Indexed OCR Text
Pages 461-480
وكذلك احتج ابن عباس : في أن الأخوات لا يرثن مع البنات (١) بقوله [ تعالى]: (إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) (٢)، فلما ورّث الأخت مع عدم الولد ثبت أنها لا ترث مع وجوده ، وأقرته الصحابة على هذا الاحتجاج ، وعارضته بالسنة . وهذا احتجاج من دليل الخطاب ؛ لأن نطق الآية أفاد ثبوت الإرث مع عدم الولد ، فأما سقوطه مع وجود الولد ، فإنما أفاده الدليل . وكذلك امتنع من الرد واحتج : بقوله تعالى : ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) ، فلا يجوز أن تزاد على النصف ، والمنع من الزيادة عليه عقله من دليل الخطاب . وكذلك من قال : لا يجب الغسل من التقاء الختانين ، إذا لم يكن معه إنزال بقول النبي عَ لِ [٦١/أ]: (الماء من الماء)(٣)، وهذا احتجاج بدليل الخطاب . (١) هذا الأثر منسوب إلى ابن عباس وإلى ابن الزبير رضي الله عنهما، فإنهما كانا يقولان : إن الأخت لا ترث مع البنت شيئاً ، استدلالاً بهذه الآية . أما الجمهور : فقد ذهبوا إلى أن الأخوات مع البنات عصبة ، وإن لم يكن لهن أخ . راجع في هذا: (( تفسير ابن جرير)) (٤٤٣/٩)، و ((تفسير القرطبي)) (٦/ ٢٩)، و( تفسير القاسمي)) (١٧٧٧/٥)، و((تفسير الرازي)) (١٢١/١١). (٢) (١٧٦) سورة النساء. (٣) هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب الحيض باب الماء من الماء (٢٦٩/١). وأخرجه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب الطهارة باب في الإكسال ( ٤٩/١ ). ٤٦١ = ومن أوجب الغسل قال : هو منسوخ (١). فدل هذا على أن القول بدليل الخطاب إجماع منهم . فإن قيل على حديث يَعْلى بن أمية : أن اللّه تعالى أمر بالإتمام حال الأمن (٢) بقوله: (فَإذَا اطْمَأْنَنْتُم فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ) (٣)، وخص القصر بحل الخوف ، فكان عندهما : أن الإتمام واجب حال زوال الخوف بالآية الأخرى ، لا بدليل اللفظ . قيل : عُمر ويَعْلى رجعا إلى آية القصر دون الآية الأخرى ، فلم يصح السؤال . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء : أن الماء من الماء (١٨٤/١ )، = وقال: (( حديث حسن صحيح )) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب الذي يحتلم ولا يرى الماء (٩٦/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب الماء من الماء (١٩٩/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطهارة باب الماء من الماء (١٥٩/١). وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (١١٥/٥ - ١١٦). وقد تكلم الشيخ أحمد محمد شاكر على إسناد حديث أبي أيوب هذا ، وفصل القول فيه، وذلك في حاشيته على سنن الترمذي (١٨٤/١ - ١٨٥). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (١٣٥/١)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٦٢)، و ((نصب الراية)) (٨٠/١). (١) القول بالنسخ مذهب الجمهور . والناسخ: حديث: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) . وابن عباس رضي الله عنه تأوله: بأن الماء من الماء في الاحتلام. وقد انعقد الاجماع أخيراً على وجوب الغسل إذا التقى الختانان . هكذا نقله الحافظ ابن حجر في كتابه: ((تلخيص الحبير)) (١٣٥/١) عن القاضي ابن العربي. (٢) في الأصل : ( الأمر ) . (٣) (١٠٣) سورة النساء. ٤٦٢ فإن قيل : من قال : لا يجب الغسل بالتقاء [ الختانين ] ، يحتمل أن يكون علموا ذلك بدلالة أخرى لا بدليل اللفظ . قيل : من ذهب إلى هذا رجع إلى قول النبي : ( الماء من الماء ) فلم يصح السؤال . فإن قيل : فقوله : ( الماء من الماء ) يقتضي الاستغراق ، فلهذا دل على نفي ما عداه ، وخلافنا في تخصيص المحكوم فيه ببعض صفاته . قيل : المعروف من مذهب المخالف : أنه لا فرق بين ما دخله الألف واللام ، أو لم يدخله . وأيضاً : فإن أبا عبيد (١) قد قال في قول النبي علام: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ) (٢) دليله: أن ليَّ غير الواجد لا يحل عرضه ولا (١) هو القاسم بن سلام البغدادي ، أبو عبيد. لغوي ومحدث وفقيه . ذو دين ، وخلق حسن ، أخذ عن أبي عبيدة والكسائي والفراء وغيرهم . تولى قضاء طرسوس . له كتب كثيرة، منها: ((الغريب))، و((الأمثال)) و ((الأموال)). ولد بهراة سنة ( ١٥٠ هـ) على الأصح ، وتوفي بمكة المكرمة ، وقيل : بالمدينة المنورة سنة (٢٢٤) على الأرجح . له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) ( ٤١٧/٢ )، و (( تاريخ بغداد)) (٤٠٣/١٢)، و((شذرات الذهب)) (٥٤/٢)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٥٩/١)، و((طبقات القراء الكبار)) للذهبي (١٤١/١)، و((طبقات المفسرين)) الداودي (٣٢/٢)، و ((النجوم الزاهرة)) (٢٤١/٢). (٢) حديث صحيح رواه الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه أبو داود في كتاب الأقضية باب في الحبس في الدین وغيره ( ٢/ ٢٨١) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب مطل الغني (٢٧٨/٧). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصدقات باب الحبس في الدين والملازمة ( ٢/ = ٨١١) . ٤٦٣ عقوبته . فصرح بالقول بدليل الخطاب ، وهو أوثق من نقل اللغة عن أهلها ، فوجب المصير إلى ذلك . فإن قيل : أبو عبيد لم يحك ذلك بعينه عن العرب ، ولا يجوز أن يجعل ظاهر كلامه أنه عن العرب لكونه من أهل اللغة ؛ لأنه ممن يتكلم في الأحكام ويختار المذاهب ، فجاز أن يكون قاله من جهة الحكم ، وطلب فائدة اللفظ . وقد عارض ذلك ما ذكره الأخفش (١) في قول القائل : ما جاءني غير زيد ، أن ذلك لا يدل على مجيء زيد . قيل : أن أبا عبيد ذكر هذا في كتب اللغة ، ولم يذكره في كتب الأحكام ، والظاهر : أنه لغة العرب . وقولهم : ما ذكره عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد ؛ لأن الأخفش لم يكن من أهل اللغة ، وإنما كان له معرفة بالنحو ، وأبو عبيد إمام في اللغة ، وله غريب المصنف (٢) وغيره من الكتب في اللغة . وقد علقه البخاري في كتاب الاستقراض باب لصاحب الحق مقال (١٤٧/٣ ). = وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير)) (٤٠٠/٥). (١) هو : سعيد بن مسعدة ، أبو الحسن ، الأخفش الأوسط ، مولى بني مجاشع . سكن البصرة . ثم دخل بغداد ، وأقام بها مدة ، روى عن هشام بن عروة والنخعي وغيرهما . وعنه أبو حاتم السجستاني . كان الأخفش معتزلياً . له مصنفات كثيرة ، منها: ((معاني القرآن))، و((المقاييس في النحو)) و((الأوسط في النحو)). مات سنة (٢١٠ هـ ) وقيل غير ذلك . له ترجمة في: بغية الوعاة (٥٩٠/١)، و((شذرات الذهب)) (٣٦/٢)، و ((طبقات المفسرين)) للداودي (١٨٥/١)، و((الفهرست)) ص (٧٧) ، المطبعة التجارية، و((مرآة الجنان)) (٦١/٢). (٢) هذا الكتاب من أجود الكتب اللغوية، وأنفعها ، وقد نسبه الخطيب البغدادي في = ٤٦٤ وأيضاً : فإن أهل اللغة لا يضمون الصفة إلى الاسم، ويقيدون الاسم بها إلا للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه . يبين ذلك : أنهم لا يقولون : اشترِ عبداً أسود ، أو جارية بيضاء ، أو خبزاً سميذاً (١)، أو لحماً نيئاً أو مشوياً، ولا يقولون: ادفع هذا المال إلى بني فلان الفقراء منهم ، أو الفقهاء منهم ، وما أشبه ذلك ، إلا لتخصيص الموصوف بهذا الوصف وتمييزه ، والمخالفة (٢) بينه وبين من عداه . ومن كان عنده جميع الصفات واحدة لم يقيد خطابه بذلك ، بل يطلق (٣) الاسم إطلاقاً، ومن قيده مع [٦١/ب] تساويهما عنده كان مسقطاً في قوله ، ملغزاً في خطابه ، فوجب إذا قال صاحب الشريعة : ( في سائمة الغنم الزكاة ) أن تكون الزكاة مختصة بالسائمة ، ولا تكون واجبة في المعلوفة ، ولا يلزم على هذا الاسم المجرد إذا ضم الحكم إليه ؛ لأنا نقول فيه ما نقوله في الصفة المضمومة إلى الاسم . وقد صرح بهذا أحمد رضي الله عنه في رواية الميموني وقد سئل عن ((تاريخه)) (٤٠٤/١٢) . إلى القاسم بن سلام ، ونقل عن ابن درستويه النحوي = قوله في هذا الكتاب : ( .. وهو من أجل كتبه في اللغة ، فإنه احتذی فیه کتاب النضر بن شميل المازني الذي يسميه كتاب الصفات ، وبدأ فيه بخلق الإنسان ، ثم بخلق العرش ، ثم بالإبل فذكر صنفاً بعد صنف ، حتى أتى على جميع ذلك ، وهو أكبر من كتاب أبي عبيد ، وأجود ) . كما نسبه إليه الداودي في ((طبقات المفسرين)) (٣٥/٢). (١) في كتاب ((فقه