Indexed OCR Text
Pages 201-220
وإما مع ذكر أحدهما ، نحو: القاتل لا يرث ، فإنه لم يتعرض لغير القاتل
وإرثه ، فدل على أن العلة في المنع من الإرث القتل .
وأيضا : إما بالغاية ، مثل ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ أو بالاستثناء ، كقوله
تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ [البقرة / ٢٣٧].
والرابع : منعه ما قد يفوّت المطلوب ، بأن يذكر عقيب الكلام أو في سياقه
شيئا لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ينتظم الكلام ، كقوله تعالى : ﴿وذروا البيع﴾
[الجمعة / ٩] لأن الآية سيقت لبيان وقت الجمعة وأحكامها ، فلو لم يعلل النهي عن
البيع بكونه مانعا من الصلاة أو شاغلاً عن المشي إليها لكان ذكره عبثا ، لأن البيع
لا يمنع منه مطلقاً . وكقوله عليه الصلاة والسلام : (لا يقضي القاضي وهو
غضبان) فلو لم يعلل [النهي] عن القضاء عند الغضب بكونه يتضمن تشويش
الفكر لكان ذكره لاغياً . إذ القضاء لا يمنع مطلقاً كما مرّ .
والخامس : ربط الحكم باسم مشتق بما منه الاشتقاق ينتهض علة فيه . وإلى
هذا صار الشافعي في مسألة الربا ، وأوّل القاضي مذهبه وقال : لعله تمسك
بالحديث في إثبات حكم الربا لا في إثبات علته . قال الغزالي : ليس كما ظنه
القاضي ، لأنه أثبت علّية الطعم . وقال إمام الحرمين : تعلّق أئمتنا في تعليل ربا
الفضل بالطعم بقوله : (لا تبيعوا الطعام بالطعام) وهو موقوف على إثبات كون
الطعام مشعراً بتحريم التفاضل ، وإلا فالطعام والبرّ سواء في تعليق الحكم به .
والسادس : ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء ، كقوله تعالى :
﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ [الطلاق / ٢] أي لأجل تقواه . ﴿ومن يتوكل على
الله فهو حسبه﴾ [الطلاق / ٣] أي لأجل توكله ، لأن الجزاء يتعقب الشرط،
والسبب ما ثبت الحكم عقبه ، فإذاً الشرط في مثل هذا سبب الجزاء ، فيكون
الشرط اللغوي سبباً وعلةً. ومنه قوله [وَ*]: (من اتبع جنازة فله من الأجر
قيراط) ، و (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) .
وهذا القسم لا يكون ما بعد الفاء إلا حكماً ، وما قبلها إلا سبباً ، لأن جواب
الشرط متأخر بالوضع عن الشرط تحقيقاً ، نحو : إن كنت مؤمناً فاتق الله ، أو
٢٠١
تقديراً، نحو : اتقِ الله إن كنت مؤمناً، لأن جواب الشرط لازم ، والشرط
ملزوم ، واللازم إنما يكون بعد الملزوم ، وثبوته فرع عن ثبوته . بخلاف الأقسام
السابقة . فإذاً ما بعد الفاء قد يكون حكماً وقد يكون علة .
وزعم بعضهم رجوعه إلى باب الشرط والجزاء لأن الأمر والنهي قد يقتضيان
الشرط فيجزم جوابهما، كقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لي من لدنك ولّاً يرثني﴾
[مريم/٥ - ٦] أي: هب لي، فإنك إن تهب لي يرثني. وقولك: لأتقرب الشرَّ تنجُ :
أي: لا تقرْبه، فإنك إن لا تقربه تنجُ، وتدخل الفاء في جوابهما، كقوله ◌َليه: (لا
تقربوه طِيباً، فإنه يبعث ... ) أي) إنه مات مُحرِماً فإنه يبعث ملبِياً فلا تقربوه
طيباً. فالظاهر استواء الصيغ كلها في تأخر الحكم على الوصف والحكم إما مسبَّب
أو مشروط وهو مسبب أيضاً، وكلاهما متأخر، نعم بعض ذلك متأخر تحقيقاً،
وبعضه متأخر تقديراً.
السابع : تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه، كقوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون
الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ... ﴾ [سورة الزخرف / ٣٣]، ﴿ولو بسط
الله الرزق لعباده ... ﴾ [سورة الشورى / ٢٧]، ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات .. ﴾
[سورة الإسراء / ٥٩] أي: آيات الاقتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل،
وقوله: ﴿ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته﴾ [سورة فصلت / ٤٤]
وقوله: ﴿لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر﴾ [سورة الأنعام / ٨]
فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عياناً بحيث يشاهدونه، وأن
لطفه بخلقه منعه، فإنه لو أنزل عليه ملكاً وعاينوه ولم يؤمنوا فعجّلوا (١) العقوبة،
وجعل الرسول بشراً ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه.
٢٩٩/ب الثامن: إنكاره سبحانه / على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة
بقوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ [سورة المؤمنون / ١١٥] وقوله: ﴿أيحسب
الإنسان أن يترك سدى﴾ [سورة القيامة / ٣٦] وقوله: ﴿وما خلقنا السموات والأرض
وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق﴾. [سورة الدخان /٣٨ - ٣٩].
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: (لعجلوا).
٢٠٢
التاسع: إنكاره سبحانه أن يسوَّى بين المختلفين، ويفرق بين المتماثلين.
(فالأول) كقوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون﴾
[سورة القلم / ٣٥] وقوله: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في
الأرض؟ أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [سورة ص / ٢٨] وقوله: ﴿أم حسب الذين
اجترحوا السيئات .. ﴾ [سورة الجاثية / ٢١].
و(الثاني) كقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)
[سورة النساء / ٦٩] وقوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [سورة
التوبة / ٧١]، وقوله: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ [سورة التوبة / ٦٧].
مسألة
في اشتراط الوصف الموما إليه للحكم في الأقسام السابقة مذاهب:
(أحدها) اشتراطه. وهو قول إمام الحرمين والغزالي، كالزنى والسرقة والصوم.
