Indexed OCR Text

Pages 101-120

(قال) : والأولى أن يقال في الضابط : ما ثبت على خلاف الأصول وعُقل
معناه ووُجد في غيره جاز القياس عليه ما لم يظهر من الشارع قصد تخصيص الحكم
بذلك المحل وما لم يترجح قياس الأصول عليه، فإن رجح بما يترجح به بعض
الأقيسة على بعض لم يجز القياس عليه لحصول المعارض الراجح، لا لأنه لم يصلح
أن يقاس عليه. وحكى الغزالي في ((المنخول)) الخلاف على وجه آخر فقال: إذا
وردت قاعدة خارجة عن قياس القواعد كالإجارة والكتابة، قيل : لا يقاس على
أصلها ولا فرعها، وقيل: يقاس في فروعها ولا يقاس عليه أصل آخر (قال) :
والمختار أن إطلاق الأمرين مستقيم، فإنّ القواعد وإن تباينت في خواصها فقد
تلتقي في امور جملية، لملاحظة الشرع البيع والأجارة في كونه معاوضة .
وقال ابن القطان : ذهب بعض أصحابنا الى أن المخصوص لا يجوز ان
يقاس عليه، وزعموا أن الشافعي يأبى ذلك في المسح على الخفين في الحضر
لعذر، ومنهم من أوّله وقال : المخصوص على ضربين : مخصوص بالمعنى،
ومخصوص بالذكر. والأول يجوز القياس عليه بخلاف الثاني، والشافعي إنما أُطلق
ذلك لأنه أراد إذا لم أجد علة الحكم فلم أقِس عليه غيرها .
وقال بعض الحنفية : لا يقيس على المخصوص وما يَرِد من الأخبار على غير
قياس الأصول، وشبهوه بما قلنا في مَسّ الذَكَر أنا لا نقيس عليه غيره. وهو خطأ،
لأنهم لا يجوّزون ورود الأخبار بشيء تخالفه الأصول، لأنها اصول في أنفسها
فقياس عليها حيث وجدت العلة، لأنهما موجبة للحكم. وقال إلكيا : المخصوص
بالذكر قد يقع القياس عليه وأكثر القياس كذلك، والمخصوص بالمعنى لا يقاس
عليه لأنه اختص بمعناه فلم يوجد في غيره فلا يقاس عليه لعدم الجامع. ثم قسمه
إلى ما سبق .
وقال الأستاذ أبو منصور: قال أصحابنا: المخصوص بالمعنى لا يقاس عليه. لأن
المعنى الذي لأجله خُصَّ الحكم مفقود في غير ما ورد الحكم فيه، بخلاف
المخصوص بالاسم فقط قال الأستاذ: جملة ما يمتنع القياس في الأصول خمسة
١٠١

أنواع: أحدها: تخصيص غيره(١) بالذكر وإفراده بالحكم خصوصا، كقوله تعالى:
﴿خالصةً لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب / ٥٠] وذلك في النكاح بلفظ الهبة أو بلا
مهر أصلا. وكذلك قوله عليه السلام لأبي بردة: (ولن تجزىء عن أحد بعدك).
الثاني: تخصيص مكان بحكم مخصوص كقوله في مكة: (أحلت لي ساعة من نهار،
ولا تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي). والثالث: تخصيص حال من أحوال
الإنسان، كتخصيص حال الضرورة بإباحة الميتة. الرابع: وقوع التغليظ في جنس
من الأحكام في بعض المواضع تخصيصاً به وحده، كتغليظ الأيمان في القسامة لا
يقاس عليها التهمة في قتل البهيمة. الخامس: الرُخَص كالمسح على الخفين لا يقاس
عليه المسح على البرقع والقفازين، وكالاستنجاء لا يقاس عليه أثر النجاسة على
الثوب فهذه الخمسة لا يجوز عليها القياس عندنا قال: وأما في المخصوص من
العام، فإن كان المعنى يوجد في غيره جاز القياس عليه، كالأمة في تنصيف حدِّها
قيس عليها العبد بعلة الرق، وإن لم يكن ثَمَّ معنى لم يجز كإيجاب الغرة في الجنين،
لا يقاس عليه الملفوف(٢).
قال: وهذا تفصيل أصحابنا في القياس المخصوص. وقال أصحاب الرأي: إن
المخصوص بالأثر من جملة قياس الأصول لا يقاس عليه إلا أن يكون الأثر معلّلاً،
فيقاس عليه بتلك العلة أو يتفق القائلون بالقياس على جواز القياس عليه، فيقاس
عليه نظائره وإن خالف قياس الأصول كقولهم في الوضوء من القهقهة في الصلاة:
إن قياس الأصول أنّ ما كان حدثاً في الصلاة كان حدثا في غيرها إلا أن القياس في
ذلك متروك بالخبر لم يجز أن يقاس عليها القهقهة في صلاة الجنازة وفي سجود
التلاوة، لأن الأمر الذي خصّهما من جملة القياس إنما ورد في صلاة لها ركوع
وسجود.
وقال صاحب ((البيان)) في كتاب الحج: المنصوص ثلاثة أضرب: أحدها: ما لا
يُعقل معناه فلا يجوز القياس عليه، كعدد الركعات وأركانها، وكذلك لم يقس
(١) كذا في جميع الأصول، ولعله (عينه)؟
(٢) الذي قُتل بضربة سيف على بساط التف به إنسان، والقاتل لا يعلم بوجوده .
١٠٢

