Indexed OCR Text

Pages 461-480

الفصل الثالث
فِيمَا يَنْعَقِدُ بَّهِ الاجماع
[من المعتبر وفاقهم في الإجماع العلماء أم جميع الأمة]
وله شروط: الشرط الأول: أن يوجد فيه قول الخاصة من أهل العلم ، فلا
اعتبار بقول العامة ، وفاقا ولا خلافا عند الأكثرين ، لقول الله تعالى: ﴿وأولوا
العلم﴾ [سورة آل عمران/١٨] وقال: (العلماء ورثة الأنبياء) ، واحتجِ الرُّؤْياني بما
يروى أن أبا طلحة الأنصاري خالف الصحابة. وقال: البَرد لا يُفَطَّ الصائم،
لأنه ليس بطعام ولا شراب. قال: فردوا قوله ، ولم يعتدُّوا بخلافه . قال ابن دَقِيق
العيد : وهو الصواب ، لوجوب(١) رد العوام إلى قول المجتهدين ، وتحريم الفتوى
منهم في الدین.
وقيل : يعتبر قولهم ، لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها من الخطأ ، فلا
يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة . وحينئذ
لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض .
وهذا القول حكاه ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين ، واختاره
الآمدي ، ونقله الإمام وابن السَّمْعانى والهندي عن القاضي أبى بكر ، ونوزعوا في
ذلك بأن المذكور في ((مختصر التقريب)) التصريح بأنه لا يعتبر خلافهم ولا وفاقهم ،
وكاد أن يدعي الإجماع فيه ، وقال في موضع آخر في الكلام على المرسل : لا عبرة
(١) في جميع النسخ لوجود. والصواب: لوجوب.
٤٦١

بقول العوام لا وفاقا ولا خلافا . اهـ .
وأقول : فعلى هذا من تصرف إمام الحرمين ، وعبارة التقريب : قد بينا فيها
سلف أن الذي دل عليه السمع صحة إجماع جميع الأمة ، وقد ثبت أن الأمة عامة
وخاصة ، فيجب اعتبار دخول العامة والخاصة في الإجماع ، وليس للخاصة إجماع
على شىء يخرج منه العامة .
قال : والعامة مجمعة على أن حكم الله ما أجمعت عليه الخاصة ، وإن لم يعرفه
عيانا .
فإن قيل : فإذا لم يكن العامة من أهل العلم بالدقائق والنظر ، فلا يكون هم
مدخل في الإجماع ، ولا بهم معتبر في الخلاف ؟ قلنا : كذلك نقول ، ويقول أكثر
الناس . وإنما وجب سقوط الاعتبار بخلافهم لإجماع سلف الأمة من أهل كل
عصر على أنه حرام على عامة أهل كل عصر من أعصار المسلمين مخالفة ما اتفق
عليه علماؤهم ، فوجب أن لا يعتبر بخلاف العامة لأجل هذا الإجماع السابق على
منعهم من ذلك .
وجواب / آخر : أنه لا يجب ترك الاعتبار بهم، لأنهم مسلمون، وبعض
الأمة، بل معظمها، فوجب الاعتبار بخلافهم، وثبت أن ما أجمع عليه العلماء عينا
وتفصيلا إجماع العامة ، وإن لم نعرفه عينا .
٢٥ / ١
فإن قيل : فما يقولون : لو صار عامة الأمة في بعض الأعصار إلى مخالفة إجماع
جميع العلماء وخطئهم ؟ هل يكون إجماع العلماء حجة ؟ قيل : لا يكون قوهم دون
قول العامة إجماعا بجميع الأمة ، لأن العامة بعضهم ، لكن العامة مخطئون في
مخالفتهم ، لأنهم ليسوا من أهل العلم بحكم الله ، وأنه يحرم عليهم القول في
دين الله بلا علم ، وليس خطؤهم من جهة مخالفة الإجماع، إذ هم بعض الأمة .
وجواب آخر : أنه لا يعتبر بخلاف العامة ، ولا بدخولهم في الإجماع، لأجل ما
قدمناه من اتفاق سلف الأمة على تخطئة عامة أهل كل عصر في خلافهم على
علمائهم ، فوجب سقوط الاعتبار بقول العامة .
هذا كلامه ، وحاصله يرجع إلى إطلاق الاسم بمعنى أن المجتهدين إذا أجمعوا
٤٦٢

هل يصدق ((أجمعت الأمة))، ويحكم بدخول العوام فيهم تبعا ؟ فالقاضى يقول :
لا يصدق اسم الإجماع ، وإن كان ذلك لا يقدح في حجيته ، وهو خلاف لفظى
في الحقيقة ، وليس خلافا في أن مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع ، ولهذا قال في
((مختصر التقريب)) بعد ما سبق: فإن قال قائل: فإذا أجمع علماء الأمة على حكم
من الأحكام ، فهل يطلقون القول بأن الأمة مجمعة عليه ؟
قلنا : من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام، كوجوب الصلاة
والزكاة وغيرهما. فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه.
وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشتبه على العوام، فقد
اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك
أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام، فقد عرفوا على الجملة إن ما أجمع عليه علماء
الأمة من تفاصيل الأحكام فهو مقطوع به، فهذا مساهمة منهم في الإجماع، وإن لم
يعلموا مواقعه على التفصيل.
ومن أصحابنا من زعم أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع ، فإنه إنما يتحقق
الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها ، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من
أهل الإجماع .
واعلم أن هذا خلاف مهوَّل أمره ، ويرجع إلى العبارة المحضة ، والحكم فيه
أنا إن أدرجنا العوام في حكم الإجماع المطلق ، أطلقنا القول بإجماع الأمة ، وإن لم
ندرجهم في حكم الإجماع ، أو بدر من بعض طوائف العوام خلاف ، فلا يطلق
القول بإجماع الأمة ، فإن العوام معظم الأمة . ا هـ .
وما ذكره القاضي، وتابعه المتأخرون من رجوع الخلاف إلى كونه : هل یسمی
إجماعا أم لا مع الاتفاق على كونه حجة مردود، ففي ((المعتمد)) لأبى الحسين ما
لفظه : اختلفوا في اعتبار قول العامة في المسائل الاجتهادية، فقال قوم : العامة
وإن وجب عليها اتباع العلماء، فإن إجماع العلماء لا يكون حجة على أهل العصر ،
حتى لا يسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم العامة من أهل عصرهم ، فإن لم يتبعوهم لم
يجب على أهل العصر الثاني من العلماء اتباعهم . وقال آخرون : بل هو حجة
٤٦٣

