Indexed OCR Text

Pages 421-440

وقال أبو الحسين بن القَطَّان في كتابه : المرسل لا يحتج به ، وقد قال الشافعي
في القديم : وإرسال ابن المسيب عندنا حسن ، وأخذ بذلك في الجديد في مسائل
معدودة ، منها بيع اللحم بالحيوان ، ومعنى قوله عندنا : ((إرساله حسن))، أنه
تتبع أخباره كلها ، فوجدها أو أكثرها متصلة ، فاكتفى بذلك عن تطلب كل
حديث بعد مراده من الجملة ، لا أنه أراد بذلك تخصيصه عن سائر المراسيل .
انتھی .
وقال القَفَّال الشاشي في كتابه : قد كان الشافعي في القدیم یستحسن إرسال
سعيد، وكأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن عامة مراسيله إذا انعقدت وجد لها في
الروايات الموصولة أصل ، وإنا لم نعلم أحداً من الضعفاء أرسل عنه ، ولا روى
عنه ، بل جملة رواياته عن الصحابة والثقات ، من أهل النقل .
قال: وقد ذكر الشافعي في (الرسالة الجديدة)) أن الحديث يعتبر بأمور :
منها : أن ينظر إلى ما أرسل ، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون ، فأسند قوله إلى
رسول الله ﴿ بمثل معنى ما روي كان في ذلك ما يسند .
ومنها: ما يؤخذ عن بعض الصحابة من قولهم ما يوافق الخبر المرسل.
ومنها: أن يكون إذا سمى من روى عنه ، لم يسمَّ مجهولا ، ولا مرغوبا عنه في
الرواية .
ومنها: أن يكون إذا أشرك أحداً من الحفاظ في حديثه لم يخالفه .
ثم قال بعد ذكر هذه الشرائط : وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت
أحببنا أن يقبل مُرْسَلُه ، ولانزعم أن الحجة ثبتت ثبوتها بالمتصل . وقال : فأمّا من
بعد كبار التابعين الذين / كثرت مشاهدتهم لبعض الصحابة ، فلا أعلم منهم ٢٥١ / أ
واحدا يقبل مرسله ، وقد ذكر فيه من الشرائط ما ذكر .
قال : وأشار إلى قوة مراسيل كبار التابعين على مراسيل من دونهم ، ثم ذكر أنه
لا يثبت الحجة بالمنقطع ثبوتها بالمتصل ، فدل على أن أصل المراسيل عنده
ضعيف ، ومشهور على لسان الموافق والمخالف تضعيفه للمراسيل ، والوجه في
تضعيفه ما أومأنا إليه من جهالة الواسطة . انتهى كلام القفال .
٤٢١

وقال الماوَرْدي في باب النفقة من ((الحاوي)) إن مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن
عند الشافعي حسن ، وأن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ
الاحتجاج به ، ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل ، وكأنه - رضى الله عنه - يسوغ
الاحتجاج به ، ولم ينكر على من خالفه .
قال البيهقي في (المعرفة)): لم نجد حديثا ثابتا متصلا خالفه جميع أهل العلم إلا
أن يكون منسوخا ، وقد وجدنا مراسيل أجمع أهل العلم على خلافها ، وذكر منها
حديث محمد بن المنكدر الآتى قريبا ، وظنَّ القاضي أبو بكر في كتاب ((التقريب)) أن
الشافعي أراد بالاستحباب قسيم الوجوب . قال : فقد نص على أن القبول عند
تلك الشروط مستحب غير واجب . انتهى . وليس كما قال . بل مراد الشافعي
بالاستحباب أن الحجة فيها ضعيفة ، وليست بحجة المتصل ، فإذا انتهضت
الحجة ، وجب الأخذ لا محالة ، فإذا عارضه متصل كانت التقدمة مقدما عليه ،
إذ ليست الأدلة ما يكون الأخذ به مستحبا أبدا(١)، ولكن فيها ما يتفاوت ، وينفع
ذلك عند التعارض .
وقال الربيعي(٢) في ((المدخل)) قول الشافعي : وأحببنا أن تقبل مرسله ، أراد
به: اخترنا، ويوافقه قول القَفَّال في ((شرح التلخيص)» في باب اللقطة: إن
الشافعي يقول: أحب وأريد به الإيجاب، وزعم الماوردي أن الشافعي يحتج
بالمرسل ، إذا لم يوجد دلالة سواه .
وقال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) : الصحیح أنه لا فرق بين مرسل سعيد
وغيره من التابعين ، وإنما رجح الشافعي به ، والترجيح بالمرسل صحيح ، وإن لم
يكن حجة بمفرده .
التاسع : أن المرسل العاري من هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس
بحجة عنده . ولهذا قال أخبرنا ابن عُيَيْنَة عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى
النبي ◌َّر، فقال: يا رسول الله، إن لي مالا وعيالا، وإن لأبي مالا وعيالا،
فيريد أن يأخذ مالي فيطعم عياله ، فقال رسول الله وَّير: (أنت ومالك لأبيك) .
(١) كذا في الأصول، وفيه اضطراب.
(٢) لعل الصواب: البيهقي فهو صاحب المدخل.
٤٢٢

