Indexed OCR Text

Pages 301-320

ابن مَنْده ، فقال: من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي ، وإن كان مشهوراً
كالشعبي وسعيد بن المسيب ، نسب إلى الجهالة ، فإذا روى عنه رجلان صار
مشهوراً ، واحتج به . قال : وعلى هذا بنى البخاري ومسلم صحيحهما ، إلا
أحرفا تَبَيْنَ أمْرُها ، ويسمي البيهقي مثل ذلك مرسلا ، وهو مردود .
وقال أبو زيد الدَّبُوسي : المجهول من الصحابة خبره حجة إن عمل به
السلف ، أو سكتوا عن رده مع انتشاره بينهم ؛ فإن لم ينتشر ، فإن وافق القياس
عمل به وإلا فلا ، لأنه في المرتبةدون ما إذا لم يكن فقيها . قال : يحتمل أن يقال :
إن خبر المشهور الذي ليس بفقيه حجة / ما لم يخالف القياس ، وخبر المجهول ٢٣٣ / ب
مردود ما لم يرده القياس ، ليقع الفرق بين من ظهرت عدالته ، ومن لم تظهر .
[تعريف الصحابي] :
فإن قيل : أثبتم العدالة للصحابي مطلقا ، فمن الصحابي ؟ قلنا : اختلفوا فيه
فذهب الأكثرون إلى أنه من اجتمع - مؤمنا - بمحمد رَّر ، وصحبه ولو ساعة ،
روى عنه أو لا ، لأن اللغة تقتضي ذلك ، وإن كان العرف يقتضي طول الصحبة
وكثرتها . وقيل : يشترط الرواية ، وطول الصحبة . وقيل : يشترط أحدهما .
وقال ابن السَّمْعاني : هو من حيث اللغة والظاهر من طالت صحبته مع النبي
وَله ، وكثرت مجالسته له ، وينبغي أن يطيل المكث معه على طريق التبع له ،
والأخذ عنه ، ولهذا يوصف من أطال مجالسة أهل العلم [بأنه] من أصحابه . ثم
قال : هذه طريقة الأصوليين . أما عند أصحاب الحديث ، فيطلقون اسم
الصحابة على كل من روى عنه حديثا ، أو كلمة ، ويتوسعون حتى يَعُدُّون من رآه
- رؤية ما من الصحابة وهذا لشرف منزلة النبي # أعطوا كل من رآه حكم
الصحابة، لأنه قال: طوبى لمن رآني، ومن رأى من رآني، والأول الصحابة،
والثاني التابعون .
وقال ابن فُورَك : هو من أكثر مجالسته، واختص به، ولذلك لم يُعَدَّ الوافدون
من الصحابة . وقد يقال : فلان من الصحابة بمعنى أنه لقيه وروى عنه وإن لم
تطل صحبته ولم يختص به ، إلا أن ذلك بتقييد . والأول بإطلاق . انتهى .
٣٠١

وقال أبو نصر بن القشيري : لفظ الصحابي من الصحبة . فكل من صحبه
وَله لحظة يطلق عليه اسم الصحابي لفظا، غير أن العرف اقترن به ، فلا يطلق
هذا اللفظ إلا على من صحبه مدة طالت صحبته فيها . قال : ولا تضبط هذه
المدة بحد معين ، وكذا قال الغزالي .
[هل للصحبة مدة معينة] :
وحكى شارح البَزْدَوي عن بعضهم تحديدها بستة أشهر ، وشرط سعيد بن
المسيب الإقامة معه سنة ، أو الغزو معه ، وضُعِّف بأن جرير بن عبدالله ووائل بن
حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي ، وغيرهم ممن وفد على النبي ◌َّ عام تسع
وبعده ، فأسلم وأقام عنده أياما ، ثم رجع إلى قومه ، وروى عنه أحاديث لا
خلاف في عَدِّه من الصحابة ، ونحوه قول إلّكِيا الطبري : هو من ظهرت صحبته
لرسول الله وَّير صحبة القرين قرينه ، حتى يعد من أحزابه وخدمته المتصلين.
وذكر صاحب ((الواضح)) أن هذا قول شيوخ المعتزلة . وقال أبو الحسين في
((المعتمد)): هو من طالت مجالسته معه على طريق التبع له ، والأخذ عنه ، فمن لم
تطل مجالسته كالوافدين ، أو طالت ولم يقصد الاتباع لا يكون صحابيا . ونقله
صاحب ((الكبريت الأحمر)) عن الجمهور من أصحابهم.
وقال القاضي أبو عبدالله الصيمري من الحنفية: هو من رأى النبي ◌َّةٍ،
واختص به اختصاص الصاحب بالمصحوب ، وإن لم يرو عنه ولم يتعلم منه . وقال
الجاحظ : يشترط تعلمه منه ، وقيل : يشترط أن يروي عنه حديثا واحدا .
[هل البلوغ شرط في اعتبار الصحبة] :
وقيل : يشترط بلوغه . حكاه القاضي عياض عن الواقدي ، وهو ضعيف فإنه
يخرج نحو محمود بن الرَّبيع الذي عقل من النبي ◌َّ حجّة وهو ابن خمس سنين
وعَدُّوه من الصحابة . وكلام السَّفَاقُسي شارح البخاري يقتضي اشتراط التمييز ،
فإنه قال في حديث عبدالله بن ثعلبة بن صُعَير: وكان النبي ◌َّ قد مسح وجهه
عام الفتح . قال الشارح : إن كان عبدالله هذا عقل ذلك ، أو عقل عنه كلمة
كانت له صحبة ، وإن لم يعقل شيئا كانت تلك فضيلة ، وهو من الطبقة الأولى
من التابعين . اهـ .
٣٠٢
1

