنن كما قال ابن عبد البر. كف بصره في آخر حياته مات سنة (٧٤هـ) وهو ابن أربع وتسعين سنة على ما قيل . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٢١٩/١)، و((تذكرة الحفاظ)) (٤٣/١) و ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٥٠). و ((شذرات الذهب)) (٨٤/١) و(«النجوم الزاهرة)) ( ١٩٨/١ ). ٧٩٣ ينسخ كلام اللّه، وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً) (١) وهذا نص . فإن قيل : هذا من أخبار الآحاد . قيل : قد سبق الجواب عن مثل هذا في غير موضع . ولا يصح حمله على أخبار الآحاد ؛ لأن تعليل النبي عَ لِ يسقطه ، وهو قوله : ( كلام الله ينسخ بعضه بعضاً) . وأيضاً : فإنه لا يجوز نسخ الأخبار المتواترة بأخبار الآحاد ، لضعف الآحاد وقوة التواتر ، كذلك لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ؛ لأن السنة أضعف من الكتاب من وجهين : أحدهما : أن الكتاب فيه إعجاز ، والسنة لا إعجاز فيها . والكتاب في قراءته ثواب ، وليس في قراءة السنة ثواب ، فلم يصح نسخ القوي بالضعيف ، كما لم يجز نسخ الأخبار المتواترة بالآحاد والقياس . فإن قيل : هذه القوة في اللفظ ، فأما الحكم فهما متساويان فيه . قيل : الخلاف في نسخ اللفظ ونسخ الحكم واحد ، فإنه (٢) عند المخالف يجوز أن ترد السنة بنسخ تلاوة القرآن ، فيقول النبي معالله : لا لا تقرأُوا هذه الآية . فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة . (١) هذا الحديث أخرجه الدارقطني في ((سننه)) في جملة النوادر كما قال المؤلف . وذلك في ( ١٤٥/٤ )، وهو حديث هالك ؛ لأن فيه محمد بن داود القنطري ، وجبرون بن واقد ، وكل منهما متكلم فيه ، بما سبق بيانه في ترجمة كل واحد منهما . وقد حكم عليه الذهبي في كتابه («الميزان)) (٣٨٨/١) بالوضع ، حيث قال بعد أن ذكره وذكر حديثاً آخر: « تفرد به القنطري وبالذي قبله، وهما موضوعان)). (٢) في الأصل : ( فإن ) . ٧٩٤ 1 وعلى أن الحكم إذا نسخ صار اللفظ منسوخاً ، وإن كان يتلى ، فإنه يقال : هذه آية منسوخة متى كان الحكم مرتفعاً . ولأنه متى نسخ الحكم تعطل اللفظ وخرج عن كونه مفيداً ، فكما لا يجوز نسخ اللفظ بالأمر الضعيف ، لا يجوز نسخ حكمه أيضاً ، ألا ترى أنه لما لم يجز نسخ لفظ الكتاب بأخبار الآحاد ، لم يجز نسخ حكمه . فإن قيل : لو كان الاعتبار بما ذكره ، لوجب أن يجيزوا نسخ ما لا إعجاز فيه ، وهي الآية الواحدة . قيل : في الآية الواحدة إعجاز ، ولو لم يكن فيها إعجاز ، فهي من جنس المعجز ، وفيها إعجاز وثواب ، وليست السنة من جنس المعجز ، ولا في تلاوتها ثواب . فإن قيل : درس السنة وتعليم العلم [١١٥/أ] عبادة ، وفيه ثواب . قيل : يريد بذلك بعد تعلمها وحفظها ، فإن تلاوتها لا ثواب فيها، وهذا لا خلاف فيه . واحتج المخالف : بقوله تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلِنّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِم) (١) والنسخ ضرب من البيان ، كالتفسير والتخصيص. والجواب : أنه قد قيل : إن التبيين ها هنا هو التبليغ عن اللّه تعالى . وقد قيل : النسخ ليس ببيان للمنسوخ ، وإنما هو إزالة وإسقاط حكمه . وعلى أن هذا محمول على التخصيص بدليل ما ذكرنا . واحتج بأنه دليل مقطوع عليه ، فجاز النسخ به كالآية . (١) (٤٤) سورة النحل . ٧٩٥ ! والجواب : أنه يبطل بالإجماع ، فإنه بهذه الصفة ، ولا يجوز النسخ به . وعلى أنه لا يمتنع أن يتفق دليلان في هذه الصفة ، ويختلفا في النسخ ، كما أن القياس وخبر الواحد يتفقان في أن طريق كل واحد منهما غلبة الظن ، ويجوز النسخ بخبر الواحد ، ولا يجوز بالقياس ، وكذلك الإجماع والسنة يتفقان في العلم بكل واحد منهما ، ولا يجوز النسخ بالإجماع ، ويجوز بالسنة . فإن قيل : إذا أجمع أهل عصر على خلاف حكم القرآن ، حكمنا بأنه منسوخ . قيل : الإجماع لا يكون ناسخاً ؛ لأن الناسخ هو الوحي ، والإجماع لا يصح إلا بعد وفاة النبي ◌ّالترِ ، والوحي قد انقطع