فإن لم يكن مناسباً فهو كالتعليل بالقلب.
و(الثاني)- وهو قول الأكثرين - عدمُ اشتراطه، بل يكفي مجرد التعلق مع ترتب
الحكم عليه، وحكاه في ((البرهان)) عن إطلاق الأصوليين، واختاره إلكيا، وإلا لم
يكن لذكره معنى وتعطل الكلام.
و(الثالث)- واختاره ابن الحاجب - إن كان التعليل فهم من المناسبة، كما في
قوله [{َّة]: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) اشترط. وأما غيره فلا، لأن التعليل
يفهم من غيرها.
وحكى الهندي قولاً باشتراطه في ترتب الحكم على الاسم دون غيره. وفصّل
ابن المنير بين أن يكون الاسم المشتق يتناول معهوداً معيناً فلا يتعين للتعليل ولو
كان مناسباً، بل يحتمل أن يكون تعريفاً. وأما إذا علق بعامٍّ أو منكِّرٍ فهو تعليل
ولو لم تظهر المناسبة، كما لو قال: لعلة كذا، ولم تظهر المناسبة .
٢٠٣
تنبيهات
الأول :
الإيماءات بأنواعها تدل على أن المشرع اعتبر الشيء الفلاني ولم يُلْغِه. وأما أنه
علة تامة، أو جزء علة، أو شرط علة، فكل ذلك لايدل عليه الدال على اعتباره،
وقد يدل بقرينة. وإن شئت فقل: هل التنصيص أو التنبيه على العلة نصِّ صريح
في أن هذا المنصوص أو المنبّه على علته مقصود لعينه، أو جزئيٍ أقيم مُقام كلي،
والعلة المنصوص عليها أو المنَّه عليها هو المعنى الكلي الذي أقيم هذا الجزئي
مُقامه؟ قلنا: الظاهر أنه مقصود لعينه. ويحتمل أن يكون جزئياً أُقيم مُقام كلّيّ،
كقوله مثل: (لا يقضي القاضي وهو غضبان). وهذا السؤال وقع في ((المستصفى))
مجاً(١) وصوابه ما ذكرنا.
الثانى :
دلالة هذه الأقسام في الإيماءات على العلية إنما هي ظاهرة إلا فيما كان منها
بصيغة الشرط .
الثالث :
لو ظفرنا في الوصف بمناسبة تعيّنّ لحاظُها، وجاز للناظر الزيادةُ عليها، والنقصُ:
فالأول: كقوله بَّه: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) فإنه فهم أن المنع لعلة
تشويش الفكر فألحق به الجوع والعطش وغيرهما من المعاني الموجبة لاختلاف
الفكر .
والثاني: كالنهي عن بيع مالم يقبض، فإن إضافة المنع إلى عدم القبض ليست
لصورته. واضطرب أصحابنا في معناه، فقيل: لتوالي الضمانَين، فيخرج منه البيع
من البائع. وقيل: لضعف الملك فلا يخرج، لكن يخرج منه الاستبدال عن بدل
الثلاثمائة بمائة جائز وإن كان قبل القبض. وقال أبو حنيفة: هو لتضمنه غرراً من
حيث يتوقع فيه انقلاب الملك إلى البائع الأول بالتلف قبل القبض تبينّ بالآخرة أن
البائع الثاني باع ملك الغير فيكون غرراً، فيخرج منه بيع العقار فإن تلفه غير
متصوَّر على ما عُرف من أصولهم.
(١) كدا في جميع النسخ، ولعل الصواب (مشتبهاً) أو (خطأ).
٢٠٤
وأيضاً كقوله عليه السلام: (أُما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر) فإنه ينبه على كون الدباغ
يطهر الجلد مطلقاً. وخرج به عندنا جلد الكلب، وكان المعنى منه أنا وجدنا
المناسبة خاصة بجلد ما كان طاهراً قبل الممات، لأن تأثير الدباغ في رد الجلد إلى ما
كان عليه فيعود طاهراً، وهو مفقود في حق الكلب. وقضى أبو حنيفة بطهارته
بالدباغ لأنه يقول بطهارته حال الحياة.
فإن قيل: إدارة الحكم على المناسبة في الوصف الموما إليه حتى ساغ القول
بالزيادة والنقصان يناقض أصلكم في منع إرث كل قاتل، بناء على ظاهر قوله وَالنقل :
(القاتل لا يرث) مع أن المناسبة خاصة، وهي المعارضة له بنقيض قصده في
استعجال الميراث، فيخرج القتل المباح والواجب، وأنتم لا تقولون به.
قلنا: المناسبة خاصة - كما ذكرتم - لكنها معارضة بقول من منع القاتل مطلقاً أن
الإرث اضطراري، ولو حصل بالقتل لكان كسبياً، وذلك ممتنع.
ومنهم من يقول: القتل يمنع الموالاة فيمنع الإرث كالرق والكفر. وإذا
تعارضت المناسبات تساقطن ولم يُعمل بإحداها، ورجع إلى عموم الحديث مع قطع
النظر عن المناسبات. على أن أصل الزيادة والنقص وإن ذكره الغزالي في ((الشفاء))
فقد خالفه غيره. ويشكل ما سمّاه زيادة، في مسألة القاضي، من قياس التمثيل،
وما سماه نقصاناً عن عموم الخبر فهو بناء على معارض أما لعدم المناسبة فلا.
