Indexed OCR Text

Pages 1-20

وزارة الأوقاف الشئون الإسلامية
،
المحيط
في أصول الفقه
للزركشي
وهو بدر الدين محمد بن مجاورين عدابت الشّايعي (٧٤٥ - ٧٩٤هـ)
الجزء السادس
مع الفهارس العامة
قَام بتحَريْره
د.عبد السَار ابوُهدّة
وَرَاجَعَه
الشيخ عبد القادرعَد الله العَالِى

0
>3
7
u
L
٧

في أصول الفقه

حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشئون الإِسلامية بالكويت
الطبعة الثانية
١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م
تشرفت بإعادة طبعه :
دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع - بالغردقة ج.م.ع
حدا بأسمِنَ
الغردقة: شارع الكورنيش - تليفون: ٤٤٦٠٤٥ /٤٤٧٥٧٠ - ت + فاكسميل: ٤٤٧٣١٥
القاهرة: ٦ (أ) شارع ينبع متفرع من ش الأنصار - الدقى - ت + فاكسميلى : ٣٦١٤٧٥٧

كتَابُ
الأدِلَةِ المُخْتَلَفِفِيَّهَا

١
كَنَابُ
الأدِلَةِالمُخْتَلِفِ فِيهَا
الاستدلال على فساد الشيء بعدم الدليل على صحته
جوزه ابن القطان: قال : وكان شيخنا أبو علي بن أبي هريرة يستعمله كثيراً،
إذا سئل عن مسائل فقيل : ما أنكرت منها؟ يقول: لأنه لا دلالة تدل على صحته
انتهى. وهذه الطريقة اشتهرت بين المتأخرين، يستدلون بها في مسائل لا تُحصى
إلى طرق النفي.
٧

٢
الاستدلال عَلى فسَاد الشيء بفسَاد نظيره
قال الصيرفي: كلَّ دليل دل على صحته شيء بالإثبات أو النفي، فهو دالّ على
فساد ضِدّه إذا كان لا بُدَّ له من ذلك الضد، لاستحالة اجتماع الشيء وضده.
ولأصحابنا في مثل هذا مغالطة فيما إذا كان للأمة ثلاثة أقاويل، فيدلُّ على فساد
اثنين منها، ثم يقول: إذا فسدت هذه الأقاويل صح الآخر، والوجه في هذا أن
يقال للخصم: عُرفت صحةُ الصحيح منها، وفسادُ غيره، فدَلّ على صحتها، فإن
الذي أفسد تلك غيرُ صحة هذا.
٠
٨

٣
الاسْتدلال عَلى عَدَم الحكم بعَدَمُ الدَليل
حقَّ عند البيضاوي وغيره، لأنه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل عليه، لَلَزم منه
تكليف المحال.
٩

٤
الاسْتقراء
وهو تصفح أمورٍ جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات.
وينقسم إلى: تام، وناقص. فالتام: إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكُلي على
الاستغراق. وهذا هو القياس المنطقي المستعمل في العقليات. وهو حجة بلا
خلاف .
ومثاله: كل صلاة فإما أن تكون مفروضة أو نافلة، وأيَّهما كان فلا بد وأن تكون
مع الطهارة. فكل صلاة فلا بد وأن تكون مع الطهارة. وهو يفيد القطع، لأن
الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد شيء على التفصيل فهو لا محالة ثابت لكل أفراده
على الإجمال.
والناقص: إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى
جامع. وهو المسمَّى في اصطلاح الفقهاء بـ (الأعم الأغلب). وهذا النوع اختلف
فيه، والأصح أنه يفيد الظن الغالب، ولا يفيد القطع، لاحتمال تخلف بعض
الجزئيات عن الحكم، كما يقال: التمساح يُحرِّك الفك الأعلى عند المضغ. فإنه
يخالف سائر الحيوانات في تحريكها الأسفل. واختاره من المتأخرين صاحبُ
((الحاصل)) و((المنهاج)) والهنديُّ.
ومنهم من ردّه بأن معرفة جميع الجزئيات مما یعسر الوقوف عليها، فلا يوثق به
إلا إذا تأيّد الاستقراء بالإجماع. واختاره الرازي فقال: الأظهر أنه لا يفيد الظن
إلا بدليل منفصل، ثم بتقدير الحصول يكون حجة واقتضى كلامُه أن الخلاف إنما
هو في أنه هل يفيد الظن أم لا؟ لا في أن الظنَّ المستفاد منه هل يكون حجةً أم
١٠