[اشتراط الرؤية للصحبة] :
ولا يشترط رؤيته للنبي وَير، ليدخل ابن أم مكتوم الأعمى وغيره من
الأضراء، وإنما اشترطنا الإيمان، لأن الكفار لا يدخلون في اسم الصحبة بالاتفاق
وإن رأوه وَ﴾. وممن ذكر هذا القيد الآمدي وابن الصلاح وغيرهما. وصرح به
البخاري في صحيحه حيث قال: من صحب النبي و 38 أو رآه من المسلمين، فهو
من أصحابه. وحكاه القاضي عياض عن أحمد بن حنبل. واشترط أبو الحسين بن
القطان: العدالة، قال: من لم يظهر منه ذلك لا يطلق عليه اسم الصحبة. قال:
والوليد الذي شرب الخمر ليس بصحابي ، وإنما أصحابه الذين كانوا على
الطريقة . اهـ. وهو عجيب لما قررناه من ثبوت عدالتهم المطلقة .
[ما يترتب على الاختلاف في اشتراط الرؤية] :
ثم ذكر الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من الأصوليين أن الخلاف في هذه المسألة
لفظي، وليس كذلك؛ بل ترتب عليه فوائد:
منها: العدالة، فإن من لا يعد الرائي من جملة الصحابة يطلب تعديله بالتنصيص
على ذلك كما في سائر الرواة من التابعين فمن بعدهم. ومن يثبت الصحبة بمجرد
اللقاء لا يحتاج لذلك.
ومنها: الحكم على ما رواه عن النبي ◌َّرَ بكونه مرسل صحابي أم لا. فإن
الجمهور على قبول مراسيل الصحابة، خلافا للأستاذ، فإذا ثبت بمجرد الرؤية كونه
صحابيا التحق مرسله بمثل ما روى ابن عباس، والنعمان بن بشير، وأمثالهما، وإن
لم نعطه اسم الصحبة كان كمرسل التابعي.
ومنها: أن من كان منهم مجتهدا، أو نقلت عنه فتاو حكمية، هل يلتحق ذلك
بكونه قول صحابي حتى يكون حجة أم لا؟
ومنها: هل يعتبر خلافهم لهم، أو يتوقف إجماعهم على قولهم أو غير ذلك؟
[الذى رأى الرسول كافرا به ثم أسلم]:
ثم ههنا فوائد : أحدها : من اجتمع به كافراً ، ثم أسلم ، ولم يره بعد
الإسلام، ولكن روى شيئا سمعه منه في حال كفره أو لم يروه، هل يكون
صحابياً ؟ ظاهر كلامهم أنه لا يكون كذلك . ولهذا لم يذكر أحد عبدالله بن حماد
٣٠٣