[المَسْلك] الرابْع
الاسْتُدلال على عِلِيَة الْحُكُمْ فِعْل النَّبيّ نَالُلَّه
وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين. وقد ذكره القاضي في ((التقريب)). وصورته أن
يفعل فعلاً بعد وقوع شيء، فيُعلم أن ذلك الفعل إنما كان لأجل ذلك الشيء الذي
وقع. ووقوع ذلك إما أن يكون من النبي ◌َلقّ كأن يرى أنه سها في الصلاة
فسجد، فيعلم أن ذلك السجود لذلك السهو. وإما أن يكون من غيره ويكون منه
شيء آخر، كما روي أن ماعزاً زنى فرجم. قال القاضي: وإنما يجب مثلُ ذلك
٢٠٥
الحكم في غير ذلك المحكوم عليه بعد نقله بالقياس إذ قوله [{ لا*]: (حكمي على
الواحد حكمي على الجماعة) ونحوه مما يحل الفعل فيه محل القول العام، لأنا قد
قلنا إن قضاءه على المعين لعلة وصفية لا تقتضي وجوب عموم ذلك الحكم، ولا
يمتنع اختلاف الأحكام في ذلك، وإنما يتعدى لغيره بدليلٍ يقترن به قال: وكذلك
اجتنابه الطيب وما يجتنبه المحرمون عند إحرامهم إذ عقل من ذلك شاهد الحال أنه
إنما اجتنبه لأجل الإحرام.
ومن أمثاله المنبهة على علة الحكم تخييره بريرة لما عتقت تحت زوجها.
[المَسْلِك]ِ الخَامِيسِ
=فى إثبات العليَة [المناسَبة]
وهي من الطرق المعقولة، ويعبِّر عنها بـ ((الإخالة)) وبـ ((المصلحة)) وبـ
١/٣٠ ((الاستدلال))/ وبـ ((رعاية المقاصد)). ويسمى استخراجها ((تخريج المناط)) لأنه
إبداء مناط الحكم.
وهي عمدة كتاب القياس وغمرته ومحل غموضه ووضوحه. وهو تعيين العلة
بمجرد إبداء المناسبة، أي: المناسبة اللغوية التي هي الملاءمة. فلا دَوْرَ من ذات
الأصل، لا بنص ولا غيره، مع السلامة عن القوادح. كالإسكار في تحريم الخمر.
والمناسب - لغة: الملائم، وأما في الاصطلاح فقال من لم يعلل أفعال الله
بالغرض: إنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، أي: ما يكون بحيث يقصد
العقلاء لفعله على مجاري العادة تحصيل مقصود مخصوص.
وقال من يعللها: هو ما يجلب للإنسان نفعاً، أو يدفع عنه ضراً. وهو قول
الدبوسي: مالو عُرض على العقول تلقته بالقبول. قيل: وعلى هذا فإثباتها على
الخصم متعذر، لأنه ربما يقول: عقلي لا يتلقى هذا بالقبول. ومن ثَمَّ قال أبو زيد
الدبوسي: هو حجة للناظر لأنه لا يكابر نفسه، دون المُناظِر.
قال الغزالي ((رحمه الله)): والحق أنه يمكن إثباته على الجاحد بتبيين معنى
٢٠٦
المناسبة على وجه مضبوط، فإذا أبداه المعلل فلا يُلتفت إلى جحده. وقيل: إن
التفسير الأول بني على جواز تخصيص العلة، وأن المناسب لا ينخرم بالمعارض.
والتفسير الثاني بني على منع التخصيص ويأخذ انتفاء العارض في حد المناسب.
وقال الخلافيون: المناسبة مباشرة الفعل الصالح لحكمةٍ ومصلحةٍ. أو:
صلاحية الفعل لحكمةٍ ومصلحة.
وقال ابن الحاجب وغيره: هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتب
الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو
دنيوية، أو دفع مفسدة. فإن كان الوصف خفياً أو ظاهراً غير منضبط فالمعتبر ما
يلازمه، وهو المظنة، كالمشقة، فإنها مناسبة للمقصود ولا يمكن اعتبارها بنفسها،
لأنها غير منضبطة، فتعتبر بما يلازمه وهو السفر. قال الهندي: وهو ضعيف، لأنه
اعتبر في ماهية المناسبة ماهو خارج عنه، وهو اقتران الحكم للوصف، وهو خارج
عن ماهية المناسبة، بدليل أنه يقال: المناسبة مع الاقتران دليل العِلّية، ولو كان
الاقتران داخلاً في الماهية لما صح هذا. وأيضاً فهو غير جامع، لأن التعليل
بالظاهرة المنضبطة جائز، على ما اختاره قائل هذا الحد، والوصفية غير متحققة
فيها مع تحقق المناسبة.
وقد احتج إمام الحرمين على إفادتها العلية بتمسك الصحابة بها، فإنهم يلحقون
غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيه لمعنى أو يشبهه. وردَّه في
((الرسالة البهائية)) بأنه ما نقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب، فلا يبعد
التعبد من نوع من الظن الغالب، ونحن لا نعلم ذلك النوع. ثم قال: الأولى
الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر بالقياس. وقد أورد على اعتبار الفقهاء
(المناسبة)) في الأحكام بأنه يقتضي تعليل أحكام الله بالغرض، كما يقوله المعتزلة،
وقد سبق تحرير هذا في الكلام على العلل. والحق أن استقراء أحكام الشرع دل
على ضبط هذه الأحكام بالمصالح، وهذا كافٍ فيما نرومه، وذلك بفضل الله ((جَلّ
اسمُه)) لا وجوباً، خلافاً للمعتزلة في وجوب رعاية الأصلح.
واعلم أن الأصل عدم ((التعبُّد)) لندرته في الأحكام بالنسبة إلى ((ما يُعقل
٢٠٧
معناه)). والأغلب على الظن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وإنما يحكم بالتعبد فيما لا
تظهر فيه مناسبة إلا عند من يعلل بالوصف الشبهي، فإنه غير مناسب بنفسه ولا
معلوم اشتماله على المناسب، ولايُصار إلى التعبِّد معه عند القائلين به.
ثم النظر في (المناسب) في مواضع:
المَوَضْع الأول
[أقسام المناسب من حَيث اليَقِين وَالظن]
أنه قد يحصل المقصود به من شرع الحكم (١) يقيناً، كمصلحة البيع للحل
(٢) أو ظنّاً، كالقصاص لحفظ النفس. (٣) وقد يحتملها على السواء، كحد الخمر
لحفظ العقل، لأن الميْل والإقدام مساوٍ للإحجام. (٤) وقد يكون نفي الحصول
أوضح، كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل. ويجوز التعليل بجميع هذه الأقسام.
