Indexed OCR Text
Pages 121-140
وإما أن لا يفعل ذلك، فاختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: (أصحها) أنه لا ينسب إليه قول في المسألة، بل هو متوقف لعدم ترجيح دليل أحد الحكمين في نظره، وقوله ((فيه قولان)) أي احتمالان لوجود دليلين متساويين، لا أنهما مذهبان لمجتهدين. قال القاضي أبو الطيب: ولا نعرف مذهبه منهما، لأنه لا يجوز أن يكونا مذهبين وهذا ما جزم به في ((المحصول)) وغيره . (والثاني) يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه، ورجوعُه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعا، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين. وهذا قول الآمدي، وهو أحسن من الذي قبله، وإن كان خلاف عمل الفقهاء . (والثالث): أن له قولين، وحكمهما التخيير، قاله القاضي في ((التقريب))، قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي تصويب المجتهدين لكن الصحيح من مذهبه أن المصيب واحد، فلا يمكن منه القول / بالتخيير، وأيضا فقد يكون القولان بتحريم وإباحة، ويستحيل التخيير ٣٣٩ / ب بینهما . واعلم أن وقوع ذلك في مجلس واحد من دون ترجيح قليل، حتى نقل ابن كجٍ عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي مثل ذلك إلا سبعة عشر موضعاً وقال الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)): إلا بضعة عشر موضعاً، ستة عشر أو سبعة عشر، ووقع في ((المحصول)) ذلك للشيخ أبي حامد الإسفرايني وجزم بأنها سبعة عشر، وكأنه اشتبه عليه، لكن رأيت بخط الشيخ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله فيما انتخبه من كتاب ((شرح الترتيب)) للأستاذ أبي إسحاق ما لفظه: كان أبو حامد يذكر أن الشافعي لا يبلغ ما له من المسائل التي اختلف أقاويله فيها أكثر من أربع أو خمس، والباقي كلها قطع فيها بأحد القولين والأقاويل فإنه ذكر في بعضها: وهذا أشبه بالحق، وفي بعضها: وهو الأقيس وفي بعضها: وهو أولاها، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على القطع، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في ١٢١ ((مختصر التقريب)): قال المحققون: إن ذلك لا يبلغ عشرا وقال القاضي أبو الطيب الطبري: قال أصحابنا: لم يوجد له من هذا النوع إلا ستة عشر (قالوا): ويحتمل أن یکون قد تعین له الحق منهما ومات قبل بيانه ويحتمل أن يكون قد تعین له وكان متوقفاً فيهما. فإن قيل: فإذا لم يكونا مذهبين فليس لذكرهما في موضع واختيار أحدهما معنى، وكذلك إذا لم يتبين له الحق فيهما فليس لذكرهما فائدة، فالجواب أن الشافعي ذكرهما ليعلم أصحابه طرق استخراج العلل والاجتهاد، وبيان ما يصحح العلل ويفسدها، لأنه يحتاج أن يبين مدارك الأحكام كما يبين الأحكام، ولأنه يُفيد أن ما عداهما باطل، وأن الحق في أحدهما (انتهى كلام القاضي) . وقال الغزالي: إنما يذكر القولين في هذه الحالة، إما لأنه لم يتم نظره في المسألة، وإنه في مدة النظر ويرجع حاصله إلى الوقف والاحتياط، وذلك غاية الورع وهو دأب الصحابة والسلف، كما قال عثمان في الجمع بين الأختين في ملك اليمين: أحلتهما آية وحرمتهما آية . (قال): ويتجه في هذا ثلاثة أسئلة: (أحدها): أن المفتي إنما يفتي بالحكم لا بالتردد. وجوابه أن المسائل المنقولة عن الشافعي رحمه الله تعالى في مسائل الفروع قريب من ستين ألف مسألة على ما حكى بعض الأصحاب، وإنما جمع القول متردداً في بضع عشرة مسألة، وما نص عليه يوجد منه حكم هذا التردد . (الثاني): إن کان حاصله التردد فما فائدة ذكرها؟ وجوابه: له خمس فوائد: (١) وضع تصوير المسائل لأنه أمر صعب (٢) والتحريك الداعية النظر فيها (٣) وحثه لأصحابه لتخريجها على أشبه أصوله (٤) وإنه يكفي مؤونة النظر من الاحتمالات، لأنه لا يحتمل سوى ما ذكره (٥) وذكر توجيهها فإنه لابد أن يذكر وجه كل، فتحصل معرفة الأدلة ومدارك العلماء، ويهون النظر في طلب الترجيح فإن طلب الترجيح وحده أهون من طلب الدليل. فعلى كل ناظر في المسألة هذه الوظائف الخمس تصويرها وطلب الاحتمالات فيها، وحصر ما ينقدح من تلك ١٢٢ الاحتمالات وطلب أدلتها وطلب الترجيح. والشافعي قام بالوظائف الأربع ولم يترك إلا الخامسة، فكيف تنكر فائدة القولين؟! (الثالث): ما يلزم عليه أن لا قول للشافعي في المسألة، فكيف يقال: له قولان. وجوابه أن المراد أن المسألة تحتمل قولين، ولا يمتنع أن يقال: لفلان في الحادثة رأيان متردد بينهما (انتهى). وكذلك قال إمام الحرمين في ((التلخيص)): لا