Indexed OCR Text

Pages 81-100

تنبيه :
حيث اعتبرت المصالح عندنا بالمعنى السابق فذاك حيث لم يعارضها قياس، فإن
عارضها خرج للشافعي رحمه الله تعالى فيه قولان، من القولين فيما إذا وقع في الماء
القليل مالا نفس له سائلة. ولهذا قال الشيخ في ((التنبيه)): تنجسه في أحد
القولين، وهو القياس، ولم تنجسه في الآخر، وهو الأصلح للناس. وقال الشيخ
أبو محمد الجويني في كتاب القراض من ((السلسلة)): إذا تاجر العامل بغير إذن
المالك، أو اشترى بغير المال وربح فوجهان: (أحدهما) أن تلك العقود باطلة. و
(الثاني) أن المالك مخير بين إجازة العقود وبين فسخها. (قال): والقياس مع القول
الأول، والمصلحة مع الثاني.
.
٨١

١٣
سَدّالذرائع
قال الباجي: ذهب مالك إلى المنع من سدّ الذرائع، وهي المسألة التي ظاهرها
الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل المحظور، مثل أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل،
ويشتريها بخمسين نقداً، فهذا قد توصل إلى خمسين بذكر السلعة. وقال أبو
حنيفة والشافعي : لا يجوز المنع من سد الذرائع. قلنا: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [سورة البقرة / ١١٤] وقوله: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت
حاضرة البحر﴾ [سورة الأعراف / ١٦٣] وقوله عليه السلام: (لعن الله اليهود حرمت
عليهم الشحوم فجمهلوها وباعوها وأكلوا أثمانها)، وقوله عليه السلام : (دع ما
يريبك إلى مالا يريبك) وقوله عليه السلام : (الحلال بين والحرام بين وبينهما
مشتبهات). (انتهى).
وقال القرطبي: وسد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أکثر الناس
تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً. ثم حرّر موضع الخلاف فقال:
اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعاً أو لا،
والأول ليس من هذا الباب، بل من باب مالا خلاص من الحرام إلا باجتنابه
ففعله حرام من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والذي لا يلزم إما (١) أن
يفضي إلى المحظور غالباً (٢) أو ينفك عنه غالباً(٣) أو يتساوى الأمران وهو المسمى بـ
((الذرائع)) عندنا: فالأول لابد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب
فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسميه التهمة البعيدة والذرائع
الضعيفة .
٨٢

وقريب من هذا التقرير قول القرافي في ((القواعد)) إن مالكاً لم ينفرد بذلك، بل
كل واحد يقول بها، ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادته فيها. (قال):
فإن من الذرائع ماهو معتبر إجماعاً، كالمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين،
وإلقاء السمّ في طعامهم، وسب الأصنام عند من يُعلم من حاله أنه يسب الله.
و(منها) ما هو ملغى إجماعاً، كزراعة العنب، فإنها لا تمنع خشية الخمر وإن كان
وسيلة إلى المحرم، و (منها) ما هو مختلف فيه، كبيوع الآجال، فنحن نعتبر الذريعة
فيها وخالفنا غيرنا. فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها
خاصة .
(قال) : وبهذا نعلم بطلان استدلال أصحابنا على الشافعية في هذه المسألة بقوله
﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبّو الله عَدْوا﴾ [سورة الأنعام / ١٠٨] وقوله:
﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ [البقرة / ٦٥] فقد ذمّهم بكونهم تذرعوا
للصيد يوم السبت المحرم عليهم بحبس الصيد يوم الجمعة. وقوله عليه السلام: (لعن
الله اليهود حرمت عليهم الشحوم .. ) الحديث. وبالإجماع على جواز البيع والسلف
مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة اليها. وبقوله عليه السلام: (لا تقبل شهادة
خصم وظَنين) خشية الشهادة بالباطل، ومنع شهادة الآباء للأبناء .
وإنما قلنا: إن هذه الأدلة لا تفيد في محل النزاع لأنها تدل على اعتبار الشرع سدًّ
الذرائع في الجملة، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما النزاع في ذريعة خاصة، وهي بيوع
الآجال ونحوها، فينبغي أن تذكر أدلة خاصة بمحل النزاع. وإن قصدوا القياس
على هذه الذرائع المجمع عليها فينبغي أن تكون حجتهم القياس، وحينئذ
فليذكروا الجامع حتى يتعرض الخصم لرفعه بالفارق.
وهم لا يعتقدون أن دليلهم القياس، فإن من أدلة محل النزاع حديث زيد بن
أرقم أن أمَةٌ قالت لعائشة إني بعت منه عبداً بثمانمائة إلى العطاء واشتريته نقداً
بستمائة فقالت عائشة: بئس ما اشتريت، وأخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده
مع رسول الله # إلا أن يتوب.
٨٣