اتبعهم علماء عصرهم أم لا . انتهى .
وفي المسألة ثالث : أنه يعتبر إجماعهم في العام دون الخاص ، حكاه القاضي
عبد الوهاب وابن السَّمْعاني ، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة . وينبغي
تنزيل إطلاق المطلقين عليه .
وخص القاضى أبو بكر الخلاف بالخاص. وقال: لا يعتبر خلافهم في العام
اتفاقا، وجرى عليه الرُّؤْياني في ((البحر)). فقال: إن اختص بمعرفته العلماء
كُنُصُب الزكوات وتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها ، لم يعتبر وفاق العامة
معهم ، وإن اشترك في معرفته الخاصة والعامة كأعداد الركعات ، وتحريم بنت
البنت ، فهل يعتبر إجماع العوام معهم ؟ فيه وجهان ، أصحهما لا يعتبر، لأن
الإجماع إنما يصح عن نظر واجتهاد . والثاني : نعم، لاشتراكهم في العلم به .
وقال سليم : إجماع الخاصة هل يحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة ؟ فيه
وجهان . الصحيح أنه لا يحتاج إليهم .
{هَل الخلاف في هَذه المسألة لفظي أم مَعْنوي]
إذا علمت هذا فقد اختلفوا في أن الخلاف لفظي أو معنوي ؟ و كلام القاضي
وغيره كما سبق أنه لفظي ، وكلام الأستاذ أبى إسحاق بخلافه، فإنه قال : الإجماع
ضربان : أحدهما : ما اجتمع عليه الخاصة والعامة ، كاتفاقهم على عدد
الصلوات . قال : واختلف أصحابنا فيمن وقع بهم الاعتبار ، فقيل : الاعتبار في
ثبوته بأهل المعرفة . وقيل : الاعتبار بالكافة ، فيدخل فيه الخاصة والعامة .
قال : وفائدة الخلاف تتبين في الضرب الثانى من الإجماع، وهو أن يجمع أهل
المعرفة والاجتهاد على حكم الحادثة، كالنكاح والعدة والجمع بين الأختين
بالزوجية، فمن قال : إن الاعتبار في الضرب الأول بأهل العلم كَفَّرَ المخالف
بالنوعين . ومن قال : إن الاعتبار فيه بالكافة لم يجعل المخالف في الضرب الثاني
كالمرتد وإن قطع بتخطئته . اهـ.
٤٦٤

تنبيه: [إعتبار قول المقلد في الإجماع]
حكم المقلد حكم العامي في ذلك، إذ لا واسطة بين المقلد والمجتهد ، قاله
إمام الحرمين .
مسألة
[إجماع العوام عِند خلوُ الزمان من المجتهدين]
إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد لا عبرة به، لأنا إن لم نعتبرهم في
انعقاد الإجماع ، منعنا إمكان وقوع المسألة ، لأنه لا يجوز خلو الزمان عمن يقوم
بالحق ، وإن اعتبرنا قولهم منعنا أنّ إجماعهم ليس إجماعا شرعيا .
مسألة
[الذين يعتبرَ قولهَم في الإجماع في كل مِن الفنون العَارفون به]
يشترط في الإجماع في كل فن من الفنون أن يكون فيه قول كل العارفين بذلك
في ذلك العصر، فإنّ قول غيرهم فيه يكون بلا دليل بجهلهم به، فيشترط في
الإجماع في المسألة الفقهية قول جميع الفقهاء ، وفي الأصول قول جميع الأصوليين ،
وفي النحو قول جميع النحويين .
وخالف ابن جنى، فزعم في كتاب ((الخصائص)) أنه لا حجة في إجماع النحاة.
ثم من اعتبر قول العوام في الإجماع اعتبر قول الفقيه الخالي عن الأصول
للتفاوت في الأهلية. وقول الأصولي الخالي عن الفقه والكلام، وقول المتكلم الخالي
عن الفقه والأصول بطريق الأولى ، لما بين العامي وبين هؤلاء من التفاوت في
الأهلية وصحة النظر، هذا في الأحكام وهذا في الأصول .
٤٦٥