عليها وجوب صلاة سادسة والثاني: ما عُقل معناه ولم يوجد ذلك المعنى في غيره
كالمسح على الخفين لأن معناه الحاجة إلى لبسه والمشقة في نزعه وهذا لا يوجد في
العمامة والقفازين، وكذلك المتحلل من الإحرام لأجل الإحصار بالعدو عُقل
معناه وهو التخلف من العدو، وهذا لا يوجد في المرض، وكذلك تحريم الربا في
النقدين عُقل معناه وهو قيمة الأشياء ولم يوجد في غيرها، فلم يقس عليها الحديد ٥/٢٨٣
والرصاص. والثالث: ما عُقل معناه ووجد ذلك المعنى في غيره فيجوز القياس
عليه كتحريم الربا في النسيئة .
تنبيه :
ينبغي أن يعد من الشروط أن لا يكون حكم الأصل فيه تغليظا لكن كلام
أصحابنا يخالف هذا فإنهم ألحقوا عرق الكلب وروثه وجميع أجزائه بسؤره وجعلوه
كإلحاق الأمة بالعبد، ولنا وجه أنه لا يلحق ومأخذه ما ذكرنا .
مسألة
[مَمَا يمتَّنع فيه القيَاسِّ]
قال إلكيا: مما يمتنع فيه القياس أن يكون الاعتبار مقتضيا تصرفا في عين لا
يتصور إحاطة علم العبد به، فالقياس ممتنع لعدم شرطه وهو ظهور الظن إذ لا
يتصور ارتباط الظن به. فنحن نعلم أن الطهارة شُرعت للنظافة، والصلاة
للخشوع، فمن أراد أن يضع شيئا آخر ويجعله مثلاً للصلاة في إفادة مثل مقصود
الصلاة والطهارة من الخشوع والنظافة كان مردوداً، لأنه لا يهتدي إليه. قال: وعلى
هذا أكثر ضوابط الشرع كنصب الزكوات وتقدير البلوغ وتقدير الزواجر وغيرها
فائدة
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: لا يقاس على خاص، ولا
يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل: كم؟ وكيف؟ فإذا صح قياسه على
١٠٣

الأصل ثبت. قال العبادي: معنى قوله: لا يقاس أصل على أصل أي لا يقاس
التيمم على الوضوء فيجعل أربعا، ولا يقاس الوضوء على التيمم فيجعل اثنين،
لأن أحد القیاسین یرفع النص، والثاني یرفع الإجماع، وفي رواية غيره: لا يقاس
علی خاص منتزع من عامّ کالمصراة، وفي رواية أخرى: لا یقاس على مخصوص،
ولا منصوص على منصوص، فإن القياس على المخصوص إبطال، وفي قياس
المنصوص على المنصوص إبطال المنصوص. وقد قيل ذلك لأبي بكر الشاشي فقال:
القياس على المخصوص يجوز عند الشافعي، فإنه قاس ما دون أرش الموضحة على
الموضحة في تحمل العقل، وانما يبطل التخصيص بإلحاق الأموال بها، فأما إذا ألحق
بها ما في معناها فلا إذَنْ . انتهى .
مسألة
ثبوت الحكم في محَل الأصْل
الحكم في محل النص هل ثبت بالعلة أو بالنص؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما
الأستاذ أبو إسحاق، وحكى في ((المستصفى)) وجها ثالثا بالتفصيل بين ان تكون
العلة منصوصة فيجوز إضافة الحكم إليها في محل النص كالسرقة مثلا، وإلا فلا.
وهو غريب .
ويخرج من كلام ابن السمعاني رابع، وهو أن الحكم ثبت في الأصل بالنصّ
والعلة جميعاً فقال: وقولهم: إنه لا يضاف إلى النص. قلنا: يضاف، فيقال.
النص يفيد هذا الحكم، والعلة أيضاً مفيدة له. ويجوز أن يتوالى دليلان على حكم
واحد. وكذا قال ابن برهان: ثبوته بالنص لا يمنع من إضافته إلى العلة، فنحن
نجمع بينهما ونقول: الحكم ثابت بينهما جميعا، ويجوز إضافة الحكم إلى دليلين
بالاتفاق وإن اختلفوا في تعليله بعلتين.
ثم قال الأستاذ : وقال أهل التحقيق: إن حقيقة القول في موجب الحكم
الكشف عن الدليل المبين له، قالوا: وله في الأصل دليلان، أحدهما: النصُّ، وله
حكمان، أحدهما: بيان الشريعة، والثاني: بيان المعنى الذي تعلق به الحكم. وفي
١٠٤

الفرع دليل واحد إذا كانت العلة واحدة قال: وهذا هو الصحيح. وقد يجوز أن
تكون العلة مدرك حكمه بوجوه من الأدلة. ثم يعرف حكم غيره ببعض أدلته
وقال الصيرفي: الحكم في الأصل ثبت بالعلة التي دل عليها النص، وحظ النص
فيها التنبيه عليها، وهذا هو الراجح عند أصحابنا. قال الأبياري: وهو الصحيح
من مذهب مالك. وعن العراقيين من الحنفية أنه ثابت بالنص. وعلى الأول فإذا
استنبط من محل عموم علة خاصة تخصَّص(١) حكم الأصل وهو بمثابة استنباط
الإسكار من آية تحريم الخمر، فيقتضي أنه لا يجرم إلا القدر المسكر، وهو قول ابي
حنيفة في النبيذ بناءً منه على أن حكم النبيذ هو المستند إلى العلة، وأما حكم الخمر
فيستند إلى اللفظ العام .
قال ابن النفيس في ((الإيضاح)): وينبغي أن يكون مراد الشافعية ثبوته بالعلة
فظن أن ثبوته بالنص لأجل العلة لا لأن العلة هي الموجبة له بدون النص، ولا أنها
جزء الموجب، وحينئذ يصير الخلاف لفظياً، وكذا زعم الآمدي وغيره أن النزاع
لفظي لا يرجع إلى معنى، لأن النص لا شك أنه المعرِّف للحكم أي ثبت عندنا به
الحكم. والمعنى عند من يفسده بالباعث هو الذي اقتضى الحكم، فمن أراد بقوله
أن الحكم ثابت بالنص أي عُرف به فقوله صحيح ولا ينازع فيه، ومن رأى أن
المقتضى والباعث هو المعنى فلا ينازعه الآخر فيه .
والتحقيق أن الخلاف معنوي وله أصل وفرع. أما أصله فيرجع إلى تفسير
العلة: فعلى قول المعتزلة أنها مؤثرة، فحكم الأصل ثابت بها، وكذا على قول
الغزالي أنها مؤثرة بجعل الله، وأما من يفسرها بالباعث فمعنى أنه شرع لأجل
المصلحة التي اقتضت مشروعيته وبَعثت عليه ففي القاصرة فائدة معرفة الباعث
واما من يفسرها بالمعرِّف فلا ريب أنها تعرف حكم الأصل بمجردها، وقد تجتمع
هي والنص فلا يمتنع اجتماع معرِّفين عند من يجعلهما في حالة الاجتماع مُعِّرفَيْ.
وبه يظهر أن حكم الأصل ثابت بالعلة، وأن نسبة الأصل والفرع إلى العلة سواء
لا فرق بينهما.
(١) في الأصول كلها (تخصيص)!
١٠٥

