Indexed OCR Text
Pages 421-440
ويقضي دينه (١) ؛ لأنه يتوصل بذلك إلى أداء الواجب (٢). مسألة (٣) [ هل تتوقف أوامر الله لعباده على المصلحة ] الأمر لا يقف على المصلحة . وقد يجوز أن يأمر بما لا مصلحة للمأمور فيه ولكن التكليف منه إنما يقع على وجه المصلحة . خلافاً للمعتزلة في قولهم : يقف على المصلحة (٤) . والكلام في ذلك مبني على أصول : أحدها : أنه يجوز أن يأمر بما لا يريد ، وما لا يريده لا مصلحة فيه . وقد دل على هذا الأصل : أمره لابراهيم بذبح ولده ، ولم يرد وجوده منه ؛ لأنه نهاه عن فعله ، وفداه بالكبش . الأصل الثاني : أنه لا يجب عليه فعل الأصلح في خلقه ، وإذا لم يجب عليه ذلك لم يقف أمره على المصلحة ؛ لأنها غير واجبة عليه . وقد دل على هذا الأصل : أنه لو وجب عليه فعل الأصلح ، لم يستحق (١) هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. والرواية الأخرى : أنه لا يجبر على التكسب . انظر: ((المغني)) لابن قدامة ( ٤٠٠/٤ - ٤٠١ ) . (٢) لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى الاختلاف في المسألة، ولا دليل المخالف ، كما هي عادته ، وإنما اكتفى بذكر اعتراض للمخالف مع الرد عليه . (٣) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٦٣ - ٦٥)، وشرح ((الكوكب المنير)) ص (٩٦) . (٤) راجع في هذا ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٧٨/١ - ١٧٩). ٤٢١ الثناء والمدح ؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله ، ولمّا أجمعنا على أنه يستحق ذلك ، علم أنه لا يجب عليه ذلك ، وإنما يفعله تفضلاً . والأصل الثالث : أن من قال : يقف الأمر على المصلحة بناه على أصل ، وهو : أنه يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه . ونحن نبينه على هذا الأصل، وأن (١) العقل لا يقبح ولا يحسن (٢) ، وإذا لم يدل ذلك لم يقف على المصلحة ؛ إذ ليس هناك ما يمنع من ضد المصلحة . وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى : ( وَمَا كنّا معَذَّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (٣) فأخبر أنهم آمنون من العذاب قبل بعثة الرسل إليهم ، فعلم أن اللّه تعالى لم يوجب على العقلاء شيئاً من جهة العقل ، بل أوجب ذلك عند مجيء الرسل . وقوله تعالى: ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكَوَنَ (١) هكذا في الأصل : ( وأن) والإتيان بالواو هنا تعبير درج عليه المؤلف، وإلا فالكلام لا يستقيم إلا بحذفها . (٢) كون العقل لا يقبح ، ولا يحسن ، ولا يوجب ، ولا يحرم ، قول الإمام أحمد وأكثر الأصحاب ، ومن أقوال الإمام أحمد في هذا ، ( ليس في السنة قياس ، ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقل ، وإنما هو الاتباع ) . وقد ذهب بعض الحنابلة إلى أن العقل يقبح ، ويحسن ، ويوجب ، ويحرم ، منهم : أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب وابن القيم . ونقل عن الشيخ تقي الدين قوله : ( الحسن والقبح ثابتان ، والإيجاب والتحريم بالخطاب ، والتعذيب متوقف على الإرسال ) . راجع: (( شرح الكوكب المنير)) ص (٩٦). (٣) (١٥) سورة الاسراء. ٤٢٢ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) (١)؛ فلو كان العقل حجة عليهم ، لما قال: ( لِثَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرَّسُل) بل كان الواجب [٥٥/ب] أن يقول: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد العقل ، ولما لم يقل هذا ثبت أن العقل لا تأثير له في ذلك . ويدل على هذه المسألة من غير بناء على أصل : أن اللّه تعالى أمر إبراهيم بالذبح ومنعه منه قبل وقوع الفعل ، فلو كان أمره بالذبح مصلحة لم ينهه عن فعله قبل فعله ، فلما نهاه عنه علمنا أنه لم يكن له مصلحة في ذلك الأمر . ويدل عليه أيضاً : اتفاق الجميع على أنه قد يأمر من قد سبق في علمه أنه لا يفعل ما أُمر به ، كأمره للكفار