ومن لم يعتبر قول العامي في الإجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي على ثلاثة
مذاهب : منهم من اعتبر قول الجميع ، لقيام الفرق بينهم وبين العامي . ومنهم
من ألحقه بالعامي ، لعدم الأهلية الموجودة في أهل الحل والعقد . ومنهم من فصل
٢٥٦ / ب فاعتبر قول الفقيه ، وألغى قول الأصولي . ومنهم من عكس / لكونه أعلم بمدارك
الأحكام ، وكيفية اقتناصها من مداركها من الفقيه الذي ليس بأصولي .
ولا خلاف في اعتبار قول المتكلم في الكلام ، والأصولي في الأصول ، وكل
واحد يعتبر قوله إذا كان من أهل الاجتهاد في ذلك الفن .
[هل لخلاف الأصولي في الفقه اعتبار؟]
وأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه، ففي اعتبار خلافه في الفقه وجهان،
حكاهما الماوَرْدي . وذهب القاضي إلى إن خلافه معتبر. قال الإمام : وهو الحق .
وذهب معظم الأصوليين منهم أبو الحسين بن القَطَّان إلى أن خلافه لا يعتبر،
لأنه ليس من المفتين، ولو وقعت له واقعة للزمه أن يستفتي المفتي فيها، قال إلْكِيا :
والحق قول الجمهور، لأن من أحكم الأصول، فهو مجتهد فيها . ويقلد فيما سنح
له من الوقائع ، والمقلد لا يعتد بخلافه .
واستبعد إمام الحرمين مذهب القاضي . وقال : إذا أجمع المفتون، وسكت
[الأصوليون] المتصرفون فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعته، فإن الذين
لا يستقلون بأنفسهم في جواب مسألة ، ويتعين عليهم تقليد غيرهم من المحال
وجوب مراجعتهم؛ وإن فرض أنهم أَبْدَوْا وجها في التصرف ، فإن كان سالما فهو
محمول على إرشادهم وتهديتهم إلى سواء السبيل ؛ وإن أَبْدَوْا قولهم إبداء مَنْ
يزاحم الأحكام ، فالإنكار يشتد عليهم .
قال : والقول المغني في ذلك أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ الاجتهاد ، وليس بين
من يقلِّد ويقلَّد مرتبة ثالثة .
ثم قال : والنظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ، ويترقى إلى العصر
المتقدم ، ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور الخلاف .
٤٦٦

والتحقيق - خالف القاضي أو وافق - أن المجتهدين إذا أطبقوا لم يعتد بخلاف
المتصرفين مذهبا مختلفا به ، فإن المذاهب لأهل الفتوى ، فإن بان أن المتصرف
الذي ذكروه من أهل الفتوى فسيأتى في بابه ، والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان
مفتيا اعتبر خلافه .
وقال الصَّيْرفي في كتاب ((الدلائل)): إجماع العلماء لا مدخل لغيرهم فيه ، سواء
المتكلم وغيره . وهم الذي تلقوا العلم من الصحابة ، وإن اختلفت آراؤهم وهم
القائمون بعلم الفقه ؛ فأما من انفرد بالكلام في الخبر والظفرة والداخلة، لم يدخل
في جملة العلماء، فلا يعد خلافا على من ليس هو مثله؛ وإن كانوا حذاقا بدقائق
الكلام، كما لا يجعل الحاذق من النقاد حجة على البَزَّاز في البَزِّ . انتهى .
مسألة
[دخول المجتهد المبتدع في الإجماع]
المجتهد المبتدع إذا كفرناه ببدعته، غير داخل في الإجماع بلا خلاف ، لعدم
دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة ، وإن لم يعلم هو كفر نفسه .
قال الهندي : لكن لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره بسبب ذلك
الاعتقاد ، لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره ولو ثبت كفره، فإثبات كفره
بإجماعنا وحده دور .
وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب إليه كفر، فحينئذ يثبت كفره ، لا لأن قوله
معتبر في الإجماع ، لأنه كافر ، ولا لإجماعنا وحده لما سبق ؛ بل لأنه لو لم يكن ما
ذهب إليه كفراً إذ ذاك لزم أن يكون مجموع الأمة على الخطأ ، وأدلة الإجماع
تنفيه .
٤٦٧

[المذاهب في خلاف المبتدع غير الكافر]
وأما إذا اعتقد مالا يقتضي التكفير ، بل التبديع والتضليل ، فاختلفوا على
مذاهب :
أحدها : اعتبار قوله ، لكونه من أهل الحل والعقد، وإخباره عن نفسه مقبول
إذا كان يعتقد تحريم الكذب . وقال الهندي : إنه الصحيح ، وكلام ابن
السَّمْعاني كما سنذكره يقتضي أنه مذهب الشافعي، لنصه على قبول شهادة أهل
الهوى .
والثانى: أنه لا يعتبر . قال الأستاذ أبو منصور : قال أهل السنة : لا يعتبر في
الإجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة، ولا اعتبار بخلاف هؤلاء المبتدعة في
الفقه، وإن اعتبر في الكلام، هكذا روى أشهب عن مالك، ورواه العباس بن
الوليد عن الأوزاعي وأبو سليمان الجُوزَجاني عن محمد بن الحسن ، وذكر أبو ثور
في منثوراته أن ذلك قول أئمة أهل الحديث. ا هـ .
وقال أبو بكر الصَّيْرَفي : هل يقدح خلاف الخوارج في الإجماع ؟ فيه قولان .
قال : ولا يخرج عن الإجماع من كان من أهل العلم، وإن اختلفت بهم الأهواء،
كمن قال بالقدر من حملة الآثار، ومن رأى الإرجاء، وغير ذلك من اختلاف آراء
أهل الكوفة والبصرة إذا كان من أهل الفقه . فإذا قيل : قالت الخطابية والرافضة
كذا، لم يلتفت إلى هؤلاء في الفقه لأنهم ليسوا من أهله .
وقال ابن القَطّان : الإجماع عندنا إجماع أهل العلم ، فأما من كان من أهل
الأهواء ، فلا مدخل له فيه . قال : قال أصحابنا في الخوارج لا مدخل لهم في
الإجماع والاختلاف؛ لأنهم ليس لهم أصل ينقلون عنه، لأنهم يُكَفِّرون سلفنا
الذين أخذنا عنهم أصل الدين . انتهى .
وممن اختار أنه لا يعتد به من الحنفية أبو بكر الرازي، ومن الحنابلة القاضي
أبو يعلى واستقراه من كلام أحمد لقوله : لا يشهد رجل عندي ليس هو عندي
بعدل ، وكيف أَجَوِّز حكمه ! قال القاضي : يعنى الجَهْمِي .
والثالث: أن الإجماع لا ينعقد عليه ، وينعقد على غيره ، أي أنه يجوز له مخالفة
٤٦٨