قال أبو الوليد بن رشد: وهذه المبالغة كانت من أم ولد زيد بن أرقم ومولاها
قبل العتق، فيتخرج قول عائشة على تحريم الربا بين السيد وعبده، مع القول
بتحريم هذه الذرائع ولعل زيداً لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده (قال): ولا
يحل لأحد أن يعتقد في زيد أنه واطأ أم ولده على الذهب بالذهب متفاضلاً إلى
أجل. وقول عائشة: أحبط عمله مع أن الإحباط لا يكون إلا بالشرك لم ترد إحباط
الإسقاط بل إحباط الموازنة، وهو وزن العمل الصالح بشيء، كقوله: (من ترك
صلاة العصر فقد حبط عمله) والقصد ثَمّ المبالغة في الإنكار لا التحقيق، وأن
مجموع الثواب المتحصل من الجهاد ليس باقياً بعد هذه السيئة، بل بعضه، فيكون
الإحباط في المجموع من حيث هو مجموع، بحيث لو اقتدى به الناس انفتح باب
الربا نسيئة .
(قال : ووافقنا أبو حنيفة وأحمد في سد ذرائع بيوع الآجال. وخالف الشافعي
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة / ٢٧٥ ] وفي الصحيح
أنه عليه الصلاة والسلام أتى بتمرٍ جنيب، فقال: لا تفعلوا ولكن بيعوا تمر الجمع
بالدراهم واشتروا بالدراهم جنيباً). فهذا بيع صاع بصاعين وإنما توسط بينهما عقد
الدراهم. وليس في الحديث أن العقد الثاني مع البائع الأول والكلام فيه .
قلت: وأجاب أصحابنا بأن عائشة إنما قالت ذلك باجتهادها، واجتهاد واحد
من الصحابة لا يكون حجة على الآخر بالإجماع، كما سبق نقله عن القاضي. ثم
قولها معارض لفعل زيد بن أرقم. ثم إنما أنكرت ذلك لفساد البيعَين فإن الأول
٣٣٤ / ب فاسد لجهالة / الأجل، فإن وقت العطاء غير معلوم، والثاني بناء على الأول،
فيكون أيضاً فاسداً.
واعلم أن أبا العباس بن الرفعة رحمه الله حاول تخريج قول الشافعي في
الذرائع من نصّه في باب إحياء الموات من الأم إذ قال بعدما ذكر النهي عن بيع الماء
ليمنع به الكلأ، وإنما يحتمل إنما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل، وكذا ما
كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله ما نصه: وإذا كان هكذا ففي هذا ما يثبت أن
الذرائع إلى الحلال والحرام يشبه معاني الحلال والحرام (انتهى).
٨٤

ونازعه بعض المتأخرين وقال: إنما أراد الشافعي رحمه الله تحريم الوسائل لا
سد الذرائع، والوسائل مستلزمة المتوسل إليه. ومن هذا بيع الماء فإنه مستلزم عادة
لمنع الكلأ الذي هو حرام. ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل. (قال):
وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدّها. والنزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في
سدها.
ثم قال: الذريعة ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بتوصله إلى الحرام فهو حرام عندنا وعندهم.
والثاني: ما يقطع بأنها لا توصل ولكن اختلطت بما يوصل فكان من الاحتياط
سدّ الباب وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها
الموصل إليه. وهذا غلوٍّ في القول بسد الذرائع.
والثالث: ما يحتمل ويحتمل. وفيه مراتب متفاوتة ويختلف الترجيح عندهم
بسبب تفاوتها .
(قال): ونحن نخالفهم في جميعها إلا القسم الأول، لانضباطه وقيام الدليل.
(انتھی).
وقيل: أما القسم الأول فواضح، بل نقول به في الواجبات كما نقول: مالا يتم
الواجب إلا به فهو واجب. أما مخالفتهم في الثاني فكذلك. وأما الثالث فلعله
الذي حاول ابن الرفعة تخريج قول منه بما ذكره عن النص، وقد عرف ما فيه.
واستشهد له أيضاً بالوصي يبيع شقصاً على اليتيم فلا يأخذ بالشفعة على الأصح
عند الرافعي. وبالمريض يبيع الشقص بدون ثمن المثل أن الوارث لا يأخذ
بالشفعة على وجه، سدّاً لذريعة الشرع. وحاول ابن الرفعة بذلك تخريج وجه في
مسألة العينة ولا يتأتى له هذا فتلك عقود قائمة بشروطها ولا خلل فيها وإن منعها
الأئمة الثلاثة. وقد يقول بالقسم الثالث في مسائل: (منها) إقرار المريض للوارث
على قول الإبطال، وليس ذلك من سد الذرائع بل لأن المريض محجور عليه. ثم
هو قول ضعيف. و (منها) إذا ادعت المجبرة محرمية أو رضاعاً بعد العقد. قال ابن
٨٥

الحداد. يقبل قولها، لأنه من الأمور الخفية، وربما انفردت بعلمه. وقال ابن
سريج: لا يقبل وهو الصحيح، لأن النكاح معلوم والأصل عدم المحرمية. وفتح
هذا الباب طريق الفساد، وليس هذا من سد الذرائع بل اعتماد على الأصل.
قلت: ونص الشافعي رحمه الله تعالى في ((البويطي)) على كراهية التجميع
بالصلاة في مسجد قد صليت فيه تلك الصلاة إذا كان له إمام راتب (قال): وإنما
كرهته لئلا يعمد قوم لا يرضون إماماً فيصلون بإمام غيره (انتهى). وقال في
((الأم)) في منع قرض الجارية التي يحل للمستقرض وطؤها: تجويز ذلك يفضي إلى
أن يصير ذريعة أن يطأها وهو يملك ردّها. قال المحاملي: يعني أنه يستبيح بالقرض
وطء الجارية ثم يردها على المقرض، فيستبيح الوطء من غير عوض. قيل: وفيه
منع الذرائع.
٦٨٣
٨٦