لا؟. والمذهب الأول(١)، ولهذا لمّا علمنا اتّصافَ أغلب من في دارِ الحرب أو صَفُّهم
بالكفرِ غلب على ظننا أن جميع من نشاهده منهم كذلك، حتى جاز لنا استرقاق
الكل ورميُ السهام إلى جميع مَن في صفّهم. ولو لم يكن الأصل ما ذكرنا لما جاز
ذلك.
وقد احتج الشافعي بالاستقراء في مواضع كثيرة، كعادة الحيض بتسع سنين،
وفي أقلّة وأكثرِه، وجرى عليه الأصحاب وقالوا: فلو وجدنا المرأة تحيض أو تطهر
أقل من ذلك فهل يتبع؟ فيه أوجه:
أحدها : نعم، وبه أجاب الأستاذ أبو إسحاق. وقد تختلف العادات باختلاف
الأهوية والأعصار.
وأصحها: لا عبرة به، لأن الأولين أعطوا البحث حقّه، فلا يُلتفت إلى خلافه.
والثالث: إن وافق ذلك مذهب واحد من السلف صِرنا إليه، وإلّ فلا.
وقال في ((المستصفى)): التام يصلح للقطعيات وغير التام لا يصلح إلا
للفقهيات، لأنه مهما وُجد الأكثرُ على نمطٍ، غلب على الظن أنّ الآخَرَ كذلك.
(١) أي ما سبق عقب تعريفه من أنه: يفيد الظن الغالب، وقد وصف هذا الرأي آنفا بالأصح.
١١

الأَصْل في المنافع الإذن، وَفي المضَارّ المَنْع
خلافاً لبعضهم. وهذا عندنا من الأدلة فيما بعد ورود الشرع. أعني أن الدليل
السمعيَّ دَلّ على أن الأصل ذلك فيهما إلا ما دل دليل خاص على خلافهما. أما
قبلَه، فقد سبقت المسألة في أول الكتاب: ((لا حكم للأشياء قبل الشرع))، ولم
يحكوا هنا قولاً بالوقف كما هناك، لأن الشرع ناقل. وقد خلط بعضهم الصورتين
وأجرى الخلاف هنا أيضاً. وكأنه استصحب ما قبل السمع إلى ما بعده، ورأى أن
مالم يُشكِل أمرُه ولا دليلَ فيه خاصُّ يُشبه الحادثة قبل الشرع، وسبق هناك ما فيه.
ثم رأيت القاضي عبد الوهاب حقّق المسألة تحقيقاً فقال، بعد حكاية الخلاف في
الأفعال قبل الشرع: ((مسألة: زعم قوم من الفقهاء أن الشرع قد قرّر الأصلَ في
الأشياء على أنها على الإباحة إلا ما استثناه الدليل، وفائدة ذلك أنه إذا وقع
الخلاف في حكم شيء في الشرع ((هل هو على الإباحة أو المنع؟)) حُكم بأنه على
الإباحة، لأن الشرع قد قرر ذلك، فصار كالعقل عند القائلين بالإباحة. وقد
حُكي ذلك عن بعض متأخري أصحابنا، وأشار إليه محمد بن عبد الله بن عبد
الحكم.
قال: والباقون على أن الأصل في أنه لا يُعلم حكمُ كل شيء إلا بقيام دليل
يختصُّه أو يختصُّ نوعَه.
ومن ذهب إلى القول الأول احتج بقوله تعالى: ﴿قل: من حرَّم زينة الله التي
أخرج لعباده﴾ [الأعراف/٣٢] وقوله: ﴿قل: لا أجدُ فيما أوحي إليَّ محرّماً على طاعم
١٢