بعده ، ومتى وجدنا خبر الإجماع على خلافه ، تركناه بالإجماع ، ولا نقول : نسخ بالإجماع بل يستدل بالإجماع على نسخه ؛ لأنه لو كان الخبر ثابتاً لما خرج عن الأمة ؛ لأن الأمة ضبطوا الأخبار . فإن قيل: المجمعون لا يقولون : إنا ننسخه ، وإذا لم يوجد ذلك منهم، لم يتصور النسخ من جهتهم . قيل: نقول في السنة كذلك؛ لأن النسخ لا يوجد من جهة النبي ◌َّعِ ؛ لأن الله تعالى أخبر أن نسخ القرآن لا يكون من جهة النبي عَ لَّهِ . وجواب آخر وهو أن السنة المتواترة ، وإن ساوت الكتاب فيما ذكروه ، من القطع ، فهي مخالفة له في الإعجاز ، وفي حصول الثواب في قراءتها ، فلم يصح وقوع نسخه بها ، وإن ساوته في العلم والعمل ، كما لا يجوز نسخه بالإجماع ، وإن ساواه في العمل والعلم . واحتج : بأن النسخ كالتخصيص ؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص ٧٩٦ ١ ٢ الأعيان ، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان ، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز بالسنة ، كذلك النسخ . والجواب : أنه يبطل بخبر الواحد وبالقياس ، فإن التخصيص بهما [ جائز]، ولا يجوز النسخ بهما ، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص ؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ كله ، والتخصيص يبقي بعضه ، ولا يسقط [١١٥/ب] جملته ، فافترقا . واحتج : بأن النسخ إنما يقع في الحكم ، والسنة في إثبات الحكم بمنزلة الكتاب ، فصح نسخ حكمه بها . والجواب: أنا قد بيّنا أنه لا فرق عند المخالف بين نسخ الحكم وبين نسخ التلاوة . وعلى أنهما وإن تساويا في إثبات الحكم ، فهما مختلفان فيما ثبت به الحكم ، فحكم الكتاب ثبت بلفظ معجز ، وحكم السنة ثبت بلفظ غير معجز ، فلم يجز نسخ ما ثبت بأمر قوي بما ثبت بأمر ضعيف ، وإن تساوى الحكمان ، ألا ترى أنه لا يجوز نسخ حكم خبر الواحد بالقياس ؛ لقوة الخبر الواحد وضعف القياس ، وإن كان حكمهما متساوياً ، بأن طريقهما معاً غلبة الظن . واحتج : أنه إنما جاز النسخ إلى غير بدل ؛ لأننا نجوز أن يكون قد نسخ بما هو مثله أو أقوى منه ، وليس يوجب ذلك جواز النسخ إلى بدل هو أضعف منه ، ألا ترى أنه يجوز النسخ إلى غير بدل ، ولا يجوز النسخ إلى بدل هو خبر واحد أو قياس . واحتج : بأن ذلك قد ورد في الشرع ، وذلك أن الله تعالى أوجب الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ ذلك بقول النبي عظالفم: ( لا وصية لوارث ) ، وكذلك نسخ حد الزنا من الحبس والأذى بقوله عليه السلام : ٧٩٧ ( خذوا عني قد جعل الله لهن" سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) (١) . ونسخ قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ (٢) عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (٣) بقوله لما قيل له : إن (١) هذا الحديث رواه عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه مرفوعاً، أخرجه عنه مسلم في کتاب الحدود ، باب حد الزنا (١٣١٦/٣). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الحدود ، باب في الرجم (٤٥٥/٢ ). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحدود ، باب ما جاء في الرجم على الثيب ( ٤١/٤). وأخرجه عنه ابن ماجه في کتاب الحدود ، باب حد الزنا (٨٥٢/٢) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الحدود ، باب في تفسير قوله تعالى : (أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٠١/٢). وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤٧٦/٣ ) . وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الحدود باب رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه ( ٢٨٦/٢ ) . وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الحدود، باب رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه (٢٩٨/١ ). راجع في هذا الحديث أيضاً: ((ذخائر المواريث)) (٢٨٠/١)، و((نصب الراية)) (٣٢٩/٣) . (٢) القراءة