وأما فرعه فالخلاف في جواز التعليل بالقاصرة، فمن جوز التعليل بها قال:
الحكم ثابت في المحل بالعلة ولم يكن لها فائدة، ولهذا في التعدية لو لم يقدر ثبوت
الحكم بالعلة لم يتحقق معنى المقايسة، لأن الحكم حينئذ ثابت بالنص. وذكر
الأبياري في ((شرح البرهان)) من فوائد الخلاف تحريم قليل النبيذ وكثيره كالخمر
عندنا، وعندهم لا يحرم إلا القدر المسكر، بخلاف الخمر فإن حرمة الخمر ثابتة
بالنص، وهو عام يشمل قليله بعلة الإسكار وحرمة النبيذ، والفرع ثابت بعلة
الأصل وهي الإسكار، فلابد من وجودها فلا يحرم منه قدر لا يُسكر .
تنبيهات
الأول:
هذا الخلاف في النص ذي العلة. أما التعبُّدي فلا مدخل له في القياس
لاستحالة أن يقال إنه هناك ثابت بالعلة، وظن الهندي أن كلام أصحابنا على
إطلاقه فردِّد القول عليهم وليس كذلك .
الثاني :
صواب العبارة أن يقال: ((ثابت عند العلة)) لا ((بها)) وكأن الشارع قال: مهما
١/٢٨٤ وجد الوصف / فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك التمثيل. وقد قال ابن
الحاجب في مسألة العلة المركبة: التحقيق أن معنى العلة ما قضى الشارع بالحكم
عند الحكمة، لا أنها صفة زائدة .
الثالث :
بهذه المسألة ينحل إشكال أورده نفاة القياس وهو: كيف ثبت حكم الفرع بغير
ثبوته في الاصل؟ وذلك لأن حكم الأصل ثابت بالنص، كتحريم الخمر، وحكم
الفرع ثابت بالإلحاق كتحريم النبيذ، فالحكم واحد، والطريق مختلف، فكيف
يصح هذا؟ وجوابه: أن من قال: إن الحكم في محل النص بالعلة، لم يَرد عليه هذا
السؤال، لأنه إنما ثبت الحكم في الفرع والأصل بطريق واحد وهو معنى الإسكار(١)
في الخمر والنبيذ. ومن أثبت في الأصل بالنص قال: المقصود ثبوت الحكم لا تعيين
(١) في الأصول كلها (الإشكال)!
١٠٦

طريقه بكونه نصّاً أو قياساً، أو نصّاً في الأصل قياساً في الفرع، لأن الطريق وسيلة
والحكم مقصد، ومع حصول المقصد لو قدر عدم الوسائل لم يضر، فضلاً عن
اختلافها، وهذا كمن قصد مكة أو غيرها من البلاد لا حرج عليه من أي جهة
دخلها .
[الركن الثالث] الفَرع
وهو الذي يراد ثبوت الحكم فيه. فقيل: هو محل الحكم المختلف فيه، وهو
قیاس قول الفقهاء في الأصل. وقيل: هو نفس الحكم الذي في المحل وهو قياس
القول الثالث ثَمّ. وقياس قول المتكلمين في الأصل أنه النص أن يكون الفرع هنا
هو العلة، لكن لم يقل به أحد لأنها أصل في الفرع وفرع في الأصل، فلم يمكن
جعلها فرعا في الفرع. وقال الأصفهاني: يصح أن يكون الفرع عندهم ثبوت
الحكم في محل النص أو علته أو الحكم في محل الخلاف. وقال السهيلي في ((أدب
الجدل)): الفرع: ما اختلف الخصمان فيه. وقيل: ما قصد القائس إثبات الحكم
فيه. وقيل: ما نصبت الدلالة فيه. وله شروط :
أحدها: وجود العلة الموجودة أي قيامها به وإن كانت عدمية ولا يشترط القطع
بوجودها فيه، خلافاً لبعضهم، بل يكفي الظن وسيأتي في باب العلة .
الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مثل علة الأصل بلا تفاوت، أعني بالنسبة
إلی النقصان، أما الزيادة فلا يشترط انتفاؤها، إذ قد يكون الحكم في الفرع أولى،
كقياس الضرب على التأفيف، وقد يكون مساوياً، كقياس الأمة على العبد في
السراية. فإن كان وجودها في الفرع مقطوعاً به صح الإلحاق قطعاً، وإن كان
مظنوناً كقياس الأدون كالتفاح على البُرّ بجامع الطّعم فاختلفوا فيه على قولین،
وأصحهما أنه لا يشترط القطع به، بل يكفي في وجود العلة في الفرع الظن لأنا إذا
ظننا وجودها في الفرع ظننا الحكم، والعمل بالظن واجب .
١٠٧