يَطْعَمه إلا أن يكون ميتة﴾ [الأنعام /١٤٥] فجعل الأصل الإباحة. والتحريم
مستثنى .
قال: ويدل على فساد هذا القولِ قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصفُ ألسنتكُم
الكذب: هذا حلال، وهذا حرام﴾ [النحل /١١٦] فأخبر أن التحريم والتحليل ليس
إلينا، وإنما هو من عنده، وأن الحلال والحرام لا يُعلم إلا بإذنه. وقال: ﴿وقد
فصّل لكم ما حرَّم عليكم﴾ [الأنعام/١١٩] وكل هذا يدل على إبطال القول بأن
حكم الأشياء في السمع الإباحة.
وأما الجواب عن أدلتهم، فهي فيما ورد الشرع / بإباحته. والكلام في إباحة ٣٢٤ / أ
الجملة بقوله: ﴿قل: لا أجد .. ﴾ يصلح أن يحتج به على أن الأصل في المأكولات
الإباحة، وإنما الممتنع الإباحة المطلقة. وقوله وَلاير: (وما سكت فهو مما عفي عنه)
يريد: من ذلك النوع الذي كان الخطاب متعلقاً به. ألا ترى أنه قال: (الحلال
بينَ، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) فشرّك بينهما، ولم يجعل الأصل أحدهما.
واحتج غيرُه للقائلين بأن الأصل الإباحة بقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في
الأرض جميعاً﴾ [البقرة/٢٩] ذَكَرَه في معرِض الامتنان، واللام للاختصاص. وأُورِدَ
أنها تأتي لغير الانتفاع كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الاسراء/٧] ورُجِّح الأولُ
بالظهور(١). وكذلك قوله: ﴿أَحِلّ لكم الطيبات﴾ [سورة المائدة/٥]، ﴿قل: من
حرَّم زينةَ الله التي أخرج لعباده؟﴾ [سورة الأعراف/٣٢] لأنه استفهام إنكار فيدلّ
على امتناع تحريم مطلق الزينة، ويلزم من امتناع تحريم مسمَّى الزينة أن لا يحرم
شيء من آحادها، فإذا انتفت الحرمة بقيت الإباحة، وهو المطلوب. وقوله: ﴿اللهُ
الذي سخّر لكم البحرَ﴾ إلى قوله: ﴿وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض
جميعاً منه﴾ [سورة الجاثية/١٣] وفي ((الصحيحين)) من حديث سعد بن أبي وقاص،
عن النبي وسير أنه قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً من سأل عن شيء
(١) أي رجح بأنه موافق للظاهر في معنی اللام فلا يعدل عنه بغير داع لمجرد احتمال اللام معنى آخر.
١٣