في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ ) التي أثبتها المؤلف في قوله تعالى: (تَقْتُلُوهُمْ). وكررها بعد ذلك . بغير ألف في الموضعين ، وهي قراءة حمزة والكسائي . وقرأ الباقون: (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ) بالألف فيهما . راجع في هذا: ((تفسير الطبري)) (٥٦٦/٣-٥٦٩)، و((إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر)) ص (١٥٥) وحجة القراءات ص (١٢٧، ١٢٨). (٣) (١٩١) سورة البقرة. ٧٩٨ ابن خَطَل (١) متعلق بأستار الكعبة -: ( اقتلوه) (٢). والجواب : أن الوصية منسوخة بآية المواريث ، فلهذا قال عليه السلام : ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث ) . وأما حد الزنى فمنسوخ بقوله تعالى: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا (١) هو عبد الله بن خطل التميمي . أسلم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً، وكان له غلام مسلم ، وحدث مرة أن أمر غلامه أن يصنع له طعاماً ، ثم نام ، فلما استيقظ إذا بالغلام لم يعمل شيئاً ، فعدى عليه ، فقتله . ثم ارتد عن الإسلام . ولم يقف أمره على هذا ، بل اتخذ قينتين يغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما فتحت مكة رأى ابن خطل أنه هالك ، فذهب إلى الكعبة ، وتعلق بأستارها ، عله ينجو ، وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أمر بقتله ، فاشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي ، وذلك عام الفتح سنة (٨) من الهجرة . راجع: (( تاريخ الطبري)) (٣٣٥/٢)، و ((السيرة النبوية)) لابن هشام القسم الثاني ص (٤٠٩) . .(٢) هذا الحديث رواه أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في كتاب المغازي ، باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح ( ٥٪ ١٨٨ ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج ، باب جواز دخول مكة بغير إحرام ( ٢/ ٩٨٩ - ٩٩٠ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الجهاد ، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الاسلام (٥٤/٢ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في المغفر ( ٢٠٢/٤ ). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج ، باب دخول مكة بغير احرام (١٥٨/٥). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب السير ، باب كيف دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر (١٤٠/٢ ). وأخرجه عنه الإمام أحمد في «مسنده» (١٦٤/٣ ). وأخرجه عنه الإمام مالك في كتاب الحج ، باب جامع الحج ص (٢٧٣) . ٧٩٩ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَمَا مِائَةَ جَدْدَةٍ ) (١). وأما في الثيب المحصن ، فإنه منسوخ بآية الرجم التي نسخ رَسْمها . وقيل : إن آية الحبس لم تنسخ ؛ لأن النسخ : أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ، ثم يرد ما يرفع بعضه ، والآية لم ترد بالحبس على التأبيد ، وإنما وردت إلى غاية، وهو أن يجعل اللّه تعالى لهنَّ سبيلاً، فأثبت الغاية ، فوجب الحد بعد الغاية بالخبر . وقيل : إن آية الحبس (٢) وآية الأذى في الأبكار، والمراد بالأولى النساء ، والثانية الرجال ، ونسختهما جميعاً آية الحد ، فثبت ابتداءً بالسنة (٣). وأما قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (٤) منسوخ (٥) بقوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(٦). (١). (٢) سورة النور . (٢) غير واضحة في الأصل . (٣) راجع تفسير الآيتين في ((تفسير الطبري)) (٧٣/٨ - ٨٨). (٤) (١٩١) سورة البقرة . (٥) اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب قتادة والربيع إلى أنها منسوخة ، ورجحه الطبري . وذهب مجاهد إلى أنها محكمة ، فلا يجوز مقاتلة أحد في المسجد الحرام إلا في حالة اعتداء الكافرين بالقتال فيه . راجع: (( تفسير الطبري)) ( ٥٦٧/٣ - ٥٦٩). (٦) (٥) سورة التوبة . ٨٠٠ م