قال الشافعي : محمد بن المنكدر غاية في الثقة والفضل ، والدين والورع ، ولكن
لا ندري عمن قَبِلَ هذا الحديث .
العاشر : أن مأخذ رد الْمُرْسَل عنده إنما هو احتمال ضَعْف الواسطة، وأن
الْمُرْسِلَ لو سماه لبان أنه لا يحتج به ، وعلى هذا المأخذ فإذا كان المعلوم من عادة
المرسل أنه لم يسمِّ إلا ثقة ، ولم يسمُّ مجهولا ، کان مرسله حجة ، وإن کان یروي
عن الثقة وغيره فليس بحجة ، وقد صرح الشافعي بهذا المعنى في غير موضع ،
فقال - وذكر حديث الزهري في الضحك في الصلاة مرسلا - قال : يقولون :
يحابي ، ولو حابينا حابينا الزهري ، وإرسال الزهري ليس بشىء ، وذاك أنا نجده
يروي عن سليمان بن أرقم . وهذا أعدل الأقوال في المسألة ، وهو مبني على
أصل ، وهو أن رواية الثقة عن غيره ، هل هي تعديل أم لا ؟ وفيه خلاف ،
والصحيح التفصيل ، وهو أن الثقة إن كان من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة
كانت تعديلا وإلا فلا ، كما سبق ، ومن هنا ظن جماعة أن العلة في قبول الشافعي
المرسل سعيد كونه اعتبرها فوجدها مسانيد ، وليس كذلك، وإلا كان الاحتجاج
حينئذ بالمسند فيها، ويجيء اعتراض القاضي السابق ، ولكن لما كان حال صاحبها
أنه لا يروي إلا عن ثقة ، حمل هذا المرسل على ما عرف من عادته صحيح به ،
ولهذا تقبل مراسيل الصحابة ، وإن احتمل كونه عن تابعي ، لأن الغالب أنهم لا
يروون إلا عن النبي ◌َّر، أو عن صحابي ، لا سيما حالة الإطلاق فحمل على
الغالب .
الحادي عشر : أن مرسل من بعد التابعين لا يقبل ، ولم يحك عن أحد قبوله
لتعدد الوسائط ، ولأنه لو قبل لقبل مرسل المحدَّث اليوم، وبينه وبين النبي ◌َّ
مفاوز، ولم يقبله أحد إلا ما سبق عن الغزالي في ((المنخول)) وقد رددناه .
الثاني عشر : أن ظاهره قبول مرسل كبار التابعين دون صغارهم ، ولهذا قال في
((الرسالة)) بعد النص المتقدم بكلام : ومن نظر في العلم بِخِبْرَة وقلة غفلة،
استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهره فيها. قال له قائل:
فلم فرقت بين كبار التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله واله ،
ومن شاهد بعضهم دون بعض ؟ قال الشافعي (رحمه الله) : فقلت : لبعد إحالة
٤٢٣

من لم يشهد أكثرهم . قال : فَلِمَ يُقْبَلُ المرسلُ منهم ومن كل ثقة دونهم ؟ فقلت :
لما وصفت . انتهى
فلیعلم أن مذهبه ذلك إلا أن يوجد له نص بخلافه فیکون له قولان، ويحتمل
أنه جعل لمرسل كبار التابعين مزية على من دونهم، كما جعل لمرسل سعيد مزية على
من سواه منهم، لكن هذا كله خلاف الظاهر من كلامه. ثم قال الشافعي (رضي
الله عنه) في ((الرسالة)): فكل حديث كتبته منقطعا، فقد سمعته متصلا، أو
مشهوراً عمن روي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة ، ولكن
كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظا خوف طول الكتاب ، وغاب عني بعض
کتبي . انتهى .
فنبه (رضي الله عنه) على أن كلَّ ما يورده من المنقطعات فهو متصل ، سواء
ابن المسيب أو غيره ، واستفدنا من هذا أن ما وجدناه في كتبه من المراسيل لا
يقدح في مذهبه من عدم الاحتجاج بها ، فأبان بهذا أن ما نجده من المرسل هو
عنده متصل ، ولكن ترك إسناده لما ذكر .
الثالث عشر : أنه لا يقول بالمرسل إذا لم يعتضد بما سبق ، وزعم الماوَرْدي في
باب بيع اللحم بالحيوان أنه يقول به إذا لم يجد في الباب سواه ، وهو غريب ،
ويعضده عمل الشافعي بأقل ما قيل إذا لم نجد دليلا ، لكن يلزمه طرد ذلك في
كل حديث ضعيف ، وهو بعيد .
تنبيه : [أحاديث مرسلة تركها المالكية]
قد تركت المالكية مرسل أبي العالية الرياحي في الوضوء من القهقهة في
الصلاة، ولا علة له سوى الإرسال، وتركوا مرسل مالك عن هشام بن عروة عن
أبيه أن رسول وآله صلّى في مرضه الذي مات فيه بالناس جالسا والناس قيام،
وأعجب من هذين مرسل أرسله تابعو فقهاء المدينة الأربعة، وهم سعيد بن
٢٥١ / ب المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبدالله / بن عمر، وأبو سلمة بن عبد
الرحمن . وهو ما رواه الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن
أربعتهم أن رسول الله و هو (فرض زكاة الفطر مدين مدين على كل إنسان، مكان
٤٢٤