[لم] يحرم على السائل فحُرِّم من أجل مسألته) وهذا ظاهر في أن الأصل في الأشياء
الإباحة، وأن التحريم عارض. وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله وله
عن السمن والجبن والفراء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّمه
الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه) رواه ابن ماجه والترمذي.
ولا يخفى أجوبة ذلك مما سبق عن القاضي. على أن هذا الحديث يقتضي أنه لا
يقال في هذا النوع أن الشرع أذن فيه، بل عُفي، ولا يوصف بإذن ولا منع. وليس
في الآيات المستدل بها إلا أنها خُلقت لنا وسُخَّرت لنا، ولا يدل ذلك على أنها
أُبيحت لنا، إذ يجوز أن يخلق لنا ولا يباح، بل يتوقف ذلك على إذن من جهته؛
كذا قاله ابن برهان في كلام له، قال: فصار هذا بمثابة قول السلطان لجنده: هذه
الأموال التي أجمعها لكم. فلا يدل على أنه أباحها لهم وأذن لهم في التناول، بل قد
يجوز أن يجمعها لهم وإنما يأذن في الأخذ بعد زمان آخر، فلا بد إذنْ من إذنٍ جديد
وزيَّف قول أبي زيد أن الأفعال لا حكم لها قبل الشرع، وبعدما ورد الشرع تبينًا
بالأدلة الشرعية أنها كانت مباحة. قال: ثم هو معارض بقوله تعالى: ﴿ونهى
النفس عن الهوى﴾ [سورة النازعات/ ٤٠] وأما احتجاج الرازي بأنه انتفاع لا يضر
بالمالك قطعاً، فليس على أصلنا، لابتنائه على التحسين العقلي.
وأما الدليل على تحريم المضار، فقوله وَلجر: (لا ضرر ولا ضرار) وهو عام.
وضعف ابن دقيق العيد الاستدلال [به]، لأن السابق إلى الفهم النهي عن
الإضرار، ولا إضرار بالنفس، فقد يؤخذ على عمومه فيدخل فيه الإضرار
بالنفس، فيتم الدليل.
تنبيهان :
الأول: قيل: ينبغي أن يستثنى من المنافع الأموال، فإن الأصل فيها التحريم،
لقوله ويقول: (إن دماءكم وأموالكم .. ) الحديث. وهو أخص من الدليل الذي
استدلوا به على الإباحة فيقضي عليها.
قلت: قد نص الشافعي في ((الرسالة)) على ذلك فقال: أصل مال كل امرىء
١٤

يحرم على غيره إلا بما أحل به وذكر قبله أن النكاح كذلك، والنساء محرمات الفروج
إلا بعقد أو بملك يمين. فجعل الأصل في الأموال والأبضاع التحريم، ثم قال
آخره: وهذا يدخل في عامة العلم. قال الصيرفي: وهو كلام صحيح لا ينكسر
أبداً، وهو أن ينظر في الأصل إلى الشيء المحظور كائناً ما كان من دمٍ أو مال أو
فرج أو عرض، فلا ينتقل عنه إلى الإباحة إلا بدليل يدل على نقله (انتهى).
وينازع فيه تخريج الماوردي مسألة النهر المشكوك في أنه مباح أو مملوك على هذا
الخلاف. ثم إن سلم فغير محتاج إليه، لأن وضع المسألة في أصل المنافع التي لم
تطرأ عليها يد ملك ولا اختصاص.
الثاني :
من القواعد المترتبة على هذا الأصل القول بالبراءة الأصلية، واستصحاب
حكم النفي في كل دليل مشكوك فيه حتى يدل دليل على الوجوب، كما في تعميم
مسح الرأس في الوضوء. وكلام القرافي يقتضي أن تلك غير هذه المسألة، وليس
كذلك وجعل البراءة الأصلية هي استصحاب حكم العقل في عدم الأحكام،
وليس كما قال، فإن البراءة تكون في العدم الأصلي، والاستصحاب يكون في
الطارىء: ثبوتاً كان أو عدماً.
الثالث:
ليس المراد بالمنافع هنا مقابل الأعيان بل كل ما ينتفع به، ولهذا قال الرافعي
عن الأصحاب: الأصل في الأعيان الحل، ثم المراد بالنفع المكنة أو ما يكون وسيلة
إليها، وبالمضرة الألم أو ما يكون وسيلة إليه.
١٥