اللغة)) للثعالبي ص (٣١٧): (سميذاً) بالذال المعجمة لون من ألوان، الخبز، والكلمة فارسية ، معربة. (٢) في الأصل : ( المخالف ) . (٣) في الأصل: ( أطلق ) . ٤٦٥ العدة في أصول الفقه - ٣٠ التيمم بالسهلاة (١) ، فقال : كيف يتيمم بهذه الأشياء ، ليست بصعيد ، ولكن يتيمم ويعيد جميع ذلك ؛ لأن اسم الصعيد لا يتناوله ، والآية تضمنت التيمم بما يسمى صعيداً بقوله : ( صعيداً ) فدل على أن غيره لا يجوز التيمم به . وكذلك قال في رواية الميموني : لا يتوضأ بماء الورد ، هذا ليس بماء ، وإنما يخرج من الورد . وأيضاً : فإن اسم الغنم عام في المعلوفة والسائمة ، فإذا ذكر الصفة معه فقال : في سائمة الغنم ، فخص الاسم ، فوجب أن يكون مقصوراً عليها ، كالحكم المعلق على الغاية ، والاستثناء إذا تعقب عدداً . وقد قال بعضهم : ينظر الحكم ، بماذا اخترل (٢) عم الحكم . فوجب أن يتضمن نفياً وإثباتاً ، كالاسم المقرون بالاستثناء والمقيد بالغاية . وأيضاً: فإن النبي عَ لِ امتدح بالاختصار بقوله الله: (أُوتِيتُ جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً ) (٣) . فإذا قلنا : إن قوله : (١) هكذا في الأصل : ولعل المراد : الأرض السِّهْلَة بكسر السين ، وهي تراب کالرمل ، يجيء به الماء . وعن الجوهري : أنها رمل خشن ، ليس بالدقاق الناعم . انظر: اللسان (٣٧١/١٣ - ٣٧٢)، مادة: ( سهل) . (٢) هكذا في الأصل ، ولم أتوصل إلى معرفة المراد . (٣) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في كتاب التعبير ، باب رؤيا الليل (٤٣/٩) بلفظ: (أعطيت مفاتيح الكلم ) . وفي باب المفاتيح في اليد بلفظ ((بعثت بيجوامع الكلم)) وأخرجه عنه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣٧١/١ - ٣٧٢) بلفظ : (أوتيت جوامع الكلم .. )، ولم يذكر: (واختصر لي الكلام اختصاراً ). وبمثل لفظ المؤلف أخرجه الدارقطني في سنته بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، في كتاب النوادر (١٤٤/٤ - ١٤٥). وفي إسناده: ((زكريا بن عطية))، قال فيه = ٤٦٦ : ( في سائمة الغنم الزكاة ) ، لم يفد ذكر السوم غير ما أفاده الإطلاق ، حملنا الكلام على الإطالة من غير فائدة ، فكان حمله على فائدة أولى . فإن قيل : فائدة تخصيص المذكور بيان الحكم فيه ، ليقف ما سواه على تعريض المجتهد لطلب الثواب . قيل : هذه الفائدة غير حاصلة من جهة اللفظ ، بل هي سابقة له ؛ لأن المجتهد معرض لطلب الثواب بالاجتهاد ، فامتنع أن يكون ورود هذا اللفظ أفاد ذلك ، ولم يبق إلا أن تكون الفائدة ما ذكرنا . واحتج المخالف : بأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى دليل على حكم من الأحكام ، ويوجد ذلك الدليل عارياً من مدلوله ، فلما وجدنا الله تعالى قد خص أشياء بذكر بعض أوصافها ، وعلق بها أحكاماً ، ولم يكن تخصيصها بها موجباً للحكم بما عداها بخلافها ، نحو قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَ دَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاق ) (١) ، فخص النهي عن ذلك بحال خشية الإملاق ، ولم يختلف النهي في الحالين . وقوله تعالى: ( فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم) (٢) ، فخص أبو حاتم: ((منكر الحديث))، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه: ((المغني في الضعفاء)) = (٢٣٩/١ ) . وكذلك أخرجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو يعلى في مسنده ، كما حكى ذلك السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٥٦٣/١) مطبوع مع شرحه ((فيض القدير))، وقد رمز له بالحسن . وقد ذكر المناوي في كتابه: ((فيض القدير)) (٥٦٣/١ )، أن البيهقي أخرجه في ((الشعب)) عن عمر بن الخطاب أيضاً . (١) (٣١) سورة الإسراء. (٢) (٣٦) سورة التوبة . ٤٦٧ النهي عن الظلم لهذه الأشهر ، ثم كان الظلم منهياً عنه في سائر الشهور . وقوله : (إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَاهَا) (١) ، وهو عليه السلام منذر البشر . وقوله : (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً)(٢). علمنا : أن تخصيص الشيء ببعض [٦٢/أ] أو صافه وإيجاب الحكم فيه لا يدل على أن ماعداه حكمه بخلافه . والجواب : أن دليل الخطاب سقط في هذه المواضع لقيام الدلالة عليه . ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعاً في الأصل على ما اعتبرناه ، كما أن قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس ، لا يدل على أنه غير موضوع في الأصل للاستغراق ، نحو قوله تعالى: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)(٣)، ومعلوم أنها لم تؤت مثل فرْج الرجل . وقوله : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٤)، ومعلوم أنه لم يخلق نفسه سبحانه . وقوله : ( تُدَمَّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرٍ رَبها ) (٥) ، ومعلوم أنها لم تدمر السموات والأرض . فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب ، كان لأصحاب (١) (٤٥) سورة النازعات. (٢) (١٣٠) سورة آل عمران. وكلمة ((الربا)) ساقطة من الأصل. (٣) (٢٣) سورة النمل. (٤) (١٠٢) سورة الأنعام . (٥) (٢٥) سورة الأحقاف. ٤٦٨ الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع . فإن قيل : العموم لا يجوز وجوده عارياً عن إيجاب حكم ، وها هنا يوجد عارياً عن إيجاب حكم . قيل : بالقياس يوجد عارياً عن إيجاب حكم ، وهو إن عارضه نص ، ومع هذا لم يدل ذلك على أنه ليس بحجة . واحتج : بأن ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه : اللغة دون غيرها . وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو بالنقل ، ولا يجوز أن يكون بالعقل ؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة ، ولا يجوز أن يكون بالنقل لأنه لا يخلو : إما أن يكون متواتراً أو آحاداً ، ولا يجوز أن يكون تواتراً ؛ لأنه لو نقل ذلك من طريق التواتر لعلمنا ؛ لأنه لا يجوز أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر ، ولا يجوز أن يكون آحاداً ؛ لأن هذه المسألة من مسائل الأصول ، ولا يجوز إثباتها بخبر الواحد الذي لا يوجب العلم . ے والجواب : أنا أثبتناه بالنقل الذي قامت الحجة به ، كما يستدل المخالف على إثبات العمل بخبر الواحد وبالإجماع بنقلٍ ليس بمتواتر ، لقيام الحجة عنده بصحته . وأثبتناه أيضاً بالعقل . وقول المخالف : إن العقل لا مدخل له في إثباته : ليس بصحيح ؛ لأن له مدخلاً في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم وموضوعاتهم ، وقد استدللنا بذلك على ما تقدم بيانه . واحتج : بأنه لو كان يدل على المخالفة لم يجز أن يصرح بالتسوية بينهما ، فلما جاز أن يقول : في سائمة الغنم وفي معلوفتها زكاة ، دل على أن تخصيص السائمة بالذكر لا يدل على المخالفة ؛ لأنه لو دل على المخالفة لكان ذلك متناقضاً . ٤٦٩ والجواب: أن هذا باطل ((بالغاية))؛ فإنها تدل على خلاف ما قبلها وإن جاز الجمع بينهما نحو قوله : وأيديكم إلى المرافق واغسلوا ما بعد المرافق . وكذلك صيغة العموم تدل على الاستغراق ، وإن جاز أن يقترن بها [٦٢/ب] دليل الاستثناء، فتقول: اقتلوا المشركين إلا زيداً، ولا يكون هذا مناقضاً للفظ . وجواب آخر : وهو أنه لا يمتنع أن يختلف حكم الاتصال والانفصال ، فيجوز الجمع بينهما باللفظ المتصل، ولا (١) يجمع بينهما في المنقطع ، ألا ترى أنه لو قال : ( لاَ إلهَ )، وسكت ، حكم بكفره ، ولو وصل ذلك بقوله : ( إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)(٢)، لم يكفر (٣)، وكذلك لو قال لغير مدخول بها : أنت طالق ، وسكت ، طَلُقت ، ولو قال : إن دخلت الدار ، لم تطلُق قبل وجود الصفة ، كذلك ها هنا . واحتج : بأن المسموع إيجاب الزكاة في السائمة ، ولم يسمع في المعلوفة ذكر حكمي ، فوجب التوقف ، كما أن أصل الأحكام قبل أن يرد السمع على الوقف . والجواب : أن قبل النطق لم يسمع للمعلوفة حكم بنفي ولا إثبات ، وبعد النطق قد علم حكم بعضها سمعاً وبعضها مفهوماً من السمع من الوجه الذي بينا . يبين صحة هذا : أن الشرع قد يفهم من حكم اللفظ ، كما يفهم (١) في الأصل: ( فلا ). (٢) (٩٠) سورة يونس. (٣) في الأصل: ( لم يكف)، والصواب ما أثبتناه بدلالة السياق . . ٤٧٠ بالنطق ، ألا ترى أن الوجوب معقول من الأمر ، وليس لفظ الوجوب