بالإيمان ، وقد علم أنهم لا يؤمنون ، ومعلوم أنه لا مصلحة لهم في هذا الأمر ؛ لأن تركه لا يوجب عليهم مأثماً ، لأنه لا يوجد من جهتهم مخالفة ، وبالأمر يحصل منهم مخالفة ، فيستحقوا على ذلك العذاب ، فكان ترك الأمر أنفع لهم منه . وجرى هذا مجرى من علم من حاله أنه متى دفع إليه سيفاً يقاتل به ، قتل به نفسه ، فإن المصلحة له أن لا يعطيه شيئاً ، وكذلك من علم من حاله أنه متى سافر قطع عليه وقتل ، ولم يصل إلى ربح ، كان الأصلح له ترك ذلك . وهذه طريقة جيدة على هذه المسألة (٢) . (١) (١٦٥) سورة النساء. (٢) في ((المسودة)) ص: (٦٤) تحرير لمحل النزاع، حيث جاء فيها : ( ... وذلك أن عندنا للأمر بالشيء لمصلحة ثلاث جهات : أحدها : نفس الأمر بقيد الاعتقاد والعزم . وثانيها : الفعل من حيث هو مأمور به تعبداً وابتلاءً وامتحاناً . وثالثها : نفس الفعل بما اشتمل عليه من المصلحة . والمعتزلة تنكر القسمين الأولين . ٤٢٣ ---- -- وقد ذكر بعضهم طريقة في هذا فقال : قد أمر الله تعالى بالدعاء ولا مصلحة في ذلك على قول المخالف ؛ لأن الداعي إن كان عاصياً لم ينفعه دعاؤه ؛ لأنه قد استحق الخلود في النار ، وإن كان طائعاً لم ينفعه دعاؤه ؛ لأنه قد استحق الثواب الدائم بالطاعة . وهذه طريقة لينة ؛ لأن الأمر بالدعاء يفيد على قولهم زيادة في الآخرة ، كما أن تكليفه عبادة بعد عبادة يفيد زيادة في الآخرة . وبناء المخالف الكلام في هذه المسألة على الأصول التي ذكرناها . والكلام معه في تلك الأصول . سؤال إن قيل : هل يجوز أن يقول : افعل ما أردته منك إن لم أكرهه ؟ قيل : لا يجوز ؛ لأنه قد قام الدليل على قدم إرادته ، وكونه لم يزل مريداً لما أراده ، واستحالة كونه كارهاً له بعد إرادته ، فلم يجز اشتراط ذلك ، ذكر هذا السؤال أبو بكر ، ومنع منه (١) . فعلى هذا يجوز أن يأمر بفعل لا مصلحة فيه ، بل في الأمر والتكليف به . = الثاني : أنه يجوز أن يأمر العبد بما لا مصلحة فيه ، على تقدير المخالفة فتكون المصلحة في الفعل لو وقع ، لا مصلحة للعبد في نفس تكليفه ، كالأمر بالإيمان ، وهذا مما لا يختلف أهل الشرائع فيه . الثالث : أنه يجوز أن يأمر بما لا مصلحة فيه على تقدير الموافقة ، بمعنى : أن العبد لو فعل المأمور به لم تكن له فيه مصلحة ، فهذا جائز لله ؛ لأنه يفعل ما يشاء ، ويحكم بما يريد ، خلافاً للمعتزلة ( في قولهم ) : هو غير جائز له .. ). (١) الحقيقة أن هذه المسألة من المسائل العويصة، ولكن المؤلف - رحمه الله - رسم الخطوط العريضة لها . وبقي عليه مسألة ، لم يتعرض لها ، وهي : جواز وقوع الأوامر لغير مصلحة ، فنفاه الأكثرون من السلف والخلف . وذهبت طائفة إلى جواز خلو المشروعات عن المصالح ، وهؤلاء على طرفي نقيض مع المعتزلة . راجع ((المسودة)) ص (٦٤ - ٦٥ ). ٤٢٤ باب النواهي مسألة (١) [ صيغة النهي ] للنهي صيغة مبنية تدل بمجردها عليه ، وهو قول القائل لمن دونه : لا تفعل ، كالأمر سواء . نص عليه الإمام رضي الله في رواية عبد الله فقال: ما نهى النبي مع اله عنه ، فمنه أشياء حرام ، مثل نهيه أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها(٢) ، (١) راجع هذه المسألة: في كتاب ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة ( ٤٧/ب ) ، و ((المسودة)) ص (٨٠) . (٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها عن جابر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما (١٥/٧ ). وأخرجه مسلم في كتاب النكاح ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح عن أبي هريرة رضي الله عنه (١٠٢٩/٢ - ١٠٣٠). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب النكاح ، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (٤٧٦/١ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها = ٤٢٥ ونهى عن جلود السباع أن تفترش (١) ، فهذا حرام . ومنه أشياء نهي عنها نهي أدب . خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون [٥٦/أ] نهياً لصيغته، وإنما يكون نهياً بإرادة الناهي كراهية المنهى عنه . وخلافاً للأشعرية في قولهم : لا صيغة له ، وإنما هو معنى قائم في النفس . والكلام في هذا كالكلام في الأمر سواء ، وقد دللنا بما فيه كفاية . ويدل عليه أيضاً إجماع الصحابة ، فإنهم كانوا يرجعون إلى ظواهر النواهي في ترك الشيء . ولا على خالتها (٤٢٤/٣). = وأخرجه عنه النسائي في كتاب النكاح ، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها (٨٠/٦ - ٨١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ( ٦٢١/١ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في أبواب الأنكحة المنهي عنها ، باب تحريم الجمع بين المحارم ( ٣٠٨/١ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٦٩/٣ - ١٧٠). (١) هذا الحديث رواه أبو المليح عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعاً أخرجه عنه الترمذي في كتاب اللباس ، باب ما جاء في النهي عن جلود السباع (٢٤١/٤) ، . بمثل لفظ المؤلف مرة ، ومرة لم يذكر قوله : ( أن تفترش) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الفرع والعتيرة ، باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع ( ١٥٦/٧ ) . والحديث روي مسنداً ومرسلاً ، والمرسل أصح كما قال الترمذي فيما سبق ، والمناوي في: ((فيض القدير)) (٣٢٨/٦). ٤٢٦ من ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه : كنا نخابر أربعين عاماً ، لا نرى بذلك بأساً ، حتى أتانا رافع فقال: نهى رسول اللّه ◌َ الله عن المخابرة، فانتهينا بقول رافع (١) . وغير ذلك من الظواهر . ولأن السيد إذا قال لعبده : لا تفعل كذا ، ففعل صلح أن يعاقبه عليه . وقد ورد لفظ (( لا تفعل)) في القرآن على وجوه : منها : ما ورد على وجه الرغبة والسؤال، مثل قوله: (لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) (٢). ومنها : ما ورد بلفظ التقرير مثل قوله : ( إنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي) (٣). وقد ورد على وجه التحذير ، مثل قول القائل لعبده : الآن قد أمرتك ، لا تفعل (٤). : وورد على وجه الاستقلال ، مثل أن يقول : لا تكلمني ، فإنك لست بأهل للكلام (٥) ولا موضعاً له . ويرد لتسكين النفس مثل قوله : ( فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُم) (٦). ويرد على وجه الأمان من الخوف ، مثل قوله تعالى : (لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ) (٧) . (١) هذا الحديث سبق تخريجه . (٢) (٢٨٦) سورة البقرة . (٣) (٧٦) سورة الكهف . (٤) في الأصل : ( فلا تفعل ) ، والتصويب من الناسخ في هامش الأصل نقلاً عن ابن حمدان . (٥) في الأصل : الكلام . (٦) (٧٦) سورة يس . (٧) (٧) سورة التحريم. ٤٢٧ وورد للعظة، مثل قوله تعالى : ( لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) (١)، ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم) (٢)، (وَلاَ تَقْرَبُوا الزَّنَى) (٣)، (لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً ) (٤). مسألة (٥) [ النهي المطلق يقتضي الفور والتكرار ] والنهي يقتضي المبادرة إلى ترك المنهى عنه على الفور ، كالأمر وأنه يقتضي التكرار كالأمر سواء . وقال أبو بكر ابن الباقلاني : لا يقتضي التكرار، كالأمر ، ولا يقتضي الفور . وما ذكرناه في الأوامر فهو دلالة في النهي ، فلا وجه لإعادته . ولأن الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده : لا تدخل هذه الدار ، فترك المأمورُ دخولها ساعة ، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء ، فدل على أنه يقتضي التكرار . مسألة (٦) [ النهي عن أشياء بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها ] النهي إذا تعلق بأحد أشياء بلفظ التخيير ، مثل: أن لا تكلم زيداً أو (١) (٢٩) سورة