يمتنع من إطلاق القولين، وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لها واستقصاؤه وجوه الأشباه فيها . (الحالة الثانية): أن يكون في موضعين، بأن ينص في موضع على إباحة شيء، وفي آخر على تحريمه . - فإما أن يعلم المتأخر منهما فهو مذهبه ويكون الأول مرجوعاً عنه، ويجعل الأول كالمنسوخ فلا يكون الأول قولاً له، قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب، وصححه الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني. وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لابد أن ينص على الرجوع، فلو لم ينص في الجديد الرجوع عن القديم لم يكن رجوعاً. حكاه الشيخ وكذا الرافعي في باب صفة الأئمة عن الصيدلاني أن أصحابنا اختلفوا في نص الشافعي إذا خالف الآخِر الأولَ، هل يكون الآخِر رجوعاً عن الأول أم لا؟ على وجهين: (أحدهما) أنه لا يكون رجوعاً، لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين، فيجوز أن يذكرهما متعاقبين. و(الثاني) يكون رجوعاً ولم يرجح الرافعي شيئا . والحاصل أنه لو صرح بالرجوع عن الأول فليس الأول مذهبا له قطعاً، وإن لم يصرح فوجهان. والراجح أنه رجوع إلا في مسائل مستثناة عند الأصحاب، لقيام دليل على القول به قال سليم ويكون إضافة القديم إليه على معنى أنه قاله في وقت، لا على وجه بينه وبين القول الآخر . كما يقال مثله في إضافة الروايتين إلى أبي حنيفة ومالك وغيرهما. ١٢٣ قلت: وقد صح عن الشافعي أنه قال: لا أُحِلّ لأحد أن يروي عني الكتاب القديم. وهذا تصريح بالرجوع عما فيه، فلا يبقى للتفصيل السابق وجه. نعم، هذا يشكل عل أصحابنا في مسائل عملوا بها على القديم حيث لم يجدوا في الجديد ما يخالفها. - وإما أن يجهل الحال ولا يعلم التاريخ، فإن بين اختياره من القولين فهو مذهبه، وإن لم يبيّنه فالوقف. قال ابن دقيق العيد: والوقف يحتمل أمرين: (أحدهما) أن يريد بذلك أن الحكم الوقف عن الحكم بأن أحد القولين مذهبه. و(الثاني) أن يريد الحكم بأن المجتهد واقف غير حاكم بأحد القولين. وهذا الثاني إنما يقوى إذا قالهما المجتهد في وقت واحد، وليس ذلك صورة المسألة. وحينئذ فيحكى عنه قولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح . وقد وقع الحالان للشافعي رضي الله عنه، وهو دليل على علو شأنه في العلم والدين: أما العلم فلأنه كلما زاد المجتهد علماً وتدقيقاً كان نظره أتم واطلاعه على الأدلة أعم. وأما الدين فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان أقام على مقالته الأولى، بل صرح على بطلانها. وعلم بذلك أن تشنيع الخصم باطل. وقد صنف أصحابنا في نُصْرة القولين، منهم ابن القاصّ والغزالي وإلكيا والروياني، وتكلم عليه الأصحاب في كتبهم الأصولية والفروعية. وقد سبق بذلك ٣٤٠ / أ السلف، فإن عمر نصّ في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم، تنبيهاً على / حصر الاستحقاق، ولم يعترض أحد عليه. واعلم أنه في هذه الحالة ترجح أحد القولين على الآخر بأمور: (منها) أن تكون أصول مذهبه موافقة دون الآخر فيكون هو المذهب، قاله الماوردي . و(منها) أن يكرر أحدهما أو يفرع عليه فهل يكون رجوعاً عن الآخر؟ وجهان حكاهما الماوردي، ونسب ابن كج الرجوع في حالة التفريع إلى المزني. (قال): وعامة أصحابنا أن ذلك ليس برجوع، وجزم القاضي أبو الطيب أنه رجوع في ١٢٤ التفريع، وحكى خلاف المزني في التكرير. وقال: خالفه أبو إسحاق المروزي فقال: هذا لا يدل على اختياره، لأنه يحتمل أن يكون ذكره اكتفاء بما ذكره. قال القاضي: والذي قاله المزني هو الصحيح. وكذا قال ابن السمعاني. و(منها) ما لو كان أحدهما يوافق مذهب أبي حنيفة، فقال الشيخ أبو حامد: ما يخالفه مذهب أبي حنيفة أرجح، وعَكَس القفال، واختاره ابن الصلاح والنووي . والأصح: الترجيح بالنظر، فإن لم يظهر ترجيح فالوقف . و(منها) أن ينص على أحدهما في موضع آخر، فهل يكون ذلك اختياراً منه لذلك القول؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي قبل الديات، وحكى ابن السمعاني عن القاضي والماوردي أنه قسم القولين في هذه الحالة إلى أربعة عشر قسماً: أحدها - أن يقيد جوابه في موضع ويطلقه في آخر، كقوله في أقل الحيض: يوم وليلة، وفي موضع آخر: يريد مع ليلته. فحمل المطلق على المقيد. لكن لا يقال: له قولان. وإنما هو واحد. ثانيها - أن تختلف ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلافها من وجه. فغلّب بعض أصحابنا حكم الاختلاف