من عداه إلى ما أداه إليه اجتهاده ، ولا يجوز لأحد أن يقلده ، حكاه الآمدي وتابعه
المتأخرون ، وأنكر عليه بعضهم . وقال : أرى حكايته لغيره . والظاهر أنه تفسير
للقولين المتقدمين، ومنع من بقائهما على إطلاقهما، لوقوع مسألتين في بابي الاجتهاد
والتقليد تنفي ذلك:
إحداهما : اتفاقهم على أن المجتهد بعد اجتهاده ممنوع من التقليد ، وأنه يجب
عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده ، فالقول هنا بأنه يجب عليه العمل بقول من
خالفه معارض لذلك الاتفاق .
وثانيهما : اتفاقهم على أنه يجوز للمقلد أن يقلد من عرف بالعلم والعدالة ،
وأنه يحرم عليه تقليد من عرف بضد ذلك ؛ وإذا ثبت هذا استحال بقاء القولين في
هذه المسألة على إطلاقهما ، وتبين أن معنى قول من يقول : لا ينعقد الإجماع
بدونه ، يعنى في حق نفسه ، ومعنى قول من يقول : فينعقد يعنى على غيره ،
ويصير النزاع لفظيا ، وعلى هذا يجب تأويل هذا القول ، وإلا فهو مشكل .
والرابع: التفصيل بين الداعية فلا يعتد به ، وبين غيره فيعتد به، حكاه ابن
حزم في كتاب ((الإحكام))، ونقله عن جماهير سلفهم من الْمُحَدِّثين . وقال : وهو
قول فاسد، لأن المراعى العقيدة .
واعلم أنه كثر في عبارة المصنفين خصوصا في علم الكلام أن يقولوا عن
الرافضة ونحوهم : خلافا لمن لا يعتد بخلافه ، وهذا لا ينبغى ذكره، لأنه
كالتنافض / من حيث ذكره، وقال : لا يعتد به ، إلا أن يكون قصدهم التشنيع ٢٥٧ / ١
عليهم بخلاف الإجماع .
فرعان
أحدهما : إذا لم يعتد بخلاف من كفرناه . فلو أنهم أجمعوا حال تكفيره ، ثم
تاب وأصر على ذلك الخلاف، فهل يعتبر خلافه الآن فَلْيْبن على انقراض العصر.
وسنذكره .
الثاني: أن بعض الفقهاء لو خالف الإجماع الذي خالف فيه المبتدع ، فإن لم
٤٦٩

يعلم بيدعته، أو علمها لكنه لم يعلم أنها توجب الكفر ، ويعتقد أنه لا ينعقد
الإجماع بدونه ، هل يكون معذوراً أم لا؟
وقال الهندي : إن لم يعلم بدعته فمعذور ، وإن كان مخطئا فيه حيث تكون
موجبة للتكفير ؛ لأنه غير مقصر ؛ وإن علمها لكنه لم يعلم اقتضاءها التكفير ،
فغير معذور ؛ بل كان يلزمه مراجعة علماء الأصول ، وإن مثل هذا الاعتقاد هل
يكفر أم لا ؟
مسألة
[العلمَاء المجتهدون الفسَقَة، هل يعتبر قولهْم في الإجماع؟]
في اعتبار الورع في أهل الإجماع خلاف ، فالفسقة بالفعل دون الاعتقاد إذا
بلغوا في العلم مبلغ المجتهدين ، هل يعتبر وفاقهم أو خلافهم ؟ فيه وجهان ،
حكاهما الأستاذ أبو منصور .
وذهب معظم الأصوليين كما قاله إمام الحرمين وابن السَّمْعاني أنه لا يعتد
بخلافهم، وينعقد الإجماع بدونهم. وقال الرازى من الحنفية : إنه الصحيح
عندنا . قال ابن برهان : وهو قول كافة الفقهاء والمتكلمين .
قال : ونقل عن شرذمة من المتكلمين، منهم إمام الحرمين إلى أن خلافه معتد
به. قلت: وجزم به الشيخ أبو إسحق الشيرازي، واختاره الغزالي في
((المنخول))، لأن المعصية لا تزیل اسم الإيمان، فیکون قول من عداهم قول بعض
المؤمنين لا كلهم، فلا يكون حجة، وإليه مال إمام الحرمين .
واستشكل الأول بأن المجتهد الفاسق لا يجوز له تقليد غيره ، فانعقاد الإجماع
في حقه مشكل، ولا يمكن تجزئة الإجماع ، حتى يكون حجة في حق غيره ، ولا
يكون حجة في حقه . واستحسنه إلكِيا، وقال : المسألة محتملة .
واختلف المانعون في تعليله على وجهين:
أحدهما: أن إخباره عن نفسه لا يوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوفاق وهو مخالف
٤٧٠