وأنكر بعضهم صحة التعليل بالثالث والرابع، بناء على أن حصول المقصود منها
غير ظاهر، للمساواة في الثالث، والمرجوحية في الرابع. والأصح خلافه، لأن
انتفاء ظهور حصول المقصود لا يقدح في صحة التعليل. وقال الهندي: يجوز إن
كان في آحاد الصور الشاذة وكان ذلك في أغلب الصور من الجنس مفضياً إلى
المقصود، وإلا فلا. أما إذا حصل القطع بأن المقصود من شرع الحكم ثابت فقالت
الحنفية: يعتبر التعليل به. والأصح لا يعتبر، سواء مالا تعبَّدَ فيه، کلحوق نسب
المشرقي بالمغربية، وما فيه تعبد، كاستبراء جارية اشتراها بائعها في المجلس.
المَوَضّعُ الثَّانِىِ
[أقسَام المناسبْ مِن حَث الحقيقةُ وَالإقتَّاعُ]
إنه ينقسم إلى حقيقي وإقناعي. والحقيقي ينقسم إلى ما هو واقع في محل
الضرورة، ومحل الحاجة، ومحل التحسين .
٢٠٨
الأول - الضروري : وهو المتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم
تختلف فيها الشرائع، بل هي مُطبقة على حفظها، وهي خمسة:
أحدها - حفظ النفس: بشرعية القصاص، فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل
نظام المصالح.
ثانيها - حفظ المال: بأمرين: (أحدهما) إيجاب الضمان على المتعدَّى فيه فإن
المال قوام العيش. و(ثانيهما) بالقطع بالسرقة.
ثالثها - حفظ النسل: بتحريم الزنى وإيجاب العقوبة عليه، فإن الأسباب داعية
إلى التناصر والتعاضد والتعاون الذي لا يتأتى العيش إلا به عادةً.
رابعها - حفظ الدين: بشرعية القتل والقتال، فالقتل للردة وغيرها من
موجبات القتل، لأجل مصلحة الدين، والقتال في جهاد أهل الحرب.
خامسها - حفظ العقل: بشرعية الحد على شرب المسكر، فإن العقل هو قوام
كل فعل تتعلق به مصلحة، فاختلاله مؤدٍ إلى مفسدة عظمى.
هذا ما أطبق عليه الأصوليون. وهو لا يخلو من نزاع، فدعواهم إطباق الشرائع
على ذلك ممنوع:
أما من حيث الجملة فلأنه مبني على أنه ماخلا شرع عن استصلاح، وفيه
خلاف سبق في الكلام على أن الحكم لابد له من علة. والأقرب فيه الوقف.
وأما من حيث التفصيل: فأما ما ذكروه من القصاص فيرده أن القصاص إنما
علم وجوبه في شريعة / موسى عليه السلام بدليل قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها ٣٠٠/ب
أن النفس بالنفس﴾ [سورة المائدة / ٤٥] وذلك لا يوافق قولهم: يلزم من عدم
مشروعية القصاص بطلان العالم.
فأما ما ذكروه في الخمر فليس كذلك، فإنها كانت مباحة في صدر الإسلام، ثم
حرمت في السنة الثالثة بعد غزاة أحد. وقيل: بل كان المباح شرب القليل الذي لا
يسكر، لا ما ينتهي إلى السكر المزيل للعقل، فإنه يحرم في كل ملّة. قاله الغزالي في
((شفاء الغليل))، وحكاه ابن القشيري في ((تفسيره)) عن القفال الشاشي ثم نازعه
٢٠٩
وقال: تواتر الخبر حيث كانت مباحة بالإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد
لا يزيل العقل. وكذا قال النووي في ((شرح مسلم)). فأما ما يقوله بعض من لا
تحصيل عنده أن المسكر لم يزل محرماً فباطل لا أصل له. انتهى.
وقد ناقشهم الأصفهاني صاحب ((النكت)) من جهة أخرى، وهي أن المحافظة
على مقصود الشرع إنما تحصل بإيجاب القصاص والحد، لا بالقتل والسرقة، لأن
هذه الأشياء تخل بمقصود الشرع فيكون المناسب هو الحكم المتضمن للمحافظة على
المقصود، لا الوصف وهو السرقة والقتل والردة. وهذا باطل، لأن المناسبة صفة
السرقة والردة. وغيرها، لأنه يقال: السرقة تناسب القطع، والقتل يناسب
القصاص، ولا يقال: إيجاب القصاص مناسب.
وقد زاد بعض المتأخرين (سادساً)، وهو: حفظ الأعراض، فإن عادة العقلاء
بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم، وما فدي بالضروري أولى أن يكون
ضرورياً. وقد شُرع في الجناية عليه بالقذف الحدُّ، وهو أحق بالحفظ من غيره،
فإن الإنسان قد يتجاوز من جنى على نفسه وماله، ولا يكاد أحد يتجاوز عن الجناية
على عرضه، ولهذا كان أهل الجناية يتوقعون الحرب العوان المبيدة للفرسان لأجل
كلمة، فهؤلاء عبس وذبيان استمرت الحرب بينهم أربعين سنة لأجل سبق فرس
فرساً، وهما داحس والغبراء، وإليهما تضاف هذه الحرب، وذلك لأن المسبوق،
وهو حذيفة بن بدر، اعتقد مسبوقيته عاراً يقبح عرضه.
ويلتحق بهذا القسم مشكل الضروري، كحد قليل المسكر ووجوب الحد فيه،
وتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعي إليها، وفي حفظ النسب بتحريم
النظر والمس، والتعزير على ذلك.
الثاني - الحاجي :
وهو ما يقع في محل الحاجة، لا الضرورة، كالإجارة فإنها مبنية على مسيس
الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنّ مالكها ببذلها عارية. وكذلك
المساقاة، لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره. وكذلك القراض ...
وذكر بعضهم في هذا القسم البيع. وقال إمام الحرمين: تصحيح البيع آيل إلى
٢١٠
الضرورة. والإجارة دونه، لأن كل أحد لا يستغني عن البيع، فالضرورة إليه
عامة، وفي الآحاد من يستغني عن الإجارة، فالحاجة إليها ليست عامة. ونازعه
ابن المنير وقال: وقوع الإجارات أكثر من المبايعات.
