Indexed OCR Text

Pages 241-260

قال ابن السمعاني : ويشبه أن يكون سببَ غموضها امتحانٌ من الله لعباده،
ليتفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة ، كما قال تعالى : ﴿يرفع الله
الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة/١١] ﴿وفوق كل ذي علم
عليم﴾ [يوسف/٧٦]. وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار: (اختلاف أمتي
رحمة) فعلى هذا النوع يحمل هذا للفظ دون النوع الآخر، فيكون اللفظ عاما
والمراد خاص .
واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين ، هل كل مجتهد مصيب ، أو
المصيب واحد ؟ واختلف النقل في ذلك . ونحن نذكر ما وقفنا عليه من كلامهم
فنقول : قال الماوردي والروياني في كتاب القضاء : ذهب الأكثرون إلى أن الحق في
جميعها، وأن كل مجتهد مصيب فيما عند الله، ومصيب في الحكم، لأن جواز
الجميع دليل على صحة الجميع. قال الماوردي وهو قول أبي الحسن الأشعري
والمعتزلة. وقالت الأشعرية بخراسان: لا يصح هذا المذهب عن أبي الحسن
(قال): والمشهور عنه عند أهل العراق ما ذكرناه ، وأن من أدى اجتهاده إلى حكم
يلزمه العمل به ولا تحل له مخالفته . فدل على أنه الحق .
وذهب الشافعي رحمه الله وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء رحمهم الله إلى أن
الحق في أحدهما ، وإن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء
الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً حراماً ، ولأن الصحابة
تناظروا في المسائل واحتج كل واحد على قوله ، وخطّأ بعضهم بعضا ، وهذا
يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق .
ثم اختلفوا هل كل مجتهد مصيب أم لا ؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد
وإن لم يتعين ، وإن جميعهم مخطىء إلا ذلك الواحد ، وبه قال مالك وغيره . وقال
أبو يوسف وغيره : كل مجتهد مصيب وإن كان الحق في واحد ، فمن أصابه فقد
أصاب الحق ، ومن أخطأه فقد أخطأه . ونسبه بعض أصحابنا المتأخرين إلى
الشافعي، تمسكاً بقوله: ((وأدّى ما كُلّف)). فظن أنه أراد بذلك ((أصاب))،
وغّطوه فيه ، وإنما أراد أنه في معنى من أدى ما كلف به أنه لا يأثم (انتهى) .
٢٤١

وقال القاضي أبو الطيب الطبري : الحق من قول المجتهدين واحد، والآخر
باطل، وإن اختلفوا على ثلاثة أقاويل فأكثر. قال أبو إسحاق المروزي في ((الشرح))
في أدب القضاء : هذا قول الشافعي في الجديد والقديم، لا أعلم اختلف قوله في
ذلك ، وقد نص عليه في مواضع ، ولا أعلم أحداً من الصحابة اختلف في ذلك
على مذهبه ، وإنما نسب قوم من المتأخرين ممن لا معرفة لهم بمذهبه إليه أن كل
مجتهد مصيب ، وادعوا ذلك عليه ، وتمسكوا بقوله في المجتهد: ((أدَّى ما كلف))
فقالوا : المؤدي ما كُلّف مصيب . قال أبو إسحاق : وإنما قصد الشافعي بذلك
رفع الإثم عنه ، لأنه لو قصد خلاف الحق لأثم ، وإذا خالف من غير قصد لم يكن
آثماً ، وكان بمنزلة المؤدي ما كلف .
قال القاضي أبو الطيب : ويحتمل أن يكون معناه : أدى ما كُلف عند نفسه ،
فإنه يعتقد وضع الدليل في حقه ، وسلك ما وجب من طريقه . قال أبو إسحاق :
وكل موضعٍ رأيت فيه من كلام الشافعي هذه الألفاظ فاقرأ الباب فإنك تجد قبله
وبعده نصّاً على أن الحق في واحد ، وأن ما عداه خطأ . ثم غلّظ أبو إسحاق القول
على من نسب إلى الشافعي : كل مجتهد مصيب . قال القاضي أبو الطيب : ويدل
على أن هذا مذهبه : إذا اجتهد اثنان في القبلة فأدى اجتهادهما إلى جهتين مختلفتين
فتوجه كل واحد منهما إلى جهته، ولو ائتم أحدهما بالآخر لم تصح صلاته . وهذا
يدل على أن الامام مخطىء عنده . وكذلك من صلى خلف من لا يقرأ فاتحة
الكتاب ، وله نظائر .
وحُكي عن أبي إسحاق أنه قال: ويشبه أن تكون المسألة على قولين، لأن
الشافعي ذكر قولين فيمن أخطأ القبلة بيقين، هل تلزمه الإعادة أم لا ؟ والأصح :
عليه الإعادة. ومن يقول: كل مجتهد مصيب يقول: لا إعادة عليه. وكذلك قال :
لو دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا، تلزمه الإعادة ؟ قولان. قال
القاضي: وهذه الطريقة اختيار أبي حامد، وهو الذي حكاها عن أبي إسحاق .
والصحيح عن أبي إسحاق ما ذكرنا .
وقال أبو علي الطبري صاحب ((الإيضاح)) في ((أصوله)) إن الله نصب على الحق
٢٤٢