٦
التعَلُقُ بالأولى
قال إِلَكِيًا: وهذا باب تنازعوا في تعيينه بعد اتفاقهم على أن ما جمع معنى الشيء
وأكثر منه فهو أولى منه، وقد نطق القرآن بأمثاله. قال تعالى لمن اعتل عن التخلف
بشدة الحر: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرّاً﴾ [سورة التوبة / ٨١]
يعني: فليتخلفوا عنها. وقال تعالى: ﴿واللهُ ورسوله أحق أن يُرضوه﴾ [سورة
التوبة /٦٢] لأن حقهم أوجب ونعمتهم أعظم. وقال: ﴿والفتنةُ أكبر من القتل﴾
[سورة البقرة/٢١٧] وقال: ﴿وهو أهون عليه﴾ [سورة الروم/ ٢٧] وقال ◌َّو: (فدين الله
أحقُّ أن يُقضى) وقال العلماء: إذا حرم التأفيف فالضرب أولى بالتحريم. وقال
الشافعي: إذا جاز السلم مؤجلاً فهو حالاً أجوز، وإذا وجبت الكفارة في الخطأ
ففي العمد أولى، وإذا قبلت شهادة الفاسق في أسوأ حاليه - أعني قبل التوبة .
فبعد التوبة أولى. وأبو حنيفة يقول: وطء الزوج الثاني إذا كان يرفع الثلاث فلَأنْ
يرفع [ما] دونها أولى.
قال الطبري: والذي يجب أن يحصل أن التعلَّق بعد إيضاح الإجماع في أصل
المعنى، فإن الترجيح زيادة في عين الدليل أو في مأخذه، وليس الأولى عين الدليل
ولا ركناً منه، وإنما يتبين ذلك بشيء، وهو أنه إذا بان المعنى الحاضر غيره بطل
التعلق، كقول أبي حنيفة رحمه الله: هَدَم الثلاث فلأنْ يهدم ما دونه أولى، فإنا بينًا
أن لاهدم، وإذا امتنع القول بالهدم فلا جمع قال: ولسنا نرى في التعلق كثير فائدة
٣٢٤ / ب من حيث إثباتُ الحكم، نعم / نبّه على معنى الأصل كما نُطق به القرآن، فهو
يرجع إلى التنبيه على العلة، وليس شيئاً زائداً.
١٦

٧
استصحاب الحَال
الأمر وجودي أو عدمي، عقلي أو شرعي. ومعناه أن ما ثبت في الزمن الماضي
فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، وهو معنى قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما
كان حتى يوجد المزِيل، فمن ادعاه فعليه البيان، كما في الحِسّيَات أن الجوهر إذا
شغل المكان يبقى شاغلاً إلى أن يوجد المُزِيل، مأخوذ من المصاحبة، وهو ملازمة
ذلك الحكم مالم يوجد مغيّر، فيقال: الحكم الفلاني قد كان فلَمَ نظنَّ عدمَه، وكل
ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.
قال الخوارزمي في ((الكافي)): وهو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن
حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس،
فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان
التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته فالأصل عدم ثبوته (انتهى).
وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة. وبه قال
الحنابلة والمالكية وأكثر الشافعية والظاهرية، سواء كان في النفي أو الإثبات.
والنفي له حالتان، لأنه إما أن يكون عقلياً أو شرعياً، وليس له في الإثبات إلا حالة
واحدة، وهي النفي، لأن العقل لا يثبت حكماً وجودياً عندنا.
والمذهب الثاني: ونُقل عن جمهور الحنفية والمتكلمين، كأبي الحسين البصري
رحمه الله، أنه ليس بحجة، لأن الثبوت في الزمان يفتقر إلى الدليل فكذلك في
الزمان الثاني، لأنه يجوز أن يكون وأن لا يكون، ويخالف الحسّيات، لأن الله
أجرى العادة فيها بذلك، ولمتجر العادة به في الشرعيات فلا تلحق بها. ثم منهم
من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي ومنهم من نقل الخلاف مطلقاً. قال
الهندي: وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجوديّ والعدميّ جميعاً لكنه بعيد، إذ
تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة.
١٧