أو بالخلاف وهو موافق، فلما تعذر الوصول إلى معرفة قوله سقط أثره. وشبَّه بعضهم
ذلك بسقوط أثر قول الخضر عليه السلام على القول بأنه حي، لتعذر الوصول
إليه .
والثاني: أن العدالة ركن في الاجتهاد، فإذا فاتت العدالة فاتت أهلية
الاجتهاد. وعلى الثاني اقتصر ابن برهان في ((الأوسط)).
وفرَغَّوا عليها ما إذا أدى الفاسق اجتهاده إلى حكم في مسألة، هل يأخذ بقوله
من علم صدقه في فتواه بقرائن؟ وحكى ابن السَّمْعاني عن بعض أصحابنا أن
المجتهد الفاسق يدخل في الإجماع من وجه، ويخرج من وجه، لأنه إذا ظهر خلافه
سئل عن دليله، لجواز أن يحمله فسقه على اعتقاد شرع بغير دليل. قال ابن
السَّمْعاني: وهذا التقسيم لا بأس به وهو يقرب من مأخذ أهل العلم، فليعوَّل
عليه. ورأيت في كتاب الشيخ أبيٍ إسحاق الشيرازي أن كل من كان من أهل
الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهوراً أو خاملا مستورا، وسواء كان عدلا أمينا أو
فاسقا متهتكا، يعتد بخلافه، لأن المعوَّل في ذلك على الاجتهاد والمستور کالمشهور.
قال: والأحسن هو الأول، ثم قال ابن السَّمْعاني: وأما الفسق بتأويل فلا يمنع من
اعتبار من يعتقد في الإجماع والاختلاف.
وقد نص الشافعي - رحمه الله - على قبول شهادة أهل الأهواء، وهذا ينبغي أن
يكون في اعتقاد بدعه لا تؤدي إلى التكفير، فإن أدَّته فلا يعتد بخلافة ولا وفاقه.
وهذه هي المسألة المتقدمة في المبتدع.
مسألة
[هل يعتبر بخلاف الظاهرية في الإِجماع]
ذهب قوم منهم القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني، ونسبه إلى
الجمهور أنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس في الحوادث الشرعية، وتابعهم إمام
٤٧١

الحرمين والغزالي، قالوا لأن من أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك
بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي عليّ
ابن أبي هريرة، وطائفة من أقرانه.
وقال الأصفهاني شارح ((المحصول)) يلزم القائل بذلك أنه لا يعتبر خلاف منكر
العموم، وخبر الواحد، ولا ذاهب إليه.
قلت: نقل الأستاذ عن ابن أبي هريرة - رحمه الله - أنه طرد قوله في منكر أخبار
الآحاد، ومن توقف في الظواهر والعموم. قال: لأن الأحكام الشرعية تستنبط من
هذه الأصول، فمن أنكرها وتوقف فيها لم يكن من أهل الاجتهاد، فلا يعتبر
بخلافه .
قال النووي في باب السِّواك في ((شرح مسلم)): إن مخالفة داود لا تقدح في
انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون، وكذا قال صاحب
((المفهم)) جل الفقهاء والأصوليين على أنه لا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة
العوام، وإن من اعتد بهم فإنما ذلك لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في انعقاد
الإجماع، والحق خلافه.
وذكر غيره أنهم في الشرعيات كالسُّوفسطائية في العقليات ، وكذا قال أبو بكر
الرازي من الحنفية : لا يعتد بخلافهم ، ولا يُؤْنس بوفاقهم .
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي
المراسيل ، ويمنع العموم ، ومن حمل الأمر على الوجوب ، لأن مدار الفقه على هذه
الطرق .
ونقل ابن الصلاح عن الأستاذ أبي منصور أنه حكى عن ابن أبي هريرة وغيره ،
أنهم لا يعتد بخلافهم في الفروع ، ويعتد بخلافهم في الأصول .
وقال إمام الحرمين : المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا ، لأن معظم
الشريعة صادرة عن الاجتهاد ، ولا تفي النصوص بعشر معشارها .
وقال في كتاب اللعان : إن قول داود بإجزاء الرقبة المعيبة في الكفارة ، نقل.
الشافعي - رحمه الله - تعالى الإجماع على خلافه . قال: وعندي أن الشافعي لو
٤٧٢