الثالث: أن يُساوي حكمه حكم الأصل فيما يُقصد من عین أو جنس ليتأدَّى به
مثل ما يتأدَّى بالحكم في الأصل، فإن كان حكم الفرع مخالفاً لحكم الأصل فسد
القياس .
الرابع: أن يكون خالياً عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة
القياس. هذا إن جوزنا تخصيص العلة، فإن لم نجُوِّزه لم يكن هذا شرطاً في الفرع
الذي يقاس، بل الفرع الذي يثبت فيه الحكم يقتضي القياس .
الخامس: أن لا يتناول دليل الأصل، لأنه يكون ثابتاً به، ومنهم من قال: أن لا
يكون الفرع منصوصاً أو مجمعا عليه، وهذا ظاهر إذا كان الحكم المنصوص عليه
على خلاف القياس. وإلا لزم تقديم القياس على النصّ وهو ممتنع، نعم يجوز
لتجربة النظر. فأما إذا كان على موافقته، فإما أن يكون النص الدال على ثبوت
حکم الفرع هو بعينه الذي دل على حكم الأصل أو غيره، فإن كان الأول فالقياس
باطل، لأنه ليس جعل تلك الصورة أصلاً والأخرى فرعاً أولى من العكس، وإن
كان غيره فالقياس فيه جائز عند الأكثرين كما نقله في ((المحصول)) لأنه ليس
المقصود إثبات الحكم بل الاستظهار بتكثير الحجج. وترادف الأدلة على المدلول
الواحد جائز لإفادة زيادة الظن. ومنع بعضهم من قياس المنصوص عليه مطلقا،
وأطلق الآمدي دعوى الإجماع على اشتراطه، ونقل الدبوسي في ((التقويم)) الجواز
مطلقاً عن الشافعي فقال: جَوَّز الشافعي كونَ الفرع فيه نص ويزدادُ بالقياس بيانُ
ما كان النصُّر ساكتاً عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفا للنص .
السادس: شرَطَ الغزالي والآمدي انتفاء نص أو إجماع يوافقه، أي لا يكون
منصوصاً على شبهه بخلاف الشرط قبله فإنه شرط في نصه هو. والحقُّ أن هذا غير
شرط، وفائدة القياس معرفة العلة أو الحكم، وفائدة النص ثبوت الحكم .
السابع: أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل، لأن الحكم المستفاد
متأخر عن المستفاد منه بالضرورة، فلو تقدم مع ما ذكرته من وجوب تأخره لزم
اجتماع النقيضين أو الضدين وهو محال، وهذا كقياس الوضوء على التيمم في
١٠٨

اشتراط النية، لأن التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة، والتعبد بالوضوء كان قبله.
ونازع العبدري في المثال بأنه من قياس الشبه لا من قياس العلة، ومعناه: طهارتان
فكيف تفترقان؟
ومنع ابن الصباغ في ((العُدّة)) هذا الشرط، وجوز أن يكون الحكم عليه أمارات
متقدِّمة ومتأخِّرة، فللمستدل أن يحتج بالمتقدِّم منها والمتأخّر، فإن الدليل يجوز تأخره
عن ثبوته. ولهذا معجزات النبي وَ الر منها ما قارن نُبُوته، ومنها ما تأخر عنه، ويجوز
الاستدلال على نبُوّته بما نزل من القرآن بالمدينة، وكذا في الأحكام المظنونة وكذا
نقل الكيا في تعليقه عن الأصحاب أنهم جوزوا ذلك، فإن العالم متراخٍ عن
القديم فُيُستدل به على إثبات القديم. ثم قال: وهذا غير صحيح. فإنّا لا نستدل
بوجود العالم على إثبات الصانع، لأنه ثابت قطعا. وإنما استدللنا بالعالم على العِلم
بالصانع. فيحتاج أن يقول هنا: النية في الوضوء كانت ثابتة بدليلها، وهو إخالة
ومناسبة. وقال القرطبي: هذا إنما نشأ من حيث إن الوضوء كان معمولاً به قبل
مشروعية التيمم، فلو فرضنا أنه لم يُعمل به إلى أن شُرع التيمم فلا يبعد أن يقاس
عليه ويكون فرعاً له، وإن كان متقدما لأن العلل الشرعية أمارات على الاحكام
ومعرِّفات لها وتقديمها/ کالدلیل والمدلول. وقال ابن برهان: قولهم لا يُستفاد حکم ٢٨٤/ب
المتقدم من المتأخر باطل، لأنه وإن كان متأخرا إلا أنه حكم شرعي، والحكم
الشرعي إذا ثبت ثبت على الإطلاق. قال: قالوا: هذا إذن يكون نسخاً. وإنما هو
ضم حكم إلى حكم.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: هذا الشرط إنما يتعين إذا توقف استناد الحكم
في الفرع إلى الأصل على وجه يتعين طريقا لإثبات الحكم، لأن المحال إنما يلزم
على هذا الوجه، فإنه منشأ الاستحالة فإذا انتفى ذلك لعدم النص انتفى وجه
الاستحالة. وقال ابن الحاجب: نعم لا يمتنع ان يكون إلزاما للخصم لتساوي
الأصل والفرع في المعنى. وقال الرازي والهندي: هذا اذا لم يكن لحكم الفرع دليل
سوى ذلك الأصل المتأخر، فإن كان عليه دليل آخر وذكر ذلك على سبيل الإلزام
للخصم لا بطريق تقوية المأخذ، أو بطريق الدلالة لا بطريق التعليل، ويجوز أن
يتأخر الدليل عن المدلول - كالعالم على الصانع - جاز تأخره، لزوال المحذور،
١٠٩

وتواردُ الأدلة على مدلول واحد جائز. وهذا فيه نظر لأن الكلام في تفرعه عن
الأصل المتأخر وذلك لا يمكن، سواء كان عليه دليل غيره أم لا .
الثامن: شرط أبو هاشم دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع
بطريق الإجمال، ويكون حظ القياس إبانة فيصله والكشف عن موضوعه، وحكاه
الكيا الطبري عن أبي زيد أيضاً، وردده بأن الأولين تشوفوا إلى إجراء القياس
اتباعا للأوصاف المخِيلة المؤثرة من غير تقييد، وقد أثبتوا قوله ((أنت علي حرام))
بالقياس وإن لم يكن عليه نص على جهة الجملة على وجه ما لأن قوله تعالى: ﴿لا
تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة/ ٨٧]، إنما يمكن عن المنع من تحريمه ولا
يفيد حكمه إذا وقع التحريم (قال): ويمكن أن يقول: لعلهم علموا له أصلاً غاب
عنا .
تنبيه :
جرت العادة بأن الفرع لابد أن يكون مختلفاً فيه. فقال بعضهم: لا يجوز أن
يكون مجمعا عليه. والحقُّ جوازه، لأن القياس تعدِّي الحكم من المنصوص إلى غير
المنصوص، ويجوز أن يثبت كثير من مسائل الإجماع بذلك كما بلغ عمر أن رجلا
باع خمرا وأكل ثمنه فقال: قاتله الله ألم يعلم بأن النبي وَلاير قال: (قاتل الله اليهود
حُرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) فهذا الحكم مجمَع عليه واستعمل
فيه القياس .
١١٠