صاع من شعير) وذكر سعيد بن المسيب أن ذلك كان عمل الناس أيام أبي بكر وعمر
رضى الله عنهما .
[أحاديث مرسلة تركها الحنفية]
وكذلك أعرض الحنفية عن مرسل سعيد في النهي عن بيع اللحم بالحيوان ،
مع أنه لا يرسل إلا عن ثقة .
مسألة
[أمور ملحقة بالمَرُسَل، أومُختلف فيها]
ألحق إمام الحرمين بالمرسل قوله في الإسناد عن رجل أو شيخ أو نحو ذلك ،
ورأيته كذلك في كتاب القفال الشاشي ، لكن قال الحاكم وابن القَطَّان من
المحدثين : إنه لا يسمى مرسلا ، بل منقطعا . قال الإمام : وقول الراوي أخبرني
رجل، أو عدل موثوق به، من المرسل أيضا. وكذا قال في ((المحصول)): إذا
سمى الراوي الأصل باسم لا يعرف، فهو كالمرسل . وقال إمام الحرمين :
وكذلك إضافة الخبر إلى كتاب كتبه النبي وس﴿ من غير أن يذكر مَنْ حمله ونقله.
وألحق به المازري ما وقع في الصحيح من قوله: نادى منادي رسول الله وَّةٍ أن
الخمر قد حرمت، وقوله: نادى مناد بإكفاء القدور التى طبخ فيها لحوم الحمر، لأن
المنادي إذا لم يسم صار ككتاب أضيف إلى النبي ◌َّة، أنه أرسله ولم يسم حامله
وناقله، ولكن علم المحدث عين النداء، فإن ذلك لا يخفى على النبي ◌َّقر، حتى
يعلم ضرورة أن النبي ◌ّله أمر به، فنزل ذلك منزلة سماع الأمر منه وَله .
وقال إمام الحرمين في ((النهاية)): كل كتاب لم يذكر حامله فهو مرسل،
والشافعي لا يرى التعلق بالمرسل . وكذلك قال الماوَرْدي، ومثله ما يقع في
الأسانيد أنَّ فلانا كتب إليَّ، فلا يحتج به لجهالة الواسطة كالمرسل، لكن نقل
القاضي عياض أن الذي عليه الجمهور من أرباب النقل وغيرهم جواز الرواية
لأحاديث الكتابة، ووجوب العمل بها ، فإنها داخلة في المسند، وذلك بعد ثبوت
صحتها عند المكتوب إليه لها(١) ووثوقه بأنها عن كاتبها .
(١) لعل الصواب بها.
٤٢٥

فصْل
فى الفَرقِ بَيْنَ الرّوَايَةِ وَالشَّهَادَة
قال القَرَافي : أقمت زمانا أتطلب الفرق بينهما بالحقيقة حتى وجدته محققا في
کلام المازري في «شرح البرهان» ، فإن کثیرا من الناس یفرقون بينهما باختلافهما في
بعض الأحكام ، وهو إنما يكون بعد تحقيق فصل كل واحد منهما .
وحاصل الفرق أن الرواية والشهادة خبران ، غير أن الخبر إن كان عن حكم
عام تعلق بالأمة ، ولا يتعلق بمعين ، ومستنده السماع ، فهو الرواية ، وإن كان
خبرا جزئيا يتعلق بمعين مستنده المشاهدة أو العلم فهو الشهادة .
فالرواية تعم حكم الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة محض المشهود عليه
وله، ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية، ومن ثم كان باب الرواية أوسع من باب
الشهادة، لأن مبنى حقوق الآدمين على التضييق ، والرواية تقتضي شرعا عاما فلا
يتعلق بمعين ، فتبعد فيه التهمة ، فلذلك توسع فيه ، فلم يشترط فيه انتفاء القرابة
والعرافة ، ولا وجود العدد والذكورة والحرية .
واستشكل الأصفهاني في هذا الفرق بأن عموم الحكم يقتضي الاحتياط
والاستظهار بالعدد وجوابه أن الراوي يثبت حكما على نفسه وعلى غيره ، فلم
يتطرق إليه التهمة ، بخلاف الشاهد ، فإنه يثبت حقا على غيره ، فاحتيط له .
وقد ذكر الشيخ عزالدين بن عبد السلام - رحمه الله - وجوها لمناسبة العدد في
الشهادة دون الرواية : منها أن الغالب على المسلمين مهابة الكذب على رسول الله
** بخلاف شهادة الزور، فاحتيج إلى الاستظهار فيها .
٤٢٦