عَلَمً، وجعل لهم اليه طريقاً / فمن أصابه فقد أصاب الحق، ومن أخطأه عُذر ٣٥٧ / ١
بخطئه وَأَجِرَ على قصده . ثم قال : وبه قال الشافعي وجملة أصحابه . وقد
استقصى المزني ذلك في كتاب ((الترغيب في العلم)) وقطع بأن الحق في واحد ودَلّ
عليه، وقال: إنه مذهب مالك والليث وهو مذهب كل من صنف من أصحاب
الشافعي من المتقدمين والمتأخرين. وإليه ذهب من الأشعريين أبو بكر بن مجاهد
وابن فورك وأبو إسحاق الاسفرايني، وقال: نقضت هذه المسألة على البصري
المعروف بجُعَل .
وقال القاضي : وقد ذكر أبو الحسن الأشعري القولين جميعا، وقد أبان ((الحق
في واحد))، ولكنه مال إلى اختيار: ((كل مجتهد مصيب)) وهذا مذهب معتزلة
البصرة وهم الأصل في هذه البدعة ، وقالوا هذا لجهلهم بمعاني الفقه وطرقه الدالة
على الحق ، الفاصلة بينه وبين ما عداه من الشبه الباطلة ، وقالوا : ليس فيها
طريق أولى من طريق، ولا أمارة أقوى من أخرى ، والجميع متكافئون . ومن غلب
على ظنه شيء حكم به ، فيحكمون فيما لا يعلمونه وليس من شأنهم ، وبسطوا
لذلك ألسنة نفاة القياس منهم ومن غيرهم القائلين بأنه لا يصح القياس والاجتهاد
لأن ذلك يصح في طلب يؤدي إلى العلم أو إلى الظن ، وليس في هذه الأصول ما
يدل على أحكام الحوادث علما ولا ظناً .
قال القاضي أبو الطيب : وفي المسألة قول ثالث ، وهو أن الحق واحد ، ولكن
الله تعالى لم يكلفنا إصابته ، وإنما كلف الاجتهاد في طلبه ، وكل من اجتهد في
طلبه فهو مصيب ، وقد أدى ما كُلّف .
وقال أبو على الطبري في ((أصوله)): قد أضاف قوم من أصحابنا هذا إلى
الشافعي ، واستدل بقوله : ((لأنه أدى ما كلف)): قال : وهو خطأ على أصله ،
لأنه نص على أن الحق واحد ، وأن أحدهما مخطىء لا محالة . قال القاضي أبو .
الطيب : واختلف النقل عن أبي حنيفة فنقل أنه ذكر في بعض المسائل ، كقولنا.
وفي بعضها كقول أبي يوسف . ولنا أن الحق لما كان في واحد لم يكن المصيب إلا
واحداً . ولو كان كل مجتهد مصيباً ما أخطأ مجتهد . وقال عليه الصلاة والسلام :
٢٤٣

(إذا اجتهد الحاكم فأخطأ .. ) (انتهى).
وقال ابن كج : صار عامة أصحابنا إلى أن الحق في واحد ، والمخطىء له
معذور. وقال أهل العراق وأصحاب مالك: كل مجتهد مصيب، واليه
ذهب ابن سريج وأبو حامد . إلا أنه كلف، ما أدى إليه اجتهاده . ثم نص ابن كج
على هذا(١) بإجماع الصحابة على تصويب بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ، ولا يجوز
إجماعهم على خطأ . ثم قال : إنه معذور .
وقال ابن فورك في كتابه : للناس فيها ثلاثة أقاويل : أحدها - أن الحق في
واحد ، وهو المطلوب ، وعليه دليل منصوب ، فمن وضع النظر موضعه أصاب
الحق ، ومن قصّر عنه وفقد الصواب فهو مخطىء ولا إثم ، ولا نقول ؛ إنه
معذور، لأن المعذور من يسقط عنه التكليف لا عذر في تركه ، كالعاجز عن القيام
في الصلاة . وهو عندنا قد كلف إصابة العين لكنه خفف أمر خطئه وأجر على
قصده الصواب، وحكمه نافذ على الظاهر . وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه
وعليه نص في كتاب ((الرسالة)) و ((أدب القاضي)). وقال: كل مجتهدين اختلفا
فالحق في واحد من قوليهما .
والثاني - أن الحق واحد إلا أن المجتهدين لم يكلفوا إصابته ، وكلهم مصيبون لما
كلفوا من الاجتهاد ، وإن كان بعضهم مخطئاً .
والثالث - أنهم كلفوا الردّ إلى الأشبه على طريق الظن (انتهى) . فحصل
وجهان في أنه يقال فيه معذور أم لا .
وقال الشيخ أبو إسحاق : اختلف أصحابنا ، فقيل : الحق في واحد ، وما
عداه باطل ، إلا أن الإثم مرفوع عن المخطىء ، وقيل : إن هذا مذهب
الشافعي. وقيل : فيه قولان هذا أحدهما . والثاني إن كل مجتهد مصيب ، وهو
ظاهر قول مالك وأبي حنيفة ، وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسين، وحكى القاضي
أبو بكر عن أبي علي بن أبي هريرة أنه كان يقول بأخَرَةٍ : إن الحق في واحد مقطوع
(١) (على) غير موجودة في الباريسية والأزهرية.
٢٤٤

به عند الله، وأن مخطئه مأثوم ، والحكم بخلافه منقوض ، وهو قول الأصم وابن
علية وبشر المريسى .
واختلف القائلون من أصحابنا بأن الحق في واحد في أنه هل الكل مصيب في
اجتهاده أم لا ؟ فقيل : المخطىء في الحكم مخطىء في الاجتهاد . وقيل: الكل
مصيب في الاجتهاد وإن جاز أن يخطىء في الحكم . وحكي عن أبي العباس .
واختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب ، فقال بعض الحنفية : إن عند الله
شبّهَاً ربما أصابه المجتهد وربما أخطأه ، ومنهم من أنكر ذلك . والقائلون بالأشبه
اختلفوا في تفسيره ، فقيل : تفسيره بأكثر من أنه أشبه(١). وقيل: الأشبه عند الله
في حكم الحادثة قوة الشبهة ، فهو الأمارة . وهذا تصريح بأن الحق في واحد يجب
طلبه . وقيل الأشبه عند الله أنه عنده في الحادثة حكم لو نص عليه وبيّنه لم ينص
إلا عليه . والصحيح من مذاهب أصحابنا هو الأول : أن الحق في واحد ، وما
سواه باطل ، وأن الإثم مرفوع عن المخطىء . (انتهى) .
وقال ابن الصباغ في ((العدة)): كان أبو إسحاق المروزي وأبو علي الطبري
يقولان : ان مذهب الشافعي وأصحابه أن الحق في واحد ، إلا أن المجتهد لا
يعلم أنه مصيب ، وإنما يظن ذلك . وقال سليم : ذهب الشافعي في أكثر كتبه إلى
أن الحق فيها واحد ، وأن الله ينصب على ذلك دليلا [إما] غامضا وإما جليا .
وكُلِّف المجتهدُ طلبَه وإصابته بذلك الدليل ، فإذا اجتهد وأصابه كان مصيباً عند
الله وفي الحكم ، وله أجر على اجتهاده ، وأجر على إصابته . وإن أخطأه كان
مخطئا عند الله وفي الحكم ، إلا أن له أجراً على اجتهاده ، والخطأ مرفوع . وحكى
هذا عن مالك ، وبه قال المريسى وابنٍ عليةٍ والأصم وزادوا فقالوا : عليه دليل
مقطوع به ، ثم أخطأه ، كان آثماً مضلّلاً .
وقال الشافعي رحمه الله في كتاب ((إبطال القول بالاستحسان)): إن الحق عند
الله واحد، وعليه دليل ، إلا أنه لم يكلّف المجتهد إصابته وإنما كلفه طلبه ، فإن
(١) كذا في الاصول كلها.
٢٤٥