[الركن الرابع]
العَلة
وهي شرط في صحة القياس ليجمع بها بين الأصل والفرع. قال ابن فورك:
من الناس من اقتصر على الشبّه ومنع القول بالعلة. وقال ابن السمعاني: ذهب
بعض القَيّاسين من الحنفية وغيرهم إلى صحة القياس من غير علة إذا لاح بعض
الشبه. وذهب جمهور القيّاسين من الفقهاء والمتكلمين إلى أن العلة لابد منها في
القياس وهي ركن القياس لا يقوم القياس إلا بها .
والعلة في اللغة قيل: هي اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله، مأخوذ من العلة
التي هي المرض، لأن تأثيرها في الحكم كأثر العلة في ذات المريض. ويقال: اعتل
فلان إذا حال عن الصحة إلى السقم. وهذا المعنى اعتمده القاضي أبو بكر في
كتاب ((الإخبار عن أحكام العلل)) وهو مجلد لطيف وجرى عليه الكيا وابن
السمعاني. وقيل: لأنها ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة
الى المرض، حكاه ابن السمعاني، وقال: الأول أحسن، لأنا قبلنا صحة التعليل
بالقاصرة. وقيل: إنها مأخوذة من العَلَل بعد النّهَل، وهو معاودة الماء للشرب مرة
بعد مرة، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر، ولأن الحكم يتكرر
بتكرر وجودها، ولأن الحادثة مستمرة باقية غير متكررة عند جمهور القدرية. قال
الكيا: وقد يُعبِّر بها عما لأجل ذلك يقدم على الفعل أو يمنع منه يقال: فَعَل الفعل
العلة كيتَ، أو لم يفعل لعلة كيتَ. وقد استعملت في المعلولات في المعنى الذي
يوجب لغيره حالاً كالعلم يوجب العالمية، والوصف من غير حال السواد فقال انه
علة في وصف المحل بأنه اسود .
وأما في الاصطلاح: فاختلفوا فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أنها المعرِّف للحكم أي جُعلت علما على الحكم إن وجد المعنى وجد
١١١

الحكم، قاله الصيرفي في ((كتاب الاعلام)) وابن عبدان في ((شرائط الأحكام)) وأبو
زيد من الحنفية، وحكاه سليم في ((التقريب)) عن بعض الفقهاء واختاره صاحب
((المحصول)) و((المنهاج)). أي ما يكون دالاً على وجود الحكم وليست مؤثرة لأن المؤثر
هو الله، ولأن الحكم قديم فلا يؤثر فيه الحادث. ونُقض بـ((العَلامة)) فإن الحَدَّ
صادق عليها وليست الأحكام مضافة إليها. وهذا بالنسبة إلى العلل الشرعية كما
قاله الصيرفي. أما العقلية فموجبة. والفرق بينهما أن الشرع دخله التعبد الذي لا
يُعقل معناه، بخلاف العقل فإن أحكامه معقولة المعاني فمِن ثَمَّ كانت علله مؤثرة
وعلل الشرع معرِّفات والمؤثر إنما هو خطاب الشرع. وعبارة ابن عبدان في الفرق
أن العقلية من موجبات العقول، والشرعية ليست من موجباته، بل هي أمارات
ودلالات في الظاهر. وقال في ((التقويم)): علل الشرع أعلام في الحقيقة على
الأحكام، والموجب هو الله تعالى بدليل أنها كانت موجودة قبل الشرع، ولو كانت
موجبة لم تنفك عن معلولاتها قال: ويجوز أن تسمى أدلة لأنها دلت على حكم الله
في الفروع قال: وبعضها أظهر من بعض، حتى قال علماؤنا: الظاهر منها قياس،
والباطن استحسان .
تنبيه :
قال الهندي: ليس المراد بكونها معرّفة أنها تعرف حكم الأصل، فإن ذلك
يُعرَف بالنص بل حكم الفرع، لكن يخدشه قول أصحابنا أن حكم الأصل معلَّل
بالعلة المشتركة بينه وبين الشرع مع أنه غير معرِّف بها .
الثاني: أنها الموجب للحكم على معنى أن الشارع جعلها موجبة لذاتها، وهو
قول الغزالي وسُليم. قال الهندي: وهو قريب لا بأس به، فالعلة في تحريم النبيذ
هي الشدة المطربة كانت موجودة قبل تعلق التحريم بها، ولكنها علة بجعل
الشارع .
الثالث: أنها الموجبة للحكم بذاتها لا بجعل الله، وهو قول المعتزلة بناء على
قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقلي. والعلة وصف ذاتي لا يوقف على جعل
١١٢

جاعل ويعبرون عنه تارة بالمؤثر .
الرابع: أنها الموجبة بالعادة، واختاره الإمام فخر الدين الرازي في ((الرسالة))
البهائية في القياس وهو غير الثاني .
الخامس: الباعث على التشريع / بمعنى أنه لابد أن يكون الوصف مشتملا على ١/٢٨٥
مصلحة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم. ومنهم من عبر عنها
بالتي يعلم الله صلاح المتعبدين في التعبد بالحكم لأجلها، وهو اختيار الآمدي
وابن الحاجب وهو نزعة القائلين بأن الرب تعالى يعلل أفعاله بالأغراض.
والصحيح عند الأشعرية خلافه. ونحوه قول ابن القطان: العلة عندنا هي المعنى
الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها، وهو الغرض والمعنى الجالب للحكم ثم
قال: والعلة ما جلب الحكم. قال: وإلى هذا كان يذهب أبو علي بن أبي هريرة.
انتهى. وحكى المارودي في باب الربا القولين فقال: العلة هي التي لأجلها ثبت
الحكم. وقيل: الصفة الجالبة للحكم.
وقال الأستاذ أبو منصور: اختلف في العلة فقيل: إنها صفة قائمة بالمعلول
كالشدة في الخمر. وهو خطأ، لأن بعض الأغراض قد يكون علة لغرض آخر ولا
يقوم أحدهما بالآخر. وقال: وإنما معنى العلة السبب الذي يتعلق به الحكم
اجتهادا فإن النص الجالب للحكم لا يكون علةً له، لأنه ليسٍ من طريق الاجتهاد
والاعتلال استدلال المعلِّل بالعلة وإظهاره لها، والمعتل هو المعلِّل(١) والمعتلّ به نفس
العلة وقال الكيا: العلة في عرف الفقهاء الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها،
والعقلية موجبة على رأي القائلين بها والشرعية موضوعة ولكنها مشبَّهة بها في
الشرع، أثبت الحكم لأجلها في طريق الفقهاء فكان أقرب عبارةٍ على هذا التقدير
عبارة العلة ليكون الحكم تبع الحقيقة على مثالها. وقال ابن السمعاني: قالوا: إنها
الصفة الجالبة للحكم. وقيل: انها المعنى المُنشىء.
(١) في الأصول (والمعتل هو العلة)!
١١٣