ومنها: أنه قد ينفرد بالحديث النبوي شاهد واحد ، فلو لم يقبل لفات على أهل
الإسلام تلك المصلحة العامة ، بخلاف فوات حق واحد على شخص واحد في
المحاكمات ، وبهذا يظهر أن العمل بتزكية الواحد في الرواية أحوط .
ومنها: أن بين كثير من المسلمين إحناً وعداواتٍ ، قد تحملهم على شهادة
الزور ، بخلاف الأخبار النبوية .
واعلم أن الشافعي - رضى الله عنه - قد تعرض للفرق بين الرواية والشهادة في
مناظرة له مع صاحب أبي حنيفة ، حكاه الرُّؤْياني في ((البحر)) في باب شهادة
النساء، فقال: قال الشافعي: والخبر ما استوى فيه المُخْبِرِ والْمُخْبَرَ والعامة من
حلال وحرام؛ والشهادة ما كان الشاهد فيه خليا والعامة، وإنما يلزم المشهود
عليه .
ثم قال الرُّؤْياني: فإن قيل ما معنى قول الشافعي: الخبر ما استوى فيه المُخْبِرُ
والُخْبِرُ، ومن الأخبار مالا يلزم الراوي به حكم، ويلزم غيره، ومن الشهادات ما
يلزم الشاهد بها الحكم، كما يلزم المشهود عليه، وهو الشهادة على الصوم والفطر ؟
قلنا: قال الشافعي هذا، وأراد ما فسره به من تحليل وتحريم اللذين هما مؤيدان لا
ينقطعان ، وليس كذلك ما ذكروه في الصوم والفطر وغير ذلك مما يقطع .
وحكى ابن القاصِّ عن أبي الطيب بن سلمة أنه كان يقول : قد يستوي
الشاهد والمشهود عليه في الحکم ، وهو ما إذا شهد اثنان من الورثة على الميت بدين
الإنسان ، فإنه يلزمهما من الدين ما يلزم الجاحد من الورثة ، وقد يكون في الأخبار
من يختص به غيره ، ولا يجب على الراوي به شيء ، ولكن أراد الشافعي بما قاله
الغالب من أمرهما ، فإن الغالب من الشهادة أن الشاهد لا يدخل فيما يجب له ،
والغالب من الخبر عن النبي وَلهو استواء المخبر، وسائر الناس فيه . انتهى .
[ما يختلف فيه الرواية والشهادة]
وأما ما يختلفان فيه من الأحكام فكثير :
أحدها : عدم اشتراط الحرية في الرواية بخلاف الشهادة .
٤٢٧

وثانيها : أن التزكية في الشهادة لا تكون إلا باثنين ، ويكتفى في التعديل في
الرواية بواحد .
وثالثها : عدم اشتراط العدد في الرواية بخلاف الشهادة .
ورابعها : اشتراط البصر، وعدم القرابة والعداوة في الشهادة، دون الرواية
وقد قبلت الصحابة خبر علىّ - كرم الله وجهه - في الخوارج وغيرهم .
وخامسها : من کذب ثم تاب ، قبلت شهادته ، ومن کذب في حديث رسول
الله ◌َ ل﴿، ثم تاب لم يقبل حديثه بعد ذلك عند المحدثين ووافقهم أبو بكر
الصَّيْر في وابن القَطَّان والقَفَّال والماوَرْدي والرُّؤْياني وغيرهم، وهو الصحيح، خلافا
للنووي كما سبق .
وسادسها: أن الراوي إذا كذب في حديث عن النبي - ◌َّر - ردت جميع
أحاديثه السالفة، ووجب نقض ما عمل به منها، وإن لم ينقض الحكم بشهادة من
حدث فسقه، لأن الحديث حجة لازمة لجميع الناس، وفي جميع الأمصار، فكان
حكمه أغلظ. / قاله الماوَرْدي في ((الحاوي)).
سابعها : تجوز الرواية بما يعود نفعه على الراوي ، ولا يجوز ذلك في الشهادة ،
الاشتراك الناس في السنن والروايات . قاله الماوَرْدي والرُّؤْياني وابن السَّمْعاني في
((القواطع)) وإمام الحرمين في ((البرهان)) وابن القُشَيْري في أصوله، ونقلا ذلك عن
الشافعي، فإنهما قالا : قال الشافعي : لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة، وكان
فحواه حجة على الخصم ، فالرواية مقبولة، ولا يجعل للتهمة موضعا، وكذا
الرواية الجارّة للنفع والدفع، بخلاف الشهادة . هذه لفظه . ومثله خبر الراوي
لنفسه نفعا راجحا لم يستحضر القَرَافي في فروعه فيها نقلا ، وحكى الرافعي قبل
باب الصَّيال أن العبد لو روى خبرا يقتضي إعتاقه، لم يقبل، أو إعتاق من اجتمع
فيه كذا وكذا وكانت فيه قبل، لأنه ضمن لا قصدا ، وهذا أحسن .
ثامنها : إذا حَدَّث العدل بحديث رجع عنه لغلط وجده في أصل کتابه، أو
حفظ عاد إليه ، قبل منه رجوعه، وكذا الزيادة باللفظ . قاله الصَّيْرفي . قال :
وهذا بخلاف الشهادة يحكم بها القاضي، ثم يرجع الشاهد، لأنه يثبت حقوقا
٤٢٨