١٤
الاستحسَان
وقد نوزع في ذكره في جملة الأدلة بأن الاستحسان العقلي لا مجال له في الشرع،
والاستحسان الشرعي لا يخرج عما ذكرناه، فما وجه ذكره؟
وهو لغة: اعتماد الشيء حسناً، سواء كان علماً أو جهلاً، ولهذا قال الشافعي:
القول بالاستحسان باطل، فإنه لا ينبىء عن انتحال مذهب بحجة شرعية، وما
اقتضته الحجة الشرعية هو الدين سواء استحسنه نفسه أم لا. ونسب القول به إلى
أبي حنيفة، وعن أصحابه أنه أحد القياسين، وقد حكاه عنه الشافعي وبشر
المريسى. قال الماوردي: وأنكر أصحابه ما حكى الشافعي عنه، ونسبه إمام
الحرمين إلى مالك، وأنكره القرطبي وقال: ليس معروفاً من مذهبه.
وقد أنكره الجمهور، حتى قال الشافعي: ((من استحسن فقد شرع)). وهي من
محاسن كلامه. قال الروياني: ومعناه أن ينصب من جهة نفسه شرعاً غير شرع
المصطفى .
قال أصحابنا: ومن شرع فقد كفر. وسكت الشافعي عن المقدمة الثانية
لوضوحها. قال السنجي في ((شرح التلخيص)): مراده لو جاز الاستحسان بالرأي
على خلاف الدليل لكان هذا بعث شريعةٍ أخرى على خلاف ما أمر الله، والدليل
عليه أن أكثر الشريعة مبني على خلاف العادات، وعلى أن النفوس لا تميل إليها.
ولهذا قال عليه السلام: (حُفّت الجنة بالمكارة، وحُفَّت النار بالشهوات) وحينئذ
فلا يجوز استحسان ما في العادات على خلاف الدليل.
وقال الشافعي في ((الرسالة)): الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في
الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهلِ العلم، ولجاز أن يشرع في الدین في كل
باب، وأن يخرّج كل واحد لنفسه شرعاً، وأي استحسان في سفك دم امرىء
٨٧

مسلم. وأشار بذلك إلى إيجاب الحدّ على المشهود عليه بالزنى في الزوايا. قال أبو
حنيفة: القياس أنه لا رجم عليه ولكنا نرجمه استحساناً. وقال في آخر ((الرسالة)):
((تلذذ)) وإنما قال ذلك لأنه قد اشتهر عنهم أن المراد به حكم المجتهد بما يقع في
خاطره من غير دليل. وقال ابن القطان: قد كان أهل العراق على طريقة في القول
بالاستحسان، وهو ما استحسنته عقولهم وإن لم يكن على أصل، فقالوا به في كثير
من مسائلهم حتى قالوا في الجزاء: إن القياس أن فيه القيمة، والاستحسان: شاةً،
وقالوا في الشهود بالزوايا: الحد استحساناً. (قال): وقد تكلم الشافعي وأصحابه
عن بطلانه بقوله عليه السلام، حين بعث معاذاً ودلّه على الاجتهاد عند فقد
النص، ولم يذكر له الاستحسان. وقد نهى الله عن اتباع الهوى .. وممن أنكروا
الاستحسان من الحنفية الطحاوي، حكاه ابن حزم.
واعلم أنه إذا حُرّر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة بريء إلى الله
من إثبات حكم بلا حجة. قال العارض المعتزلي في ((النكت)): وقد جرت لفظة
(الاستحسان) لإياس بن معاوية، ولمالك بن أنس(١) في كتابه، وللشافعي في
مواضع. (انتهى).
٣٣٥ / ١
وعن ابن القاسم، قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان./ قال أصبغ بن
الفرج: الاستحسان في العلم يكون أبلغ من القياس. ذكره في كتاب أمهات
الأولاد من ((المستخرجة)) نقله ابن حزم في ((الأحكام)).
وقال الباجي: ذكر محمد بن خويزمنداد: معنى الاستحسان الذي ذهب إليه
أصحاب مالك هو القول بأقوى الدليلين، كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب
بالتمر، وتخصيص الرعاف دون القيء بالبناء، للحديث فيه. وذلك لأنه لو لم ترد
سُنّة بالبناء في الرعاف لكان في حكم القيء في أنه لا يصح البناء، لأن القياس
يقتضي تتابع الصلاة، فإذا وردت السنة في الرخصة بترك التتابع في بعض المواضع
صرنا إليه، وأبقينا الباقي على الأصل. (قال) وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل،
فإن سمّاه استحساناً فلا مُشَاحّة في التسمية. (انتهى).
(١) في الأصول كلها: (لأنس بن مالك) ولا يحفى أنه مقلوب، بدلالة ما بعد هذا من نقول.
٨٨