مسألة
وهي تنقسم إلى عقلية وهي لا تصير علة بجعل جاعل بل بنفسها، وهي موجبة
لا تتغير بالأزمان كحركة المتحرك. وشرعية: وهي التي صارت علة بجعل جاعل
کالإسکار في الخمر، وکانت قبل مجيء الشرع، وتتخصص بزمان دون زمان ولا
تتخصص بعين دون عين .
مسألة
العلة حقيقة في العقلية. كالحركة علة في كون المتحرك متحركا، كما قاله الشيخ
أبو إسحاق. وإنما تسمى العلل الشرعية علة مجازاً أو اتساعاً، وإلا ففي الحقيقة
العلة ما أوجب الحكم بنفسه، وهي العلة العقلية، وأما التي توجبه بغيرها فليست
بعلة في وضع المتكلمين، وإنما هي أمارة على الحكم .
مسألة
وتنقسم إلى: مستنبطة ومنصوصة، وقال بعض أهل خراسان: مسطورة
ومنشورة. وقال في ((اللمع)): وأنكر بعضهم جعل المنصوصة علة وهو قياس نفاة
القياس. وقيل: هي علة في المعنى في المنصوص عليه ولا يكون علة في غيره إلا
بأمر ثانٍ، والصحيح أنها علة مطلقا. قال: وأما المستنبطة فيجوز أن تكون علة.
وقيل: لا يجوز أن تكون علة إلا ما ثبت بنص أو إجماع .
مسألة
قال ابن فورك: طريق اعتبار العلة منهم من قال: سمعِي، ومنهم من قال:
عقلي، فمن قال: سمعي يراعي في كون الوصف علةً دلالةً سمعيةً، ومن قال:
عقلي قال: طريقة اعتبار علل السمع كطريق اعتبار علل العقل، ويكون ذلك
بالتقسيم بأن يقال: لا يخلو إما أن يكون حُرِّم لكذا أو كذا، كما يقال: لا يخلو أن
يكون تحرك لكذا أو لكذا، فيقع على المعنى له تحرك .
١١٤

مسألة
قال في ((المقترح)): للعلة أسماء في الاصطلاح، وهي: السبب، والإشارة،
والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي،
والموجب، والمؤثر. انتهى. وزاد بعضهم: المعنى. والكلّ سهلٌ غيرُ السبب
والمعنى .
أما السبب: فهو متميز عن العلة من جهة الاصطلاح الكلامي والأصولي
والفقهي واللغوي .
أما اللغوي فقال أهل اللغة: السبب ما يُتوصَّل به إلى غيره. ولو بوسائط، ومنه
سمي الحبل سبباً، وذكروا للعلة معاني يدور القدر المشترك فيها على أنها تكون أمراً
مستمداً من أمر آخر وأمرا مؤثراً في آخر. وقال أكثر النحاة: اللام للتعليل ولم
يقولوا للسببية، وقالوا الباء للسببية ولم يقولوا للتعليل. وصرَّح ابن مالك بأن الباء
للسببية والتعليل وهذا تصريح بأنهما غَيْرَان .
وأما الكلامي: فاعلم أنهما يشتركان في توقف المسبّب عليهما ويفترقان من
وجهين: أحدهما: أن السبب ما يحصل الشيء عنده لا به، والعلة ما يحصل به.
والثاني: أن المعلول متأخر عن العلة بلا واسطة ولا شرط يتوقف الحكم على
وجوده، والسبب إنما يقتضي الحكم بواسطة أو بوسائط، ولذلك يتراخى الحكم
عنها حتى توجد الشرائط وتنتفي الموانع. وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها، إذا
اشترط لها، بل هي أوجبت معلولاً بالاتفاق، حكى الاتفاق إمام الحرمين والآمدي
وغيرهما .
وأما الأصولي: فقال الآمدي في ((جدله)): العلة في لسان الفقهاء تطلق على
المظنة أي الوصف المتضمن لحكمة الحكم، كما في القتل العمد العدوان، فإنه
يصح أن يقال: قتل لعلة القتل، وتارة يطلقونها على حكمة الحكم، كالزجر الذي
هو حكمة القصاص، فإنه يصح أن يقال العلة الزجر. وأما السبب: فلا يطلق إلا
على مظنة المشقة دون الحكمة إذ بالمظنة يتوصل إلى الحكم لأجل الحكمة. انتهى .
١١٥