للآدميين لا تزول بالرجوع ومضى الحكم بها، والمخبر بها يدخل في جملة المخبرين
وإنما هو مُسْتَدْعَى يؤدي ما استدعى، وليس يَطْعَنُ على المحدث إلا قوله :
تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك .
تاسعها : أن إنكار الأصل رواية الفرع، لا يضر الحديث ، بخلاف الشهادة
كما سبق .
عاشرها : قال الشافعي فيما نقله ابن القُشَيْري : لا يُعَوَّل على شهادة الفرع مع
إمكان السماع من الأصل ، ويجوز اعتماد رواية الفرع من غير مراجعة شيخه مع
الإمكان . وهذا مجمع عليه . وقال الإمام في ((النهاية)): لا تقبل شهادة الفرع مع
حضور الأصل ، ولا خلاف أن رواية الراوي مقبولة ، وشيخه في البلد . قال :
وكل ما لم يثبت فيه توقيف شرعي تعبدي غير الشهادة فيه عن الرواية ، فلا يعد في
وجه الراوي التسوية بينهما . انتهى .
حادى عشرها : لو أشكلت الحادثة على القاضي ، فروى له خبرا عن النبي
43* فيها ، وقتل به القاضي رجلا ، ثم رجع الراوي ، وقال : تعمدت الكذب ،
لا يجب القصاص ، بخلاف الشاهد إذا رجع ، فإن الشهادة تتعلق بالحادثة ،
والخبر لا يختص بها . قاله القَفَّال في فتاويه ؛ لكن في فتاوي البغوي وجوب
القصاص كالشاهد ، وهو أحوط .
ثاني عشرها: قال الشافعي في ((الأم)) و((الرسالة)): أقبل في الحديث حدثني
فلان عن فلان إذا لم يكن مُدَلَّسا ، ولا أقبل في الشهادة إلا سمعت ، أو رأيت ،
أو أشهدني .
ثالث عشرها : قال الشافعي أيضا : إذا اختلفت الأحاديث أخذت ببعضها
استدلالا بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ، بخلاف الشهادة فلا يؤخذ ببعضها
بحال .
رابع عشرها : قال أيضا : يكون بشر كلهم تجوز شهادتهم ، ولا أقبل حديثهم
من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة ، وإزالة بعض ألفاظ المعاني ، هذا
لفظه .
٤٢٩

وقال في موضع آخر من ((الأم)): لا يقبل الحديث إلا من ثقة عالم حافظ بما
يحيل معنى الحديث ، بخلاف الشهادة . قال : ولهذا احتطت في الحديث أکثر مما
احتطت به في الشهادات ، وإنما أقبل شهادة من لا أقبل حديثه لكبر أمر الحديث ،
وموقعه من المسلمين ، ولأن اللفظ قد يترك من الحديث ، فيختل معناه ، فإذا كان
الحامل للحديث يجهل المعنى لم يقبل حديثه ، هذا لفظه ، ثم قال : وكل ما لم
يكن حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه ، واختلفوا علىّ في اللفظ ، فقلت
لبعضهم ذلك ، فقال: لا بأس به ما لم يحل معنى. ذكره في ((الأم)) في باب
التشهد في الصلاة . وقال : إنما صرت لاختيار تشهد ابن عباس دون غيره ، ◌َّا
رأيته واسعا ، وسمعته عن ابن عباس صحيحا ، كان عندي أجمع ، وأكثر لفظا
من غيره ، فأخذت به . انتهى .
خامس عشرها : يجوز الرواية بالمعنى بشرطه السابق، بخلاف الشهادة، وقد
قال الماوردي : إذا أقر الراهن والمرتهن عند شاهدين، فعليهما أن يؤديا ما سمعاه
مشروحا، فلو شهدا أنه رهن بألفين، فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد لم يجز، وكذا
إن كانا من أهله على الأصح، لأن الشاهد ناقل، والاجتهاد إلى الحاكم . وقال
ابن ابي الدم : لو قال الشاهد : أشهد أن هذا يستحق في ذمة هذا درهما . هل
تسمع هذه الشهادة ؟ فيه ثلاثة أوجه، المذهب أنها تسمع، ويعمل بها . والثاني :
لا، لأن هذه من وظيفة الحاكم. والثالث : إن كان الشاهد متمذهبا بمذهب
القاضي سمعت ، وإلا فلا ، ولو شهد واحد بأنه قال له : زنيت ، وآخر أنه قال
له : يا زاني، لم يثبت القذف. كما لو شهد كل واحد بقذف بلغة . حكاه في
((الكفاية)) في باب الإقرار عن الماوَرْدي .
قال : ويوافقه قول القاضي أبي الطيب : أنه لو شهد واحد أنه قال : قد
وكَّلتك في كذا ، وآخر أنه قال له : أذنت لك في التصرف ، لم تثبت الوكالة ،
لأنهما ضدان ، ولو شهد واحد على المدَّعي باستيفاء الدَّين ، وآخر بالإبراء منه ،
فالمذهب في الإقرار من الرافعي وغيره ، لا تلفيق . ولو شهد الثاني أنه برىء إليه
منه ، قال العبادي : تلفق ، لأن إضافتها إلى الديون عبارة عن الإيفاء ، وقيل
٤٣٠