أصابه كان مصيباً ، وإن أخطأ كان مخطئاً عند الله ، لا في الحكم.
وحكى هذا عن أبي حنيفة ومالك ، وهو اختيار المزني .
وذهبت المعتزلة بأسرها إلى أنه ليس هناك حكم مطلوب على اليقين، وإنما
٣٥٧ / ب الواجب على المجتهد أن يعمل بما غلب على ظنه/ ويكون مصيباً . واختلفوا هل
هناك أشبه مطلوب أم لا . على قولين . ومعنى الأشبه أن الله لو أنزل حكماً في
الحادثة لكان هو فيجب طلب ذلك(١) الأشبه .
وحكى ابن فورك عنهم قولاً ثالثاً أن الله نصب على الحكمين معاً دليلاً، إلا
أن الأدلة إذا تكافأت عند المجتهد وغمضت تحيّر . وذهب الكرخي وغيره من
الحنفية [إلى] أن كل مجتهد مصيب ، وهناك أشبه مطلوب ، فإن أصابه أصاب
الحق ، وإن أخطأه كان مخطئاً للمطلوب مصيباً في اجتهاده ، كالقول الثاني
للمعتزلة .
وأما الأشعرية فالذي حكاه عنهم الخراسانيون أبو إسحاق وابن فورك أن
مذهبهم أن الحق في واحد ، وأن على المجتهد طلبه بالدليل ، فإن أخطأه كان
مخطئاً عند الله وفي الحكم ، لقول الشافعي في الأول . وحكى القاضي أن لأبي
الحسين فيها قولين : أحدهما هذا ، والثاني أنه ليس لله حكم في هذه المسائل ،
وأن المأخوذ على المكلف أن يحكم بما غلب على ظنه فيها ، واختار هذا ونصره،
وقال: ليس هناك أشبه مطلوب ، ولا دليل منصوب مثل القول الأول للمعتزلة .
(انتهى) .
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي : اختلف أصحابنا في تصويب المجتهدين في
الفروع :
- فمنهم من قال : إن الحق في كل واحد، وهو المطلوب، وعليه دليل
منصوب، والذي يؤدي إلى غيره شبهة وليس بالدليل، وهؤلاء يقولون: إن الله
كلف المجتهدين إصابة الحق بالدليل الذي نصبه عليه، ومن أخطأه كان معذوراً
(١) في مخطوطة أحمد الثالث (لكان يجب طلب ذلك الأشبه).
٢٤٦

على خطئه مثاباً على قصده (قال) : وهذا هو الصحيح المشهور من مذاهب
الشافعي وأصحابه ، وبه قال ابن علية والمريسى .
وقال المُزَني : كل مجتهد مصيب ، إلا أن الحق في واحد من أقوالهم . قال
أصحاب الشافعي : فيها مسائل نقضوا فيها الحكم على من خالفهم ، كالحكم
بالنكول وسائر ما حكم به أهل العراق بالاستحسان ، وأوجبوا الحد على واطىء
الأم والبنت والأخت بعد العقد عليهن ، وعلى المستأجرة ، وإن حكم حاكم
بإسقاط الحد في ذلك . وأوجبوا إعادة الصلاة على من توضأ بنبيذ التمر أو ترك
النية أو الترتيب في الوضوء، وإعادة الصوم على من ترك نيته قبل الفجر ، أو نوى
في فرضه التطوع ، وكذلك نقضوا الحكم على من حكم بخلاف خبر المصراة ،
وخبر الخيار في البيع ، والعرايا ، والفلس . وكان الاصطخرى والصيرفي ينقضان
الحكم على من حكم بصحة نكاح بلا ولي ولا شهادة ، أو شهادة فاسقين .
- وقال أصحاب الرأي قبل قول المزني : إن الحق في واحد إلا إن كل مجتهد
مصيب ، لأنه لم يكلف إصابة الحق ، وإنما كلف فعل ما يؤدي إليه اجتهاده .
ولذلك قال المزني وأبو حنيفة فيمن صلى إلى بعض الجهات بالاجتهاد ثم علم خطأه
بيقين(١) أنه لا يلزمه الإعادة ، لأنه لم يكلف عندهما إصابة عين القبلة ، وإنما كلف
الصلاة بالاجتهاد (انتهى) .
والذي رأيته في كتاب ((فساد التقليد)) للمزني ترجيح القول بأن الحق واحد ،
وأطال في الاستدلال عليه ، ومنه إنكار الصحابة بعضهم على بعض في الفتاوى ،
ولا نعلم أحدا قال لمخالفه : قد أصبت فيما خالفتني فيه (قال) : وهو قول مالك
والليث ، ويروى عن السمتى أن أبا حنيفة قال : أحد القولين خطأ ، والإثم فيه
مرفوع (قال) : وجاء عن أبي حنيفة أنه حكم بين خصمين في طست ثم غَرِمه
للمقضي عليه . قال المزني : فلو كان يقطع بأن الذي قضى به هو الحق لما تأثم من
الحق الذي ليس عليه غيره ، ولا غرم للظالم ثمن طست في حكم الله أنه ظالم
بمنعه إياه من صاحبه (قال) : ولكنه عندي خاف أن يكون قضى عليه بما أغفل منه
(١) في معظم الأصول (فتعين)! وفي أحدها (سعى) مهملة من النقط.
٢٤٧