مسموعاً ، وكذلك حكم التعريض معقول ، وإن لم ينطق به ، كقول القائل : ما أنا بزان ، ولا أمي يزانية ، في الخصومة ، وكذلك قوله : ( وَلَكِنِ لاَ تُوَاعِدُوهُنّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفً)(١)، وقوله : (فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفَّ ) (٢) معقول أن لا يضربهما . واحتج : بأنه لو كان تعليقه على صفة يدل على ضد حكمها لم يوضع له عبارة تدل عليه ، ولما جاز أن يقول : في السائمة الزكاة ولا زكاة في المعلوفة ، علم أن ذلك مأخوذ مما وضع له . والجواب : أن نفي الزكاة في المعلوفة يحصل بالدليل ، والنطق يؤكد ، كما يقول: اقتلوا المشركين أجمعين، ولو لم يقل ((أجمعين))، لوجب قتل الجميع كذلك ها هنا . واحتج : بأنه لو كان للخطاب دليل لوجب أن يبطل حكم الخطاب ويبقى حكم الدليل ، كما جاز (٣) أن يبطل حكم الدليل ويبقى حكم الخطاب، وهذا مثل قوله عزالتمٍ : أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) (٤)، دليله : أنها إذا أُذِنت أن (١) (٢٣٥) سورة البقرة، والآية في الأصل: ( ولا تواعدوهن ... ) وهو خطأ . (٢) (٢٣) سورة الاسراء. (٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( كما وجب ) بدليل السياق. (٤) هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرفوعاً . أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي كما أخرجه الإمام أحمد والدارمي والدار قطني والطيالسي والحاكم والطحاوي ، وكلهم أخرجه في كتاب النكاح إلا الإمام أحمد ، فأبو داود في باب الولي (٤٨٠/١ - ٤٨١)، والترمذي في باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣٩٨/٣ - ٣٩٩)، وقال: ((حديث حسن))، وابن ماجه في باب لا نكاح إلا بولي (٦٠٥/١)، والإمام أحمد في مسنده (٤٧/٦)، والدارمي في= ٤٧١ يصح (١)، وعندكم: لا يصح ، فيبطل حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب . وكذلك : قوله ( لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ) ، دليله : أن الثالثة تحرم ، وعندكم : لا تحرم ، فسقط حكم الدليل ، ويبقى حكم الخطاب ، ولهذا نظائر . والجواب : أنه لا يمتنع أن نقول : يبطل حكم الخطاب ، ويبقى حكم الدليل ؛ لأن النطق ودليله يجريان مجرى نطقين ، فيجوز أن يسقط أحدهما ويبقى حكم الآخر . وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في [٦٣/أ] رواية محمد بن العباس وقد سئل عن الرضاع فقال: ((عن النبي ◌ْ له: ( لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان )، فأرى أن الثالثة تحرم ))، فأسقط الخطاب في الرضعتين ، وبقي حكم الدليل في الثالثة . باب النهي عن النكاح بغير ولي (٦٢/٢)، والدار قطني (٢٢١/٣)، والطيالسي = في باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، وما جاء في العضل (٣٠٥/١)، والحاكم في باب ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) (١٦٨/٢)، وقال: ((هذا حديث صحح على شرح الشيخين، ولم يخرجاه))، والطحاوي في باب النكاح بغير ولي عصبة (٧/٣) من كتابه: ((شرح معاني الآثار.)) . وقد حكى الزيلعي في ((نصب الراية)) ( ١٨٤/٣ - ١٨٥ )، أن ابن حبان رواه في (صحيحه))، كما رواه ابن عدي في ((كامله))، وتكلم عليه ابن الجوزي في ((التحقيق))، وابن عبد الهادي في ((التنقيح وراجع بالإضافة إلى ما سبق: ((تلخيص الحبير)) (١٥٦/٣ - ١٥٧) و ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٣٩)، و ((التعليق المغني على الدار قطني)) لمحمد شمس الحق عظيم آبادي (٢٢١/٣). (١) دليل الخطاب بعبارة أوضح : أن المرأة إذا نكحت نفسها بإذن وليها فنكاحها صحيح . ٤٧٢ قال أبو بكر بن فورك : وهذا [ هو ] الصحيح . ويحتمل : أن الدليل يسقط ، ويبقى حكم اللفظ ؛ لأن الدليل فرع النطق ونتيجته ، فلا يصح ثبوت الفرع مع إسقاط الأصل ، وهذا هو الأشبه ، ويفارق هذا النطقين ؛ لأن كل واحد منهما ليس بأصل للآخر . واحتج : بأنه لو كان للخطاب دليل لوجب أن يكون ضد النطق فقط ، لا يكون ضداً لغيره ، مثل قوله : ( في سائمة الغنم الزكاة ) ، كان يجب أن يكون دليله : أن غير سائمة الغنم لا زكاة فيها ، وقد قلتم : إن