ولم يغلّب حكم الاتفاق، فخرّجهما على قولين. كقوله في المظاهر: أحب أن يمتنع عن القُبلة. وقال في القديم: رأيت ذلك. فيحتمل حمله على الإيجاب أو الاستحباب، فحملها على ما صرح به من الاستحباب أولى . ثالثها - أن يختلف قوله، لاختلاف حالَيْه، كصداق السر، فإنه قال في موضع باعتباره، وفي موضع باعتبار العلانية، وليس ذلك باختلاف قولين، وإنما هو لاختلاف حالين، فإن اقترن العقد بصداق السر فهو المستحُق، وإلا فعكسه . رابعها - لاختلاف الرواية، كتردده في نقض الملموس لأجل ((لمستم)) أو ((لامستم)) وكاختلاف الرواية في صلاة العشاء نصف الليل أو ثلثَه. خامسها - لأنه عمل في أحدهما بظاهر القرآن ثم بلغته سنة نقلته عن الأول، كصيام المتمتع أيام التشريق، لقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ ١٢٥ [البقرة /١٩٦] ثم جاء النهي عن صيامها فأوجب صيامها بعد إحرامه. وقيل: يوم عرفة اتباعاً للسنة. ومثل هذا قال في الصلاة الوسطى. سادسها - لأنه عمل في أحدهما بالقياس ثم بلغته سنة لم تثبت عنده، فجعل مذهبَه مِن بعدُ موقوفاً على ثبوت السنة، كالصيام عن الميت والغُسل من غَسله . سابعها - أن يقصد بذكرهما إبطال ما عداهما، فيكون الاجتهاد مقصوراً عليهما ولا يعدوهما. ثامنہا ۔ أن یقصد بذکرهما إبطال ما یتوسطهما، ویکون مذهبه منهما ما حكم به . وفُرّع عليه مثل قوله في وضع الجوائح، وقد قدرها مالك بالثلث، فقال الشافعي : ليس إلا واحد من قولين: إما أن يوضع جميعها، أو لا يوضع شيء منها. تاسعها - أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين متفقتين فخرّجهما أصحابه على قولين. وهذا على الإطلاق خطأ، لأنه إن كان بينهما فرق لم يسع التخريج، وإن لم يكن بينهما فرق لم يخلُ قولاه إما أن يكونا في وقت أو وقتين، فإن كانا في وقت، كما لو قال في مسألة بقول ثم قال بعده فيها بقول آخر، فيكون على ما سنذكره. وإن قالهما في وقت فيكون على ما نذكره في قوله في حالة واحدة . عاشرها - لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما فقال به ثم أداه اجتهاده إلى الآخر فعدل إليه، فمذهبه الثاني، ولا يرسل القولين إلا بعد التقييد بالجديد والقديم . حادي عشرها - أن يكون قال في مسألة بقول في موضع وقال فيها بقول في موضع آخر فيخرّجها أصحابه على قولين. وهذا وإن كان النقل صحيحاً فهو في إضافتها إليه على التساوي غلط، وينظر: إن تقدم أحدهما فالعمل للمتأخر، وإن جهل توقف إلا أن يقترن بأحدهما من أصول مذهبه ما يوافقه، فيكون هو المذهب. فإن تكرر ذكر أحد القولين أو فرّع عليه قال المزني وطائفة من الأصحاب: إن المتكرر وذا التفريع مذهبه دون الآخر. ثاني عشرها - أن يذكرهما حكاية عن مذهب غيره، فلا يجوز نسبتهما إليه. ومثّله ابن كج بقوله في الجد مع الإخوة في الولاء، قالت طائفة بكذا، وقالت طائفة بكذا ثم قطع بأحد الأقوال، فإن أشار إليهما بالإنكار كان الحق عنده في غيرهما، أو ١٢٦ بالجواز جاز أن يكون الحق عنده فيهما وفي غيرهما أو بالاختيار فيهما . ثالث عشرها - أن يذكرهما معتقداً لأحدهما وزاجراً بالآخر، كما فعل في قضاء القاضي بعلمه، وفي تضمين الأجير المشترك. وعبّر عنه الشيخ نصر فقال: أن يذكر أحدهما على طريق المصلحة. ومذهبه الأخير. رابع عشرها - أن يقولهما في موضع، فإن نبّه على اختيار أحدهما فهو مذهبه. وزاد الغزالي أن يذكرهما على سبيل التخيير بينهما وأن الكل جائز، وأن يذكرهما على سبيل التخيير بينهما على البدل لا الجمع. (وقال): وهذا الوجه ذكره القاضي وأنکره جمیع الأصحاب، وليس عندي منکر، بل متجه. قلت: ذكره ابن کج کما سبق . مَسألة إذا قال الشافعي في موضع بقول ثم قال ولو قال قائل كذا وكذا كان مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولاً له على الأصح. عند الشيخ أبي إسحاق وابن السمعاني، لأنه إخبار عن احتمال في المسألة ووجه من وجوه الاجتهاد . مَسَأُلة إذا لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن له قول في نظيرها ولم يعلم بينهما فرق فهو القول المخرّج فيها، ولا يجوز التخريج حيث أمكن الفرق، كما قال ابن كج والماوردي وغيرهما، وأشار الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)) إلى خلاف فيه فقال: لا يجوز على الصحيح، ثم لا يجوز أن ينسب للشافعي ما يتخرّج على قوله فيجعل قولاً له على الأصح، بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب، ولاحتمال أن يكون بينهما فرق فلا يضاف إليه مع قيام الاحتمال . ١٢٧ ٣٤٠ / ب فإن قيل: أليس أنه ينسب إلى الله ورسوله ما يقتضيه قياس قولهما فكذلك/ ينسب إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس قوله؟ قلنا: ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال: انه قول الله، ولا قول رسوله. وإنما يقال: هذا دين الله ودين رسوله، بمعنى أن الله دل عليه. ومثله لا يصح في قول الشافعي، قاله ابن السمعاني . ـرع : الأوجه المحكية عن الأصحاب هل تنسب إلى الشافعي؟ لم أرَ فيها كلاما. ويشبه تخريجها على التي قبلها، ويكون على طريق الترتيب، وأولى بالمنع، لأنهم يخرّجونها على قواعد عامة في المذهب، والقول المخرّج إنما يكون في صور خاصة . فصَل وأما اختلاف الرواية عن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى فليس هو من باب القولين، لأن القولين نقطع أن الشافعي ذكرهما بالنص عليهما، بخلاف الروايتين فإن الاختلاف جاء من جهة الناقل، لا من جهة المنقول عنه، لأن أبا حنيفة رحمه الله لم يدوِّن. قال أبو بكر البلعمي في ((الغرر)): الاختلاف في الرواية عن أبي حنيفة من وجوه: (منها) الغلط في السماع، كأن يجيب بحرف النفي إذا سئل عن حادثة يقول: لا يجوز، فيشتبه على الراوي فينقل ما سمع . و(منها) أن يكون لأبي حنيفة قول قد رجع عنه يعلمُ بعض من يختلف إليه رجوعه عنه، فيروي القول الثاني والآخر لم يعلمه فيروى القولَ الأوّل. (ومنها) أن يكون قال أبو حنيفة الثاني على وجه القياس ثم قال ذلك على وجه الاستحسان، فيسمع كل واحد منه أحد القولين فينقل كما سمع . ١٢٨ و(منها) أن يكون الجواب في المسألة من وجهين: من جهة الحكم، ومن جهة البراءة للاحتياط، فيذكر الجواب من جهة الحكم في موضع، ومن جهة الاحتياط في موضع آخر، فينقل كما سمع. (قال): وأما الفرق بين القولين والروايتين فهو أن الاختلاف في الرواية وقع من جهة الناقل دون المنقول عنه، فأبو حنيفة حَصَل على قول واحد، وأما إطلاق القولين وتعلق الحكم بأحد الأمرين من غير ترجيح أحدهما فعجب (انتهى). ١٢٩ الفصل الثاني في التَّرجيْح وهو تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بما ليس ظاهراً. مأخوذ من رجحان الميزان. وفائدة القيد الأخير أن القوة لو كانت ظاهرة لم يحتج إلى الترجيح. قال إلكيا: الترجيح إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر وضعاً لا أصلاً. مأخوذ من رجحت الوزن إذا زدت جانب الموزون حتى مالت كفته. ولو أفردت الزيادة على الوزن لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفة الأخرى. قلت: هذا حَدُّ للمرجح لا للترجيح . وقيل: بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة عن مقابله ليعمل بالأقوى. ورجح على الأول، لأن الترجيح يجري في الظواهر والأخبار تارة، وفي المعاني أخرى . فالتعريف الأول يخرج منه الأخبار والظواهر، لاختصاص اسم الأمَارة بالمعاني، وهذا مندفع بالغاية . وفيه مسائل : الأولى : أنه إذا تحقق الترجيح وجب العمل بالراجح وإهمال الآخر، لإجماع الصحابة على العمل بما ترجح عندهم من الأخبار. وأنكر بعضهم الترجيح في الأدلة، كما ينبغي في البينات، وقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف. قال الإمام: وقد حكاه القاضي عن البصري الملقب بـ((جُعَل)). (قال): ولم أرَ ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها. ولعل القاضي ألزمه إنكار الراجح إلزاماً، على مذهبه في إنكار الترجيح في البينات. واستبعد الأبياري ١٣٠ وقوع القاضي في مثل ذلك. وقال ابن المنير: ليس ببعيد، للخلاف في أن لازم المذهب هل هو مذهب؟ فإن كان القاضي وجد له نصا فذاك، وإن لم يجده بل ألزمه بجعله مذهبا له فصحیح عند من یری ذلك. وإن ثبت فهو قول باطل، وهو مسبوق بالإجماع على استعماله الترجيح . الثانية : سواء فيما ذكرنا كان الترجيح معلوماً أو مظنوناً. قال القاضي لا يجوز العمل بالترجيح المظنون، لأن الأصل امتناع العمل بشيء من المظنون. وخرج من ذلك الظنون المستقلة بأنفسها، لانعقاد إجماع الصحابة عليها. وما وراء ذلك يبقى على الأصل. والترجيح عمل نظر لا يستقل بنفسه دليلاً، وأجيب بأن الاجماع انعقد على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كما انعقد على المستقل . الثالثة : أن المرجوح هل هو كالعدم شرعاً، أم نجعل له أثراً؟ يخرج من كلامهم فيه خلاف، وكلام إمام الحرمين يقتضي الأول، وكلام غيره يقتضي الثاني. وادعى الأبياري أنه المشهور وقال: لو كان كالعدم لما ضعف الظن بالراجح، ولذلك لا يبقى الإنسان على ظنه في الراجح، بمثابة ما لو كان الراجح منفرداً، بل ظنّاً بالراجح إذا لم يعارض أقوى من ظننا به بعد المعارضة. وخالف ابن المنير ونقل الإجماع على أن المرجوح ساقط الاعتبار. ثم للترجيح شروط: الأول - أن يكون بين الأدلة، فالدعاوي لا يدخلها الترجيح وانبنى عليه أنه لا يجري في المذاهب، لأنها دعاوي محضة تحتاج إلى الدليل. والترجيح بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة فليس هو دليلاً، وإنما هو قوة في الدليل . وحكى عبد الجبار في ((العمد)» عن بعض أصحابهم دخول الترجيح منها، وضعف بأن الترجيح ينشأ من منتهى الدليل، فإذا لم يكن دليلاً لم يثبت الترجيح . والحق أن الترجيح يدخل المذاهب باعتبار أصولها ونوادرها وبيانها، فإن بعضها قد ١٣١ يكون أرجح من بعض، ولذلك جرى الترجيح في البينات. وأما إذا تعارض عند عامي قول مجتهدين، وقلنا: يجب تقليد الأعم، فليس هو من باب الترجيح . الثاني - قبول الأدلة التعارض في الظاهر. ويبنى عليه مسائل: (أحدها) أنه لا مجال له في القطعيات، لأن الترجيح عبارة عن تقوية أحد الطرفين على الآخر كي يغلب على الظن صحته. والأخبار المتواترة مقطوع بها فلا يُفيد الترجيح فيها شيئاً. وما يوجد من ذلك في كتب المتكلمين فإنما هو تعارض بين دليل وشبهه، وهذا وإن أطبقوا عليه لكن سبق أن التعادل بين القطعيين ممكن في الأذهان، فهلّاً قيل: يتطرق الترجيح إليه، بناء على هذا التعارض، كما في الأمارات . ثم رأيت أبا الحسين صرح بأن العلة المعلومة تقبل الترجيح، ولا شك في ٣٤١ / ١ جريان / هذا النص، وإلا فلا فرق ولا بعد فيه، فإن ما مقدماته أعلى وأوضح راجح على ما ليس كذلك. ورأيت القاضي في ((التقريب)) صرح بأنه منع ذلك، بناء على أن العلوم لا تتفاوت. وهي مسألة خلافية سبقت أول الكتاب . و(الثانية) قيل: إن الظنّات لا تتعارض، والمراد به اجتماع ظنّن بحكم واحد بأمارتين. وسيأتي في أول (ترجيح الأقيسة). عن القاضي أنه يمتنع الترجيح في الأقيسة المظنونة. وتأولناه. (الثالثة) لا مجال له في العقليات، أعني التقليد. نقله إمام الحرمين عن إطلاق الأئمة، وحكاه في ((المنخول)) عن الأستاذ وقال: هذا إشارة منه إلى أنها معارف، ولا ترجيح في المعارف (قال): والمختار أن العقائد يرجح البعض بالبعض فإنها ليست علوماً والثقة بها مختلفة . وفصل إمام الحرمين بين عقائد العامة وغيرهم، فيجوز في عقائد العامة، بناء على أنهم مكلفون بالاعتقاد لا بالعلم. وقال الأرموي: الحق أنا إن جوزنا للعوام التقليد فيها لم يمتنع ذلك، وقال ابن النفيس في ((الإيضاح)): ينبغي أن يكون المنع مختصّاً بالبرهانية منها. أما التي تكون فيها الحجج الظنية فلا مانع من دخوله فيها. ١٣٢ وكذا قال الهندي: القطعي منها لا يقبل الترجيح، لكنه ليس مخصوصاً به، بل القطعيات الشرعيات أيضاً لا تقبل الترجيح . الثالث - أن يقوم دليل على الترجيح. وهذا على طريقة كثير من الأصوليين، لكن الفقهاء يخالفونهم. وتابعهم في ((المحصول)). وشرطوا أن لا يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن، ولو من وجه، امتنع، بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من إلقاء أحدهما، والاستعمال أولى من التعطيل قال في ((المحصول)): العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر، لأن دلالة الدليل على بعض مدلولاته تابعة لدلالته على كلها، لأن دلالة التضمّن تابعة لدلالة المطابقة، وترك التبع أولى من ترك الأصل. فإذا عملنا بكل واحد منهما من وجه دون وجه فقد تركنا العمل بالدلالة التضمنية(١)، وإن عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة السمعية . إذا علمت هذا فالعمل بكل واحد منهما من وجه يقع على ثلاثة أوجه: (أحدها) توزيع متعلَّق الحكم إن أمكن، كما تقسم الدار المدعَى ملكُها عند تعارض البينتين . (ثانيها) ينزل على الأحكام بعض كل واحد عند التعدد، بأن يكون كل واحد منهما مقتضياً أحكاماً، فيعمل بواحد منهما في بعضها، وبالآخر في البعض الآخر، كالنهي عن الشرب والبول قائماً ثم فعله، فإن فعله يقتضي عدم الأولوية والحرج، ونهيه بالعكس. فيحمل النهي على عدم الأولوية والفعل على رفع الحرج وبيان الجواز. وكنهيه عن الاغتسال بفضل وضوء المرأة ثم فعله مع عائشة . (ثالثها) التنزيل على بعض الأحوال عند الإطلاق، كقوله: (ألا أخبركم عن خير الشهود؟ أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد) وقوله في حديث آخر: (ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد) فيحمل الأول على حق الله تعالى، والثاني على حق الآدميين . (١) هكذا في الازهرية مصحّحاً من (السمعية) إلى التضمنية. وفي بقية الأصول (السمعية) هنا وفيما بعد، وهو مشكل. ١٣٣ وهذه الطريقة أطبق عليها الفقهاء، أعني الجمع المستقل بنفسه من غير إقامة دليل، وعدَّوا ذلك إلى تعارض القراءتين، كقراءة ((أرجلكم)) بالنصب والخفض، فحملوا إحداهما على مسح الخف والأخرى على غسل الرجلين، وحمل بعضهم قوله ((يطهرن)) و((يطهرن)) إحداهما على ما دون العشرة، والأخرى على العشرة . وقد ذكر ذلك من أصحابنا الأصوليين الشيخ في ((اللمع)) فقال: إذا تعارض عامّان، فإن أمكن استعمالهما في حالين استعملا، وإلا وجب التوقف. وكذا قال سليم في ((التقريب)): إذا ورد مثل ((اقتلوا المشركين))، ((لا تقتلوا المشركين)) فإنهما يستعملان، فيحمل كل منهما على بعض ما تناوله، ويُخَصُّ في الثاني. وقيل: یتوقف فیھما. وأما إمام الحرمين فنقل ذلك عن الفقهاء وقال: هو مردود عند الأصوليين، بل لابد من دليل خارج عن ذلك. وأما أن يجعل أحدهما دليلاً في تخصيص التالي، والثاني في تخصيصِ الأول فلا سبيل اليه. وهذا تابَعَ فيه القاضي، ثم قال: وكأن الفقهاء رأوا تصرفاً في الظواهر مستقلا بنفسه، والظاهر أنهما على تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب عليه دليل. قال ابن المنير: وكأن الإمام ظنّ أن الفقهاء يتحكّمون بتعيين صورة من صورة حتى تكون هذه ثابتة وهذه مخرجة. وليس كذلك، بل صنيعهم راجع إلى أن العمل مع الإمكان خير من التعطيل. والقائل بالتعارض عطلهما جميعا، والقائل بتخصيص كل منهما ببعض صوره عمل بهما جميعا حسب إمكانه . ثم لهم في التعيين طريقة مستأنفة، وذلك لأن صور العام لابد أن تتفاوت باعتبار ثبوت ذلك الحكم، فتعيين الفقهاء أولى الصور بالحكم لأنهم لو عينوا القسم الآخر لزم عموم الحكم ضرورة أن ثبوته في الأدنى يقتضي ثبوته في الأعلى، مثاله: إذا قابلنا بين حديث (أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله) مع قوله: (خذ من كل حالم ديناراً) كان الحديث الأول يقتضي أن لا تقبل الجزية من احد، والثاني يقتضي قبولها من كل أحد، فإذا حملنا كلا منهما على بعض صوره نظرنا في صور الكفار وجدناها قسمين: كتابياً وغير كتابي، فعينًا الكتابي للجزية، ١٣٤ وغيره للسيف. وليس هذا احتكاماً(١)، ولكن لما لم يكن بد من التخصيص وجدنا الكتابي أولى بالقبول من غيره، لأنه أقرب إلى أن يستبقى، إذ له عقيدة ما. ولهذا أجاز الشرع نكاح الكتابيات دون الوثنيات، ولهذا لما نشبت الحرب بين فارس والروم كان المسلمون يتمنون نصرة الروم، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يتمنون نصرة فارس، لأنهم مثلهم بلا كتاب. فبهذه الطريقة يعين الفقهاء صور الإثبات من صور الإخراج، لا بالاحتكام. وبذلك يزول عنهم ألسنة الطاعنين . وأما قول الأبياري: تخصيص العمومين تعطيل لهما فلا يصح قول الفقهاء: في الجمع عمل بهما. فهذا ينتقض عليه بما إذا تعارض عام وخاص، فإنه وافق على أن القضاء بالخاص على العام يتعين لأنه عمل بهما . قلت: والتحقيق إنه إذا لم نجد متعلقا سواهما تصدّى لنا الإلغاء والجمع، والأليق بالشرع الجمع. وإن وجدنا متعلّقاً سواهما فالمتعلق هو المتبع وهو الظاهر / ٣٤١ / ب من تصرف الشافعي، فإنه حمل حديث ابن بريدة على عمومه في أهل الكتاب وحديث أبي هريرة في أهل الأوثان، فقال: لا يقضي بأحدهما على الآخر، لتساويهما في القضاء، إلا أنه ليس له أن يقول (حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يعطوا) إلا وللآخر أن يقول إنه أمره أن يدعوهم إلى إحدى خلال إذا كانوا من أهل الكتاب. وإذا تعارضا رجعنا إلى دلالة الكتاب فقد قال تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة / ٢٩] فدل على أن من لم يكن من أهل الكتاب لا تؤخذ منه الجزية، ولهذا امتنع عمر من أخذها من مجوس هجر. ومثله اختلاف قوليه في إتمام وضوء الجنابة لأجل اختلاف روايتي عائشة وميمونة، ولم يجمع بينهما كما فعل مالك بل رجح حديث عائشة لموافقته تشريع العبادة. وكذلك فعل في القراءتين فإنه اختلف قولاه في انتقاض وضوء الملموس لأجل تعارض قراءة (لمستم) و(لا مستم) ورجح النقض بأمر خارجي. (١) يقصد: (تحگّماً). ١٣٥ تنبيهان : الأول : لما كثر على عادات المتأخرين طريقة الجمع وتقديمها على طريقة الترجيح أخذها الشيخ في (شرح الإلمام)) مسلمةً وزاد فيها