ومنه: نصب الولي للصغير، لأنه أكمل نظراً من المرأة، لكمال عقله، فلو
فوض نكاحها إليها أوقعت نفسها في مَعَرّه، لقصور نظرها، ولأن توليها النكاح
يستقبح عند العقلاء، لإشعاره بيذاءتها.
ثم قد يكون من هذا ماهو ضروري، كالإجارة لتربية الطفل. وتكميلاً كخيار
البيع، ورعاية الكفاءة، ومهر المثل في تزويج الصغير فإنه أفضى إلى دوام النكاح.
ثم اعلم أن (المناسبة) قد تكون جلية حتى تنتهي إلى القطع، كالضروريات.
وقد تكون خفية، كالمعاني التي استنبطها الفقهاء وليس لهم إلا مجرد احتمال اعتبار
الشرع لها. وقد يشتبه كون (المناسبة) واقعة في مرتبة الضرورة أو الحاجة لتقاربهما.
وقد قال بعض الأكابر: إن مشروعية الإجارة على خلاف القياس فنازعه بعض
الفضلاء وقال: إنها في مرتبة الضرورة، لأنه ليس كلَّ الناس قادراً على المساكن
بالملك ولا أكثرُهم، والسكن مما يُكِنّ من الحر والبرد من مرتبة الضرورة. وقد
يختلف التأثير بالنسبة إلى الجلاء والخفاء.
الثالث - التحسيني :
وهو قسمان :
منه ما هو غير معارض للقواعد، كتحريم القاذورات، فإن نفرة الطباع عنها
لقذارتها معنى يناسب حرمة تناولها، حثّاً على مكارم الأخلاق، كما قال تعالى:
﴿ويُحرّم عليهم الخبائث﴾ [سورة الأعراف / ١٥٧] وحمله الشافعي على المستحب عادة
على تفصيل. وعن النبي مَله: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه البيهقي) في
سننه .
و(منه): إزالة النجاسة، فإنها مستقذرة في الجبلات، واجتنابها أهم في المكارم
والمروءات، ولذا يحرم التضمُّخ بها على الصحيح من غير حاجة. قال الإمام في
٢١١
((البرهان)): والشافعي نص على هذا في الكثير. ثم إنه في ((النهاية)) في الكلام على
وطء الأمة في دبرها قال: لا يحرم.
و(منه) إيجاب الوضوء، لما فيه من إفادة النظافة، إذ الأمر بها في استغراق
الأوقات مما يعسر فوظف الوضوء في الأوقات وبني الأمر على إفادته المقصود، وعلم
الشارع أن أرباب العقول لا يعتمدون فعل الأوساخ والأدران إلى أعضائهم البادية
منهم فكان ذلك النهاية في الاستصلاح.
قال الإمام: وإزالة النجاسة أظهر في هذا من النظافة الكلية المرتبة على الوضوء
من حيث إن الجملة تستقذرها، والمروءة تقتضي اجتنابها، فهي أظهر من اجتناب
الشعث والغمرات. (قال): ولهذا جعل الشافعي الوضوء بالنية من حيث التحق
بالعادات العَرِيّة عن الأغراض وضاهى العبادات الدينية.
و(منه) سلب العبد أهلية الشهادة، لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر،
والجمع بينهما غير ملائم. وهذا استشكله ابن دقيق العبد، لأن الحكم بالحق بعد
ظهور الشاهد واتصاله إلى مستحقه ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة،
واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة
رعاية لمرتبة التحسين بعيد جداً. نعم، لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته
ويعلل هذا التعليل لكان له وجه. فأما مع الاستدلال بهذا التعليل ففيه هذا
الإشكال. وقد تنبّه بعض أصحاب الشافعي الإشكال المسألة فذكر أنه لا يعلم لمن
١/٣٠١ رد شهادة العبد مستنداً أو وجهاً. وأما / سلب ولايته فهو في محل الحاجة إذ ولاية
الأطفال تستدعي استغراقاً وفراغاً، والعبد مستغرق بخدمة سيده، فتفويض أمر
الطفل إليه إضرار بالطفل. أما الشهادة فتتفق أحياناً، كالرواية والفتوى.
(ومنه) ما هو معارض كالكتابة، فإنها من حيث كونها مكرمة في العوائد
ما احتمل(١) الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة، وهي امتناع معاملة السيد عبده وامتناع
مقابلة الملك بالملك على سبيل المعاوضة. نعم، هي جارية على قياس المالكية في أن
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل (ما) مقحمة.
٢١٢
العبد يملك. وزعم إمام الحرمين أنها خرجت عن قياس الوسائل عندهم، لأنهم
أوجبوها مع أنها وسيلة إلى العتق الذي لا يجب. وهو غير مستقيم، لأنها عندهم
غير واجبة. لكنهم مع ذلك يقدرون خروجها عن القياس واشتمالها على شائبتي
معاوضة وتعليق، على خلاف قياسهما.
وهذا القسم كله يتعلق بالدنيا، وقد يتعلق بالآخرة، كتزكية النفس ورياضتها
وتهذيب الأخلاق المؤدية إلى امتثال الأمر واجتناب النهي. وقد يتعلق بالدارين،
كإيجاب الكفارات، إذ يحصل بها الزجر عن تعاطي الأفعال الموجبة لها، وتحصيل
تلافي الذنب الكبير.
وفائدة مراعاة هذا الترتيب أنه إذا تعارض مصلحتان وجب إعمال الضرورة
المهمة وإلغاء التتمة .