النساء. (٢) (٣١) سورة الاسراء. (٣) (٣٢) سورة الاسراء. (٤) (٦١) سورة طه . (٥) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٨١)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٤٢ - ٣٤٣) من الملحق . (٦) راجع هذه المسألة في: ((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة (٤٨/ب)، و((المسودة) = ٤٢٨ عمراً ، فإنه يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير ، على ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه في رواية البغوي : كل ما في كتاب الله تعالى ((أو)) فهو على التخيير. خلافاً للمعتزلة في قولهم : إنه يقتضي المنع من كليهما (١) جميعاً (٢)، وهو اختيار الجرجاني . وقال أبو بكر بن الباقلاني : يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير . دليلنا : أن النهي كالأمر في باب الكف ، ثم ثبت أنه لو قال : تصدق بدرهم أو دينار ، لم يجب الجمع بينهما ، كذلك النهي (٣). واحتج المخالف : بقوله تعالى: ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ [٥٦/ب] آثِماً أَوْ كَفُوراً(٤))، معناه : ولا كفوراً (٥) . والجواب : أنا حملناه على الجمع بدليل . ص (٨١)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٤٣) من الملحق . = (١) في الأصل : ( كلاهما). (٢) راجع: ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٨٢/١ - ١٨٣). (٣) في الأصل: ( الأمر )، وقد ذكر الناسخ في هامش الأصل : أن ابن حمدان صوبه بما أثبتناه . (٤) (٢٤) سورة الانسان . (٥) ووجه الاستدلال من هذه الآية : أن اللّه تعالى نهى عن الطاعة للآثم والكفور ، مع أن الآية ذكرت ذلك بصيغة التخيير (أو ) . ٤٢٩ واحتج : بأنا وجدنا أهل اللغة يقولون : لا تطع زيداً أو عمراً ، المعنى : اتق طاعتهما ، كأنه قال : لا تطع زيداً ولا عمراً . والجواب : أنا لا نسلم هذا . واحتج : بأن في المنع منهما احتياطاً ، حتى لا يواقع المحظور ، ولهذا قلنا فيمن اشتبهت عليه جاريته بجارية (١) غيره : أنه لا يطأ واحدة منهما . والجواب : أنه يلزم عليه التخيير في الواجب ؛ لأن فعل كل واحد منهما احتياطاً ؛ لأنه بفعل أحدهما لا يأمن ترك واجب ، ومع هذا لا يجب . واحتج : بأن ما وجب تركه مع غيره وجب تركه بانفراده . والجواب : أنه يبطل بالجمع بين الأختين يجب من ترك كل واحدة منهما مع وجود الأخرى عنده ، ولا يجب مع عدمها . مسألة (٢) [ النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده ] إذا ورد النهي عن فعل شيء له ضد واحد كان أمراً بضده من جهة المعنى ، نحو قوله: (لاَ تَكْفُرْ) (٣) يكون أمراً بضده، وهو الإيمان . وإذا كان للمنهي عنه أضداد ، تضمن ذلك أمراً بضد واحد من الأضداد ، كقوله : لا تسجد . (١) في الأصل ( من جارية ). (٢) راجع هذه المسألة في: ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة (١/ب )، و((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة (٤٨/أ)، و((المسودة)) ص (٨١ - ٨٢). (٣) (١٠٢) سورة البقرة . ٤٣٠ وقال أبو عبد الله الجرجاني : لا يكون أمراً بشيء منها (١). دليلنا : أنه إذا نهى عن فعل شيء تضمن ذلك وجوب الكف عنه ، ولا يمكنه الكف عنه إلا بفعل واحد من الأضداد ، فثبت أن النهي عنه تضمن واحداً من أضداده لا محالة ، ألا ترى أنه لا يتوصل إلى ترك الحركة إلا بفعل ضدها من السكون ، فصار كأنه ترك الحركة بالسكون ، فتضمن ذلك إيجاب فعله عليه . ويبين صحة هذا ما ذكرناه : أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به ، . ولهذا جعل الأمر بالطهارة والأمر بالكفارة ، لكن بطلب ما يتوصل به إليه . واحتج المخالف : بأن اللفظ يصح وروده مقترناً بذكر إباحة جميع أضداده ، فلو كان النهي يتناول ذلك ، لم يجز نفيه بما يقترن به . والجواب : أنا لا نسلم هذا ، وإنما يصح أن يرد بإباحة بعض أضداده ، لا جميعها . (١) في الأصل: (منهما)، والتصويب من ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة (١/ب). ٤٣١ مسالة (١) [ إطلاق النهي يقتضي الفساد (٢)] وقد قال أحمد رضي الله عنه في رواية (٣) أبي القاسم إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي (٤) في الشغار(٥): يفرق بينهما؛ لأن النبي لتع (١) راجع هذه المسألة في: ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة (١/ب)، و ((الواضح في أصول الفقه)) الجزء الثاني الورقة (٤٠ - ٤٨)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٤٨)، و((المسودة)) ص (٨٢ - ٨٣)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٣٩ - ٣٤٣) من الملحق، و((روضة الناظر)) ص (١١٣ - ١١٥). (٢) وهذا مذهب جماهير العلماء من الحنابلة والشافعية ، والمالكية والحنفية وبه قالت الظاهرية ، وهو قول بعض المتكلمين . راجع في هذا بالإضافة للمراجع السابقة: ((الإحكام للآمدي)) (١٧٥/٢ ) ، و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (١٧٣)، و(( شرح الجلال على جمع الجوامع)) (٣٩٣/١)، و((تيسير التحرير)) (٣٧٦/١ - ٣٧٧). (٣) نقل ابن أبي يعلى في ((طبقاته)) في ترجمة أبي القاسم العجلي (١٠٥/١) هذه الرواية . (٤) من أصحاب الإمام أحمد ، وممن نقلوا عنه بعض المسائل التي أفتى فيها . انظر ترجمته في: ((طبقات الحنابلة)) (١٠٥/١). (٥) الشغار في اللغة: خلو المكان بعد أن كان مشغولاً . ومنه : شَغَرَت البلد إذا خلت من ساكنيها ، وشَغَر الكلب إذا رفع أحد رجليه ليبول . راجع مادة ((شغر)) في: ((المصباح المنير)) (٤٨٣/١)، و((مختار الصحاح)) ص (٣٦٣) . والشغار عند الحنابلة - كما يقول الخرقي في مختصره ص (١٣٨) -: (إذا زوجه ولّيته ، على أن يزوجه الآخر وَليّته ، فلا نكاح بينهما ، وإن سموا مع ذلك مهراً أيضاً ) . وأما ابن قدامة في كتابه (( المغني)) (١٠٠/٧ ) فيحكي : أن النصوص عن أحمد رحمه اللّه تفید أنه إذا سمي صداقاً صح العقد . ٤٣٢ قد نهى عنه (١) ، وقال : أرأيت لو تزوج امرأة أبيه، أليس قال الله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النَّسَاءِ) (٢). وقال رضي الله عنه في رواية أبي طالب وقد سئل عن بيع الباقلا (٣) [٥٧/أ] قبل أن تحمل وهو ورد، فقال: [نهى] النبي عد اله عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (٤) ، هذا بيع فاسد . وهو قول جماعة الفقهاء. (١) كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار ، والشغار : أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ، وليس بينهما صداق . وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب الشغار (١٥/٧ ). وأخرجه مسلم في كتاب النكاح باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه (١٠٣٤/٢). وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في النهي عن نكاح الشغار (٣/ ٤٢٢) ، ولم يذكر في الحديث تفسير الشغار . وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب النهي عن الشغار ( ٦٠٦/١). وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في الشغار ( ٤٧٩/١ ). وأخرجه النسائي في كتاب النكاح باب تفسير الشغار (٩٢/٦). (٢) (٢٢) سورة النساء. (٣) الباقلاً ، إذا شددت اللام صارت مقصورة، وإذا خففت صارت ممدودة . انظر: مادة ( بقل) في ((مختار الصحاح)) ص (٧٣)، و ((المصباح المنير)) (١/ ٩٣ - ٩٤ ) . (٤) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما : أخرجه عنه البخاري في كتاب البيوع باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ( ٩٥/٣ ) ، وفي باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها ( ٩٦/٣ ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (١١٦٥/٣ ) . == ٤٣٣ العدة في أصول الفقه - ٢٨ 1 ٠ خلافاً للمعتزلة (١) والأشعرية في قولهم : لا يقتضي فساد المنهي عنه بإطلاقه (٢). دليلنا : ما روت عائشة عن النبي ◌َ الثم قال : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) ، وفي بعض الألفاظ : ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدّ). وروي: ( من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رَدّ) (٣). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب البيوع باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها = (٢٢٦/٢ - ٢٢٧). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ( ٧٤٦/٢ - ٧٤٧ ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه ( ٧/ ٢٣٠ ) . وأخرجه عنه مالك في الموطأ في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحه (٢٦٠/٣٠ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها ( ٢٦٠/٣ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٥/٤ - ٦)، و ((فيض القدير)) (٢٠٦/٦)، و(( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٤٤٣). (١) هكذا هو في ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٨٤/١)، إلا أن أبا الحسين البصري اختار قولاً آخر هو: (( أنه يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات ، دون العقود والإيقاعات )). (٢) وقد اختار القول بعدم الفساد إمام الحرمين والقفال ، كما حكاه الآمدي في ((الإحكام)) (١٧٥/٢)، وكذلك الغزالي في ((المستصفى)) (٢٥/٢) وإن كان في (( المنخول)) ص (١٢٦) قد اختار العكس . (٣) حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا أخرجه البخاري في كتاب الصلح ، = ٤٣٤ i فإن قيل : معنى الرد : أنه غير مقبول، والقبول من اللّه تعالى هو الإثابة عليه ، ونحن نقول : إنه لا يثاب على فعله . قيل : الرد يحتمل ذلك ، ويحتمل الإبطال والإفساد ، كما يقال : ردّ فلان على فلان، إذا أبطل قوله وأفسده ، فوجب حمله عليهما . وأيضاً : ما روي عن النبي عائل قال: ( لا صلاة إلا بطهور) (١)، باب : إذا اصطلحوا على صلح جور ، فالصلح مردود (٢٢٨/٣)، بمثل لفظ = المؤلف الأول . وأخرجه عنها مسلم في كتاب الأقضية ، باب نقض الأحكام الباطلة ، ورد محدثات الأمور ( ١٣٤٣/٣ - ١٣٤٤) بمثل لفظ المؤلف الأول ، وبمثل لفظه الثاني . وأخرجه عنها أبو داود في كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ( ٥٠٦/٢ ) ، بمثل لفظ المؤلف الثاني . وأخرجه عنها ابن ماجه في مقدمة سننه ، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (٧/١) ، بمثل لفظ المؤلف الثاني . وأخرجه عنها الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٤٦/٦) بمثل لفظ المؤلف الأول . وأخرجه عنها الطيالسي في (( مسنده )) في كتاب العلم ، باب التحذير من الابتداع في الدين (٤٠/١) ، بلفظ : (من فعل في أمرنا ما لا يجوز، فهو رَدّ). (١) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً، أخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة (٢٠٤/١ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور (٥/١ -٦). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور (١/ ١٠٠)، كما أخرجه عن أبي المليح عن أبيه مرفوعاً . ٠ وعن ابن عمر أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الطهارة باب ما جاء في فضل الوضوء، وأن الصلاة لا تقبل بدونه (٤٩/١ ) . = ٤٣٥ 1 و ( لا نكاح إلا بولي")(١) و ( لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل ) ، ومعلوم أنه لم يرد بذلك نفس الفعل ؛ لأن الفعل لا يمكن رفعه ، وإنما أراد نفي حكمه ، فاقتضى ذلك : أن الفعل إذا وجد على الصفة المنهي عنها لم يكن له حكم ، وكان وجوده كعدمه ، فيكون الفرض باقياً على حالته ، فوجب الإتيان به . وأيضاً : فإن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها . فمن ذلك : احتجاج ابن عمر في فساد نكاح المشركات بقوله تعالى : ( وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) (٢). وعن