قيداً فقال: هو عندي فيما إذا كان التأويل في طريقة الجمع مقبولاً عند النفس مطمئنة به، فإن لم يكن كذلك فالأشبه تقديم رتبة الترجيح على رتبة الجمع، فينظر إلى الترجيح بين الرواة بحسب حالهم في الحفظ والإتقان، لأن الأصل في الترجيح هو سكون النفس، وسكونها إلى احتمال الغلط في بعضهم أقوى من سكونها إلى التأويلات المستبعدة المستنكرة عندها. لا سيما مع من كانت روايته خطأ (قال): فهذا هو الذي استقر عليه رأيي ونظري، ولا أقول هذا في كل تأويل ضعيف مرجوح بالنسبة إلى الظاهر، وإنما ذلك حيث يشتد استكراهه. ذكر ذلك في ((اختلاف الأحاديث)) في تقدير مدى حوض النبي ◌َّة . (قال): ولقد سمعت الشيخ أبا محمد بن عبد السلام يقول قولاً أوجبته شجاعة نفسه، لا أرى ذكره وإن كان صحيحاً. قلت: وذلك أن الشيخ سئل عن حديث أنس المخرج في الصحيحين: (ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح). قال عبد الله: فسألت عنهما فقال: هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، فأجاب الشيخ: المراد بالناحيتين في حديث الحوض المقدر بما بين مكة وبصرى، ناحيتاه من العرض. قلت: وهذا الجواب ليس بصحيح، كما زعمه الشيخ، للأحاديث المصرحة بالتسوية بين العرض والطول. وفي صحيح مسلم: (عرضه مثل طوله)، وفي الصحيحين روايات (سواء) أي عرضه وطوله (سواء). الثاني : سبق أن طريقة التنزيل على حالتين ليست على التحكم، فعلى هذا إذا تعارض الخبران وأمكن استعمالهما في موضع الخلاف فهو أولى من استعمالهما في غير المختلف فيه. ذكره ابن القطان. (قال): وهذا يقوله أصحابنا في قوله: (لا نكاح إلا بولي) على الصغار والمجانين، وحملوا (الأيم أحق بنفسها من وليها، وليس ١٣٦ للولي مع الثيب أمر) فاستعمله أهل العراق في المرأتين، وحملوا قوله: (لا نكاح إلا بولي) على الصغار والمجانين، وحملوا (الأيم أحق بنفسها) على البالغة العاقلة. قال أصحابنا :. ونحن نستعملها في الموضع المختلف فيه، وهي البالغة، لأنا استفدنا كون الصغار لا يُعتمد عليهن إلا الولي بالإجماع، ولا وجه لتخصيص النكاح بذلك دون غيره، فإذا صح هذا كان حملنا أولى، لأنه أكثر فائدة . الشرط الرابع : أن يترجح بالمزية التي لا تستقل. وهل يجوز الترجيح بالدليل المستقل؟ فيه قولان: (أحدها): نعم، كالمزية، بل أولى، فإن المستقل أقوى من غير المستقل. و(الثاني): واختاره القاضي وعزاه إلى الأكثرين - المنع، لأن الرجحان وصف للدليل، والمستقل ليس وصفاً له، ولأنه إن كان دونه فهو باطل لا ترجيح فيه، وإن كان فوقه فهو متمسك به لا بطريق الترجيح، وإن كان مثله رجع البحث إلى الترجيح بالعدد، ولأن الأدلة إذا تماثلت سقط الزائد، لأن أثره مثل الأول، وإلا يلزم اجتماع المثلين. والفرق بينه وبين المزية أن الفضلة مستغنى عنها لا اتصال لها بالدليل، بخلاف الدليل، فإنه لا يمكن الاستغناء عنه، والصحيح الأول. بناء على رجوعه إلى أوصاف لا إلى ذوات، وهو كثرة النظائر، وكثرتها وصف في الدليل، ولأن المزية أيضاً مستغنى عنها. ولهذا لو فرضنا خلو الدليل منها لاستقل. وقول النافي: يلزم اجتماع المثلين ممنوع، بل التقوية ترجع إلى الترجيح بأوصاف لا بذوات، وهو كثرة النظائر، فإن ذلك وصف في الدليل، وكأنا رجحنا بالتأكيد لا بالتأسيس، لأن التأكيد يبعد احتمال المجاز . وفصّل صاحب ((المقترح)) فقال: إن كان الدليل المستقل مغنياً عن الأول لم يصح الترجيح به، لأنه تطويل بلا فائدة، وإن لم يكن مغنياً عنه صح الترجيح به، لأنه مانع منه. ومثّل الأول بما إذا تمسك بقياس فعورض بقياس، فرجح قياسه بالنص، فهذا لا يصح، لأن النص الذي رجح به يغني عن القياس، فإن ذكر القياس تطويل بلا فائدة. ومثّل الثاني بما إذا تمسك بنص. وهذا التفصيل لا يرجع إلى أمر أصولي، بل إلى أمر جَدَليّ اصطلاحي . ١٣٧ وانبنى على هذا الخلاف في هذا الأصل مسائل كثيرة: (منها) أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة عندنا، خلافاً للحنفية، لأن الظنّين أقوى من الظن الواحد، فيعمل بالأقوى. و(منها) ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواية، لأن العدد إذا کثر قرب من التواتر فالتحق بتقديم المتواتر على الآحاد. والخلاف في هذا أضعف. ولهذا وافق هنا من خالف. ونقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة المنع، كالشهادة، وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح به، لأنه يورث مزيداً في غلبة الظن. وسيأتي فيه مزيد كلام . و(منها) أنه إذا انضم إلى أحد