وقال الأبياري: الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان، لا على ما
سبق، بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي، فهو يقدم
الاستدلال المرسل على القياس. ومثاله: لو اشترى سلعة بالخيار ثم مات وله
ورثة. فقيل: يرد، وقيل: يختار الإمضاء. قال أشهب: القياس الفسخ، ولكنا
نستحسن إن أراد الإمضاء أن يأخذ .. (١) من لم يمض إذا امتنع البائع من قبول
نصيب الرادّ. وقال ابن القاسم: قلت لمالك: لم يقضى بالشاهد واليمين في جراح
العمد وليس بمال؟ فقال: إنه لشيء استحسناه. والظاهر أنه قاسه على الأموال.
وقال بعض محققي المالكية: بحثت عن موارد الاستحسان في مذهبنا فإذا هو
يرجع إلى ترك الدليل بمعارضة ما يعارضه بعض مقتضاه، كترك الدليل للعرف في
رد الأيمان إلى العرف أو المصلحة، كما في تضمين الأجير المشترك، ولإجماع أهل
المدينة كما في إيجاب غرم القيمة على من قطّ ذنب بغلة الحاكم، أو في اليسير، كرفع
المشقة وإيثار التوسعة كما جاز التفاضل اليسير في المراطلة، وإجازة بيع وصرف في
اليسير. وقال بعضهم: هو معنى ليس في سلوكه إبطال القواعد، ولا يجري عليها
جرياً مخلصاً، كما في مسألة خيار الرؤية.
وقال ابن السمعاني: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان
ويشتهيه من غير دليل فهو باطل، ولا أحد يقول به. ثم حكى كلام أبي زيد أنه
اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي، حتى كان القياس غير الاستحسان على
سبيل المعارضة، وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقوف
عن العمل به بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله، ولم يكن لهم من هذه
التسمية إلا التمييز بين حكم الأصل الذي يبنى على الأصل قياساً، والذي قال
استحساناً. وهذا كما ميز أهل النحو بين وجوه النصب فقالوا: هذا نصْب على
الظرف، وهذا نصب على المصدر.
ثم نبّه ابن السمعاني على أن الخلاف بيننا وبينهم لفظي، فإن تفسير
الاستحسان بما يشنع عليهم لا يقولون به. والذي يقولون به أنه: العدول في
(١) هنا بياض بمقدار كلمة في جميع الأصول. ولعلها («الأرش)).
٨٩

الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه. فهذا مما لم ينكره. لكن هذا الاسم لا
نعرفه اسماً لما يقال به بمثل هذا الدليل. وقريب منه قول القفال: إن كان المراد
بالاستحسان ما دل عليه الأصول لمعانيها فهو حسن، لقيام الحجة به وتحسين
الدلائل، فهذا لا ننكره ونقول به. وإن كان ما يقبح في الوهم من استقباح الشيء
واستحسانه بحجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ.
وقال السنجي: الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم، وهي على ضربين:
أحدهما : واجب بالاجماع، وهو أن يقدم الدليل الشرعي أو العقلي على
حسنه، كالقول بحدوث العالم، وقدم المحدث، وبعثة الرسل وإثبات صدقهم،
وكون المعجزة حجة عليهم، ومثل مسائل الفقه، لهذا الضرب يجب تحسينه، لأن
الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبحه.
والثاني : أن يكون على مخالفة الدليل مثل أن يكون الشيء محظوراً بدليل
شرعي وفي عادات الناس إباحته، ويكون في الشرع دليل يغلظه، وفي عادات
الناس التخفيف، فهذا عندنا يحرم القول به ويجب اتباع الدليل وترك العادة
والرأي. وسواء كان ذلك الدليل نصاً أو إجماعاً أو قياساً. وذهب أبو حنيفة
وأصحابه إلى أن ذلك الدليل إن كان خبر واحد أو قياساً استحسن تركهما والأخذ
بالعادات، كقوله في خبر المتبايعين: أرأيت لو كانا في سفينة، فرد الخبر
بالاستحسان وعادة الناس. وكقوله في شهود الزوايا. (انتهى).
إذا علمت هذا فاعلم أنه قد اختلفت الحنفية في حقيقة الاستحسان على
أقوال :
أحدها : أنه العمل بأقوى القياسين: وعلى هذا يرتفع الخلاف، كما قال الماوردي
والروياني، لأنا نوافقهم عليه، لأنه الأحسن.
الثاني: أنه تخصيص العلة، كما خص خروج الحص والنورة من علة الربا في البُرّ
وإن كان مكيلاً، وجزم به صاحب ((العنوان)). قال شارحه: وفي حصره في هذا
المعنى نظر عندي، وعلى هذا التفسير قال القفال والماوردي: نحن نخالفهم بناء
٩٠