بخلافه . قلت: لكن ابن فُورَك في كتابه سوَّى بينهما ، فقال : لا فرق ، لأن
الشهادات يكتفى فيها بالمعنى دون اللفظ
سادس عشرها : يشترط في توبة الشاهد مضي مدة الاستبراء ، بخلاف
الرواية ، ولو حُدَّ بعض شهود الزنا لنقص النصاب ، لم تقبل شهادتهم ، حتى
يتوبوا . وفي قبول روايتهم قبل التوبة وجهان في (الحاوي)). قال الأشهر القبول ،
والأقيس المنع كالشهادة .
سابع عشرها : له أن يروي على الخط المحفوظ عنده ، بخلاف الشهادة . قال
الشافعي في ((الرسالة)): يجب أن يكون المحدث حافظا لكتابه إن حدَّث به من
كتابه . قال القاضي في ((التقريب)): وهو يدل على أنه يسوغ له أن يحدث من كتابه
بما يحفظه ، وإن لم يعلم سماعه للحديث ممن سمعه ، لأجل إفتائهم من علم
سماعه للحدیث ممن سمعه منه ، فإنه لا يعتبر بحفظه بما سمعه ، وأنه يجوزله أن
يحدث به ، وإن لم يحفظه إمامه لحفظه مقام علمه بسماع الحديث ممن حدث عنه .
قال : وخالفه الجمهور من أصحابه وأصحاب مالك وأبي حنيفة ، فقالوا : لا يجوز
ذلك ، ولا يجب العمل ممن هذا حاله . قال : وهذا هو الحق كالشهادة سواء ،
وسبقت المسألة في القراءة على الشيخ .
ثامن عشرها : عكس ما قبله ، لو تحقق / من علم سماع ذلك الخبر ، لكن ٢٥٢ /
اسمه غير مكتوب عليه ، لم يجوز المحدثون روايته ، ويجوز عن طريق الفقه
كالشهادة، قاله القاضي الحسين في ((فتاويه)). وقال في التى قبلها : لو رأى اسمه
مكتوبا في خبر بخط ثقة ، ويعلم أنه أدرك المسموع منه ، ولا يذكر سماعه منه ،
جوز له المحدثون روايته كالإجازة، ولا يجوز من طريق الفقه ما لم يتذكر سماعه .
تاسع عشرها : أن الأخبار إذا تعارضت ، وأمكن الجمع صرنا إليه ، وإلا قدم
أحدهما لمرجح، وأما في الشهادات المتعارضة ، فالمذهب التساقط ، وإن أمكن
الجمع .
العشرون : عند الرواية(١) في الرواية ترجح بكثرة الجمع، بخلاف الشهادة ،
(١) كذا في الأصول والصواب: عند التعارض
٤٣١

على خلاف فيه يأتى في التراجيح .
٠
الحادي والعشرون : يمتنع أخذ الأجرة على أداء الشهادة ، لأنها فرض عليه ،
وفي أخذ الأجرة على التحديث خلاف ، وأفتى الشيخ أبو إسجاق فيما حكاه ابن
الصلاح بجواز أخذها لمن ينقطع عن الكسب .
ضابط: [أسماء الخبر في مختلف أحواله]
الخبر إن كان حُكما عاما يتعلق بالأمة ، فإما أن يكون مستنده السماع ، فهو
الرواية ، وإن كان مستنده الفهم من المسموع ، فهو الفتوى ، وإن كان خبرا
جزئيا يتعلق بمعين مستنده المشاهدة أو العلم ، فهو الشهادة ، وإن كان خبرا عن
حق يتعلق بالمخبر عنه والمخبر به ، هو مستحقه ، أو نائبه ، فهو الدعوى . وإن
كان خبرا عن تصديق هذا الخبر، فهو الإقرار . وإن كان خبراً عن كذبه فهو
الإنكار ، وإن كان خبراً نشأ عن دليل ، فهو النتيجة ، ويسمى قبل أن يحمل عليه
الدليل مطلوبا ، وإن كان خبرا عن شيء يقصد منه نتيجته، فهو دليل . وجزؤه
مقدمته .
٤٣٢

٠
كتاب الإجماع

كتاب الإجماع
وفيه فصول :
الفصل الأولـ
وفيه عشرة مباحث
في النظر في مسماه لغة واصطلاحا ، ثم في إمكانه
في نفسه ، ثم في جواز العلم به ، وجواز نقله ، ثم في كونه حجة ، ثم بماذا ثبتت
حجيته ، ثم في كونه قطعيا ، ثم في استحالة الخطأ فيه ، ثم في وجوب العمل
به ، ثم في استصحابه بعد ثبوته ، ثم في كونه من خصائص هذه الأمة ، فهذه
عشرة مقاصد .
المبحَُّ الأولـ
[في مسماه لغة واصطلاحًا ]
هو لغة يطلق بمعنيين : أحدهما : العزم على الشىء والإمضاء، ومنه قوله
تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [سورة يونس/ ٧١] أي اعزموا، وقوله عليه السلام: (لا
٤٣٥

صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل)، ونقض ابن العارض المعتزلي هذا بأن إجماع
الأمة يتعدى بعلى، والإجماع بمعنى العزيمة وقطع الروية لا يتعدى بعلى .
قلت : حكى ابن فارس في المقاييس : أجمعت على الأمر ، إجماعا وأجمعته .
نعم، تعديته بنفسه أفصح . والثاني : الاتفاق، ومنه أجمع القوم : إذا صاروا
ذوى جمع . قال الفارسي : كما يقال : ألبن وأتمر ، إذا صار ذا لبن وتمر .
وحكى عبد الوهاب في ((الملخص)) عن قوم منع كونه بمعنى الإجماع كما ظنه
ظانون لتغايرهما، إذ يصح من الواحد أن يقول : أجمعت رأيي على كذا ، أي
عزمت عليه ، ولا يصح الإجماع إلا من اثنين . والصحيح هو الأول . ثم قال
الغزالي : هو مشترك بينهما . وقال القاضي : العزم يرجع إلى الاتفاق ، لأن من
اتفق على شيء فقد عزم عليه . وقال ابن برهان وابن السَّمْعاني : الأول أشبه
باللغة . والثاني : أشبه بالشرع . قالا : وتظهر فائدتهما في أن الإجماع من الواحد
هل يصح؟ فعلى المعنى الأول لا يصح إلا من جماعة ، وعلى المعنى الثاني يصح
الإجماع من الواحد .
...
وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد عليه بعد وفاته في حادثة على
أمر من الأمور في عصر من الأعصار .
فخرج اتفاق العوام ، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم ، ويخرج أيضا اتفاق
بعض المجتهدين .
وبالإضافة إلى أمة محمد خرج اتفاق الأمم السابقة . وإن قيل بأنه حجة على
رأي ، لكن الكلام في الإجماع الذي هو حجة .
وقولنا : بعد وفاته، قَيْد لا بد منه على رأيهم، فإن الإجماع لا ينعقد في زمانه
عليه السلام كما سنذكره .
وخرج بالحادثة انعقاد الإجماع على الحكم الثابت بالنص والعمل به ، وقولنا :
على أمر من الأمور، يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات .
وقولنا : في عصر من الأعصار ، ليرفع وهم من يتوهم أن المراد بالمجتهدين من
٤٣٦

يوجد إلى يوم القيامة . وهذا التوهم باطل ، فإنه يؤدي إلى عدم تصور الإجماع .
والمراد بالعصر هنا : من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه
المسألة، وظهر الكلام فيها . فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها
فليس من أهل ذلك العصر .
هكذا ذكره الإمام أبو محمد القاسم الزجاج في كتابه : ((البيان عن أصول
الفقه)) وهو من أصحاب أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا .
واعلم أن أصل هذا التعريف أشار إليه الشافعي في (الرسالة) بقوله(١): وحدَّه
في موضع آخر بهذا المعنى، فقال هم الذين لا يجوز عليهم أن يجهلوا حكم الله .
تنبيه: [العبدري يرى أن التعريف السابق غير جامع]
قال العَبْدَرِي : هكذا رسم الأصوليون الإجماع . وفيه نظر ؛ فإنه لفظ
مشترك ، يقال على ما هو إجماع على العمل بمستند الحكم ، أي بدليله من الكتاب
والسنة . ويقال : ما هو إجماع على استنباط الحكم من الكتاب والسنة بالاجتهاد
والقياس . والذي هو إجماع على العمل بمستند الحكم ينقسم إلى إجماع نقل
مستنده إلى المجتهدين ، وإلى إجماع درس مستنده فلم ينقل إليهم. فهذه ثلاثة معان
متباينة، فيحتاج إلى ثلاثة رسوم .
٤
[ المبحَثُ الثاني]
فى إمكانه
وقد أنكر قوم إمكان الإجماع مطلقا، وشبهوه بإجماع الناس في ساعة واحدة على
مأكول واحد، وهذا استبعاد باطل، والدواعي والمآكل مختلفة قطعا، بخلاف
الأحكام ، فإن البواعث متفقة على طلبها .
(١) بياض في الباريسية، والكلام غير بين في الأزهرية، وغير مستقيم في نسخة ثالثة، ولعل المصنف
إنما يريد ما أورده الشافعي في الرسالة ص ٤٧٥ ونصه: ((ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم
جماعتهم)).
٤٣٧

ومنهم من قال: ما أجمعوا عليه من جهة الحكاية عن النبي وَّ فجائز، وأما
من جهة الرأي فباطل . حكاه الصَّيْرفي. وقال : واختلف القائلون ببطلانه في
علته، فقيل : إمكان الخطأ عليه، وقيل استحالة نقل ذلك عنهم، لأنه لا سبيل
إليه إلا بلقيا الكل، وتواتر الخبر عنهم . وظاهر كلام أبي الحسين بن القَطَّان أن
٢٥٣ / أ الخلاف إنما هو / في إجماع الخاصة ؛ أما ما أجمع عليه العامة والخاصة، فليس
بموضع الخلاف . قلت: ولو عكس هذا لم يبعد .
[المبحَثُ الثالث]
في إمكان الاطلاع عليها
وإذا ثبت أنه ممكن في نفسه، فاختلفوا في إمكان الاطلاع عليه . فمنعه قوم
لاتساع خطة الإسلام، وانتشارهم في أقطار الأرض ، وتهاون الفطن ، وتعذر
النقل المتواتر في تفاصيل لا تتوافر الدواعي على نقلها ، ولتعذر العلم ببقاء المعنى
الأول إلى أن يفنى الآخر .
والصحیح إمكانه عادة ، فقد اجتمع على الشُبه خلق کثیرون زائدون على عدد
أهل الإسلام ، فالإجماع على الحق مع ظهور أدلته أولى . نعم ، العادة منعت
اجتماع الكافة ، فأما الخلق الكثير فلا تمنع العادة اتفاقهم بوجه ما .
واشتد نكير القاضي على من أنكر تصور وقوعه عادة ، وفصّل إمام الحرمين بين
كليات الدين ، فلا يمنع من تصور الدواعي المستحثة ، وكما صوره القاضي في
اجتماع أهل الضلالة ، وبين المسائل المظنونة مع تفرق العلماء وانتفاء الدواعي فلا
تتصور عادة .
ونقل عن الإمام أحمد ما يقتضي إنكاره ، قال في رواية ابنه عبدالله : من ادعى
٤٣٨