وأما الإقناعي فهو الذي يظهر منه في بادىء الأمر أنه مناسب، لكن إذا بحث
عنه حق البحث ظهر بخلافه، كقولهم، في منع بيع الكلب قياساً على الخمر
والميتة: إن كون الشيء نجساً يناسب إذلاله. ومقابلته بالمال في البيع إعزاز له،
والجمع بينهما تناقض، فإذا كان هذا الوصف يناسب عدم جواز البيع لأن المناسبة
مع الاقتران دليل العلية فهذا - وإن كان مُخيلاً - فهو عند النظر غير مناسب، إذ لا
معنى لكون الشيء نجساً إلا عدم جواز الصلاة معه، ولا مناسبة بينه وبين عدم
جواز البيع. كذا قال الرازي وتبعه الهندي. وقد ينازع في أن المراد بكونه نجساً
منع الصلاة معه، بل ذلك من جملة أحكام النجس، وحينئذ فالتعليل بكون
النجاسة يناسب الإذلال ليس بإقناعى.
المَوَضّعُ الثّالث
[تَقْسِم المناسبة من حَيث الاعتبارُ الشَرعيّ وَعَدمِه]
المناسبة تنقسم باعتبار شهادة الشرع لها بالملاءمة والتأثير وعدمها إلى ثلاثة
أقسام، لأنه إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ألغاه، أو لا يعلم واحد
منهما .
٢١٣
القِسْمِ الأول مَاعُلم اعتبَار الشَِّرْعَ لَهَ
والمراد بالعلم الرجحان، والمراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفقه، لا التنصيص
عليه ولا الإيماء إليه، وإلا لم تكن العلية مستفادة من المناسبة، وهو المراد بقولهم:
شهد له أصل معين. قال الغزالي في ((شفاء الغليل)): المعنيّ بشهادة أصل معين
للوصف أنه مستنبط منه، من حيث إن الحكم أثبت شرعاً على وفقه.
وله أربعة أحوال، لأنه إما أن يعتبر نوعه في نوعه أو في جنسه، أو جنسُه في
نوعِه أو جنسِه.
الحالة الأولى: أن يعتبر نوعه في نوعه:
من خصوصٍ الوصف في خصوص الحكم، وعمومِه في عمومه، كقياس القتل
بالجارح على المثقّل في وجوب القصاص، بجامع كونه قتلاً عمداً عدواناً، فإنه قد
عرف تأثير خصوص كونه قتلاً عمداً عدواناً في خصوص الحكم، وهو وجوب
القصاص في النفس في المحدَّد. وهذا القسم يسمى بالمناسب الملائم، وهو متفق
عليه بين القَيّاسين.
الحالة الثانية: أن يعتبر نوعه في جنسه :
كقياس تقديم الإخوة الأشقاء على الإخوة من الأب في النكاح على تقديمهم
عليهم في الإرث والصلاة، فإن الإخوة من الأب والأم نوع واحد في الصورتين،
ولم يعرف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح، لكن عرف تأثيره في جنسه وهو التقدم
عليهم فيما يثبت لكل واحد منهم عند عدم الأمر، كما في الإرث والصلاة. وهذا
القسم دون ما قبله، لأن المقارنة بين المسألتين بحسب اختلاف المحلين أقل من
المقارنة بين نوعين مختلفين.
الحالة الثالثة: أن يعتبر جنسه في نوعه:
كقياس إسقاط القضاء عن الحائض على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن
المسافر، بتعليل المشقة والمشقة جنس، وإسقاط قضاء الصلاة نوع واحد يستعمل
على صنفين: إسقاط قضاء الكل، وإسقاط قضاء البعض، وقد ظهر تأثيرها في
٢١٤
هذا النوع ضرورة تأثيرها في إسقاط قضاء الركعتين. وهذا والذي قبله متقاربان،
لكن هذا أولى، لأن الإيهام في العلة أكثر محذوراً من الإيهام في المعلول.
الحالة الرابعة: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم:
وهو كتعليل كون حد الشرب ثمانين، فإنه مظنة القذف ضرورة أنه مظنة
الافتراء، فوجب أن يقام مقامه، قياساً على الخلوة، فإنها لما كانت مظنة الوطء
أقيمت مقامه في الحرمة. وهذا القسم كالأول. ولقائل أن يقول:" كان الوفاء بإقامة
المظنة مقام المظنون وجوب الحد بالخلوة، ولا قائل به.
القَسْم المشَّانِي ماعلم الغَاء الْشَرْع لَهَ
كما نقل عن بعضهم إيجاب الصوم ابتداء في كفارة مَلِك واقَعَ في رمضان، لأن
القصد منها الانزجار، وهو لا ينزجر بالعتق، فهذا وإن كان قياساً لكن الشرع
ألغاه، حيث أوجب الكفارة مرتبة من غير فصل بين المكلفين، والقول به مخالف
للنص فيكون باطلاً. فإن قيل: قد خصصوا العموم بالمعنى فيما هو قريب من
ذلك. قلنا: حيث لم يعكر على النص بالإبطال، وهو هنا يعكر، فإن اعتباره يؤدي
إلى الشرع .. (١) إليه وهو العتق.
القسم الثالث الايُعلَمَ إعتباره وَلا إلغاؤه
وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار، وهو المسمى بـ
((المصالح المرسلة))، وسيأتي الكلام فيه، والمشهور اختصاص المالكية بها وليس
كذلك، فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة
المرسلة إلا ذلك. قال الغزالي في كتاب ((أساس القياس)»: قد جعل الشافعي
استيلاد الأب جارية الابن سعياً لنقل الملك من غير ورود نص فيه، ولا وجود
أصل معين يشهد بنقل الملك، والقدر المصلحي فيه استحقاق الإعفاف على ولده،
وقد مست حاجته إليه فينقل ملكه إليه. وهذا كأنه اتباع مصلحة مرسلة. وكذا
قال في الغاصب تكثر تصرفاته / في المال المغصوب أن لمالكه إجازة تصرفاته إذ ٣٠١/ب
(١) هنا في جميع النسخ بياض بمقدار كلمة.
٢١٥
يعتبر اتباع مصلحة وكذا قال في العاملين(١) مع أن الملك شرط لصحة العقد
والإجازة عند بطلانه من الفضولي، ولكن إذا كثرت التصرفات وظهر العُسْر
اقتضت المصلحة ذلك.