على أنه لا يجوز تخصيص العلة عندنا. قال ابن الصباع: ولو كان هذا التخصيص
لما جاز تركه إلى القياس، كما لا يجوز التمسك بالعام مع قيام دليل المخصِّص.
الثالث: أنه ترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حتماً، كما قال في شهود الزنى:
القياس أنه لا يحدّ، ولكن أُحُدّه استحساناً. قال الماوردي والروياني: وهو بهذا
التفسير يخالف فيه، لأن أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما، ولأن في مسألة
الزوايا لا قياس أصلاً ولا خبراً.
الرابع: أنه تخصيص القياس بالسنة، حكاه القاضي الحسين، ولأجله قال إمام
الحرمين أنهم ربما يسندون لما يرونه إلى خبر، كمصيرهم إلى أن الناسي بالأكل لا
يفطر، لخبر أبي هريرة.
الخامس: قال إلكيا: وهو أحسن ما قيل في تفسيره، ما قاله أبو الحسن الكرخي
أنه قطع المسائل عن نظائرها لدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول فيه إلى
الثاني، سواء كان قياساً أو نصّاً، يعني أن المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما
یحکم في نظائرها إلى الحكم بخلافه، لوجه يقتضي العدول عنه، کتخصیص أبي
٣٣ / ب حنيفة قول القائل: مالي صدقة / على الزكاة، فإن هذا القول منه عام في التصدق
بجميع ماله. وقال أبو حنيفة يختص بمال الزكاة، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم
صدقة﴾ [التوبة / ١٠٣] والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فعدل عن
الحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال
الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم لدليل اقتضى العدول وهو الآية.
وقال عبد الوهاب: هو قول المحصلين من الحنفية (قال): ويجب أن يكون هو
الذي قال به أصحابنا، فقال القاضي أبو الطيب : يجب أن يكون ذلك الدليل
أقوى من القياس الذي اقتضى إلحاقها بنظائرها، لأنه لا يجوز ترك القياس ولا غيره
من الأدلة إلا لما هو أقوى منه، وحينئذ فيكون مذهبه كله استحساناً، لأنه عدول
بالخاص عن بقية أفراد العام لدليل. وحكى ابن القطان عن الكرخي أنه فسّره
بأدق القیاسین.
٩١

وقال في ((المنخول)): الصحيح في ضبطه قول الكرخي. وقد قسمه أربعة
قسام:
أحدها: اتباع الحديث وترك القياس، كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر.
الثاني: اتباعٍ قول الصحابي إذا خالف القياس، كما قالوا في أجرة العبد الآبق
بأربعين، اتباعاً لابن عباس.
الثالث: اتباع العادة المطردة، كالمعاطاة، فإن استمرارها يشهد بصحة نقلها
خلفاً عن سلف، ويغلب على الظن أنه في عصر الرسول.
الرابع: اتباع معنى خفي هو أخص بالمقصود، كما في إيجاب الحد بشهود الزوايا،
الإمكان أن يكون فعلة(١) واحدة كان يزحف فيها. قال الغزالي: وتقديم الخبر على
القياس وجب عندنا، لكن الخبر الصحيح. وكذلك قول الصحابي إذا خالف
القياس يتبع عندنا. وأما أن الأعصار لا تتفاوت فمردود، لأن العقود الفاسدة في
الكثرة حدثت بعد عصر الصحابة والسلف. فأما المعنى الخفي إذا كان أخص فهو
متبع. ولكن أبو حنيفة لم يكتف بموجبه حتى أتى بالعجب فقال: يجب الحد على من
شهد عليه أربعة بالزنى في أربع زوايا، كل واحد يشهد على زاوية. قال: ولعله
كان يتزحف في زنية واحدة. وأيُّ استحسان في سفك دم امرىء مسلم بهذا
الخيال. (انتهى). وقضية كلام الرافعي أن الخلاف في الثالث، فقال: المنقول عن
أبي حنيفة أنه يتبع ما استحسن بالعادة ويترك الكتاب والسنة المتواترة. ومثّله
بشهود الزنى. (انتهى).
وذكر أبو بكر محمد بن أحمد البلعمي الحنفي في كتاب ((الغرر في الأصول)» أنه
تعليق الحكم بالمعنى الخفي (قال): ولا عيب إذن في إطلاقه، بل العيب على من
جهل حقيقته وقال به من حيث عيب على قائله.
(قال): وذكر أبو بكر الرازي في كتابه: قال حدثني بعض قضاة مدينة السلام
ممن كان يلي القضاء في زمان المستعين بالله، قال: سمعت إبراهيم بن جابر، وكان
(١) في الأصول كلها (بعلة).
٩٢

رجلاً كثير العلم، صنف في اختلاف الفقهاء، وكان يقول بنفي القياس بعد أن
أثبته. قلت له: ما الذي أوجب عندك القول بنفي القياس بعد القول به؟ قال:
قرأت كتاب ((أبطال الاستحسان)) للشافعي، فرأيته صحيحاً في معناه، إلا أن جميع
ما احتج به هو بعينه يبطل القياس، وصح به عندي بطلانه. (قال): فهذه حكاية
تنادي على الخصم أنه يقول بما يعود عليه بالنقض.
قلت: إن كان الاستحسان كما نقول فهو نوع من القياس، فلا وجه لتسميتك به
باسم آخر. ولئن قلت: لا مشاحّة في الاصطلاح قلنا: هنا يوهم أنه دليل غير
القياس، فقل هو قياس في المعنى. وله اسم آخر في اللفظ، وهو أحد أنواع
القياس، وحينئذ فيرتفع الخلاف.
السادس: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته، فلا يقدر أن يتفّوه
به. قال الغزالي رحمه الله: وهذا هو بین، لأن ما يقدر على التعبير عنه لا يدري هو
وهم أو تحقيق. ورد عليه القرطبي بأن ما يحصل في النفس من مجموع قرائن
الأقوال من علم أو ظن لا يتأتى عن دليله عبارة مطابقة له. ثم لا يلزم من
الاختلال بالعبارة الإخلال بالمعبر عنه، فإن تصحيح المعاني بالعلم اليقيني لا
بالنطق اللفظي (قال): ويظهر لي أن هذا أشبه ما يفسّر به الاستحسان.
قلت: وعلى هذا ينبغي أن يتمسك به المجتهد فيما غلب على ظنه. أما المناظر فلا
يسمع منه، بل لا بد من بيانه ليظهر خطؤه من صوابه. وقال الخوارزمي في
((الكافي)): ينبغي أن يكون هذا هو محل الخلاف، ولا ينبغي أن يكون حجة، إذ لا
شاهد له.
السابع: أنه مما يستحسنه المجتهد برأي نفسه وحديثه من غير دليل. وهذا هو
ظاهر لفظ الاستحسان، وهو الذي حكاه الشافعي عن أبي حنيفة كما قال القاضي
أبو الطيب في ((تعليقه)) (قال): وأنكره أصحاب أبي حنيفة وقال الشيخ الشيرازي
إنه الذي يصح عنه. وإليه إشار الشافعي بقوله: ((من استحسن فقد شرع)). وهذا
مردود لأنه قول في الشريعة بمجرد التشهي ومخالف لقوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه
من شيء فحكمه إلى الله﴾ لكن الحنفية ينكرون هذا التفسير لما فيه من الشناعة.
٩٣