وظلمه من حيث لا يعلم ، فتورّع فاستحل ذلك منه وغرمه له ، ولو كان غرمه له
وهو يستيقن أنه ليس عليه إلا طلب الثواب لما خفي عليه أن إعطاءه لمحتاج أعظم
لأجره. انتهى .
وقال في ((المنخول)): ذهب الشافعي والأستاذ أبو إسحاق وجماعة من الفقهاء
إلى أن المصيب واحد ، وصار القاضي وأبو الحسين في طبقة المتكلمين إلى أن كل
واحد مصيب ، والغلاة منهم أثبتوا أو نَفوا مطلوبا معينا . وعزا القاضي مذهبه
للشافعي وقال : لولاه لكنت لا أعدُّه من أحزاب الأصوليين . ثم قال : والمختار
عندنا أن كل مجتهد مصيب في عمله قطعاً .
وقال في ((المستصفى)): المختار عندنا وهو الذي يقطع به ويخطىء المخالف
فيه، أن كل مجتهد مصيب في الظنيات ، وأنه ليس فيها حكم معين لله تعالى .
وقال إلكيا : انقسموا على قمسين : غلاة ومقتصدة .
فالغلاة افترقوا من وجهين :
(أحدهما) ذهب بعضهم إلى أنه يجوز لكل منهما أن يأخذ بالتحريم والتحليل من
غير اجتهاد ، إذا علم أنه يستدرك كل واحد منهم بالاجتهاد ، ويأخذ بما يشاء .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة ، أما السفسطة
فلكونه حلالاً حراماً في حق كل واحد ، وأما الزندقة فهو مذهب أصحاب
الإباحة .
و (الثاني) ذهب بعضهم إلى أن المطالب متعددة ، فلا بد من أصل الاجتهاد ،
ولكن المطلوب من كل مجتهد ما يؤدي إليه الاجتهاد .
- وأما المقتصدة فقالوا : كل مجتهد مصيب في عمله قطعاً ، ولا يقطع بإصابة ما
عند الله ، وادعوا أن في الآراء المختلفة حكماً عند الله هو أشبه بالصواب ، وهو
شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين ، وربما عبر عنه بأنه الحق والصواب ، غير أن
المجتهد لم يكلف غير إصابته . وهذا القول عن أبي حنيفة نصّاً .
وأما القائلون بأن الحق في واحد فيما دل عليه دليل ، والمجتهد مقصِر بالنظر فيه
٢٤٨

والمصير إليه ، ومن قصّر في ذلك ولم يصر إليه فإنه مخطىء فيه ، ويختلف خطؤه على
قدر ما يتعلق به الحكم ، فقد يكون كبيرة ، وقد يكون صغيرة . وهذا مذهب
الغلاة ، ومنهم الأصم والمريسى ، وهو قول أصحاب الظواهر فيما طريقه
الاستدلال .
وقيل : في واحد منهما وعليه دليل ، إلا أن المجتهد إذا لم يصل إليه لِدِقَّته
وغموض طريقه فهو معذور آثم ، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي ونفر من
الحنفية .
وحكي عن الشافعي أنه قال في الفروع التي لها أصل واحد وهو الذي يسمى
طريق إثباتها القياس الجلي ، والقياس المعنى أن المصيب فيها واحد ، والفروع التي
تتجاذبها أصول كثيرة ويسمى طريق إثباتها قياس علية الأشباه أن كل مجتهد فيها
مصيب ، وهو الذي حكاه عنه المحصّلون .
وقال في بعض مجموعاته في جواب سئل عنه / في قوله : إذا اجتهد الحاكم ١/٣٥٨
فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجرا واحد ، أنه لو كان أحد القولين خطأ لم
يجز أن يثاب عنه ، لأن الثواب لا يكون فيما لا يسوغ ، ولا في الخطأ الموضوع .
ثم قال : لو كان خطأً قصارى أمره أن يغفر له ، فكيف يطمع في الثواب على
خطأ لم يصنعه . وقد تكررت ألفاظه في کتبه على موافقة ما حکیناه عنه من أن کل
مجتهد مصيب ، والفرق بين ما حكينا عن أبي حنيفة آخِراً وبين قول المخالف أن أبا
حنيفة يقول : أن المجتهد لم يكلف الأشبه ، والذي هو الحق عند الله . وهؤلاء
يقولون أنه كلف إصابته ولكنه يكون معذوراً إن كان خطؤه صغيراً . واختلف
القائلون باتحاد الحق في هذه المسائل ، فقيل : يمنع من ورود التعبد في الفروع
بالأحكام المتضادة وقيل : السمع هو الذي يمنع من ذلك .
وقال ابن برهان في ((الأوسط)): المنقول عن الشافعي أن المصيب واحد، وأن
الحق في جميعه واحد. وذهب شيخنا أبو الحسن الأشعري والمعتزلة والحنفية إلى أن
كل مجتهد مصيب، وأن المطالب متعددة، وهو مذهب القاضي، أي أن المصوبة
انقسموا إلى غلاة ومقتصدة. وذکر نحو ما قاله إلکیا .
٢٤٩

وقال في ((القواطع)): ظاهر مذهب الشافعي أن المصيب من المجتهدين واحد ،
والباقون مخطئون ، غير أنه خطأ يعذر فيه المخطىء ولا يُؤثّم . وقد قال بعض
أصحابنا إن هذا قول الشافعي ومذهبه ولا يعرف له قول سواه ، وبه قال بعض
الحنفية . وقال بعض أصحابنا : للشافعي قولان : (أحدهما) ما قلناه ، و(الآخر)
أن كل مجتهد مصيب ، وهو ظاهر قول مالك وإليه ذهب أكثر الحنفية ونقلوه عن
أبي حنيفة ، وهو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة .
وقال الأصُ وابن علية والمريسى : إن الحق في واحد ، ومخالفه خطأ وصاحبه
مأثوم (قال): وقال أبو زيد في ((أصوله)): قال فريق من المتكلمين : الحقُّ في هذه
الحوادث التي يجوز الفتوى في أحكامها بالقياس والاجتهاد حقوقٌ ، وكل مجتهد
مصيب للحق بعينه . ثم إنهم افترقوا ، فقال قوم : الجميع حق على التساوي.
وقال قوم : الواحد من الجماعة أحقّ ، وسموه (تقويم ذات الاجتهاد) وقال بعض
أهل الفقه : والكلام الحق عند الله واحد ثم افترقوا فقال قوم : إذا لم يصب
المجتهد الحق عند الله كان مخطئاً ابتداء وانتهاء ، حتى أن عمله لا يصح . وقال
علماؤنا : كان مخطئاً للحق عند الله مصيباً في حق عمله حتى لو عمله يقع به
صحيحاً شرعياً . كأنه أصاب الحق عند الله .
(قال) : وبلغنا عن أبي حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتي : كل مجتهد
مصيب ، والحق عند الله واحد ، فبين أن الذي أخطأ ما عند الله سبحانه مصيب
في حق عمله . وقال محمد بن الحسن في كتاب الطلاق : إذا تلاعن الزوجان ثلاثا
ثلاثا ، وفرق القاضي بينهما ، نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة . فجعل قضاءه في حقه
صوابا مع قوله إنه مخطىء الحق عند الله . قال أبو زيد : وهذا قول التوسط بين
الغلوّ والنقص . واعلم أن هذا القول هو القول بالأشبه ، وهو أن يكون المجتهد
مصيباً في اجتهاده مخطئاً في حكمه قالوا : وما كلف الإنسان إصابة الأشبه ونقل
بعضهم هذا نصّاً عن أبي حنيفة ومحمد . وحكى القول بالأشبه عن أبي على
الجبائي .
قال ابن السمعاني : والصحيح من هذه الأقاويل أن الحق عند الله واحد ،
٢٥٠