أبي المليح عن أبيه مرفوعاً أخرجه النسائي في كتاب الطهارة باب فرض = الوضوء (٧٥/١) بلفظ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور .. ). وعنه أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب فرض الوضوء ( ١٤/١ ) بمثل لفظ النسائي . وانظر في هذا الحديث: ((فيض القدير)) (٤١٥/٦)، و ((المنتقى من أحاديث الأحكام )) ص (٥٧) . (١) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً، في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣٩٨/٣ - ٤٠٢ )، وقال : ((حديث فيه اختلاف)). وعنه أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في الولي (٤٨١/١ ) . وعنه أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي (٦٠٥/١). وعنه أخرجه الدارمي في كتاب النكاح باب النهي عن النكاح بغير ولي (٦٢/٢). وعنه أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب النكاح باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، وما جاء في العضل (٣٠٥/١). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) ( ١٨٣/٣ - ١٨٤)، والمنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٣٩). (٢) (٢٢١) سورة البقرة . ٤٣٦ ٢ وكذلك احتجاجهم في إفساد عقود الربا بقوله مع الفهم: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ، ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواءً بسواءٍ عيناً بعين يداً بيدٍ)(١). وما أشبه ذلك ، [ فلو ] كان إطلاقه لا يفيد الفساد لم يرجعوا إلى ظاهر الكلام . فإن قيل : إنما رجعوا إلى ذلك لدلالة مقترنة إلى هذه الألفاظ دلت في الحال على ذلك . قيل : لو كان الذي يفيد الفساد دلالة غير اللفظ لطالب بعضهم من بعض حال ورود المنازعة ، ولكانت تنقل ذلك للعصر الثاني والثالث حتى لا يؤدي إلى تضييع الشرع . (١) هذا الحديث رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه مسلم في كتاب المساقاة باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (١٢١١/٣ ). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل (٥٣٢/٣)، وقال: ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب البيوع باب في الصرف (٢٢٢/٢ -٢٢٣). وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب بيع البر بالبر ، وباب بيع الشعير بالشعير (٢٤٠/٧ - ٢٤٣ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب التجارات باب الصرف ، وما لا يجوز متفاضلاً يداً بيد ( ٧٥٧/٢ - ٧٥٨ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب البيوع باب النهي عن الصرف (١٧٤/٢ ). وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب البيوع (١٨/٣ ). وأخرجه عنه الشافعي في كتاب البيوع باب جامع الأصناف يجري فيها الربا (١٧٧/٢ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٥/٤ - ٣٦)، و (( فيض القدير)) (٥٧٠/٣ - ٥٧٢)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٤٥٠). ٤٣٧ وأيضاً : فإن النهي يخرجه عن أن يكون شرعاً ، والصحة والجواز من أحكام الشرع ، فما أخرجه من أن يكون موافقاً للشرع وجب أن يخرجه من أن يكون موافقاً لحكمه . ويعبر عن هذا بعبارة أخرى وهو: أن ما يفعل على وجه منهي عنه لا يجوز أن يكون هو المفروض ولا المندوب والمباح ؛ لأن المنهي عنه لا يكون مأموراً به ولا مندوباً إليه ؛ لاستحالة اجتماع الشيء وضده ، فإذا لم يكن [٥٧/ب] هو المأمور به لم يؤثر فعله في إسقاط حكم الأمر الآخر، فكان حكمه باقياً عليه ، فيلزمه الإتيان به ، وهذا معنى قولنا : النهي يقتضي الفساد ، ولهذا قال أصحابنا : النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه وجب فساد المنهي عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرنا . وأيضاً : فإن الأمر يدل على الصحة والجواز ، فوجب أن يدل النهي على البطلان والفساد ؛ لأن النهي ضد الأمر ، فما أفاده الأمر في المأمور يجب أن يفيد النهي ضده في المنهى ، ولهذا لما أفاد الأمر وجوب الفعل ، أفاد النهي وجوب الترك . وأيضاً : فإن النهي متعلق بصفة ، وعدمها شرط في الفعل ، فإذا فعله بطل لعدم الشرط . وبيان هذا: أن النبي مع الم قال: ( لا يَنكح المحرم ولا يُنكح) (١) (١) هذا الحديث رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه مسلم كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته (١٠٣٠/٢ - ١٠٣١). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحج باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم (٣/ ١٩٠ - ١٩١)، وقال: ((حديث حسن صحيح)). = وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك باب المحرم يتزوج (٤٢٧/١ ). ٤٣٨ ١ ظاهر النهي لأجل إحرامه ، ولأن الإحلال شرط في صحة العقد ، وهذا على أصلنا في القول بدليل الخطاب ؛ لأنه إذا قال : لا ينكح المحرم ، يدل على أن المُحِلِ ينكح ، ويكون الإحلال شرطاً في صحته . فإن قيل : هذا لا يدل على أن عدم الصفة شرط في صحة الفعل ، وإنما يدل على أنه شرط في إباحة الفعل . قيل : الأمر والإباحة يدلان على الصحة ؛ لأن صاحب الشريعة إذا قال : أمرتك بأن تفعل النكاح في حال الإحلال ، فإذا عقده دل على أنه صحيح مجزىء؛ لكونه محلاً ، وكذلك إذا قال : أبحت لك أن تفعل النكاح في حال الإحلال ، فإذا عقده كان صحيحاً لإحلاله . واحتج المخالف : بأن الدليل لا يجوز وجوده وليس معه مدلوله ، وقد وجدنا في الشريعة نهياً وتحريماً يقارن الصحة والإجزاء ، فدل على أنه لا يدل على الفساد ، وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج باب النهي عن النكاح المحرم ( ١٥١/٥). = وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح باب المحرم يتزوج (٦٣٢/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب مناسك الحج باب في تزويج المحرم (٣٦٨/١). وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الحج (٢٦٧/٢) . وأخرجه عنه الامام مالك في كتاب الحجج باب نكاح المحرم (٢٧٣/٢ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب الحج باب في نكاح المحرم (٢١٣/١). وأخرجه عنه الامام الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه (١٨/٢ ). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب مناسك الحج باب نكاح المحرم (٢٦٨/٢ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٧٠/٣ - ١٧١)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام )) ص (٣٨٧) . ٤٣٩ وذلك مثل البيع في حال النداء ، والطلاق في حال الحيض والوطء فيه ، والذبح بالسكين المغصوبة ، والصلاة في الدار المغصوبة ، وفي السترة المغصوبة ، والوضوء بالماء المغصوب ، وإقامة الحد بالسوط المغصوب ، وما أشبه ذلك ، فإنه يقع موقع الجائز مع كونه محرماً منهياً عنه . والجواب : أن هذا لا يمنع وجوده ، ولا يقتضي الفساد ، كما لم يمنع وجوده ولا يقتضي التحريم ، وقد ثبت أن إطلاق النهي يقتضي التحريم ، وإن دل الدليل على أنه لا يوجب الفساد . فإن قيل : إن دل الدليل على أنه لا يوجب التحريم خرج من أن يكون نهياً . قيل : لا يوجب خروجه من أن يكون نهياً، كما لا يجب أن يخرج الأمر بسقوط وجوبه - بدليل - من أن يكون أمراً ، وعلى أن هناك دليلاً (١) دل على الفساد ولم يدل الدليل على غيره . وأجاب [٥٨/أ] بعضهم عن هذا بجواب آخر فقال : المفعول على هذا الوجه في المواضع التي ذكروها لم يتضمنه الأمر الأول ، إلا أن الله تعالى أسقط موجب الأمر عن (٢) المكلف بمثل هذا الفعل ، كما يسقط عنه بالعجز . واحتج بأن الفساد صفة زائدة لا يقتضيها لفظ النهي ، فلم يجز إثباتها به . والجواب : أن هذا باطل بالتحريم ، فإنه صفة زائدة ، لا يقتضيها النهي ، وقد أثبتها باللفظ . (١) في الأصل : (دليل) بالرفع . (٢) في الأصل : ( من ). ٤٤٠