قلت: وهو الصواب في النقل عن أبي حنيفة. وقد صنف الشافعي كتاباً في الأم
في الرد على أبي حنيفة في الاستحسان، وقال من جملته. قال أبو حنيفة لمّا رَدّ خيار
المجلس بين المتتابعين: أرأيت لو كانا في سفينة! فترك الحديث الصحيح بهذا
التخمین. وقال في مسألة شهود الزوايا: القیاس أنهم قَذَفه يُحدّون وتُرَدّ شهادتهم،
لكن استحسن قبولها ورجم المشهود عليه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وأي
استحسان في قتل مسلمين؟! وقال في الزوجين إذا تقاذفا، قال لها: يا زانية
فقالت: بل أنت زانٍ، لا حَدّ ولا لعان، لأني أستقبح أن ألاعن بينهما ثم أحدها.
قال الشافعي: وأقبح منه تعليل حكم الله عليهما. (انتهى). وهذا صريح في أن
الشافعي فهم عن أبي حنيفة أن مراده بالاستحسان هذا فلا وجه لإنكار أصحابه
ذلك.
وقد احتج أصحابنا على بطلانه بقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى
الله والرسول﴾ إلى ﴿ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ [النساء/٥٩] فجعل الأحسن ما
٣٣٦/أ كان كذلك، وقوله: ﴿وما /اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ ولم يقل إلى
الاستحسان. ولأن القياس أقوى من الاستحسان بدليل جواز تخصيص العموم به
دون الاستحسان فلم يجز أن يتقدم عليه الاستحسان.
وقد استدل الخصم بقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾
وقوله عليه السلام: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)، ولأن المسلمين
أجمعوا على أحكام عدلوا عن الأصول فيها إلى الاستحسان: (منها) دخول الواحد
إلى الحمام ليستعمل ماءً غير مقدّر، ويمكث فيه زماناً غير مقدر، ويعطي عنه عوضاً
غير مقدر، ويشرب من إناء ماءً غير مقدر، ويشتري المأكول بالمساومة من غير عقد
يتلفظ به، فدل على أن استحسان المسلمين حجة وإن لم يقترن بحجة.
وأجاب أصحابنا عن الآية بأنها تتضمن الأخذ بالأحسن دون المستحسن، وهو
ما جاء به الكتاب والسنة لا غيرهما. والحديث موقوف على ابن مسعود. وعن
الإجماع بأن المصير إليه بالإجماع لا بالاستحسان.
٩٤

فصل
[مَا استحسنه الشَافعى، وَالمراد منه]
قال ابن القاصّ: لم يقل الشافعي بالاستحسان إلا في ثلاثة مواضع: (١) قال:
وأستحسن في المتعة أن تقدر ثلاثين درهماً (٢) وقال: رأيت بعض الحكام يحلّف
على المصحف وذلك حسن (٣) وقال في مدة الشفعة: وأستحسن ثلاثة أيام.
وقال الخفاف في ((الخصال)): قال الشافعي بالاستحسان في ستة مواضع، فذكر
هذه الثلاثة وزاد (٤) قوله في باب الصداق: من أعطاها بالخلوة فذاك ضرب من
الاستحسان. يعني قوله القديم. (٥) وكذلك في الشهادات: كتب قاض إلى
قاض ذلك استحسان. (٦) ومراسيل سعيد حسن. وقد أجاب الأصحاب منهم
الاصطخرى وابن القاصّ والقفال والسنجي والماوردي والروياني وغيرهم أن
الشافعي إنما استحسن ذلك بدليل يدل عليه، وهو ((استحسان حجةٍ)) أي أنه
حسن، لأن كل ما ثبتت حجيته كان حسناً:
- أما الأول فرواه عن ابن عمر، وهو صحابي. فاستحسنه على قول غيره. وقال
القفال؛ إنما ذكره في القديم، بناء على قوله في تقليد الصحابة. وقال الصيرفي في
(شرح الرسالة)): إنما استحب الفضل ولم يوجبه. وإنما يُنكر القضاء بالاستحسان،
فأما أن يستحب الكرم والزيادة فلا ينكر.
- وأما الثاني فلأن ابن عباس وابن الزبير فعلاه، وأن الشرع ورد باعتبار ما فيه
إرهاب وزجر عن اليمين الفاجرة، والتحليف بالمصحف تعظيم، فكأنه من باب
القياس، تغليظاً باليمين كما غلظت بالزمان والمكان الشريفين. وقال القفال: هذا
مما لا يتعلق به حكم، لأنه لا يجب البتة.
- وأما الثالث فلأن الناس أجمعوا على تأجيل الشفعة في قريب من الزمان،
فجعله هو مقدراً بثلاثة، لقوله تعالى: ﴿تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود / ٦٥] فهي
٩٥