عاصر داود لما عده من العلماء .
وقال الأبْياري : هذا غير صحيح عندنا على الإطلاق ؛ بل إن كانت المسألة مما
تتعلق بالآثار والتوقيف واللفظ اللغوي ، ولا مخالف للقياس فيها لم يصح أن ينعقد
الإجماع بدونهم إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ . فإن قلنا : بالتجزؤ،
لم يمنع أن يقع النظر في فرع هم فيه محقون ، كما نعتبر خلاف المتكلم في المسألة
الكلامية ، لأن له فيه مدخلا ، كذلك أهل الظاهر في غير المسائل القياسية يعتد
بخلافهم .
وقال ابن الصلاح : الذي استقر عليه الأمر ما اختاره الأستاذ أبو منصور ،
وحكاه عن / الجمهور ، وأن الصحيح من المذهب الاعتداد بخلافهم ، ولهذا ٢٥٧ / ب
يذكر الأئمة من أصحابنا خلافهم في الكتب الفروعية .
ثم قال: والذي أجيب به بعد الاستخارة: أن داود يعتبر قوله، ويعتد به في
الإجماع إلا ما خالف القياس، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على
أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها ، فاتفاق من سواه على خلافه إجماع
ينعقد ، فقول المخالف حينئذ خارج عن الإجماع ، كقوله في التغوط في الماء
الراكد ، وتلك المسائل الشنيعة ، وفي لا ربا إلا في النسيئة المنصوص عليها ،
فخلافه في هذا وشبهه غير معتد به ، اهـ. فتحصلنا على خمسة آراء في المسألة .
وقد اعترض ابن الرِّفْعَة على إطلاق إمام الحرمين بأن القاضي الحسين نقل عن
الشافعي - رضى الله عنه - أنه قال في الكتابة : لا أمتنع من كتابة العبد عند جمع
القوة والأمانة ، وإنما استحب الخروج من الخلاف ، فإن داود أوجب كتابة من
جمع بين القوة والأمانة ، وداود من أهل الظاهر ، وقد أقام الشافعي لخلافه وزنا،
واستحب كتابة من ذكره لأجل خلافه. اهـ .
وهذا وَهَمُّ عجيب من ابن الرِّفْعَةِ؛ لأن داود إنما ولد قبل وفاة الشافعي
بسنتين، لأنه ولد سنة اثنتين ومائتين، ولا يمكن أن يقال: اعتبر الشافعي خلافه،
فغلط ابن الرِّفْعَةِ لأجل فهمه أن هذه الجملة من كلام الشافعي ، وليس كذلك
وإنما استحب هو، بفتح الحاء ، وهو من كلام القاضي الحسين والمُسْتَحِبُّ هو
٤٧٣

القاضي الحسين ، لكنه علله بتعليل غير صحيح لما ذكرناه . نعم ، أوجبها قبل
غيرُ داود ، فالمراد الخلاف الذي عليه داود لا خصوص داود .
على أنه قد قيل : إن كلام القاضي الحسين مستقيم ، والجملة من قول
الشافعي ، وليس المراد صاحب الظاهر ؛ بل المراد به داود بن عبد الرحمن العطار
شيخ الشافعي بمكة ، الذي قال فيه الشافعي : ما رأيت أورع منه ، ولعله الذي
نقل عنه الشافعي وجوب العقيقة ، فإن الشافعي قال كما حكاه عنه الإمام في
((النهاية)): في باب العقيقة أفرط في العقيقة رجلان ، رجل قال بوجوبها ، وهو
داود ، ورجل قال ببدعتها وهو أبو حنيفة .
وكلام القاضي الحسين في التعليق لا يقتضي أن يكون هو داود الظاهري ، لأنه
نقل عن الشافعي أنه قال : استحب كتابة من جمع بين القوة والأمانة للخروج من
الخلاف ، فإن داود يوجب كتابة من جمع بين القوة والأمانة ، ولم يقل داود
الظاهرى كما نقله ابن الرَّفْعةِ ..
مسألة
[عَدم إشتراط الشهرة في مَن يَعتبر قوله فيِ الإِجْمَاعِ مِن المجتهدين]
لا يشترط في المجتهد الذي يعتبر قوله أن يكون مشهورا في الفتيا ، بل يعتبر
قول المجتهد الخامل خلافا لبعض الشاذين حيث فصّل بين المشهور بالفتوى ،
فيعتبر قوله دون غيره ، حكاه صاحب ((الكبريت الأحمر )) وغيره ، لأن العبرة بما
فيه من الصفات ، لا بشهرته ، ولا يشترط أن يكون صاحب مذهب ، بل يعتبر
قوله مهما علم أنه مجتهد مقبول الفتيا ، بدليل أن الذي دل على صحة الإجماع
متناول له ، ولا مخرج عنه ، فيعتبر قوله .
٤٧٤

مسألة
[َهَل يَعَتد بقَول مَن أشرف عَلى رتبَة الاجْتَهَاد]
من أحكم أكثر أدوات الاجتهاد ، حتى لم يبق عليه إلا أداة واحدة، كمن
أحكم علوم القرآن والسنة، ولم يبق عليه إلا اللغة أو علم التفسير، فهل يعتد
بخلافه ؟ قال ابن برهان : ذهب كافة العلماء إلى أنه لا يعتد بخلافه، وينعقد
الإجماع دونه . ونقل عن القاضي أبي بكر أنه قال : لا ينعقد الإجماع مع خلافه .
قال ابن برهان : ولم يذهب إليه أحد سوى القاضي، وترجم إلّكِيا هذه المسألة
بقوله : من أشرف على رتبة المجتهدين ، قال أكثر الأصوليين : لا يعتد بخلافه ،
وصار قاضينا أبو بكر إلى أنه يعتد ، ولعله أراد أن يدخل نفسه في رتبة
المجتهدين .
مسألة
[لايعتد بخلاف الصَبي وَالكافر إذا أحكما أدوات الإجتهاد]
الصبى إذا أحكم أدوات الاجتهاد، وأنى يتصور ذلك ! ولكن يقدر على
البعد . قال ابن برهان : اتفقوا على أن خلافه لا يعتد به، لأن قول الصبي لا أثر
له في الشرع . ولهذا ألغى أقواله . قال : وكذلك الكافر، ولهذا لم تقبل شهادته
ولا روايته، وإنما الخلاف في الفاسق ، وقد سبق .
مسألة
[الاعتداد في الإجماع بمن بلغ مبلغ الإجتهاد مُن النِّسَاء وَالْعَيْد]
قال الأستاذ أبو منصور : وأما من بلغ من النساء والعبيد مبلغ الاجتهاد ، فإنه
يعتد بخلافه ، ولا ينعقد الإجماع مع خلافه ، والرق والأنوثة لا يؤثران في اعتبار
الخلاف ، كما لا يؤثران في قبول الرواية والفتوى . وقد رجع أعلام الصحابة الى
فتاوى عائشة، وسائر أزواج النبي وح له، وإلى فتاوى نافع مولى ابن عمر،
وعكرمة مولى ابن عباس ، قبل عتقهما .
٤٧٥