والناس بطلبه مكلفون إصابته ، فإذا اجتهدوا وأصابوا حُمدوا وأُجِروا . وإن
أخطؤوا عُذِروا ولم يأثموا . إلا أن يقصروا في أسباب الطلب . وهذا هوم مذهب
الشافعي رضي الله عنه وهو الحق ، وما سواه باطل .
ثم بقول : إنه مأجور في الطلب إذا لم يقصّر وإن أخطأ الحق ، ومعذور على
خطئه وعدم إصابته للحق . وقد يوجد للشافعي في بعض كلامه ومناظراته مع
خصومه أن المجتهد إذا اجتهد فقد أصاب . وتأويله أنه أصاب عن نفسه بأنه بلغ
عند نفسه مبلغ الصواب ، وإن لم يكن أصاب عين الحق .
واعلم أنه لا يصح على مذهب الشافعي إلا ما قلناه ، ومن قال غير هذا فقد
أخطأ على مذهبه، وقال ما قال عن شهوته (انتهى) .
وقال القاضي الحسين في ((تعليقه)): المختار أن كل مجتهد مصيب ، إلا أن
أحدهم يصيب الحق عند الله ، والباقون يصيبون الحق عند أنفسهم . وحكى ابن
فورك عن بعضهم أنه قال : إن المجتهد مصيب عند الله عندي . وليس هذا
موضع خلاف ، لأن القائل بذلك غير متيقن أن كلّاً مصيب عند الله ، فلذلك
قيده بقوله ((عندي)) ولذلك يقول : إن المخالف له مصيب عند الله عنده ، فهذا
کلام لا حاصل له .
قلت : والحاصل في المسألة على مذهبنا ثلاثة طرق :
أحدها : قال الرافعي : وهي الأشهر : إثبات قولين للشافعي وهي التي
حكاها أبو حامد وغيره من أصحابنا وأصحهما - وهو الذي ذكره في كتبه الجديدة -
إن المجتهد مأمور بإصابة الحق ، ومن ذهب إلى غيره فهو مخطىء . وقال ابن
القطان وابن فورك في كتابيهما : إن هذا مذهب الشافعي ، لأنه قال في ((كتاب
القضاء)) وفي ((الرسالة)): وكل مجتهدين اختلفا في شيء فالحق في واحد من قوليهما .
قالا : هذا هو مذهبه ولا معنى للاشتغال بأشياء أطلقها وكان مراده فيها ما عُرف
من مذهبه (انتهى) . وهذا ما حكاه الأشعري بخراسان عنه وعن المعتزلة أن كل
مجتهد مصيب . قال ابن الصباغ : ونسبة هذا إلى الأشعري أشهر ، لأن كلّاً منهم
مأمور بالعمل بما أدّى إليه اجتهاده ، وغير الحق لا يؤمر بالعمل به . وعلى هذا
٢٥١

فهل يقول : الحكم والحق على كل واحد من المجتهدين ما غلب على ظنه ، أو
يقول: الحق واحد وهو أشبه مطلوب ، إلا أن كل واحد منهم مكلف بما غلب على
ظنه لإصابة الأشبه ؟ فيه وجهان :
أصحهما : الأول ، واختاره القاضي الحسين والغزالي وحكاه ابن الصباغ عن
المعتزلة والأشعرية . قال القاضي الحسين : لأنه يجوز أن يكون المقصود من الأمر
شيئاً واحداً ، والمطلوب من المأمور غيره ، ألا ترى أن من أبق عبده فقال لعبيده :
اطلبوه . فالمقصود من الأمر وجود الآبق ، ومن العبيد طلبه فحسب ، فإن لم
يجدوه فما ذمّهم من حيث لم يتوانوا فيه فكذا هنا .
- وبالثاني أجاب أصحابنا العراقيون ، كما قال الرافعي وحكوا(١) عن القاضي
٣٥٨/ب أبي حامد، وزعم القاضي في ((التقريب)) أن كلام الشافعي في / ((الرسالة)) وفي
((كتاب الاستحسان)) وفي ((رسالة المصريين)) محتمل، وأن الأظهر من كلامه
والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب . وتابعه
إمام الحرمين فقال : ليس للشافعي نص في المسألة على التخصيص لانفياً ولا
إثباتا، وإنما اختلفت النَقَلة عنه في استنباطهم من كلامه . وليس كما قال ، بل
نصوصه في ((الرسالة)) وغيرها طافحة به .
والطريق الثاني - القطع بالأول ، ويحكى عن أبي إسحاق المروزي وأبي علي
الطبري والأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني وأبي إسحاق الرازي . وهو اختيار
القاضي أبي الطيب .
والثالث - التفصيل بين قياس العلة وقياس الشبه ، وهذه طريقة إلكيا في النقل
عن الشافعي كما سبق ، وكذلك نقلها عنه صاحب ((الكبريت الأحمر)) قال : زَلّ
كثير من الناس فظنوا أن مذهب الشافعي أن الحق في واحد في جميع المواضع ،
وإلا فكيف كان يسوغ له مخالفة أبي حنيفة في كثير من الأحكام ، فلهذا قال : ما
ليس له أصل مقيس عليه إلا واحد فالحق فيه واحد ، لأنه مستفاد من دليل
(١) كذا في الأصول، ولعله (وحكوه).
٢٥٢