قلت: والمنقول في كتب أكثر الحنفية أنه لا يصح حجة على الغير، ولكن يصلح
للعذر والدفع. وقال صاحب ((الميزان)) من الحنفية: ذهب بعض أصحابنا إلى أنه
ليس بحجة لإبقاء ما كان ولا لإثبات أمر لم يكن. وقال أكثر المتأخرين: إنه حجة
يجب العمل به في نفسه لإبقاء ما كان، حتى لا يورث ماله، ولا يصلح حجة
لإثبات أمر لم يكن، كحياة المفقود لما كان الظاهر بقاؤها صلحت حجة لإبقاء ما
كان حتى لا يرث من الأقارب، والثابت لا يزول بالشك. وغير الثابت لا يثبت
بالشك (قال): ولكن مشايخنا قالوا: إن هذا القسم يصبح حجة على الخصم في
موضع النظر، ويجب العمل به عند عدم الدليل، ولا يجوز تركه بالقياس، كذا
ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي، لأن الحكم متى ثبت شرعاً فالظاهر دوامه ولا
يزول إلا بدليل يرجح على الأول، وإن أوجب في الأول شبهة، ولهذا قالوا: لا
ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، لأن الحكم الثابت في زمن النبي # # ثابت في حق كل
من كان في زمنه لي مع احتماله النسخ إذ ذاك، وهذا كمن شك في الحدث بعد
الوضوء فإنه يبني على الطهارة مع احتمال الحدث، وكمن شك في طلاق امرأته
وعتق أمته فإنه يباح له الانتفاع بهما مع الاحتمال، لأن الثابت لا يزول بالشك.
(انتهى).
وما ذكروه من أنه يصلح للدفع لا للرفع يشبه قول أصحابنا في مسائل كثيرة
عملوا فيها بالأصلين، كوجوب الفطرة عن العبد المنقطع الخبر، وعدم جواز عتقه
عن الكفارة، وكما إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منه صغير حرم ولا يحكم
ببلوغها، لأن احتمال البلوغ قائم والرضاع كالنسب يكفي فيه الاحتمال.
والمذهب الثالث: واختاره القاضي في ((التقريب)) أنه حجة على المجتهد فيما
بينه وبين الله تعالى، فإنه لم يكلف إلا أقصى الداخل في مقدوره على العادة، فإذا
فعل ذلك ولم يجد دليلاً آخر يبقى الوجوب ولا يسمع فيه إذا انتصب مسئولاً في
مجلس المناظرة، فإن المجتهدين إذا تناظروا وتذكروا طرق الاجتهاد فيما يغني
المجيب قولُه: لم أجد دليلاً على الوجوب، وهل هو إلامدّع فلا يسقط عنه عهدة
الطلب بالدلالة.
١٨