وأما الفقهي فقال الكيا: يطلق السبب في اصطلاح الفقهاء على أربعة أمور :
أحدها: السبب الذي يقال إنه مثل العلة كالرمي، فإنه سبب حقيقة إلا أنه في
حكم العلة، لأن عين الرمي لا أثر له في الحكم حيث لا فعل منه، ومنه الزنى.
الثاني: ما يكون الطارىء مؤثرا ولكن تأثيره مستند إلى ما قبله، فهو سبب من
حيث استناد الحكم إلى الأول لا استناد الوصف الآخر إلى الأصل .
الثالث: ما ليس سببا بنفسه ولكن يصير سبباً بغيره، كقولهم: القصاص وجب
ردعا وزجراً، ثم قالوا: وجب لسبب القتل، إذ القتل علة القصاص، فقطعوا
الحكم عن العلة، وجعلوه متعلقا بالعلة، والعلة غير الحكم. واعلم أنه لولا
الحكمة لكان الحكم صورة غير صالحة للحكم، فبالحكمة خرج عن كونه صورة،
والعلة صارت جالبة للحكم بمعناها لا بصورتها، ودون الحكمة لا شيء إلا صورة
٢٨٥/ب الفعل، والصورة/ لا تكون علة قط، فعلى هذا الحكمة راجعة إلى العلة فلا علة
بدونها، والخلاف يرجع إلى اللفظ .
الرابع: ما يسمى سبباً مجازاً من حيث إنه سبب لما يجب، كقولهم الإمساك
سبب القتل، وليس سببَ القتل حقيقة، فإنه ليس يفضي إلى القتل، بل القتل
باختيار القاتل، ولكنه سبب للتمكن من القتل بإلحاق، وقيل: سبب القتل.
فالأسباب لا تعدو هذه الوجوه. انتهى. وقال في ((تعليقه)): المتكلمون لا يفرقون
بين العلة والسبب، والفقهاء يقولون: العلة هي التي يعقبها الحكم، والسبب ما
تراخى عنه الحكم ووقف على شرط أو شيء بعده. وفرق غيره بين السبب
والحكمة، بأن السبب يتقدم على الحكم، والحكمة متأخرة عن الحكم، والحكم
مفيد لها، كالجوع سبب الأكل، ومصلحة رفع الجوع وتحصيل الشبع حكمةٌ له .
وقد ذكر الغزالي في الفقهيات أن الفعل الذي له مدخل في زهوق الروح إن لم
يؤثر في الزهوق ولا فيما يؤثر فيه فهو ((الشرط))، کحفر البئر التي يتردى فيها متردٌ.
وإن أثّرَ فيه وحصّله فهو ((العلة)) كالقَدّ والحَزّ. وإن لم يؤثر في الزهوق ولكن أثر فيما
يؤثر في حصوله فهو ((السبب)) كالإكراه، ولا يتعلق القصاص بالشرط قطعا،
ويتعلق بالعلة قطعاً، وفي السبب خلاف وتفصيل .
١١٦

وإذا تبين أن العلة فوق السبب، صح الحكم بتقاصر رتبته عن المباشرة كما
قرروه في كتاب الجراح من أن المباشرة علة، والعلة أقوى من السبب، ومن نظائر
المسألة: لو أن رجلا فتح زقا بحضرة مالكه فخرج ما فيه والمالك يمكنه التدارك فلم
يفعل ففي وجوب الضمان على الفاتح وجهان، ولو رآه يقتل عبده أو يُحرق ثوبه
فلم يمنعه مع قدرته على المنع وجب الضمان وجهاً واحداً. والفرق أن القتل
والتحريق مباشرة،وفتح الزق سبب،والسبب قد يسقط حكمه مع القدرة على منعه،
بخلاف العلة لاستقلالها في نفسها. وإنما قلنا: قد يسقط حكمه ولم نجعل السقوط
مطرداً لأن الإنسان لو صالت عليه بهيمةُ غيرِه وأمكنه الهرب فلم يهرب ففي
الضمان وجهان: أحدهما: يضمن، وهو بعدم هروبه مُفرِّط في حق نفسه والثاني:
لا يضمن لوقوع الصيال، وهذا الوجه أرجح منه في مسألة الزق، لأن الإنسان قد
يحصل له عند الصيال دهشة تشغله عن الدفع .
وقال القفال الشاشي: الطريق في التمييز بين العلة والسبب والشرط: أنا ننظر
إلى الشيء إن جرى مقارناً للشيء وأثّر فيه فهو ((العلة))، أو غير مقارن ولا تأثير
للشيء فيه دل على أنه ((سبب)). وأما ((الشرط)) فهو ما يختلف الحكم بوجوده. وهو
مقارن غير مفارق للحكم كالعلة سواء إلا أنه لا تأثير له فيه وإنما هو علامة على
الحكم من غير تأثير أصلا .
وقال ابن السمعاني رحمه الله: الشرط ما يتغير الحكم بوجوده، والسبب لا
يوجب تغير الحكم بل يوجب مصادفته وموافقته. ثم ذكر كلام القفال، ويتفرع
على هذا الأصل مسألة خلافية مقصودة في نفسها. قال علماؤنا: الشرط إذا اتصل
بالسبب ولم يكن مبطلا كان تأثيره في حكم تأخر السبب إلى حين وجوده لا في منع
وجوده، ومثاله إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالسبب قوله: ((فأنت
طالق)) لأن ((أنت طالق)) ثابت مع الشرط كما هو ثابت بدونه، غير أن الشرط أوقف
حكمه إلى وقت وجوده، فتأثير الشرط إنما هو في منع حكم العلة، لا في نفس
العلة، بدليل أنه لو لم يقترن به الشرط ثبت حكم العلة .
وربما عبّروا عن هذا بأن الشرط لا يبطل السببية، ولكن يؤخر حكمها،
١١٧

والسبب ينعقد ولكن الشرط يرفعه ويؤخر حكمه فإذا ارتفع الشرط عمل السبب
عمله، ومِن ثَمَّ يقولون: الصفة وقوعٌ لا إيقاعٍ، والشرط عندهم قاطع طريق يضرُّ
ولا ينفع، إذ لا مدخل له في التأثير نفياً وإثباتاً، وإنما هو توقف عن الحكم. ومِنْ
هذا يُعلم أنها إذا دخلت طلقت لكونه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، لا
لكونها دخلت. قال أصحابنا من علق الطلاق فقد نجز السبب، والمعلق إنما هو
عمل السبب لا نفسه، وقد وافقنا على ذلك المالكيةُ والحنابلة، وقال أبو حنيفة:
الشرط يمنع انعقاد السبب في الحال وخرّجه بعض المتأخرين وجها في مذهبنا من
قول بعض أصحابنا في المسألة السريجية: أنه يقع المنجّز وطلقتان معه أو بعده من
المعلَّق، وربما قال أبو حنيفة: الشرط داخل على نفس العلة لا على حكمها. قال:
والشرط يحول بين العلة ومحلها. فلا تصير علةً معه. والظاهر مذهب الشافعي لأن
الشرط لا مدخل له في التأثير فكيف يمنع العلية .
وعلى هذا الأصل مسائل:
منها: تعليق الطلاق أو العتق بالملك عندنا باطل لأنه لم يصادف عندنا وقت
التعليق محلاً قابلاً لما يُعرف به منه، وقد بينا أن التعليق لا يمنع السببية، وإذا لم
يمنعها انعقدت، وانعقاد العتق والطلاق في غير زوجة ورقيق غير معقول. وقال أبو
حنيفة رحمه الله تعالى، بناء على أصل: لما مَنع التعليق السببية لم يكن منعقداً فلم
يكن الطلاق والعتق في غير مملوك بل هو إنماهي(١) في مملوك، لأن العلة تأخرت إلى
زمن الملك فالموجود وقت التعليق لفظ العلة لا نفسها وقد قطعها التعليق .
تنبيه :
قد عرفت حكم كلمة الشرط المسلطة على الأسباب، وأن الشافعي يقول: إنها
لا ترفع السببية بل توقف حكمها، وأبو حنيفة يقول: بل ترفعها ولكن لا مطلقا
بل إلى وقت وجود الصفة. وبالغ القاضي ابن سُريج(٢) رحمه الله فقال بمذهب
الشافعي في انعقاد السببية، وزاد أن الشرط يلغو بالكلية، لكونه ورد قطعا لشيء
(١) كذا في الاصول. والصواب: بل هما في.
(٢) في الأصول (هنا) وفي الموضعين القريبين (شريح)!
١١٨