دليله في غير السائمة من الإبل والبقر [ و] اللفظ لم يتناول ذلك. والجواب : أنه قد قيل : إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم فحسب ؛ لأن الدليل ما كان مضاداً للنطق ، فيتعلق به ضد ما تعلق بالنطق ، ونطقه أفاد ثبوت الزكاة في الغنم حسبُ ، فيجب أن يكون دليله سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم حسبُ . وقيل : إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله ، وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث (١) ؛ لأنه ذكر له حديث بَهْز بن حكيم (٢) عن أبيه عن جده عن النبي عَ لّهِ: (في كل (١) هو : إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت . من كبار أصحاب الإمام أحمد وقد كان من المكرمين عنده . نقل عن أحمد كثيراً من المسائل ، بلغت أربعة أجزاء . له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) (٩٤/١ ). (٢) هو : بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة ، أبو عبد الملك القشيري البصري . روی عن أبيه وعن زرارة بن أوفى ، وعنه سفيان ويحيى القطان وغيرهما . اختلف فيه: فوثقه ابن معين وابن المديني والنسائي. وقال أبو داود: ((أحاديثه صحاح)). وقال أبو حاتم: ((هو شيخ ، يكتب حديثه، ولا يحتج به )) . وقال فيه الذهبي : ((صدوق، فيه لين)) والحق أنه حسن الحديث كما ذهب إليه غير واحد من المحققين .= ٤٧٣ إبل سائمة ) (١) ، هل يدخل في هذا أنه لا يكون إلا في السائمة ، ولا يكون في العوامل زكاة ؟ فقال : أجل ، لا يكون في العوامل زكاة، ولا يكون إلا في السائمة . فعم سقوط الزكاة في غير السائمة من سائر الحيوان باللفظ المنصوص عليه في الإبل . قال ابن فورك : هو الظاهر (٢)؛ وذلك لأن السوم يجري مجرى العلة في تعلق الحكم به ، فوجب كذلك حيث وجد ، وعدمه حيث عدم كالشرط المعلق عليه الحكم . ويلزم هذا القائل : أن يقول : ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيه من الحيوان وغيره ، حتى لو استدل به على أن الزيتون لا زكاة فيه كذلك ، جاز، لأنه ليس بغنم سائمة. وقد لا يلزمه ذلك؛ لأن النطق اقتضى إيجاب الزكاة فيما فيه السوم ، فاقتضى إسقاطه فيما لا سوم فيه مما يدخله السوم . واحتج : بأنه لو كان دليل الخطاب حجة في الإثبات لكان حجة في النفي . والجواب : أنه حجة في النفي ، كما هو حجة في الإثبات ، ولا له ترجمة في: ((الجرح والتعديل)) (٤٣٠/٢ - ٤٣١)، و((المغنى في الضعفاء)) (١١٦/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٣٥٣/١). (١) هذا الحديث أخرجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (٣٦٣/١)، وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزكاة باب سقوط الزكاة عن الإبل ( ١٧/٥)، وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الزكاة باب ليس في عوامل الإبل صدقة ( ٣٣٣/١). کما أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده في ( ٢/٥) وسنده حسن . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣١١). (٢) في الأصل : ( طر ) . ٤٧٤ فرق بين قوله: ((القطع في ربع دينار))، وبين قوله: ((لا قطع إلا في ربع دينار)) . وقد قال أحمد رحمه الله: قوله: ((لا وصية [٦٣/ب ] لوارث)) دليل على أنها تصح لغير وارث . فصل (١) والدلالة على أنه إذا كان معلقاً باسم دل على أن ما عداه بخلافه : أن (٢) الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره ، كما أن الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره ، فإذا قال : إدفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو ، واشترٍ لي شاةً أو جملاً ، وما أشبه ذلك ، لم يجز العدول عنه ، وكانت التسمية للتميز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء ، ثم لو علق الحكم على صفة دل [ على ] أن ما عداه بخلافه ، كذلك إذا علقه بالاسم . فإن قيل : الاسم لا يجوز أن يكون علة للحكم ، والصفة يجوز أن تكون علة . قيل : يجوز أن يكون الاسم علة كالصفة . وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني: يتوضأ بماء الباقلاً، وماء الحمص ؛ لأنه ماء ، وإنما