حَدُّ القرب، ولأنها مدة مضروبة في خيار الشرط، وفي مقام المسافر، وفي أكثر مدة
المسح.
- وكذلك القول في البواقي، فإنه استحسن مراسيل سعيد لأنه وجدها مسندة
وأنه لا يرسل إلا عن صحابي. فظهر بذلك أن الشافعي حیث قال به كان لدليل،
لا باعتبار ميل النفس. قال الاصطخرى: ولا يجوز عندنا أن يستحسن أحد
القولين إلا من باب المماثلة بالاجتهاد والنظر إلى الأولى. وإنما المذموم من
الاستحسان هو الذي يحدثه الإنسان عن نفسه بلا مثال، كما في إيجاب الحد بشهود
الزوايا .
قلت: لكن رأيت في ((سنن الشافعي) التي يرويها المزني عنه: ((قال الطحاوي:
سمعت المزني يقول: قال الشافعي: إذا علم صاحب الشفعة فأكثر ما يجوز له
طلب الشفعة في ثلاثة أيام، فإذا كان في ثلاثة أيام لم يجز طلبه. هذا استحسان مني
وليس بأصل. (انتهى). والمشكل فيه قوله: ((وليس بأصل)) وينبغي تأويله على أن
المراد ليس بأصل خاص يدل عليه، لا نفي الدليل البتة. وقال الغزالي في
(البسيط)): قال الشافعي: لو كان برأس المحرم هوامُ فنحاها تصدق بشيء، ثم
قال: لا أدري من أين قلتُ ما قلتُ: قال الإمام في ((النهاية)) والغزالي في
((البسيط)): هذا من قبيل استحسان أبي حنيفة. وهو مشكل. فالصحيح أن ذلك
من الشافعي استحسان، فإنه بينّ أنه لا أصل له.
قلت: ليس هذا من الاستحسان، بل مراد الشافعي أني لا أذكر دليل ما قلته
لأجله، لا أنه قاله من غیر دلیل بهوى نفسه.
وقد وقع الاستحسان في كلام الشافعي وأصحابه بالمعنى السابق في مواضع
أخرى :
(منها): قال: وحسن أن يضع المؤذن إصبعيه في أذنيه، لأن حديث بلال
اشتمل على ذلك.
و (منها): قال في ((الوسيط)): إن الشافعي ذهب في أحد قوليه لمنع قرض
الجواري ممن هي حلال له، استحساناً.
٩٦

و (منها) قال في التغليظ على المعطّل: أستحسن إذا حلف أن يُسأل: بالله الذي
خلقك ورزقك.
و (منها): قال الشافعي: أستحسن أن يترك شيء من نجوم الكتابة.
و (منها) إذا قالا: نشهد أنه لا وارث له. قال الشافعي: سألتهما عن ذلك،
فإن قالا: هو لا نعلم، فَذَا، وإن قالوا: تيقنّاه قطعاً فقد أخطئوا، لكن لا ترد بذلك
شهادتهما ولكن أردها استحساناً. حكاه ابن الصباغ من باب الإقرار من
((الشامل)).
و (منها): قال أبو زيد، بعد ذكر الأوجه في الجارية المغنية: كل هذا
استحسان. والقياس الصحة.
و (منها) قال الرافعي في الإيلاء في ولي المجنونة: وحسن أن يقول الحاكم
للزوج.
و (منها): استحسان الشافعي تقدير نفقة الخادم.
و (منها): قال في ((الوسيط)): إذا أخرج السارق يده اليسرى بدل اليمنى،
فالاستحسان أن لا تقطع.
ومنها: قالوا في تعيين الرمي في النضال.
ومنها: قال الروياني فيما إذا قال: أمهلوني لأسأل الفقهاء - أعني المدعي في
اليمين المردودة - استحسن فيها قلوبنا إمهاله يوماً.
وذكر ابن دقيق العيد في كتاب ((اقتناص السوانح)) ثلاث صور ترجع إلى
الاستحسان أو المصالح قال بها الأصحاب:
إحداها: الحُصر الوقفُ ونحوه، إذا بلي. قيل: إنه يباع ويصرف في مصالح
المسجد. ومثله الجذع المنكسر والدار المنهدمة. وهذا استحسان. وقيل: إنه يحفظ
فإنه عين الوقف فلا يباع، وهذا القياس.
٩٧