بعد مضيٍّ حُكمه، فقال: إذا علق الطلاق تنجَّز في الحال، فهذه مبالغة وقول
ضعيف. وبالغ ابن حزم في مذهب أبي حنيفة فقال به، وزاد أن الشرط منع انعقاد
السبب مطلقاً، وأن الطلاق المعلق لا يقع رأسا وجدت الصفة أو لم توجد وهذا
خرق للإجماع. فتلخص من هذا أن الشرط الداخل على السبب قاطع له عند ابن
حزم رأساً، ويقابله قول ابن سُريج أنه فاسد في نفسه غير معرض للسبب في شيء
ولكن ابن سريج يقصر ذلك على ما إذا بدأ بالسبب قبل الشرط، ولا يقوله فيما إذا
عكس / فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق والجمهور لا يُلغون الشرط. ثم ١/٢٨٦
اختلفوا: فأشدهم إعمالا الشافعيُّ حيث قال: إنه ينتصب في الحال سبباً في ثاني
الحال ونقلوه عن أبي حنيفة فإنه قال: لا ينعقد في الحال ولا يكون مُنْهياً، وإنما
ينعقد في ثاني الحال .
ومنها: أعني من المسائل المترتبة على أنه هل انعقد السبب في حال التعليق، كما
يقوله أبو حنيفة، أو لم ينعقد كما هو الصحيح عندنا في موضع الشهود أن الغُرم على
شهود التعليق دون شهود الصفة في الطلاق والعتق. وفي وجه أراه أنه مذهب أبي
حنيفة أنه عليهم جميعاً. وقد أشبع إمام الحرمين هذا الأصل تقريراً في الخلافيات
ثم عاد عنه في الفروع فقال: وقد حكى قول الأستاذ فيمن قال: وقفت داري بعد
الموت، وساعده أئمة الزمان أن هذا تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه، فإنه
إيقاع تصرف بعد الموت قال الرافعي: كأنه وصية بدليل أنه لو عرض الدار على
البيع صار راجعا .
وأما ((المعنى)) فقال الماوردي في ((الحاوي)) عبّر بعض الفقهاء عن ((المعنى))
((بالعلة)) وهو تجُّزٌ، والتحقيق أنهما يجتمعان من وجهين:
أحدهما: أن حكم الأصل موجود في المعنى والعلة.
وثانيهما: أن العلة والمعنى موجودان في الفرع والأصل.
ويفترقان من وجوه:
١١٩

أحدها: أن العلة مستنبطة من المعنى وليس المعنى مستنبطا من العلة لتقدم
المعنى وحدوث العلة.
والثاني: أن العلة تشتمل على معانٍ، والمعنى لا يشتمل على عِلل، لأن الطعم
والجنس معنيان وهما علة الربا.
والثالث: أن المعنى ما يُوجب به الحكم في الأصل حتى يتعدَّى إلى الفرع والعلة
اجتذاب حكم الأصل إلى الفرع، فصار ((المعنى)) ما ثبت به حكم الأصل، والعلة
ما ثبت به حكم الفرع.
ثم يجتمع العلة والمعنى في اعتبار أربعة شروط: أن يكون المعنى مؤثرا في
الحكم، وأن يسلم المعنى ولا يردهما نص ولا إجماع، وأن لا يعارضهما من المعاني
والعلل أقوى منهما، وأن يطرد المعنى والعلة فيوجد الحكم بوجودهما ويسلمان من
نقض أو كسر، فإن عارضهما نقضٌ أو كسرٌ لعدم الحكم مع وجودهما فسد وبطلت
العلة، لأن فساد العلة يرفعها، وفساد المعنى لا يرفعه، لأن المعنى لازم والعلة
طارئة، لأن الكيل إذا بطل أن يكون علة في الربا في البُرّ لم يبطل أن يكون الكيل
باقيا في البُرّ، فيصير التعليل باطلاً والمعنى باقيا، ولا يجوز تخصيص المعاني من
العلل المستنبطة، وفي المنصوصة وجهان. والثاني وقوف العلة على حكم النص
وعدم تأثيرها فيما عداها هل يصح؟ فيه وجهان .
واما ((المظنة)) فهي مَعْدِن الشيء قال صاحب ((المقترح)) من غلط الطلبة تسمية
العلة مظنة. قال شارحه: يريد أنهم غلطوا في إطلاق اسم المظنة على كل علة،
وإنما تطلق في الاصطلاح على بعض العلل، ولها دلالتان: دلالة على المعنى،
ودلالة على الحكم الشرعي، فهي إذا أضيفت إلى المعنى الوجودي سُميت مظنة،
وإذا أُضيفت إلى الحكم الشرعي سُمِّيت علة له، ومن عكس ذلك فقد غلط.
فالسفر مثلا يدل على المشقة ويدل على الرخصة، فإذا أضفته إلى المشقة قلت هو
مظنة، وإذا أضفته إلى الرخصة قلت هو علة له، فالسفر مظنة المشقة، وعلة
الرخصة وهذا أمر يرجع إلى اصطلاح جدلي .
١٢٠
٠