واحد، وأما ما تجاذبه أصلان فأكثر فكل مجتهد فيه مصيب . قلت : وهذا لا يعرفه
أصحاب الشافعي .
التفريع
إذا قلنا بالصحيح أن الحق واحد فعليه فروع :
(منها) : أنه هل يقطع بصحة قوله وخطأ المخالف، أم يجوز أن يكون في غيره؟
وجهان: ((أصحهما))، وبه قال القاضي أبو الطيب، أعلمُ أصابتنا للحق وأقطع
بخطأ من خالفنا ومنعه من الحكم باجتهاده، غير أني لا أؤثمه. قال أبو الخطاب
من الحنابلة: وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن الحكم، والأصح أن المسائل تنقسم
إلى ما يقطع فيه بالإصابة ، وإلى مالا يدري أصاب الحق أم أخطأ ، بحسب
الأدلة . وهذا هو الذي يقتضيه تصرف أصحابنا في نقض حكم الحاكم .
و (منها) أن المخطىء هل يقال إنه معذور؟ فيه وجهان : (أحدهما) - ونقله ابن
كج عن عامة الأصحاب -: نعم و (الثاني) وهو الذي أورده ابن فورك : لا .
و(منها) اتفق القائلون على أن لله في كل واقعة حكماً معيناً هو مقصد الطالب.
ثم اختلفوا هل نَصب عليه دليلاً أم لا ؟ فقيل : لا دليل عليه، وإنما هو مثل
دفين يُعثر [عليه]، فمن عثر عليه فله أجران ، ومن أخطأه فله أجر واحد
والأكثرون على أن الله نصب عليه دليلا .
ثم اختلفوا هل هذا الدليل قطعي أو ظني ، فحكى القاضي عن ابن أبي هريرة
أنه كان يقول في آخر عمره : أنه قطعي ، وهو قول الأصم وابن علية والمريسى
وجميع نفاة القياس ، إلحاقاً للفروع بالاصول . ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف
بأنه: هل دل عليه السمع أو العقل .
ثم اختلف هؤلاء في مخطىء هذا الدليل القاطع هل هو مأثوم محطوط عنه ؟
فحكي عن ابن أبي هريرة أنه كان يقول بأخَرة : إن مخطئه مأثوم ، والحكم بخلافه
٢٥٣

منقوض ، وهو قول الأصم ومن وافقه ، لأنه خالف دليلاً قطعياً . وقيل : بل
الإثم محطوط عنه . وحكاه السرخسي عن المريسى والأصم وابن علية . وذهب
عامة أصحابنا إلى أنه ظني ، وأن الإثم موضوع عن مخطئه وأن المجتهد كُلِّف
طلبه. قال الرافعي : وهو المذهب ، والحديث يدل عليه ، وهل كلف إصابته ؟
فيه قولان - أو وجهان - :
(أحدهما) : نعم ، وهو قول أبي إسحاق الأسفرايني ويحكى عن المزنى ، وهو
الصحيح عند أصحابنا، ونسبه ابن القطان إلى الشافعي ، فعلى هذا إن أصابه
المجتهد كان مصيباً عند الله ، وإن أخطأه كان الإثم مرفوعاً عنه ، وله أجر بقصده
الحق .
و (الثاني) : وبه قال ابن سريج ، ونسب إلى الشافعي أن الله لم يكلف المجتهد
إصابته ، وإنما كلفه الاجتهاد في طلبه ، فكل من اجتهد في طلبه فهو مصيب في
اجتهاده ، ولأنه قد أدّى ما كلف .
وإذا قلنا بأن كل مجتهد مصيب، فاختلف القائلون به، هل الحق في كل واحد
من المجتهدين ما غلب على ظنه أو نقول: الحق واحد وهو أشبه مطلوب إلا أن كل
واحد منهم مكلف بما يغلب على ظنه، لإصابة الأشبه . قال الرافعي رحمه الله:
فيه وجهان: اختيار الغزالي منهما الأول، وبالثاني أجاب أصحابنا العراقيون،
وحكوه عن القاضي أبي حامد والداركي (انتهى) . والمعنى أنه هل يرجع إليه في
كل مسألة حكماً مطلوبا هو أشبه بحكم الأصل في غالب ظن المجتهد ، فلهذا
قيل: هناك أشبه .
ثم اختلفوا في تفسيره ، فقيل : هو ما غلب على ظن المجتهد . وقيل : هو قوة
الشبه لقوة الأمارة . وقال ابن سريج : هو ما لو ورد به نص لطابقه . قال في
((المنخول)): وهذا حكم على الغيب . وقيل : ليس هناك أشبه ، والجميع واحد
إلا ما عند المجتهد أنه الأولى أن يحكم به ، وحكاه القاضي في ((التقريب)) عن
الجمهور ، وحكاه عن الأشعري .
وقال ابن القطان : القائلون بأن الحق في كلّ ما أدى إليه الاجتهاد اختلفوا :
٢٥٤

هل نصب الله تعالى أدلة مختلفة يؤدي اجتهاد كل واحد منهم إلی دلیل منصوب أم
لا ؟ على قولين : (أحدهما) نعم ، كالتخيير في كفارة اليمين أيها فعل أجزأه، فكذا
أيّ الأدلة صار إليه وأخذ به كان حقّاً. و (الثاني) أنه لم ينصب عليها دلالة، وإنما
الأمر فيها على غالب الظن ، لأنه المتعبَّد به .
تنبيهات
الأول : أن الصفي الهندي قد حرر المذاهب في هذه المسألة تحريراً جيداً فقال:
الواقعة التي وقعت إما أن يكون عليها نص أم لا، فإن كان الأول فإما أن يجتهد المجتهد
أم لا . والثاني على قسمين: لأنه إما إن يقصّر في طلبه أو لا يقصّر.
وإن وجده فحكم بمقتضاه فلا كلام ، وإن لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم
بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطىء وآثم وفاقاً ، وإن لم يكن مع العلم ولكن
قصّرّ في البحث عنه فكذلك ، وإن لم يقصّر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم
يعثر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد،
وسيأتي .
وإن لم يجده فإن كان لتقصير في الطلب فهو مخطىء ، وآثم ، وإن لم يقصر بأن
بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده . فإن خفي عليه
الراوي، الذي عنده النص ، أو عرفه ولكن مات قبل وصوله إليه فهو غير آثم
قطعاً ، وهل هو مخطىء أم مصيب ؟ على الخلاف الآتی فیما لا نص فيه ، وأولى أن
يكون مخطئاً . وأما التي لا نص فيها فإما أن يقال : لله فيها قبل اجتهاد المجتهد
حكم معين ، أو لا، بل حكمه تابع لاجتهاد المجتهد . فهذا الثاني قول من قال :
كل مجتهد مصيب ، وهو مذهب جمهور المتكلمين ، كالشيخ أبي الحسن الأشعري
والقاضي والغزالي والمعتزلة ، كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم ، ونقل
عن الشافعي وأبي حنيفة ، والمشهور عنهما خلافه .
وهذا في أنه وإن لم يوجد / في الواقعة حكم معين فهل وجد فيها ما لو حكم ١/٣٥٩
الله فيها بحكم لما حكم إلا به أو لم يوجد ذلك ؟ والأول : هو القول بالأشبه،
وهو قول كثير من المصوّبين وإليه صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج في
٢٥٥

إحدى الروايتين عنه . قال القاضي في ((مختصر التقريب)): ذهب بعضهم في
الأشبه إلى أنه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقايس والعبر ، ومثّلوا ذلك
بإلحاق الأرزّ بالبُرّ بوصف الطعم أو القوت أو الكيل ، وأحد هذه الأوصاف أشبه
عند الله وأقرب في التمثيل .
وأما الثاني فقول المخلص من المصوِّبة .
وأما الأول وهو أن لله في الواقعة حكماً معينا، فإما أن يقال: عليه دلالة أو أمارة
فقط، أو ليس عليه دلالة ولا أمارة .
فأما (القول الأول) : وهو أن على الحكم دليلا يفيد العلم فهو قول بشر
المريسى والأصم وابن علية ، وهؤلاء اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه ، وأنه إذا
وجده فهو مصيب ، وإذا أخطأه فهو مخطىء ، ولكنهم اختلفوا في المخطىء هل
يأثم ويستحق العقاب ؟ فذهب بشر إلى التأثيم وأنكره الباقون لخفاء الدليل
. وغموضه . واختلفوا أيضاً في أنه هل ينقض قضاء القاضي فيه ؟ فذهب الأصم
إلى أنه ينقض ، وخالفه الباقون .
وأما ( القول الثاني) : وهو أن على الحكم أمارة فقط فهو قول أكثر الفقهاء
الأئمة الأربعة وكثير من المتكلمين ، وهؤلاء اختلفوا ، فمن قائل : إن المجتهد غير
مكلف بإصابته لخفائه وغموضه وإنما هو مكلف بما غلب على ظنه ، فهو وإن أخطأ
- على تقدير عدم إصابته - لكنه معذور مأجور ، وهو منسوب إلى الشافعي رحمه
الله تعالى .
وأما ( القول الثالث) : وهو أنه لا دلالة عليه ولا أمارة ، فذهب إليه جمع من
المتكلمين وزعموا أن ذلك الحكم كدفين . قال القاضي في ((مختصر التقريب)):
واختلف هؤلاء فذهب بعضهم إلى أن العثور عليه ليس بواجب ، وإنما الواجب
الاجتهاد . وذهب بعضهم إلى أن العثور عليه مما يجب على المكلف وإن لم يكن
عليه دليل .
الثاني : قال ابن فورك : هذا الخلاف مبني على إثبات القول بالقياس ، فأما
من نفاه فلا يختلفون أن الحق في واحد لا غير .
٢٥٦

الثالث: مما يحتج به المصوبة حديث بعثه عليه الصلاة والسلام السرية لسبي
بني قريظة ، وقال : (لاتنزلوا حتى تأتوهم) فجاءت صلاة العصر في أثناء الطريق
فاختلفوا حينئذ ، فمنهم من نزل فصلى العصر ثم توجه ، ومنهم من تمادى وحملٍ
قوله (لا تنزلوا) على ظاهره، فلما عرضت القصة على النبي وَله لم يخطّىء أحداً
منهم ولم يؤثمه ، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : لما اختلف الصديق
والفاروق في أفضلية الوتر تقديماً وتأخيراً : (أصبتما) . وكذا الحديث المشهور :
فكان منا الصائم ومن المفطر ، ولم يعب أحد على أحد ، لأنهم اختلفوا في أفضلية
العزيمة على الرخصة ، أو العكس ، ففضل كل جهة ، واعتقد أنه أخذ بالأفضل
وصوب بعضهم بعضاً مع الاختلاف .
ويحتج للمخطّئة بحديث (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ
فأجر) وبحديث ( القضاة ثلاثة) لأنه لو لم يكن هكذا لم يكن للتقسيم معنى ،
وبقوله عليه السلام لأمير السرية : (وإن طلب منك أهل حصن النزول على حكم
الله فلا تنزلهم على حكم الله ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) .
الرابع : قد سأل المصيصي الغزالي عن هذه المسألة فقال : الصحيح عندي أن
الوقائع الشرعية خمسة أقسام :
الأول - ما فيه نص صريح ، كأكل الضب على مائدة الرسول عليه السلام ،
فالمصيب في مثل هذه المسألة واحد ، إذ النص واحد ، وقد وضع الشرع إباحة
الضب ، وعلى المجتهدين تعرّف ما وضعه الشرع ، فمن عرف فقد أصاب ، ومن
أخطأ النص ولم يعثر عليه فقد أخطأ ، أي أخطأ النص الذي كان مأموراً بطلبه ،
ولو وجده للزمه الرجوع إليه ، ويكون النص كالقبلة في حقه ، والمصيب فيها
واحد ، وله أجران ، وللمخطىء أجر .
الثاني - مالا نص فيه ، ولكن يدل النص عليه ، كسراية عتق الأمة ، إذ لا
نَصّ فيها ولكن يدل النص عليه . وكذلك ما شهد له النص شهادة جلية بقياس
جلي، فمن أخطأ معنى النص كمن أخطأ عين النص ، لأن النص ثبت الحكم
لمعناه لا للفظه . ومهما تعين المطلوب كان مصيبه واحداً ، ولا معنى لقوله :
٢٥٧

((أخطأ)) إلا أنه أخطأ ما قصد الشرع منه أن يعثر عليه، وما لو عثر عليه وجب
الرجوع إليه عليه . وهذا كالأول .
الثالث - مالا يتعرض له الشرع لا بلفظ يخصّه ولا يخص غيره ويسرى إليه ،
ولكن للخلق(١) فيه أن حكم الله فيه هو الأصلح للعباد فاطلبوه . فهذا ينقسم إلى
ما هو أصلح للعباد ، فكل ما علم الله أنه أصلح للعباد(١) فالمصيب من أمر به ،
ومن تعداه فهو مخطىء ، لأن الأصلح قد تعين عند الله وصار مطلوباً ، وكل من
طلب شيئا معيناً فإما أنه يصيب وإما أن يخطىء فتيصور فيه الخطأ والصواب ،
وكل ما تصور فيه ذلك فيميز المخطىء لا محالة في علم الله من المصيب .
الرابع - ماليس للشرع فيه حكم معين ، ولكن قيل للمجتهدين : اطلبوا
الحكم وترددوا بين رأيين ، وكل واحد من الرأيين مساوٍ للآخر في الصلاح والفساد
عند الله تعالى ، وكل واحد من المجتهدين ها هنا مصيب .
وهذا يمكن وقوعه في الشرع والعقل : أما شرعاً(٢) فكل حكم نيط باجتهاد
الولاة ، كتفرقة العطاء على المسلمين والتسوية بينهم أو التفاوت ، كما اختلف فيه
أبو بكر وعمر ، إذ ليس فيه نص على عينه ولا على مسألة قريبة منه يقال إنه في
معناه ، ولكن فيه إهمال لمصلحة تميز الفاضل من المفضول ، وهو من المصالح ،
وفي التفاوت إحدى المصلحتين دون الأخرى ، ومهما قوبل ما في إحداهما من
المضرة بما في احداهما من المصلحة يجوز أن تترجح إحداهما ، ويجوز أن تتساويا في
علم الله بالجبر والمقابلة . وإذا تساويا في علم الله كان كل واحد صواباً . ولولا
هذا لردّ المفضول في زمن عمر بعض ما أخذه في زمان أبي بكر . أو لامتنع الفاضل
في زمن عمر من أخذ الزيادة . وكلهم أجمعوا على أخذ المالين وتقرير الحكمين .
فهذا منهم إجماع على أن كل مجتهد مصيب .
(١) هكذا في الأصول.
(١) هنا في الباريسية فقط بياض بمقدار كلمتين.
(٢) لم يأت بمقابلة وهو وقوعه عقلًا. فلعله لكونه هو المقصود رغم التقسيم.
٢٥٨