الثانية: حق التولية على الوقف. قيل: إنه للواقف وعلل بأنه المتقرب بصدقته،
فهو أحق من يقوم بإمضائها. وهذا استحسان.
٣٣٦ / ب الثالثة: إذا أعار أرضاً للبناء والغراس، فبنى المستعير / أو غرس، ثم رجع
واتفقا على أن يبيع الأرض والبناء لثالث بثمن واحد. فقيل: هو كما لو كان لهذا
عبد ولهذا عبد فباعاهما بثمن واحد. والمذهب القطع بالجواز، للحاجة. وهذا
مخالف للقياس، فهو استحسان أو استصلاح.
فائدة: قيد الطبري في ((العدة)) محل الخلاف في الاستحسان بالمخالف للقياس،
فإن لم يكن مخالفاً للقياس فهو جائز، كما استحسن الشافعي الحلف بالمصحف
ونظائره، وهو راجع لما سبق.
٩٨

--
١٥
دلالَة الاقتران
قال بها المزني وابن أبي هريرة والصيرفي منا، وأبو يوسف من الحنفية، ونقله
الباجي عن نصّ المالكية. (قال): ورأيت ابن نصر يستعملها كثيراً. وقيل: إن
مالكاً احتج في سقوط الزكاة عن الخيل بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير
لتركبوها وزينة﴾ [النحل / ٨] فقرن في الذكر بين الخيل والبغال والحمير، والبغال
والحمير لا زكاة فيها إجماعاً، فكذلك الخيل.
وأنكرها الجمهور فيقولون: القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم،
وصورته أن يدخل حرف الواو بين جملتين تامتين، كل منهما مبتدأ وخبر، أو فعل
وفاعل، بلفظ يقتضي الوجوب في الجميع أو العموم في الجميع، ولا مُشاركة بينهما
في العلة، ولم يدل دليل على التسوية بينهما، كقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا
أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام / ١٤] وقوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً
وآتوهم﴾ [النور / ٣٣]، وكاستدلال المخالف في أن استعمال الماء ينجسه بقوله عليه
السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة) لكونه مقروناً
بالنهي عن البول فيه، والبول فيه يفسده، فكذلك الاغتسال فيه. وهو غير مرضي عند
المحققين، لاحتمال أن يكون النهي عن الاغتسال فيه لمعنى غير المعنى(١) الذي مُنع من
البول فيه لأجله. ولعل المعنى في النهي عن الاغتسال لا ترتفع جنابته، كما هو مذهب
الحصري من أصحابنا .
واحتج القائلون بها بأن العطف يقتضي المشاركة، وقياساً على الجملة الناقصة
إذا عطفت على الكاملة.
(١) في الأصول كلها (معنى).
٩٩

وأجيب بأن الشركة إنما وجبت في الناقصة لافتقارها إلى ما تتم به، فإذا تمت بنفسها
لا تجب المشاركة إلا فيما يفتقر إليه. ويدل على فساد هذا المذهب قوله تعالى: ﴿محمد
رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار﴾ [الفتح / ٢٩] فإن هذه الجملة معطوفة على
ما قبلها، ولا تجب للثانية الشركة في الرسالة. وقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر
وآتوا حقه يوم حصاده﴾ والإيتاء واجب دون الأكل، والأكل يجوز في القليل والكثير،
والإيتاء لا يجب إلا في خمسة أو سق - ولأن الأصل في کل کلام تام أن ينفرد بحكمه ولا
يشاركه فيه الأول، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل من خارج لا من
نفس النظم. أما إذا كان المعطوف ناقصاً، بأن لم يذكر فيه الخبر فلا خلاف في مشاركته
للأول، كقولك : زينب طالق وعمرة، لأن العطف يوجب المشاركة، وأما إذا كان
بينهما مشاركة في العلة فيثبت التساوي من هذه الحيثية، لا من جهة القِران، احتجاج
أصحابنا أن اللمس حدث بقوله تعالى : ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم
النساء﴾ [النساء / ٤٣] ومثله عطف المفردات، واحتجاج الشافعي على إيجاب العمرة
بقوله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة / ١٩٦] قال البيهقي: قال الشافعي رضي الله
عنه: الوجوب اشبه بظاهر القرآن، لأنه قرنها بالحج، وقال القاضي أبو الطيب: قول
ابن عباس ((إنها لقرينتها)) إنما أراد بها لقرينة الحج في الأمر، وهو قوله: ﴿وأتموا الحج
والعمرة﴾ والأمر يقتضي الوجوب، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران.
وقال الصيرفي في ((شرح الرسالة))، في حديث أبي سعيد: (غسل الجمعة على
كل محتلم، والسواك، وأن تمس الطيب): فيه دلالة على أن الغسل غير واجب،
لأنه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين بالاتفاق. وقال غيره: احتج الشافعي
على أن الصلاة الوسطى الصبح من حيث قِرانها بالقنوت في قوله: ﴿والصلاة
[البقرة / ٢٣٨] ولم يحرم الأصحاب خطبة النكاح على
الوسطى وقوموا لله قانتين﴾
المحرِم مع أنها مقارنة للنكاح في قوله قدير: (لا ينكح المحرم ولا يخطب) قال صاحب
((الوافي)): ولأصحابنا في الأصول وجه أن ما ثبت من الحكم لشيء ثبت لقرينه، ولا يبعد
أن قائله يحرِّم الخِطبة .
١٠٠