الخبرين قياس، قال إمام الحرمين: فالذي ارتضاه الشافعي تقديم الحديث الموافق للقياس، وقال القاضي: لا مرجح به، لأنه ظنّ مستقل فتساقطا، ويرجع إلى القياس، فالمسلكان يفضيان إلى حكم ٣٤٢ /١ القياس، ولكن الشافعي يرى تعليق الحكم بالخبر/ الراجح بموافقة القياس فالقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبر. فإن قلت: فالخلاف لفظي. قلت: بل يرجع إلى أن المسألة توقيفية أو قياسية، ويظهر أثر ذلك فيما لو حكم به حاكم ينقض. والصورة أنه غير جليّ. وفي المسألة مذهب ثالث حكاه أبو العزّ في ((شرح المقترح)): التفصيل بين ما يظهر من قصد الشارع إرادة المجمل الظاهر فلا يصح عضده بقياس، وإن لم يظهر قصده لذلك فيصح، تفرقة بين تأييده ظهور اللفظ في المعنى لظهور القصد وبين ما لم يتأيد بذلك . وقال إلكيا: إن كان مع أحدهما قياس، وفي الجانب الآخر مزيد وضوح. كزيادة الرواة والعدالة فيحتمل أن يعمل بالقياس، لاستقلاله، ويحتمل خلافه من جهة أن القياس حجة ضرورة عند فقد النص، ودلالة النص ثابتة في أحد الجانبين، إلا أن يقال: إنها ضعفت بالتعارض والقياس مستقل فيتعارض النظران (قال): والأشبه بمذهب الشافعي تقديم الخبر الراجح، ثم حكى قولاً أنه کالحكم ١٣٨ L قبل ورود الشريعة، فيجيء فيه الخلاف المشهور . و(منها): أن يكون أحد الخبرين أقرب إلى القواعد، والفرق بين هذا والذي قبله أن في هذا له مخالفة القياس، فإذا ثبت أن مخالف القياس يرجح فكلّما كان أقل مخالفة كان أكثر قرباً، فكان أرجح، فإنا لو أردنا أن نثبت القياس على وفق أحد الخبرين لعجزنا. ولا يجيء هنا خلاف القاضي بالتساقط، إذ لو أسقطناها لم نقدر على إثبات هيئة القياس، فتعينّ العمل بأحدهما بمرجح القرب . مَسألة قال ابن كج: يقع الترجيح بوجوه ذكرها الشافعي : أحدها - بكثرة الرواة، على اختلاف القولين. ثانيها - بالنقل، فإنه يكون أحدهما موافقاً لما قبل الشرع، والآخر ناقلاً، فيقدم، لأن معه زيادة، كما لو شهدا بأن هذه الدار لزيد خلّفها لورثته، وشهد آخران بأنه باعها من عمروٍ، تقدم بينة البيع، لأن أولئك بنوا على الحال الأول. ثالثها - أن يتقدم أحدهما، فالمتأخر أولى، لقول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث . رابعها - أن يكون أحدهما أشبه باستعمال الصحابة . خامسها - أن يكون أحدهما أشبه باستعمال الفقهاء . سادسها - أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن، لأن السنن أكثرها لها أصل في الكتاب إما نصا أو استدلالاً. سابعها - أن يكون أشبه بالقياس. وهذا كله سيأتي مفصّلاً، ولكن أحببت معرفته من كلام الشافعي مجموعاً. قال ١٣٩ ابن كج: وإذا اجتمع ثلاثة مرجحات في خبر، واثنان في خبر، فالذي اجتمع فيه الثلاثة أولى، لأنه أكثر. مَسألة إذا تعارض نصان، فإما أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصّاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه خاصّاً من وجه آخر. فهذه أربعة أنواع، وكل واحد من هذه الأنواع ينقسم ثلاثة أقسام، لأنهما إما أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر مظنوناً، فحصل اثنا عشر، وكلٍّ منها إما أن يعلم تقدمه أو تأخره أو يجهل فتصير القسمة من ستة وثلاثين: أما النوع الأول - فهو أن يكونا معلومين، ويقع على ثلاثة أضرب: (الضرب الأول) - أن يكونا معلومين، وعُلم التاريخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كانا آيتين أو خبرين أو أحدهما آية والآخر خبراً عند من يجوّز النسخ عند اختلاف الجنس. أما من يمنعه فيمنع الفسخ في هذا الأخير. قاله الهندي. وقال الأرموي الشافعي: وإن لم نقل بوقوع نسخ الخبر المتواتر بالكتاب، ولا بالعكس، ولكنه إذا تعارضا وأحدهما متقدم تعينَ المتأخر، وهذا إذا كان حكم المتقدم قابلاً للنسخ، وإلا كصفات الله تعالى قال الإمام: فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى دليل. واعترض عليه النقشواني، فإن المدلول إذا لم يقبل النسخ يمتنع العمل بالمتأخر، فلا يعارض المتقدم، بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر . قلت: وهذا إذا كان نقل التاريخ متواتراً أيضاً، فإن كان النصّان متواترين والنسخ آحاداً فيتجه فيه طريقتان: (إحداهما) إجراء خلاف مبني على النسخ بالآحاد، فإن جوزناه نسخنا بما دلت الآحاد على أنه متقدم، وعملنا بالمتأخر. وإن منعناه حكمنا بتعارض الظنين ورجعنا إلى الأصل أو التخيير. و(الثانية) القطع بقبول الآحاد في تاريخ المتواتر، ١٤٠