الشَرط الثاني
اتفاق جميع المجتهدين في البقاع
ويتفرع عليه مسائل :
المسألة الأولى : إذا اتفق الأكثرون وخالف واحدٌ ، فلا يكون قول غيره إجماعا
ولا حجة . هذا هو المشهور ، ومذهب الجمهور . وحكاه أبو بكر الرازي عن
الكَرْخي من أصحابهم .
واحتج القَفَّال بمخالفة ابن عباس في العَوْل، ودعوته إلى المباهلة، واعتدوا به
خلافا ، وكذا جزم به ابن القَطَّان والصَّيْرفي ، قال : ولا يقال لهذا : شاذ ، لأن
الشاذ ما كان في الجملة ، ثم شذ عليهم ، وكيف يكون محجوجا بهم ولا يقع اسم
الإجماع إلا به . قال : إلا أن يجمعوا على شىء من جهة الحكاية ، فلزمه قبول
خبرهم ، أما من جهة الاجتهاد فلا ، لأن الحق قد يكون معه ، ودليل النظر
باق .
واحتج جمع من أصحابنا بقصة الصديق في قتال مانعي الزكاة . قال في
((البيان)) : لأن الصحابة أنكروا على أبي بكر رضي الله عنه ، ولم يكن قولهم
حجة . اهـ .
وهذا ليس محل الخلاف ، فإن المجتهد ما دام في مهلة النظر لا يكون قول غيره
حجة عليه ، فإن رجع أهل الحل والعقد إلى واحد ، قال الغزالي رحمه الله : لم
يكن قوله حجة ، لأن اسم الإجماع يستدعي عددا ، فلا أقل من اثنين أو ثلاثة .
والمذهب: انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ، ونقله الآمدي عن محمد بن
جرير الطبري رحمه الله ، وأبي الحسين بن الخياط من معتزلة بغداد أستاذ
الكَعْبي ، وزاد القاضي عبد الوهاب وابن الأخشاد من أصحاب الجبائي ، وهو
رواية أحمد بن حنبل ، ثم ردَّه بمخالفة الصديق جميع الصحابة في قتال الردة ثم
٤٧٦

رجعوا إليه وإلى هذا المذهب يميل كلام الشيخ أبي محمد الجويني ، فإنه قال في
كتابه ((المحيط)): والشرط أن يجمع جمهور تلك الصنعة ، ووجوههم ومعظمهم ،
ولسنا نشترط قول جميعهم ، وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من
المجتهدين من لم يسمع به، فإن / السلف الصالح كانوا يعلمون ويستسرون ٢٥٨ / أ
بالعلم ، فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير، ولا يعلم ذلك جاره . قال :
والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر انعقدت خلافته ، بإجماع
الحاضرين، ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي بعثة إلى بعض
البلدان، ومن حاضري المدينة من لم يحضر السقيفة، ولم يعتبر ذلك مع اتفاق
الأكثرين .
قال الهندي : والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي ، وبه يشعر إيراد
بعضهم ، واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي
عنه ، وأجيب بأن الشذوذ المنهي عنه هو الشاق لعصا المسلمين ، لا في أحكام
الاجتهاد .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : ثم إن ابن جرير قد شذّ عن الجماعة في هذه المسألة ،
فينبغي أنه لا يعتبر خلافه ، ويكون مخالفا للإجماع بعين ما ذكر .
والثالث: حجة وليس بإجماع ، ورجحه ابن الحاجب ، فإنه قال : لو عد
المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعا قطعيا . والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون
الراجح متمسك المخالف .
والرابع : أن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم يعتبر بالإجماع دونه وإلا اعتد
به . حكاه الآمدي . وقال القاضي أبو بكر : إنه الذي يصح عن ابن جرير .
قيل : وهو مبني على أن مستند الإجماع العقل لا السمع ، وأن الإجماع يشترط له
عدد التواتر ، إذ التواتر يفيد العلم ، فيجوز أن يكون الحق مع الأقل المخالف ،
فلا ينعقد الإجماع دونه ، لأنه ليس بقاطع إذن .
والخامس : اتباع الأكثر أولى ، ويجوز خلافه . حكاه الهندي .
والسادس : يضر الاثنان لا الواحد .
٤٧٧