وكذلك تقدير العقوبة والنفقات ، كما في شرب الخمر ، إذ لا يبعد أن يكون في
الترقي إلى الثمانين مضرة من / وجه ومصلحة من وجه . وكذا الاقتصار على ٣٥٩/ب
الأربعين ، وهما عند الله متساويان بالجبر والمقابلة . وكذا كل واقعة لا نصّ فيها
ولا هي في معنى المنصوص .
الخامس - مسألة تدور بين نصين متعارضين، فحكم الله فيها الأصلح إن كان
معقول المعنى، فيلحق بالقسم الرابع والثالث. وحكم الله فيه الأخذ بالأشبه إذا لم
يكن معقول المعنى. وقد يكون احدهما عند الله أشبه، وقد تكون نسبته في الشبه
إلى الجانبين على التساوي في علم الله . فهذا ممكن ، وإذا أمكن فكل واحد من
القولين صواب ولا مخطىء فيه . إذ الخطأ والصواب يستدعي شيئا معينا يعسر
الوقوف عليه بالصواب ، وعن الغفلة عنه بالخطأ ، وها هنا يتعين أحد الجانبين
على الآخر فإذاً إن كان التساوي في الصلاح أو الشبه ممكناً في علم الله فقد صح ما
قلناه ، ومن أنكر هذا وإمكانه أثبت عليه بقواطع العقل ، فإن المباحات كلها إنما
سوّى الشرع بين فعلها وتركها لتساويها عنده في صلاح الخلق .
وكذلك سائر أحكام السياسات وجميع مسائل تقابل الأصلین يكاد يكون من
هذا الجنس ، إذ قلّما يكون فيها ترجيح ، فإذا قضى قاضٍ بتحليف أحد،
وقضى آخر بتحليف الآخر فقد أصابا ، بل أقول : لو استوى عند قاضٍ واحد
المصلحة والمضرة في أمرين ، أو استوى عنده الشبه بالأصلين أو الاستصحاب في
مقابل الأصلين وامتنع الترجيح صار مخيراً كما في سائر المباحات .
فإذاً من المسائل ما يعلم أن المصيب فيها واحد ، وهو كل ما يعلم أنه لا يخلو
عن حكم مذكور في زمان النبي ◌َّار، كالخيل مثلا في أنه هل يحل أكله ، لأنه مع
كثرته في زمان الرسول يعلم أنه ما أغفله عن بيان حكمه ، فيقطع بأن المصيب
واحد . وإن لم يبلغنا فيه نص مثلا ، فهذا حكم المجتهدين عند الله ، فأما عندنا
فلا يطلع عليه في حق آحاد الأشخاص وأعيان المسائل . ويدل على ذلك تشديد
ابن عباس وعائشة في بيع العينة واعتقادهم أن ذلك مجاوزة لحكم ثابت بإجماع.
٢٥٩

وإجماعُ الصحابة في زمان عمر على أخذ الفضل يدل على وجود القسم الثاني
(انتهى) .
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): اختلفوا في كل مجتهد في الفروع
مصيب أم لا ، وهو بناء على أنه هل لله تعالى في الواقعة حكم معين أم لا ،
ولنقدم عليه مقدمة وهي أن لله تعالى حكمين : (أحدهما) مطلوب بالاجتهاد
ونصب عليه الدلائل والأمارات فإذا أصيب حصل أمران أحدهما أجر الإصابة،
والآخر أجر الاجتهاد . و (الثاني) وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد. وهذا
متفق عليه. فمن ينظر إلى هذا الحكم الثاني ولم ينظر في الأول قال إن حكم الله
على كل أحد ما أدى إليه اجتهاده، ومن نظر إلى الأول قال: المصيب واحد. وكلا
القولين حق من وجه دون وجه. أما أحدهما فبالنظر إلى وجوب المصير إلى ما أدى
إليه الاجتهاد. وأما الآخر فبالنظر إلى الحكم الذي في نفس الأمر المطلوب بالنظر.
واحتج القائلون بأن المصيب واحد بقوله عليه السلام: (إذا اجتهد الحاكم
وأصاب .. ) لأنه صرح بالإصابة والخطأ وهو يستلزم أمراً معيناً. وقوله تعالى:
﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء / ٧٩] وهذا القول منسوب إلى الأئمة الأربعة خلا أحمد
بن حنبل. وقال المتكلمون: كل مجتهد مصيب.
(قال) : ونحن قد بيّنا غور المسألة ، وهو أنه إن أريد الإصابة بالنسبة إلى
الحكم على كل إنسان بما أدى إليه اجتهاده فهو حق، وقد وافق الغزالي المتكلمين
وقال : إن كان ثمَّ تقصير فالخطأ واقع لتقصيره، لا لخطئه إصابة أمر معين، وإن لم
يكن ثمّ تقصير فلا حكم في حقه ما لم يبلغه النص، واستدل بمسألة تحويل القبلة،
فإن أهل قباء بلغهم النص فأسرعوا في الصلاة ولم يثبت الحكم في حقهم إلا بعد
العلم بدليلٍ عدم بطلان الصلاة وكذلك المخابرة فإن ابن عمر كان يخابر ولا يرى
بذلك بأساً حتى بلغه خبر رافع بن خديج بالنهى عنها (انتهى) .
مسألة : القائلون بأن المجتهد مكلف بما غلب على ظنه وإن أخطأ، قالوا بأنه
مأجور على الاجتهاد وإن أخطأ ، والمخطىء غير مأجور على الخطأ ، وقال ابن أبي
هريرة : المخطىء آثم، وقيل : غير مأجور ولا آثم ، والصحيح أنه غير آثم بل
٢٦٠