أضفته إلى شيء لم يفسده ، وإنما غير لونه . فقد جعل العلة في جواز الوضوء به : وقوع اسم الماء عليه . فإن قيل : لو قال : أوجبت الزكاة في الغنم ، وأوجبتها في البقر ، لم (١) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (٣٥٢ - ٣٥٣)، و « شرح الكوكب المنير)) ص (٢٤٩ - ٢٥٠)، و((نزهة الخاطر)) لابن بدران (٢٢٤/٢ - ٢٢٥). (٢) ( أن ) مكررة في الأصل . ٤٧٥ 1 يتنافيا (١) ذلك، ولو قال : في سائمة الغنم وفي المعلوفة زكاة تنافيا ، وسقط أن يكون الحكم متعلقاً بصفة السوم أو بصفة العلف ، وصار الوجوب متعلقاً (٢) باسم الغنم فحسب . ولأنهم يسمون كل واحد من الجماعة باسم مع تساويهم في الحكم ، فيقولون : أعط زيداً وعمراً وخالداً وبكراً ، واشتر لحماً وتمراً ، ولا يضمون صفة إلى اسم ، والموصوف بالصفة وبضدها سواء عندهم في الحكم ، فلا يقولون : إدفع إلى رجل فقير أو إلى رجل غني ، والفقير والغني سواء عندهم (٣). قيل : لا فرق بينهما ، وذلك أنهم يضمون صفة الى اسم الموصوف ، كما يضمون اسماً إلى اسم ، فيقولون : إعط الفقراء والأغنياء . وعلى أن هذا باطل ؛ ((- الغاية))، فإن ما بعدها (٤) مخالف لما قبلها ، وإن كان يجوز الجمع بين ما بعد الغاية وما قبلها ، فيقول : اغسلوا أيديكم إلى المرافق، واغسلوا ما فوق المرافق، كذلك لا يمتنع في الحكم إذا علق باسم يجوز الجمع بينه وبين ضده ، ومع هذا إطلاقه يدل على خلافه . فإن قيل: لو قال: زيد أَكَلَ ، لم يدل على أن غيره لم يأكل ، ألا ترى أنه لو أفاد ذلك لما حسن أن يخبر من بعد . أن عمراً أَكَلَ ؛ لأنه يكون متناقضاً (٥) في كلامه ، وكذلك لو قال : جاء زيد الطويل ، دل على أن ما عداه بخلافه ؛ لأن هذه زيادة صفة . قيل : لا نسلم هذا ، بل نقول : قوله : زيد أَكَلَ ، يدل على أن (١) في الأصل : ( يتنافا ) . (٢) في الأصل ( منطلقاً ). (٣) في الأصل: ( عنده)، والصواب ما أثبتناه ؛ لعود الضمير على جمع . (٤) في الأصل: (بعده) ، والصواب ما أثبتناه ، لعود الضمير على مؤنث . (٥) في الأصل : ( مناقضاً ). ٤٧٦ غيره لم يأكل ، ثم هذا باطل بالصفة ، فإنه لو قال : السائمة أكلت ، وجاءت السائمة ، لم يدل ذلك على أن المعلوفة لم تأكل ولم تجىء ، ومع هذا تعليق الحكم بها يدل على خلافها . وما ذكروه من أنه يحسن أن يخبر [٦٤/أ] بعد ذلك أن عمراً قد أكل ، فإنه يبطل بالصفة ، فإنه يصح أن يخبر (١) [ أن في ] السائمة زكاة ، ويخبر بعد ذلك في المعلوفة . فإن قيل : استعمال دليل الخطاب في الاسم يسد باب القياس ؛ لأنه إذا قال: لا تبيعوا البر بالبر، يجب أن لا يقاس الأرز عليه ؛ لأن تخصيص البر بالذكر يوجب إباحة التفاضل في غيره ، فلما كان مانعاً من القياس الثابت وجب اطراحه . قيل : هذا لا يصح لوجوه : أحدها : أن الكلام في هذه المسألة في أصل اللغة ، وهل للخطاب دليل أم لا ؟ والقياس حكم شرعي ، فكان يجب أن يثبت له دليل في أصل اللغة وإن منع منه الشرع . وعلى أن هذا يبطل بالصفة ، فإنه يمنع القياس فيما عداها ، كذلك الاسم يمنع القياس فيما عداه ، ولا فرق بينهما . وعلى أنه كان يجب استعماله ما لم يعترض(٢) على معنى اللفظ فإذا اعترض (٣) عليه سقط ، كما استعملنا الدليل ما لم يعارض التنبيه ، نحو قوله : ( فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفَّ) (٤) دليله : أن غير التأفيف يجوز، لكن لما كان ذلك يسقط معنى اللفظ سقط . (١) في الأصل : ( غير ) . (٢) في الأصل. ( يعرض ). (٣) في الاصل : (أعرض ). (٤) (٢٣) سورة الاسراء ، والآية في الأصل: (ولا تقل ... ) بالواو ، وهو خطأ . ٤٧٧ فصل (١) أفعال النبي مماترٍ لها دليل وقد قال أحمد رحمه اللّه في رواية حنبل : لا يصلى على القبر بعد شهر، على ما فعل النبي عَ لِ على قبر أم سعد (٢) بعد شهر (٣). فجعل صلاته بعد شهر دليلاً على المنع فيما زاد عليه ، لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي الإيجاب ، ويخصص به (٤) العموم . (٥) فصل (٥) قوله عليه السلام : ( إنما الولاء لمن أعتق ) ، يقتضي نطقه : إثبات (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٥٣)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٠ ) . (٢) هي : كبشة بنت رافع بن عبيد ، أم سعد بن معاذ الخزرجية . صحابية . عاشت إلى أن توفي ابنها سعد بن معاذ .. لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩٠٦/٤)، و((الإصابة)» القسم الثامن ص (٩١)، طبعة دار نهضة مصر. (٣) هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن الميت (٤٨/٤ - ٤٩ )، عن ابن عباس رضي الله عنه موصولاً وفي إسناده ( سويد بن سعيد ) ، متكلم فيه . وأخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلاً في الموضع السابق ، وقال : ( وهو مرسل صحيح ) ، كما قال : ( والمشهور عن قتادة عن ابن المسيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرسلاً ) . ووافقه ابن حجر على ذلك في كتابه: ((تلخيص الحبير)) ( ١٢٥/٢)، وأخرجه مرسلاً الترمذي في كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الصلاة على القبر (٣٤٧/٣). (٤) في الأصل : ( بها ) . (٥) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٥٤)، و (( شرح الكوكب المنير )) ص (٢٥٠ - ٢٥٢)، و((روضة الناظر)) ص (١٤٣). ٤٧٨ 1 الولاء للمعتق ، وانتقاء الولاء لغير المعتق مستفاد من ناحية الدليل (١) وقال قوم : النطق أفاد الأمرين معاً (٢)، وهو اختيار أبي عبدالله الجرجاني ؛ لأنه ذكر هذا الخبر وقال : قد قيل : إن ذلك يدل على نفي غيره ، قال : وهو قول محتمل ؛ لأنه يستعمل على وجه التأكيد للمذكور وتحقيقه، مثل قوله : ( إنَّما اللّهُ إلهٌ وَاحِدٌ) (٣). ولأنه يشبه الاستثناء من الجملة ؛ لأن هذه إنما يستحق الإلهية إله واحد ، وإنما الولاء يستحقه الذي يعتق، فأشبه (٤) النفي والإثبات في الأشياء (٥) . دليلنا : إن قوله : ( إنما الولاء لمن أعتق ) ، إنما فيه الولاء للمعتق فحسب ، وأما النفي فليس في اللفظ ما يقتضيه ، فلم يجز أن يدعي انتفاء الولاء من نفس اللفظ ، وإنما هو مستفاد من الدليل ، فلا يشبه هذا قوله : ( لا صلاة إلا بطهور ) . (١) وبهذا قال ابن عقيل والحلواني من الحنابلة . انظر المراجع السابق ذكرها . (٢) وبهذا قال أبو الخطاب والموفق ابن قدامة من الحنابلة . انظر المراجع السابق ذكرها . (٣) (١٧١) سورة النساء . (٤) في الأصل : ( فنبه ) . (٥) هناك رأي ثالث في المسألة، لم يذكره المؤلف، وهو: أن (إنما ) لا تفيد الحصر نطقاً ولا فهماً ، وإنما تؤكد الإثبات ، وبه قال أكثر الحنفية واختاره الآمدي والطوفي ، وإليه مال أبو حيان .. راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (٩١/٣)، و ((شرح الكوكب المنير)): ص (٢٥١)، و((فواتح الرحموت على مسلم الثبوت)) (٤٣٤/١). ٤٧٩ 1 ولأن في اللفظ نفياً وإثباتاً ، فحكم بأن الأمرين معاً استفيدا من نفس اللفظ . وما ذكروه من انها تستعمل على وجه التأكيد للمذكور [٦٤/ب] وتحقيقه ، فهو كما قال ، إلا أن المذكور هو إثبات الولاء للمعتق ، فأما نفيه عن غير المعتق فغير مذكور . وقوله : يشبه الاستثناء من الجملة ، دعوى . فصل (١) مفهوم الخطاب والتنبيه واحد وهو مثل قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدَّهٍ إلَيْكَ) (٢)، نبه على أنه إذا أمن (٣) بدينار أدّاه. وكذلك قوله تعالى: ( فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفّ ) (٤)، نبه على المنع من الضرب وهذا مستفاد من فحوى الخطاب ومفهومه ، لا من نطقه . وقد احتج أحمد بمثل هذا في مسائله فقال رحمه اللّه في رواية أحمد ابن سعيد (٥): لا شفعة لذمي، واحتج بقول النبي معَ اللّه: (إذا لقيتموهم (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٤٦ - ٣٤٧)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٤٠ - ٢٤١). و ((روضة الناظر)) ص (١٣٨). (٢) (٧٥) سورة آل عمران . والآية في الأصل: (ومنهم من إن تأمنه .. ) ، وقد صوب الناسخ الآية في الهامش بما هو ثابت في المصحف الكريم . (٣) في الأصل : ( أمر ). (٤) (٢٣) سورة الاسراء ، والآية في الأصل: ( ولا تقل ... ) بالواو ، وهو خطأ . (٥) في ((طبقات الحنابلة)) (٤٥/١ - ٤٦)، ثلاثة بهذا الإسم. فالأول : أبو العباس اللحياني، والثاني : أبو عبد الله الرباطي، والثالث: أبو جعفر الدارمي، وكلهم = ٤٨٠