والمذهب الرابع : أنه يصلح للدفع لا للرفع. وهو المنقول عن أكثر الحنفية
فيما سبق. قال الكيا : ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما
كان على ما كان، إحالةً على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن. وبنوا على هذا
مسائل: (منها) مالو شهد شاهدان أن الملك كان للأب المدعى، والأب ميت،
فإنها لا تقبل عن أبي حنيفة، لأن الملك ثبت لا بهذه الشهادة، والبقاء بعد الثبوت
إنما يكون باستصحاب الحال فيثبت دفعاً عن المشهود عليه بحق الشهادة، فإنه كان
أحد المدعيين، فَأَمّا لإيجاب حكم مبتدأ فلا، وملك الوارث لم يكن، وعلى هذا
قالوا: المفقود لا يرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه، لأن المالك غير الأول
(قال): ونحن نسلم لهم أن دلالة الثبوت غير دلالة البقاء، لأن أحدهما نص
والآخر ظاهر، ولكن لا نقول: البقاء لعدم المزيل، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه.
وهذا لا يجوز أن يكون فيه خلاف. (انتهى).
المذهب الخامس: أنه يجوز الترجيح به لا غير. نقله الأستاذ أبو إسحاق عن
الشافعي وقال: إنه الذي یصح عنه، لا أنه يحتج به. قلت: ویشهد له قول
الشافعي رضي الله عنه: والنساء محرمات الفروج، فلا يحللن إلا بأحد أمرين:
نكاح، أو ملك يمين، والنكاح ببيان الرسول صلفيه. قال الروياني في ((البحر)): وهذا
استدلال من الشافعي باستصحاب الحال في جميع هذه المسائل. وقيل: إنه نوع
من أنواعه، وهو من أقواها (قال): وأجمع أصحابنا على أن الاستصحاب صالح
للترجيح، واختلفوا في استصلاحه للدليل، فظاهر كلام الشافعي أنه قصد به
الترجيح وهو الظاهر من المذهب. هذا كلام الروياني، وسيأتي أن هذا الاستدلال
من النوع الذي هو محل وفاق، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: استقرأت
الاستصحاب الذي يحكم به الأصحاب فوجدت صوراً كثيرة وإنما يستصحب فيها
أمر وجودي، كمن / تيقّن الطهارة وشك في الحدث وعكسه. وأما استصحاب ٣٢٥ / أ
عدم الحكم فيه فلم أعرفه، وبراءة الذمة ونحوها من الأمور العدمية لا علم فيها.
وإنما يمنع من الحكم بخلافها حتى يقوم دليل عليه.
المذهب السادس: أن المستصحب للحال إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه
صح استصحابه، كمن استدل على إبطال بيع الغائب، ونكاح المُحْرِم، والشغار،
١٩

بأن الأصل أن لا عقد، فلا يثبت إلا بدلالة. وإن كان غرضه إثبات خلاف قول
خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فليس له الاستدلال به،
كمن يقول في مسألة (الحرام) إنه يمين توجب الكفارة. لم يستدل على إبطال قول
خصومه بأن الأصل أن لا طلاق ولا ظهار ولا لعان، فيعارض بالأصل أن لا يمين
ولا كفارة، فيتعارض الاستصحابان ويسقطان. حكاه الأستاذ أبو منصور
البغدادي عن بعض أصحابنا.
إذا عرف هذا فلابد من تنقيح موضع الخلاف، فإن أكثر الناس يطلقه ويشتبه
عليهم موضع النزاع بغيره فنقول:
للاستصحاب صور:
إحداها: استصحاب دل العقل أو الشرع على ثبوته ودوامه :
كالملك عند جريان القول المقتضي له، وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو
التزام، ودوام الحل في المنكوحة بعد تقرير النكاح.
وهذا لا خلاف في وجوب العمل به، إلى أن يثبت معارض له. ومن صوره
تكرر الحكم بتكرر السبب.
الثانية: استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية:
كبراءة الذمة من التكاليف حتى يدل دليل شرعي على تغييره، كنفي صلاة
سادسة .
قال أبو الطيب: وهذا حجة بالإجماع، أي من القائلين بأنه لا حكم قبل
الشرع. ومن هذا يستشكل القول بهذا من القائلين بأن هناك حكماً. وقال ابن كج
في أول كتابه في الأصول: إنه صحيح لا يختلف أهل العلم فيه، لأنه قد ثبت
عندنا أن حجة العقل دليل، فإذا لم نجد سمعاً علمنا أن الله لا يُهملنا، وأنه أراد
بنا ما في العقل فَصِرْنا إليه. (انتهى). وهذا معنى قولهم: إن العقل يدل على أن
مالم يتعرض الشرع له فهو باقٍ على النفي الأصلي، فلا يدل إذاً إلا على نفي
الأحكام. وقولنا لمن يوجب الوتر: الأصل عدم الوجوب إلا أن يَرِدَ السمع،
فأتمسك بهذا الأصل حتى يرد دليل شرعي للوجوب، ولم يثبت.
٢٠