المَوَضَعُ الَرَابْع
[تَقَسِيم المناَسَبَة مِن حَث التَّأثيِرْ، وَالمُلَاءَمَة]
المناسب إما مؤثر أو غير مؤثر، وغير المؤثر إما ملائم أو غير ملائم، وغير الملائم
إما غريب أو مرسل أو ملغى.
الأول: [المؤثر]: وهو أن يدل النص أو الإجماع على كونه علة بشرط دلالتها
على تأثير غير الوصف في عين الحكم، أو نوعه في نوعه، بنص أو إجماع. قال في
((المستصفى)): هو تقسيم حاصر. وسمي مؤثراً لظهور تأثير الوصف في الحكم
فالنصّ كمس المتوضىء ذكره، فإنه اعتبر عين مس المتوضىء ذكره في عين الحدث
بنصِة عليه. والإجماع: كالصِغَر، فإنه اعتبر عينه في عين الحكم وهو الولاية في
المال بالإجماع. ثم قال الأصفهاني وغيره: قد يكون الوصف مناسباً، كالصغر
المناسب للولاية على الصغير، وقد لا يكون مناسباً، كخروج المني لإيجاب الغسل.
وقال الإمام الرازي: إنما يتم بالمناسبة أو التغيّر. وهذا القسم أقل الأقسام، ولهذا
قبله أبو زيد دون أنواع المناسبات، كما قاله صاحب التنقيحات. وقال صاحب
((جنة الناظر)): إطلاق لفظ العين هنا تجوّز، لأن الأعيان هي المشخّصات، وهي لا
تقبل التعداد ليمكن وجودها في محلين متغايرين، وإنما يراد بالعين ها هنا ماهو
أخص من الجنس، كالنوع والصنف.
الثاني: [الملائم]: وهو أن يعتبر الشارع عينه في عين الحكم بترتب الحكم على
وفق النص، لا بنص ولا إجماع. سمي ملائماً لكونه موافقاً لما اعتبره الشارع.
وهذه المرتبة دون ما قبلها، وإنما تأخرت عنها لبعد مرتبة النوع بدرجة، فإنه كلما
تأخرت المرتبة له أمكن المزاحمة، كتعليل الوصف بعينه، وإذا كثر المزاحم ضعف
الظن.
(١) كذا في الأصول. وقد سقطت في المخطوطة الباريسية عبارة (مصلحة وكذا قال).
٢١٦
الثالث: [الغريب]: وهو أن يعتبر عينه في عين الحكم، فترتب الحكم وفق
الوصف فقط، ولا يعتبر عين الوصف في جنس الحكم، ولا عينه، ولا جنسه في
جنسه بنص أو إجماع، كالإسكار في تحريم الخمر، فإنه اعتبر عين الإسكار في عين
الحكم بترتيب التحريم على الإسكار فقط، ومنع السهروردي في ((التنقيحات))
وجود المناسب الغريب ورد أمثلته إلى الملائم، وإليه أشار الغزالي في ((شفاء الغليل))
وقال: قلما يوجد في الشرع اعتبار مصلحة خاصة إلا وللشرع التفات إلى جنسها،
وعلى الأصولي التقسيم، وعلى الفقيه الأمثلة. وكذا قال غيره: هذا لا يحسن جعله
قسماً برأسه، بل إن شهد له أصل بعينه دخل فيما سبق، وإلا كان مرسلاً. ومثله
ابن الحاجب بنظر الصديق وعمر رضي الله عنهما في التفضيل في العطاء.
وقال الأبياري في ((شرح البرهان)): إذا ظهرت المعاني فيبعد أن لا يوجد له نظير
ولا مدار، بل لا يكاد المعنى المناسب ينفك عن نظرٍ بحال. وقد قلّت أمثلة
الغريب، ومنها توريث المبتوتة في مرض الموت، إلحاقاً بالقاتل الممنوع من الميراث،
تعليلاً بالمعارضة بنقيض القصد، فإن المناسبة ظاهرة. لكن هذا النوع من
المصلحة لم يُعهد اعتباره في غير هذا الخاص، فكان غريباً لذلك. هكذا قاله، وفيه
نظر: ثم اختار تفصيلاً، وقال: إنه الذي يقتضيه مذهب مالك رحمه الله، أن
الغريب إذا ظهر فيه المعنى المناسب اعتبر، كالمتعلقة بالبيع والنكاح وفصل
الخصومات والقصاص والحدود، وبين أن لا يظهر - وهي العبادات - قال: فلا
تعليل بها، كالمعاني الغريبة وإن كانت ظاهرة، لأنا لم نعتمد على نفس المعنى،
بخلاف المعاملات.
هذا كله فيما اعتبره الشرع. فإن لم يعتبره نظر: فإن دل الدليل على إلغائِه لم
يُعلَّل به بالاتفاق، وإلا فهو المرسَل، ومنهم من قسمه إلى غريب وملائم، وقبله
مالك مطلقاً، وصرح إمام الحرمين بقبوله أيضاً مع تشديده الإنكار على مالك في
ذلك، ونُقل عن الشافعي أيضاً، وكذا صرح به الغزالي، لكنه شرط في اعتبار
القطع فيه كون المصلحة ضرورية قطعية كلية، ولم يشترط ذلك الأصل القول به
قال: والظن القريب من القطع كالقطع، وتابعه البيضاوي في ((المنهاج)).
٢١٧
والأكثرون على أنه مردود مطلقاً. ونقل ابن الحاجب الاتفاق على رد المرسل غير
الملائم الذي لم يعتبره الشرع. وفصَّل قوم بين العبادات. وقال إمام الحرمين في
((ترجيح الأقيسة)) ولا نرى التعلق بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء قال:
ومن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ.
ويتحصل في أقسام المناسبات أن يقال: إن المؤثر - وهو مادل النص أو الإجماع
على اعتباره - مقبول بالاتفاق، وحاصله يرجع إلى القياس، ومادل على الغاية
مردود بالاتفاق، ومالم يشهد الشرع باعتباره ولا إلغائه فهو موضع الخلاف وفيه
ثلاثة مذاهب:
أحدها : المنع منه مطلقاً، وهو الذي عليه الأكثرون، منهم القاضي، إذ لا تدل
عليها دلالة العقول، ولا يشهد لها أصل من الأصول، ولأن في اعتبارها رد
الشريعة إلى السياسة.