الإجماع فقدكذب، لعل الناس قد اختلفوا ؛ ولكن يقول : لا يعلم الناس اختلفوا
إذ لم يبلغه . قال أصحابه : وإنما قال هذا على جهة الورع ، لجواز أن يكون هناك
خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف، لأن أحمد
قد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة، وأجراه ابن حزم الظاهري على
ظاهره . وقال ابن تيمية : أراد غير إجماع الصحابة ، لأن إجماع الصحابة عنده
حجة معلوم تصوره . أما من بعدهم فقد كثر المجتهدون ، وانتشروا . قال : وإنما
قال ذلك ، لأنه كان يذكر الحديث فيعارض بالإجماع، فيقول : إجماع مَنْ ؟ إجماع
أهل المدينة ؟ إجماع أهل الكوفة ؟ حتى قال : ابن علية والأصَم يذكرون
الإجماع .
وجعل الأصفهاني موضع الخلاف في غير إجماع الصحابة. وقال : الحق تعذر
الاطلاع على الإجماع، لا إجماع الصحابة، حيث كان المجمعون، وهم العلماء في
قلة، أما الآن وبعد انتشار الإسلام، وكثرة العلماء، فلا مطمع للعلم به. قال:
وهو اختيار أحمد مع قرب عهده به من الصحابة، وقوة حفظه، وشدة اطلاعه على
الأمور النقلية. قال: والمصنف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوبا
في الكتب، ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه إلا بالسماع منهم، أو بنقل أهل
التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة وأما بعدهم فلا. انتهى.
ن
وعقد القاضي عبد الوهاب بابا في أن الإجماع يصح أن يعلم وقوعه وقال : من
الناس من منع أن يكون للعلم به طريقة يعلم بها حصوله، ثم زيفه . قال :
والطريق شيئان : أحدهما : المشاهدة، والآخر النقل . فإن كان الإجماع متقدما
فليس إلا النقل ، لتعذر المشاهدة . وإن كان في الوقت فالأمران طريق إليه ،
ووجه الحصر أنه لا يمكن أن يعلم بالعقل ، ولا بخبر من الله تعالى ورسوله عليه
السلام ، لتعذره ، فتعين ما قلناه .
وقال الأستاذ أبو أسحاق الأسفراينى في ((شرح الترتيب)) : نحن نعلم أن مسائل
الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة . وبهذا يُرَدُّ قول الملحدة أن هذا الدين كثير
الاختلاف، إذ لو كان حقا لما اختلفوا فيه ، فنقول : أخطأت بل مسائل الإجماع
أكثر من عشرين ألف مسألة . ثم لها من الفروع التي يقع الاتفاق منها وعليها ،
٤٣٩

:
وهي صادرة عن مسائل الإجماع التي هي أصول أكثر من مائة ألف مسألة ، يبقى
قدر ألف مسألة هي من مسائل الاجتهاد ، والخلاف في بعضها يحكم بخطأ
المخالف على القطع ، وبفسقه ، وفي بعضها ينقض حكمه ، وفي بعضها
يتسامح ، ولا يبلغ ما بقي من المسائل التي تبقى على الشبهة إلى مائتي مسألة .
انتهى .
[المبحَثُ الرَّابع]
[في كونه حجة]
الرابع : وإذا ثبت إمكان العمل به، فهو حجة شرعية، ولم يخالف فيه غير
النّظام والإمامية . قال إمام الحرمين : أول من باح برده النّظام ، ثم تابعه بعض
الروافض ؛ أما الإمامية فالمعتبر عندهم قول الإمام دون الأمة . والنّظام يسوى بين
قول جميع الأمة وبين قول آحادها في جواز الخطأ على الجميع، ولا يرى في الإجماع
حجة، وإنما الحجة في مستنده إن ظهر لنا، وإن لم يظهر لم يقدر له دليلا تقوم به
الحجة . هكذا حكاه القاضي في التقريب، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو
إسحاق، وإلْكِيا الطبري، وابن السَّمْعاني، وغيرهم. وتبعهم الرازي، ونقل ابن
برهان عنه أنه يحيل الإجماع، وتبعه ابن الحاجب .
وقال بعضهم : الصحيح عن النّظَّام أنه يقول بتصور الإجماع، وأنه حجة،
ولكن فسره بكل قول قامت حجته ، وإن كان قول واحد . ويسمى بذلك قول
النبي عليه السلام إجماعا ، ومنع الحجية عن الإجماع الذي نفسره نحن بما
نفسره ، وكأنه لما أضمر في نفسه أن الإجماع باصطلاحنا غير حجة، وتواتر عنده لم
يخبر بمخالفته، فحسن الكلام وفسره بما ذكرناه . هكذا قال الغزالي وغيره، هذا
تحرير النقل عنده، ولأجله قال الصَّفي الهندي : النزاع لفظي .
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)): نقل عن النّظام إنكار حجية
الإجماع ، ورأيت أبا الحسين الخَيَّاط أنكر ذلك في نقضه لكتاب الراوندي، ونسبه
إلى الكذب، إلا أن النقل مشهور عن النّظام بذلك. اهـ .
٤٤٠