Indexed OCR Text
Pages 241-260
واجب) (١) . وإن شئت قلت: لو كان قوله: ((افعل)) يقتضي التخيير ، بطل موضوع التخيير، فلما كان لفظة ((التخيير)) معقولة ، وهو قوله : ((افعل)) إن شئت ، لم يجز أن تحمل لفظة التجريد على ذلك . وأيضاً : فإن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام : أمر ونهي ، وخبر واستخبار . ومن قال بالوقف لا يفرق بين الأمر والنهي ؛ لأن كل واحد منهما لا يدل على شيء ، فلا يدل الأمر على إيجاد فعل ، ولا النهي على ترك فعل . فإن قيل : ما ذكر تموه من اللغة لا تثبت من جهة الآحاد . قيل : علم الضرورة قد وقع باستعمال لفظ ((افعل)) في الأوامر من العرف ، ولأنّا قد بيّنا أنه إذا جاز إثبات الأسامي [٢٤/أ] الشرعية من جهة الآحاد فإثبات كلام العرب أولى . وأيضاً: كل لفظ أفاد معنى في اللغة عند انضمام التأكيد إليه، فإنه يفيد ذلك مع عدمه ، مثل قولهم نفسه ، فلما أفاد قوله صم : فقد أوجبت عليك وجب أن يفيد إطلاقه ما أفاد التأكيد . واحتج من قال بالوقف : وأخرجه الإمام الشافعي عنه في كتاب الصلاة باب ما جاء في غسل الجمعة (١٥٥/١) ۔ بمثل لفظ البخاري . وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة باب ما جاء في الغسل للجمعة (١٤٢/١) بمثل لفظ البخاري ، وزاد عليه . وأخرجه عنه الطحاوي في كتاب الطهارة باب غسل يوم الجمعة (١١٦/١ ) بمثل لفظ البخاري . وراجع في هذا الحديث أيضاً: نصب الراية (٨٦/١)، والمنتقى ص (٦٦). (١) هذا الحديث رواه عبد الله بن عمرو بن حلحلة ورافع بن خديج معاً ، رضي الله عنهما . أخرجه عنهما أبو نعيم في كتاب السواك بلفظ : ( السواك واجب ، وغسل الجمعة واجب على كل مسلم ) . وهو ضعيف انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير (١٤٨/٤)، والفتح الكبير للنبهاني ( ١٧٣/٢ ). ٢٤١ العدة في أصول الفقه - ١٦ بأن هذه الصيغة ترد مشتركة بين الوجوب ، نحو قوله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (١)، وبين الندب، نحو قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأيَّامَى مِنْكُمْ) (٢)، وبين التهديد: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (٣)، فلم يكن حملها على الوجوب بأولى من حملها على الندب ، فوجب التوقف فيها، كقوله ((لَوْن)) لما لم يدل على شيء، وقف حتى يدل على المراد. والجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها: أن الصيغة التي يختلف فيها لا ترد قط عندنا إلا وهي على الوجوب ، وإنما يعدل عنها إلى الندب والتهديد بدليل أو بقرينة . الثاني : أن هذا يبطل بأسماء الحقائق ، وهو الأسد والحمار ، فإنه حقيقة في البهيمة ، ويراد به الرجل بقرينة ، ومع هذا لم يمنع إطلاق (٤) الحقيقة في البهيمة . وكذلك ((العشرة))، حقيقة في العشرة ، وتستعمل في الخمسة بقرينة الاستثناء ، وهو قوله : عشرة إلا خمسة . الثالث : يبطل بقوله : فرضت وأوجبت وألزمت ، فإن هذا يرد ، والمراد به الوجوب ، ويرد، والمراد به الندب ، كقوله : ( غُسْل الجمعة واجب على كل مُحْتَلِم ) (٥) ، ومع هذا فإن إطلاقه يحمل على الوجوب ، وكذلك: ((فرضت)) تحتمل الوجوب، وتحتمل التقدير، وإطلاقها يحمل على الوجوب . وكذلك ألفاظ الوعيد تحمل على الوجوب ، وإن كانت تستعمل في (١) (٤٣) سورة البقرة . (٢) (٣٢) سورة النور . (٣) (٤٠) سورة فصلت. (٤) في الاصل : ( إطلاقها ) . (٥) مضى تخريجه في الصفحة السابقة . ٢٤٢ ! غيره نحو قوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُوَنَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (١)، فتواعدهم على منع الماعون ، وهو إعارة قماش البيت كالقدر والدَّلْو ونحو ذلك ، وكل هذا مندوب . وكذلك قول النبي ◌ّالتّمِ: ( من كان له إبل أو بقر فلم يؤدّ حقها ، بُطح يوم القيامة بقاع قَرْقَر تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأظلافها ، كلما نفذت أخراها عادت أولاها ، قيل : يا رسول اللّه وما حقها ؟ قال : إعارة دَلْوِها، وإِطْرَاق فَحْلِها، ومِنْحَة لبنها يوم وِرْدِها) (٢) فتواعد على هذا وهو مندوب ، ومع هذا إطلاقه يقتضي الوجوب . واحتج : بأن استعمال هذا اللفظ في الندب أكثر منه في الوجوب ، فلا يجوز أن يكون الأقل حقيقة والأكثر مجازاً. والجواب : أن هذا إن كان صحيحاً فيجب أن يقولوا : إنها حقيقة في (١) (٤، ٥، ٦) سورة الماعون. (٢) هذا الحديث رواه جابر رضي الله عنه مرفوعاً ، أخرجه عنه مسلم في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة (٦٨٥/٢ ). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الزكاة باب من لم يؤدّ زكاة الإبل والبقر والغنم (٣١٨/١). وقد أخرج البخاري التوعد هذا مع اختلاف في اللفظ أخرجه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة (١٢٦/٢ ) ، كما أخرجه عنه مسلم في الموضع السابق ذكره (٦٨٥/٢ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الزكاة باب في حقوق المال (٣٨٥/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة باب ما جاء في منع الزكاة (٥٦٩/١). وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الزكاة باب ما جاء في وجوبها وعدم منعها (١٧٢/١ ) . ٢٤٣ الندب وموضوعة له ، وهم لا يقولون بذلك . وجواب آخر وهو : أنه قد يكون اللفظ موضوعاً لشيء حقيقة ، ثم يستعمل في غيره مجازاً، ويغلب المجاز على الحقيقة، ((كالْغَائِط)) هو: اسم للموضع الواسع من الأرض، ومجاز في ((العذرة))، وهو [ أكثر استعمالاً ](١)، وكذلك ((الوطء)) حقيقة في الدَّوْس بالرجل، ومجاز في [٢٤/ب] الجماع ، وهو أكثر استعمالاً . واحتج : بأن اللّفظة الواحدة لا تقتضي شيئين مختلفين ، وإذا حملتم الأمر على الوجوب اقتضى وجوب فعله ، والعقوبة على تركه . والجواب عنه من وجهين : أحدهما: أنه باطل بقوله: ((أوجبت كذا )) ، فإنه يثاب على فعله ويعاقب على تر که . وجواب آخر وهو : أن الكلمة ما دلت على أمرين ، لأن موجبها يدل على أنه يثاب على فعلها ، ومخالفة موجبها يدل على العقاب ، فلم يكن الثواب والعقاب مستفاداً بمعنى واحد . واحتج : بأنها لو كانت موضوعة للوجوب حقيقة لكان إذا استعملت في الندب أن يكون مجازاً، كالحمار ، لما كان حقيقة في البهيمة لم يكن حقيقة في الرجل البليد ، فلما قلتم : إنها حقيقة في الوجوب ، حقيقة في الندب بطل أن یکون على الوجوب . والجواب : أنه إنما لم يكن مجازاً في الندب ، وكان حقيقة فيه أيضاً ؛ لأن المجاز هو: أن يحمل اللفظ على غير مقتضاه، كالرجل البليد سمي حماراً، فأما إذا حمل على بعض مقتضاه فلا يكون ، كحمل العموم على الخصوص (١) بياض في الأصل ، يقدر بكلمتين ، أثبتناهما ، أو بدلهما ، مستعينين بالسياق . ٢٤٤ هو حقيقة في الجمع فيما دخله التخصيص وفيما لم يدخله . ووجدنا أن المندوب بعض موجبات الواجب ؛ لأنه مندوب إلى فعله كالواجب فهو كبعض موجبات العموم . واحتج : بأنه لو كان يقتضي الوجوب لما اختلف باختلاف المخاطبين ، ولما كانت هذه اللفظة توجد من العبد لسيده ، ولا يكون أمراً، كذلك وجودها من السيد لعبده . والجواب : أن ذلك لم يختلف باختلاف المخاطبين ، وإنما اختلف الحكم لقرينة ، وهو : أنهم سموا ذلك من السيد لعبده أمراً ، ولم يسموا ذلك من العبد لسيده أمراً . واحتج : بأنها لو كانت موضوعة للوجوب ، لما حسن فيه الاستفهام ، فتقول : أمرتني به واجباً [ أو ] ندباً ؟ والجواب : لا نسلم أنه يحسن الاستفهام إذا تعرى عن قرينة . وعلى أن هذا باطل بأوجبت وفرضت ، فإنه يحسن أن يقول : أوجبته إلزاماً أو إجباراً ؟ وكذلك أسماء الحقائق ، إذا قال : رأيت حماراً أو سبعاً . وكأن المعنى فيه أنه يصح استعماله في غير الواجب بدليل أو قرينة ، فأراد المخاطب أن يزيل بالاستفهام كل الاحتمال (١) . واحتج من قال : إطلاق الأمر يقتضي الندب : ٠ بأن الأمر يدل على حسن المأمور به ، وعلى أنه مراد الآمر ، وحسن الشيء لا يدل على وجوبه ، كالمباحات فإنها حسنة وهي غير واجبة ، وكذلك النوافل مرادة له ، ولا يدل ذلك على الوجوب ، فصار (١) لو عبر المؤلف بقوله : ( كل احتمال) أو (كل الاحتمالات ) كان أولى . ٢٤٥ الوجوب صفة زائدة على حسن الشيء، وعلى كونه مراداً ، فلا يجوز إثباته بنفس الأمر . والجواب : أن كونه حسناً ومراداً يدل على الوجوب، ما لم [٢٥/أ] يدل دليل التخيير ، وفي التخيير والمباحات قد دل الدليل ، فلهذا لم يقتض الوجوب . وجواب آخر وهو : أنا لا نسلم أن الأمر يدل على حسن المأمور به . وإنما يدل على طلب الفعل واستدعائه من الوجه الذي بينا ، وذلك يقتضي الوجوب (١) ، وهذا هو الجواب المعوَّل عليه . واحتج : بأن حمله على الندب أولى ؛ لأنه أقل ما يقتضيه الأمر . والجواب : أنه يبطل بلفظ العموم ، فإنه لا يجب حمله على الخصوص وإن كان أقل ما يقتضيه . وجواب آخر وهو : أن حمله على الوجوب أولى من وجهين : أحدهما : أنه يتضمن الندب . الثاني : أنه أسلم من الغرر والخطر . واحتج : بأن حمله على الوجوب يوجب العقوبة بنفس الأمر ، ونفس الأمر لم يتضمن العقوبة . والجواب : أنه يبطل بالنهي ، فإن النهي يتضمن الكف عن الشيء، وقد أوجبتم العقوبة ، وكذلك قوله : أوجبت وفرضت يتضمن الأمر والعقوبة جميعاً . وجواب آخر وهو : أنا لم نعاقبه بالأمر ؛ لأن موجبه الإيجاب . وإنما عاقبناه بالترك ، والترك لم يتناوله الأمر . (١) في الأصل : ( الواجب ). ٢٤٦ واحتج : بأن من يقول : هو على الوجوب ، يقول : هو نَهْي عن ضده ، وليس في الأمر نَهْي عن ضده . والجواب : أنه إذا كان الأمر مضيقاً كان نهياً عن ضده ، ولكن من حيث المعنى لا من حيث النطق ، وعلى أن هذا موجود في قوله : فرضت وأوجبت . واحتج : بأن هذه اللفظة ترد ، والمراد بها الوجوب بقرينة ، فإذا كانت على الوجوب مع القرينة ، فإذا وردت عرية عن القرينة وجب أن لا يكون على الوجوب . والجواب : أنا لم نعلم بأنها على الوجوب بالقرينة ، ولكن إذا كان معها قرينة تدل على الوجوب كانت تأكيداً . على أنه باطل بالنهي ، فإنه لو ورد مع قرينة الوعيد ، كان على الوجوب ، ومع هذا إذا تجرد عنها كان على الوجوب . وباطل بقوله : أوجبت وألزمت وفرضت ، فإنها على الوجوب مع القرينة ، وإذا تجردت كانت على الوجوب . واحتج : بأنه لو كان على الوجوب ، كان حمله على الندب نسخاً له ، وإذا أفضى إلى أن يكون حمله على الندب نسخاً ، بطل أن يكون مطلقه على الوجوب . والجواب : أن النسخ هو الرفع ، وحمله على الندب رفع لبعض ما تناوله اللفظ ، وهو الإيجاب والاحتكام ، دون الندب والاستحباب ، والوجوب قد تضمن المندوب ، فرفع الوجوب رفع لبعض ما تناوله ، فلا يوجب نسخه . والعموم إذا دخله التخصيص لا يوجب ذلك نسخه ؛ لأنه رفع بعض موجباته ، كذلك ها هنا . ٢٤٧ مسألة (١) في الأمر إذا لم يرد به الإيجاب [٢٥/ب]، وإنما أريد به الندب: فهو حقيقة في الندب ، كما هو حقيقة في الإيجاب ، نص عليه أحمد رحمه الله في رواية إبراهيم (٢) فقال: ((آمين)) أمر من النبي عَ لٍ، ((فإذا أَمّن القارىء فأمنوا)) (٣)، فهو أمر من النبي معد له. (١) راجع هذه المسألة في كتاب التمهيد الورقة (٢٣/أ - ٢٦/أ)، والمسودة ص (١٥) . (٢) في المسودة ص (١٥): (ابن إبراهيم)، وقد سبق للمؤلف في مسألة: (المندوب مأمور به) ص (١٥٨) أن ذكره كما في المسودة . (٣) هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الأذان باب جهر الإمام بالتكبير بلفظ ( إذا أمَّن الإمام فأمنوا) (٨٧/١). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة باب التسميع والتحميد والتأمين بمثل لفظ البخاري ( ٣٠٧/١ ). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب التأمين وراء الإمام بلفظ : ( إذا قال الإمام : ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمِ وَلاَ الضَّالِّينَ)) فقولوا: آمين) (٢١٤/١ - ٢١٥ ) . وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل التأمين (٣٠/٢) وقال: (( حديث حسن صحيح)). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب الجهر بآمين (٢٧٧/١ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة باب فضل التأمين (٢٢٨/١) . وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٢٣٨/٢ ) . وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الصلاة باب ما جاء في التأمين خلف الإمام ( ١٧٩/١ ) . وراجع أيضاً: فيض القدير: (٣٠٣/١)، ونصب الراية: (٣٦٨/١). ٢٤٨ وكذلك نقل الميموني عنه: (( إذا زنت الأمة الرابعة ، كان عليه أن يبيعها (١)، وإلا كان تاركاً للأمر)) (٢). وكذلك نقل حنبل عنه: (( يقاد المذبوح قوداً رفيقاً ، وتوارى السكين ولا تظهر [إلا] عند الذبح، أمر بذلك رسول اللّه عَ لٍ (٣))). (١) حديث الأمر بالبيع في الثالثة أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الحدود باب إذا زنت الأمة ( ٢١٣/٨ ) ، وأخرجه مسلم في كتاب الحدود باب رجم اليهود وأهل الذمة في الزنى (١٣٢٨/٣). عن أبي هريرة أيضاً . كما أخرجه البخاري ومسلم في الموضعين السابقين عن أبي هريرة وزيد بن خالد ، غير أن أحد رواة الحديث وهو: ابن شهاب قال: (( لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة )) أي الأمر بالبيع وإن كان مسلم قد أخرجه عن أبي هريرة ولم يذكر شك ابن شهاب . أما الأمر بالبيع في الرابعة فقد أخرجه أبو داود عن أبي هريرة في كتاب الحدود باب في الأمة تزني ولم تحصن (٤٧٠/٢ ) . كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، (٢٤٩/٢، ٣٧٦، ٤٢٢، ٤٩٤). وأخرجه كذلك الطيالسي في كتاب الحدود باب امر السيد بإقامة الحد على رقيقه (٣٠٠/١). وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الحدود باب حد زنا الرقيق وأن للسيد أن يقيم الحد على رقيقه (٢٩٣/٢). (٢) في المسودة ص (١٥)، ( وإلا كان تاركاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم). (٣) هذا إشارة إلى الحديث الذي رواه شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه مسلم في كتاب الصيد والذبائح ، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل ( ٣/ ١٥٤٨) بلفظ: اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، ولیحد أحد كم شفرته ، ولیرح ذبيحته )) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأضاحي ، باب النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة ( ٩٠/٢ ) . = ٢٤٩ وقال أصحاب أبي حنيفة: الكرخي (١) والرازي (٢): لا يكون أمراً في الحقيقة وحقيقة الأمر ما أريد به الوجوب (٣) . واختلف أصحاب الشافعي ، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم [ من ] قال مثل قول أصحاب أبي حنيفة . دليلنا : أن المندوب طاعة ، فوجب أن يكون مأموراً به كالواجب . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الديات ، باب ما جاء في النهي عن المثلة (٢٣/٤ ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الضحايا ، باب الأمر بإحداد الشفرة ( ١٩٩/٧ ) وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الذبائح ، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ( ٢/ ١٠٥٨ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الأضاحي ، باب في حسن الذبحة ( ٩/٢). (١) هو: أبو الحسن عبيد الله بن حسين بن دلال الكرخي ، شيخ الحنفية في وقته . كان عابداً زاهداً . له كتاب المختصر، والجامع الكبير ، والجامع الصغير . ولد سنة (٢٦٠ هـ)، ومات سنة (٣٤٠ هـ ) . له ترجمة في: ((تاج التراجم في طبقات الحنفية)) ص (٣٩)، و ((شذرات الذهب)) ( ٣٥٨/٢) . (٢) هو أحمد بن علي الرازي أبو بكر ، المعروف بالجصاص . انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي في وقته . عرف بالزهد والورع . عرض عليه القضاء فامتنع منه. له كتاب ((أحكام القرآن))، و ((الفصول في أصول الفقه)) وغيرهما . وافته منيته سنة ( ٣٧٠ هـ ) وله من العمر (٦٥) سنة . له ترجمة في: ((تاج التراجم)) ص (٩)، و((شذرات الذهب)) (٧١/٣). (٣) هكذا صرح الرازي في كتابه الفصول في أصول الفقه الورقة (٩٢/ب ) حيث قال : ( وقال آخرون : حقيقة الأمر ما كان إيجاباً ، وما عداه فليس بأمر على الحقيقة، وإن أجري عليه الاسم في حال كان مجازاً ، وكذلك كان يقول أبو الحسن رحمه الله في ذلك، وهو القول الصحيح ) . ٢٥٠ : يبين صحة هذا : أن الواجب لم يكن مأموراً به لجنسه ونفسه ؛ لأن هذا المعنى موجود في غيره من المباحات ، ولم يكن مأموراً به لكونه مراداً للمطاع ؛ لأنه قد يريد المباح وما يقع من المحظورات ، وليس ذلك مأموراً به ، ولم يكن مأموراً به لحصول الثواب ؛ لأن المندوب إليه من فعل النوافل مثاب عليه أيضاً . ولأنه لا يجوز أن يكون ذلك أمراً لهذه العلة ؛ لأنه قد ثبت أنه لو أمر بطاعاته من الواجبات ولم يضمن عليها ثواباً ، وجب أن يكون طاعة ؛ لأن الثواب تفضل منه ، وترغيب في طاعته ، فلم يبق إلا أنه طاعة ، لكونه مأموراً به . فإن قيل : إنما كان طاعة لكونه مطلوباً مرغباً فيه ، لا لكونه مأموراً به ، والطلب والسؤال والترغيب مخالف للأمر ، وهذا كما تقول : إن قول العبد لربه : اغفر لي وتجاوز عني ، سؤال ، وليس بأمر . قيل : لو كان طاعة لما ذكرته ، لوجب أن يكون اللّه تعالى مطيعاً لعبده إذا فعل ما سأله ورغب إليه . فإن قيل : إنما لم يكن مطيعاً لعبده ؛ لأن الطاعة تعتبر فيها الرتبة ، كما تعتبر في الأمر ، فإذا سأل من (١) دونه ، يقال : أطاعه ، ولا يقال لمن فوقه ، كما يقول في الأمر . قيل : فالرتبة ها هنا موجودة، وهو استدعاء الفعل من الأعلى إلى الأدنی فيجب أن يكون أمراً . وأيضاً : فإن الطاعة والمعصية مقرونتان (٢) بالأمر . قال تعالى : (١) في الأصل : ( لمن ) . (٢) في الأصل: ( مقرونان ) . ٢٥١ L ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) (١) وقال: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (٢) وقال الشاعر وهو الحباب بن المنذر (٣) ليزيد بن المهلب (٤): أمرتك أمراً جازماً فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً (٥) (١) (٩٣) سورة طه . (٢) (٥٠) سورة النحل. الشاعر هو : حصين بن منذر ، وليس الحباب بن المنذر ، فلعل ذلك تحريف من (٣) الناسخ ، أو غفلة من المؤلف ، كما سيأتي بيانه . (٤) هو : يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي ، أبو خالد ، أمير وابن أمير وقائد وابن قائد . اشتهر بالكرم ، تولى إمرة خراسان في عهد عبد الملك ، ولكنه عزله بمشورة الحجاج ، ثم تولى لسليمان بن عبد الملك إمرة العراق ، ثم خراسان ، ثم البصرة ، فأقام بها حتى عزله عمر بن عبد العزيز وحبسه، وبعد موت عمر خرج من السجن ، وغلب على البصرة ، فدارت بينه وبين مسلمة حروب انتهت بمقتل يزيد سنة ( ١٠٢ هـ ) . انظر ترجمته في الأعلام (٢٤٦/٩)، وشذرات الذهب (١٢٤/١) ، ووفيات الأعيان (٣٢٢/٥ - ٣٥٢) . (٥) هذا البيت للشاعر حصين بن منذر ، وليس الحباب بن المنذر ، كما ذكر المؤلف . وليتضح المقام نذكر قصة البيت وهي باختصار : أن يزيد بن المهلب كان أميراً على خراسان ، ولكن الحجاج لم يكن راضياً عنه ، فكان يكتب إلى الخليفة عبد الملك في ذم يزيد ، فرد عليه عبد الملك : سمّ رجلاً يكون بدله ، فسمى قتيبة بن مسلم ، فوافق عبد الملك على توليته . وكره الحجاج أن يكتب ليزيد بخلعه ، وبدلاً من ذلك كتب إليه : أن خلف أخاك المفضل وأقبل .. فاستشار يزيدُ الشاعرَ حصين ، فقال له : أقم ، واعتل فإن أمير المؤمنين حسن الظن فيك ، وإنما أوتيت من الحجاج ، فلم يقبل المشورة إيثاراً للطاعة على المعصية ، فخرج إلى الحجاج ، فعزل الحجاج أخاه وولى قتيبة ، فقال الشاعر البيت ، وبعده : ٢٥٢ وقال آخر (١): ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا توانٍ (٢) من المأمور في حال أمرك (٣) ويقولون : فلان مطاع الأمر ، ومعصيّ الأمر ، وأمر فأطيع ، وأمر فعصى ، فلما ثبت أن المندوب [٢٦/أ] طاعة ، علم أنه مأمور به . وأيضاً : فإن الطاعات لما انقسمت إلى واجب وندب ، وكذلك النهي لما انقسم إلى حظر وتنزيه ، كذلك (٤) الأمر . واحتج المخالف بقوله صل اته: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) والسواك مستحب مندوب إليه ، وقد أخبر النبي ◌ّ اتم أنه لم یأمر به . وقال لبريرة : ( لو راجعتيه فإنه أبو ولدك ، فقالت : أبأمرك يا رسول اللّه؟ قال: لا، إنما أنا شافع ) وشفاعته : تقتضي طاعته ندباً واستحباباً . فما أنا بالباكي عليك صبابةً وما أنا بالداعي لترجع سالماً وفيات الأعيان ( ٣٢٢/٥ ). وقد رأيت الجلال في شرحه على جمع الجوامع ( ٣٦٩/١) ذكر هذا البيت برواية أخرى هي : و کان من التوفیق قتل ابن هاشم أمرتك أمراً جازماً فعصيتي وابن هاشم هذا كان قد خرج على معاوية رضي الله عنه ، فأمسكه ، فأشار عليه عمرو بن العاص رضي الله عنه بقتله ، ولكن معاوية أطلقه ، فخرج عليه مرة أخرى ، فقال عمرو هذا البيت . (١) لم أقف على اسمه . (٢) في الأصل : ( تواني). (٣) في الأصل: ( أمركا ). (٤) في الأصل : ( وکذلك ) بإثبات الواو . ٢٥٣ والجواب : أن قوله : ( لولا أن أشق على أمتي ) لأمرت أمر إيجاب . وكذلك قوله لبريرة لم آمر أمر إيجاب بدليل ما ذكرنا ، يتبين صحة هذا، وأنه أراد به أمر إيجاب ؛ أنه امتنع منه لأجل المشقة ، والمشقة إنما تلحق فيما يلزم من فعله . وكذلك قول بريرة : أبأمرك ، تعني الأمر الواجب حتى فعله ، وإن كانت كارهة ؛ لأنها كانت مبغضة له . واحتج بأن المسلمين أجمعوا على أن من ترك المستحب لا يجوز أن يقال له : خالف أمر الله تعالى وعصاه ، كما لا يجوز أن يقال ذلك لمن فعل المباح . والجواب : أنه لا يقال خالف أمر الله وعصاه على الإطلاق ، لئلا يلتبس بالواجب ، فأما مع التقييد فإنه يقول : خالف أمر الله تعالى المندوب . يبين(١) صحة هذا على أصلنا قول أحمد رضي الله عنه فيمن ترك الوتر: ((هو رجل سوء)). فذمه على ترك الوتر مع قوله: ((إنه سنة وليس بواجب )) . واحتج بأن أهل اللغة يفرقون بين أن يقول القائل لمن دونه : افعل كذا، أو لتفعل كذا، وبين أن يقول : أسألك أن تفعل كذا ، وأرغب اليك أن تفعل كذا ، ويسمون أحدهما أمراً والآخر سؤالاً وطلباً ، فدل على أن المندوب إليه غير مأمور به . والجواب : أن أهل اللغة يفرقون بينهما في باب الإيجاب ، فيسمون أحدهما أمر إيجاب والآخر أمر ندب واستحباب ، فأما أن يفرقوا (٢) بينهما (١) في الأصل (يتبين). (٢) في الأصل : ( يفرقون ) بإثبات النون ، وهو خطأ عربية لما هو معلوم . ٢٥٤ 1 ٢ في كونه أمراً فلا . واحتج بأن أسماء الحقائق لا يجوز نفيها عن مسمياتها ، وقد علمنا أن الندب يحسن أن ينتفي عنه اسم الأمر ، فتقول : أنا غير مأمور أن أصلي الساعة ركعتين ، وإن كان مندوباً إليها ، وأنا غير مأمور بصوم يوم الخميس ، وإن كان مندوباً إليه ، ويحسن أن يقول : أسألك وأرغب إليك ولا آمرك به ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الندب ليس بمأمور به ، ألا ترى أن الواجب لما كان حقيقة في الأمر لم يصح نفيه . والجواب : أنا لا نسلم أنه يصح نفيه على الإطلاق ، وإنما تنفيه بقيد ، وهو : أن يقول : أنا غير مأمور بصلاة ركعتين ، وصيام يوم الخميس أمر إيجاب . واحتج : بأنه قد ثبت من أصلنا وأصلكم : أن الأمر يجب حمله على الوجوب ، ولو كان الندب أمراً لم يجز حمله على غير الوجوب ، ووجب التوقف فيه كما قال الأشعري (١) [٢٦/ب]. والجواب : أن إطلاقه يقتضي الوجوب ، وإنما يحمل على الندب بدلالة ، وهذا لا يمتنع كونه أمراً فيه . كما أن إطلاق العموم يقتضي الاستغراق ، ويحمل على الخصوص بدلالة ، ولا يمتنع كونه عموماً في الأصل . (١) هو : علي بن إسماعيل بن إسحاق .. أبو الحسن الأشعري . متكلم ، فقيه ، أصولي . ولد في البصرة سنة (٢٦٠ هـ) كان على مذهب المعتزلة ، ثم رجع عنه ، وشدد النكير على معتنقيه. له كتب: منها: ((الإبانة عن أصول الديانة))، و((مقالات الإسلاميين)). توفى ببغداد سنة (٣٢٤ هـ) . . له ترجمة في : الأعلام ( ٦٩/٥)، وتاريخ بغداد (٣٤٦/١١)، وتذكرة الحفاظ (٨٢١/٣)، وشذرات الذهب (٣٠٣/٢)، والنجوم الزاهرة (٢٥٩/٣). ٢٥٥ فإن قيل : فلو كان أمراً لاقتضى الفور إلى فعل المندوب كالأمر الواجب . قيل : هكذا نقول هو على الفور . مسألة (١) [ في ورود الأمر بعد الحظر ] صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة وإطلاق محظور ، ولا يكون أمراً، نحو قوله تعالى: ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)(٢)، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ)(٣)، (فَإذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ) (٤)، (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) (٥) ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) ( كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها ) ونحو ذلك . " وقد نص أحمد رضي الله عنه في رواية صالح وعبد الله في قوله تعالى : ( وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)(٦) (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْض ) (٧) وقال (٨) ((أكثر من سمعنا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل ، كأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بواجب، وليس هما على ظاهرهما))(٩). (١) راجع هذه المسألة في المسودة ص (١٦ - ٢٠)، وروضة الناظر (١٠٢ - ١٠٣). (٢) (٢) سورة المائدة . (٣) (١٠) سورة الجمعة. (٤) (٢٢٢) سورة البقرة . (٥) (٥٣) سورة الاحزاب . وقد استدل المؤلف بهذه الآية ( فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)، وتعقبه المجد : بأنها ليست فيما نحن فيه، ولم يعلِّل. قَلتُ: لأن الأمر بالانتشار لم يأت بعد حظره والله أعلم . (٦) (٢) سورة المائدة . (٧) (١٠) سورة الجمعة . (٨) في المسودة ص (١٧): ( فقال). (٩) تعقب المجدُ في المسودة ص (١٧) المؤلف في وجه استدلاله من كلام الإمام أحمد، = ٢٥٦ وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه بمنزلة الأمر المبتدأ في أنه يقتضي الوجوب على قول من قال بالوجوب ، والندب على قول من قال "بالندب (١). دليلنا : أن عرف العادة في خطاب الناس ومحاوراتهم إذا أمروا بعد الحظر كان على الإباحة ، كقوله لغلامه : لا تدخل بستان فلان ، ولا تحضر دعوته ، ولا تغسل ثيابك ، ثم قال له بعد ذلك : ادخل ، واحضر ، واغسل ، كان = فقال : ( هذا اللفظ يقتضي : أن ظاهرهما الوجوب ، وأنه من المواضيع المعدولة عن الظاهر لدليل ) . (١) نقل المؤلف هذا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين تابعه في ذلك المجد في المسودة وابن قدامة في روضة الناظر ، إلا أن الآمدي نقل عن أكثر الفقهاء والمتكلمين القول بالإباحة ، كما في (( الإحكام)) (١٦٥/٢) . والقول بالإباحة نص عليه الإمام الشافعي ، ونقله ابن برهان في (( الوجيز )) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين ، خلاف ما ذكره المؤلف هنا ، والقول بالإباحة رجحه ابن الحاجب . وهناك قول ثالث في المسألة هو: التوقف . وإليه ذهب إمام الحرمين ، واختاره الغزالي ، وتذبذب الآمدي بينه وبين القول بالإباحة ، حيث قال : ( فيجب التوقف ، كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح ) . وهناك قول رابع هو: إن وَرَد الامر بصيغة ((افعل))، فهو للإباحة، وإن ورد بغيرها فهو للوجوب . وهناك قول خامس هو : أن الأمر بعد الحظر ، يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر إباحةً أو وجوباً ، وهو اختيار المجد ابن تيمية والكمال بن الهمام . راجع في هذا : المسودة ص (١٦ - ٢٠)، وروضة الناظر (١٠٢ - ١٠٣ )، والمنخول (١٣٠ - ١٣١)، والإحكام للآمدي (١٦٥/٢ - ١٦٦)، ونهاية السول (٢٧٢/٢ - ٢٧٤)، وتيسير التحرير (٣٤٥١/١ - ٣٤٧)، واللمع في أصول الفقه ص (٨). ٢٥٧ العدة في أصول الفقه - ١٧ رفعاً لما (١) حظر عليه ، ولم يكن أمراً، كذلك ها هنا . وكذلك قول الرجل لضيفه : ادخل. ومن أنكر هذا فقد رد المشاهدات . والذي يبين هذا : أنه لا يحسن ضربه وتونيبه (٢) عند مخالفة ذلك في عرف الناس وعاداتهم . فإن امتنع من تسليم هذا ، كشفنا به إذا نهاه عن فعل شيء فاستأذنه العبد في فعله ، فقال له : افعل ، إن هذا لا يقتضي الوجوب بلا خلاف . وقد قيل : إن السيد إنما يحظر على عبده ما تميل نفسه إليه ، لا ما تنفر نفسه عنه ؛ لأن الحكيم لا يوجب على عبده ما [ لا تميل ] نفسه إليه ، فعلمنا أنه إباحة لا إيجاب . فإن قيل : العادة غير هذا ، ألا ترى أن يقول لعبده : لا تقتل زيداً، فيكون حظراً ، فإذا قال : اقتله ، بعد هذا كان أمراً على الوجوب . قيل : إن الأصل حظر قتل زيد، فقوله : لا تقتل زيداً، تأكيد للحظر المتقدم ، لا لأنه مستفاد به حظر ، وفي مسألتنا حظر وقع بالنهي ، ثم رفع النهي ، فيجب أن يعود إلى ما كان إليه قبله (٣) . وأيضاً : فإن عرفَ الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بعد [٢٧/أ] الحظر اقتضى الإباحة نحو ما ذكرناه من قوله تعالى: ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ (١) في الأصل : ( فيما ) . (٢) هكذا في الأصل: (تونيبه) ، ولعل الصواب : (تأنيبه). (٣) كلام المؤلف هذا يشعر بأن هناك فرقاً بين أن يكون الآمر هو الناهي وبين أن يكون الآمر هو غير الناهي ، بينا كلامه في أول المسألة يقتضي التسوية بينهما ومحل النزاع هو القسم الأول . وقد أشار إلى ذلك المجد في المسودة ص (١٩). ٢٥٨ فَاصْطَادُوا﴾ (١) (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَة فَانْتَشِرُوا) (٢) (فَإذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) (٣) (كنت نهيتكم عن زيارة القبور )، ( وعن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا) (وزوروا ) فيجب أن يحمل ذلك على مقتضى عرف الشرع ، وهو الإباحة ، كما يحمل مطلق الأمر من الأسماء على عرف الشرع ، في الصلاة والزكاة والصيام والحج (٤). فإن قيل : تلك المواضع حملناها على الإباحة بدليل ، كما حملنا ما لم يرد بعد الحظر من أوامر القرآن على غير الواجب بدليل . قيل : ليس هاهنا دليل دل على إباحة ذلك سوى هذه الألفاظ . ولا يجوز أن يقال: الإجماع هو الدليل؛ لأن الإجماع حادث بعد النبي مع الته ، والإباحة مستفادة بهذه الألفاظ في وقته . فإن قيل : عرف الشرع في هذا مختلف ، ففيه ما يقتضي الوجوب وهو قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (٥)، فأمر بقتل المشركين بعد الحظر ، وكان على الوجوب. وكذلك قوله عز وجل : ( وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)(٦) (١) (٢) سورة المائدة . (٢) (١٠) سورة الجمعة. (٣) (٢٢٢) سورة البقرة. (٤) من الأمثلة التي ذكرها المؤلف يتضح أن النهي على قسمين : القسم الأول : النهي المغيى بغاية كالإحلال في الآية الأولى ، أو قضاء الصلاة كما في الآية الثانية ، أو الطهر كما في الآية الثالثة ، فهذا ليس بنسخ ؛ لأن الدليل المنسوخ لا بد أن يكون مؤبداً في أوهام المخاطبين ، وليس الأمر كذلك . القسم الثاني : النهي غير المغيّ ، فالأمر ناسخ للحظر ، كما في حديث زيارة القبور ، وحديث ادخار لحوم الأضاحي . وقد أشار إلى ذلك المجد في المسودة (١٩). (٥) (٥) سورة التوبة . (٦) (١٩٦) سورة البقرة . ٢٥٩ فجعل ذلك غاية للحظر ، وأمر به بعد الغاية ، فكان واجباً ؛ لأن الحلق في وقت النسك واجب . قيل : لا نسلم أن وجوب قتل المشركين استفيد بقوله : ( فَاقْتُلُوا. الْمُشْرِكِينَ) بل استفدنا [٥] بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) (١)، وغيرها من الآيات التي لم يتقدمها حظر (٢) . وكذلك الحلاق استفدنا وجوبه من موضع آخر ، من قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ) (٣)، ومن فعل النبي عِ لّهِ، وقوله: ( خذوا عني مناسككم ) . إنه قد قيل : إن المراد بهذه الآية حلق المحصر . وذلك غير واجب عند [نا] . وأيضاً : فإن قوله تعالى: ( فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ ) (٤)، (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) (٥)، بمنزلة تعليق الأمر بالغاية، كقوله: ( ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إلَى اللّيلِ) (٦) ونحو ذلك ، وتعليق الأمر بالغاية يفيد زوال الحكم عند انقضائها ، كذلك تعليق (١) (٢٩) سورة التوبة . (٢) جواب المؤلف هذا تعقبه المجد في المسودة ص (١٩) بقوله : ( وهذا ضعيف ، بل الأمر بعد الحظر يرفع الحظر ، ويكون كما كان قبل الحظر ، والأمر في هذه الآية كذلك ) . (٣) (٢٩) سورة الحج . (٤) (١٠) سورة الجمعة. (٥) (٢) سورة المائدة . (٦) (١٨٧) سورة البقرة . ٢٦٠ ١