والثاني : يقبل مطلقاً، وهو المنقول عن مالك.
والثالث: تقبل مالم يصادفها أصل من الأصول، طرداً لدليل العمل بالقياس.
ونقل عن الشافعي أنه عضده بأن قال: الأصول منحصرة، والأحكام غير
منحصرة، ولما كانوا مع ذلك يسترسلون في الأحكام استرسال من لم يطلب
الأصول احتفاء ، فلم يكن بد من مردّ، ولا مردّ إلا إلى صحيح استدلال، وصار
هؤلاء في ضبط ما يصح به الاستدلال إلى أنه كل معنى مناسب للمحل مطرد في
أحكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به بعموم علقته. ونقل ابن الحاجب وغيره عن
الشافعي موافقة مالك، ولم يصح عنه. والذي نقله إمام الحرمين أنه لا يستجيز
التأني والإفراد في البعد (١)، وإنما يسوع تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة
بالمصالح المعتبرة، وفاقاً بالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، فإنه في
الشريعة واجب. واختار إمام الحرمين نحوه .
والرابع: يشترط اقتران الحكم بها وصلاحيتها للاعتبار؟ وزاد آخرون انضمام
(١) كذا في الأصول.
٢١٨
السبب إليها في اشتراط تعيينها، إذ لا يمتنع مساوقتها لمناسب آخر، وهذا على رأي
من منع التعليل بعلتين.
والخامس: يمتنع في العبادات، دون ما عداه.
تنبيهان
الأول :
قال الصفي الأصفهاني في ((نكته)): أعلى الأقسام ما يكون الأصل شاهداً
باعتبار / عينه في عين الحكم وجنسه في جنسه، لأن اعتباره بأحد الشاهدين يكفي ١/٣٠٢
في الاستدلال، لأنه يفيد الظن بالحكم، فإذا تقوى بوجهي الاعتبار كان اعتباره
أحرى، وذلك كاعتبار القتل العمد العدوان في قتل الذمي والعبد فإن عينه معتبرة
في عين الحكم في حق المسلم والحر، وهو مشهود له باعتبار جنس الجناية في جنس
العقوبة .
ويليه: ما يعتبر عينه في عين الحكم، كتعليل تحريم السكر بالإسكار.
ويليه: ما تؤثر عينه في جنس الحكم، كتأثير الصغر في ولاية النكاح، لظهور
تأثير الصغر في جنس ولاية النكاح، وهو ولاية المال.
ويليه: ما يؤثر جنسه في جنس الحكم، كتعليل نفي قضاء الصلاة عن الحائض
بعلة الحرج.
ويليه: المناسب الغريب، كالمطلقة في مرض الموت. وليس بعده إلا المناسب
العاري عن الأصل، وهو المرسل، وهو حجة عند مالك - وليس بحجة عندنا.
انتھی .
وقال غيره: المناسبة مراتب متفاوتة: أما في جانب الحكم فأعم مراتب الحكم
كونه حكماً، ثم ينقسم إلى الأقسام الخمسة من الوجوب والندب وغيرهما .. ثم
الواجب منها إلى عبادة، وغيرها، ثم العبادة إلى: بدنية، وغيرها. ثم البدنية إلى:
الصلاة وغيرها. ثم الصلاة إلى: فرض عين، وإلى فرض كفاية. فما ظهر تأثيره في
فرض العين أخص مما ظهر تأثيره في مطلق الفرض. وما ظهر تأثيره في مطلق
٢١٩
الفرض أخص مما ظهر تأثيره في جنس الفرض - وهو الصلاة - وما ظهر تأثيره في
الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في جنسها - وهو العبادة - وما ظهر تأثيره في جنسها -
وهو الواجب - أخص مما ظهر تأثيره في جنسه وهو الحكم.
التنبيه الثاني :
حيث أطلقوا اعتبار الجنس في الحكم وفي الوصف فلا يريدون به جنس
الأجناس، وهو كون الوصف مصلحة، وكون الحكم خطاباً. ولو أرادوا ذلك
لكان كل وصف مشهوداً له، فعلى هذا جنس الأجناس لا يعتبر، ونوع الأنواع لا
يشترط، والمعتبر ما بين هذين الطرفين. نعم الشأن في ضبط ذلك. وقال الغزالي:
من مارس الفقه وترقى عن رتبه الشادين فيه ونظر في مسائل الاعتبار تبين له أن
المعنى المخيل لا يعم وجوده المسائل، بل لو قيل: لا يطرد على الإخالة المعتبرة عُشر
المسائل لم يكن القائل مجازفاً. والله أعلم.
مسألة
المناسَبَة هَل تَخَرَم بالمعَارضَة؟
هذا على قسمين :
أحدهما: أن يأتي بمعارض يدل على انتفاء المصلحة فهو قادح بلا خلاف.
الثاني: أن يأتي بمعارض يدل على وجود مفسدة أو فوات مصلحة تساوي
المصلحة أو ترجح عليها، كما لو قيل في معارضة كون الوطء إذلالاً بأن فيه إمتاعاً
ومدفعاً لضرر الشبق، فهل تبطل المناسبة؟ فيه مذهبان: أحدهما: نعم، وعزي
للأكثرين واختاره ابن الحاجب والصيدلاني، لأن دفع المفاسد مقدم على جلب
المصالح، ولأن المناسبة أمر عرفي، والمصلحة إذا عارضها ما يساويها لم تعد عند
أهل العرف مصلحة. والثاني: اختاره الرازي والبيضاوي - أنها لا تبطل، واختاره
الشريف في ((جدله))، وربما نقل عن ظاهر كلام الشافعي. والمعنيّ من انخرامها
وبطلانها هو أنه لا يقتضي العقل مناسبتها للحكم إذ ذاك، فلا يكون لها أثر في
٢٢٠