والسابع : يضر الثلاثة لا الواحد، ولا الاثنان، وخص ابن كج في كتابه
خلاف ابن جَرِير بالواحد، وحكى الاتفاق على أن خلاف الاثنين والثلاثة يجعل
المسألة خلافا، ويخرج منه طريقة قاطعة بضرر الاثنين والثلاثة .
والثامن : إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتدا
به، كخلاف ابن عباس في العول؛ وإن أنكروه لم يعتد به، كخلافه في ربا
الفضل. قاله أبو بكر الرازي، وأبو عبدالله الجرجاني من الحنفية. وقال شمس
الأئمة السّرخْسي: إنه الصحيح. قيل: وهو راجع إلى انعقاد الإجماع بالأكثر،
أعني تسويغهم المخالفة وعدمه. فلو لم يكن اتفاقهم لم يكن تسويغهم المذكور
حجة(١)، وإيجاب اعتبار الأكثر أولى، ويجوز خلافه .
والتاسع: إن كان يدفع خلاف الواحد نص لم يعتد بخلافه، كخلاف ابن
مسعود للصحابة في الفاتحة والمعوذتين، ولم يجعلها من القرآن، فلم يعتدوا بخلافه
لوجود النص؛ وإن كان لا يدفع قول مخالفه نص كان خلافه مانعا من انعقاد
الإجماع، سواء كان من أكابر العصر أو من أصاغرهم سنا، كخلاف ابن عباس
لجميع الصحابة في العَوْل، فصار خلافه خلافا. وجزم بهذا التفصيل الرُّؤْياني في
((البحر)) في كتاب القضاء، وهو قريب مما قبله .
العاشر : لا يعتبر الواحد والاثنان في أصول الدين والتأثيم والتضليل، بخلاف
مسائل الفروع حكاه القَرَافي عن ابن الأخشاد، ويجيء مذهب آخر من المسألة
الآتية: التفصيل بين أن يكون المخالف تابعيا والمجمعون صحابة وبين غيرهم،
وآخر مفصل بين أن ينشأ معهم ويخالفهم أو ينشأ بعدهم .
(١) في الأصل هنا اضطراب لم يتبين وجهه.
٤٧٨

مسألة
[لااعتبَار للخلاف الثاني]
الخلاف الثاني لا اعتبار له، كما أن الاحتمال البعيد لا يخرج النص عن كونه
نصا، ولهذا عدَّ إمام الحرمين جملة من التأويلات الباطلة ، وهكذا يقول الحنفية في
الخلاف في الشاذ: إنه لا خلاف، ولا اختلاف. يعنون بذلك أنه إنما يعتبر الخلاف
المشهور القريب المأخذ بخلاف الشاذ البعيد، فهو خلاف لأهل الحق .
مسألة
[الأُوْجِه المحكيَّة، هَل تقدم في الإجماع]
الأوجه المحكية في المذهب، هل تقدح في الإجماع ؟ لم أر فيه نصا للأصوليين،
ويشبه تخريجه على أنه لازم المذهب أم من جهة أن الأوجه مأخوذة من قواعد عامة
لصاحب المذهب وإلا فلا؛ لكن رأيت ابن الرفعة في ((المطلب)) في أول القضاء
صرح بحكاية خلاف في أنها هل تقدح في الإجماع أم لا ؟
وقال: الصحيح أنها تقدح.
المسألة الثانية
[التابعي المجتهد هَل يعتبر قوله في إجماع الصحابة]
[إذا أدرك عصر هم؟]
إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد دخل معهم فيه، ولا
ينعقد الإجماع إلا به على أصح الوجوه عند القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق
وابن الصباغ وابن السَّمْعاني وأبي الحسين السهيلي في كتاب ((أدب الجدل)) له . قال
٤٧٩

لأنهما لم يختلفا إلا في رؤية النبي بية ، وذلك لا يوجب كون الحق معه .
وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح. ونقله صاحب ((اللباب)) والشّرَخْسي
من الحنفية عن أكثر أصحابهم .
قال: ولهذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار، لأن إبراهيم
النخعي كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة، فلا يثبت إجماعهم بدون
قوله، ولنا أن الصحابة إذ ذاك بعض الأمة، والعصمة إنما ثبتت لجميعهم .
وسئل ابن عمر عن فريضة فقال: سلوا ابن جبير، فإنه أعلم بها، وكان أنس
يسأل فيقول: سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، وحفظ ونسينا. وسئل ابن
عباس عن ذبح الولد فأشار إلى مسروق، فلما بلغه جوابه تابعه عليه .
والوجه الثاني : أنه لا يعتد بخلافه، واختاره ابن برهان في ((الوجيز)) ونقله في
((الأوسط)) عن إسماعيل بن علية ونفاة القياس، وحكاه الباجي عن ابن
خُوَيْزَمَنْداد .
والوجه الثالث : التفصيل بين أن يكون من أهل الاجتهاد وقت حدوث تلك
النازلة فيعتد بخلافه، وإلا فلا. واختاره القاضى في ((التقريب))، والرُّؤْياني في
((البحر))، والقاضي عبد الوهاب، والصَّيْرفي في الدلائل وسليم في ((التقريب)).
قال : ومن أصحابنا من رتب المسألة فقال : إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر
الصحابة ، ثم وقعت حادثة، فأجمعوا، وخالفهم، اعتد بخلافه، وإن أجمعوا على
قول ثم أدركهم، وخالفهم، فمن لم يعتبر انقراض العصر لم يعتد بخلافه، ومن
اعتبر انقراضه ففي الاعتداد به وجهان. ا هـ .
وصور الرُّؤْياني في ((البحر)) المسألة بالمعاصر المجتهد، فقال: يعتبر وفاقه في
حجة الإجماع، ومن أصحابنا من لم يعتبره، وهو غلط، لأنه من أهل الاجتهاد عند
الحادثة، فاعتبر وفاقه كالواحد من الصحابة .
3
قال : فأما من عاصرهم وهو صبي لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ثم بلغها وخالفهم،
٢٥٨ / ب فهل يعد خلافه خلافا؟ والمذهب أنه لا يعدُّ لأنه لم / يكن من أهل الاجتهاد، فهو
كالمعدوم .
٤٨٠