في الصحابة، وقد كلمه النبي ◌َّ، ووقف معه في قصته المشهورة مع كونه أسلم
بعد وفاة النبي مَّ، فلم يعتدوا بذلك اللقاء والكلام في الكفر .
[من اجتمع به قبل البعثة ثم أسلم ولم يلقه] :
الثانية : من اجتمع به قبل المبعث وحَادَثه ، ثم أسلم بعد المبعث ، ولم يلقه ،
فهل يكتفي باللقاء الأول مع إسلامه في زمنه ؟ فيه نظر ، وقد روى أبو داود في
سننه عن عبدالله بن شقيق، عن أمية، عن عبدالله بن أبي الحَمْساء قال :
بايعت النبي صَلّ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكان،
ونسيت، ثم إني ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه. فقال: يا فتى لقد
شققت علي، أنا في انتظارك منذ ثلاث، أنتظرك. فهذه القضية كانت قبل النبوة،
ولم يكن ابن أبي الحَمْساء أسلم إذ ذاك قطعا، ولكنه أسلم بعد ذلك، ولم تثبت
صحبته بعد الإسلام.
٢٣٤ / أ الثالثة : من اجتمع به بعد المبعث ، وأسلم قبل / وفاته ، وفيه نظر ، وهو
أولى بالصحبة من القسمين قبله .
[من أسلم ثم ارتد ثم أسلم]:
الرابعة : من صحبه ، ثم ارتد بعد وفاته، ثم عاد إلى الإسلام : هل تحبط
ردته تلك الصحبة السالفة، ينبنى هذا على أن المرتد هل تحبط أعماله بمجرد الردة
أم لا بد من الوفاة على الردة .
والثاني : هو المشهور عندنا، وعليه لا تحبط صحبته ، والأول قول الحنفية ،
وعليه تحبط، فإنهم يجعلون هذا إسلاما جديدا يجب به استئناف الحج، ولا
يعتدون بما سبق . والأصح هو الأول . ويدل له إجماع المحدِّثين على عد الأشعث
ابن قيس من الصحابة، وجعل أحاديثه مسندة. وكان ممن ارتد بعد النبي ◌َّ، ثم
رجع بين يدي الصديق. وقوله وَّر: (ليذادن عن حوضي ، فأقول أصحابي ،
أصحابي، فيقال: سحقا ، فإنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك)، فسماهم أصحابا
بناء على ما علمه منهم .
٣٠٤

[من أسلم في حياته ولم يره إلا بعد موته]:
الخامسة : من كان مسلما في حياته ، ولم يره قبل موته ، لكن رآه بعد موته ،
وقبل الدفن ، هل يكون صحابيا ؟ ظاهر كلام ابن عبد البر نعم ، لأنه أثبت
الصحبة لمن أسلم في حياته ، وإن لم يره . والظاهر أنه غير صحابي ، لعدم وجدان
أحد الأمرين(١) أو المجالسة، وهذا كأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر ،
وقصته مشهورة، فإنه أُخْبِرٍ بمرض النبي ◌َّر، فسافر نحوه، فقبض النبي وَل
قبل وصوله بيسير ، وحضر الصلاة عليه ، ورآه مسجى وشهد دفنه .
السادسة : اسم الصحابي شامل للذكور والإناث ، لأن المراد به الجنس .
[أكثر صحابة الرسول وَ﴿ كانوا فقهاء]:
السابعة : أكثر الصحابة الذين لازموا النبي وَلقر كانوا فقهاء . قال الشيخ أبو
إسحاق في ((طبقاته)): وذلك لأن طرق الفقه في حق الصحابة خطاب الله ،
وخطاب رسوله، وأفعاله، فخطاب الله هو القرآن ، وقد نزل بلغتهم ، وعلى
أسباب عرفوها فعرفوا منطوقه ، ومفهومه ، ومنصوصه ، ومعقوله . ولهذا قال أبو
عبيد في ((كتاب المجاز)) : لم ينقل أن أحدا من الصحابة رجع في معرفة شيء من
القرآن إلى رسول الله وَلة .
مسألة
[ طريق معرفة الصحابي ]
يعرف الصحابي بالتواتر والاستفاضة ، وبكونه مهاجرا أو أنصاريا ، وبقول
صحابي آخر معلوم الصحبة . وما يلزم منه أن يكون صحابيا كقوله : كنت أنا
وفلان عند النبي ◌َّه، أو دخلنا على النبي بَّر، وهذان يشترط فيهما أن يعرف
إسلامه في تلك الحالة، ويميز؛ فأما إن ادعى العدل المعاصر للنبي وَالر أنه
صاحب النبي 18 ، فهل يقبل قوله ؟ قال القاضي أبو بكر : نعم لأن وازع العدل
(١) لم يذكر الثاني، ولعله الرؤية.
٣٠٥

يمنعه من الكذب ، إذا لم يرد عن الصحابة رد قوله، وجرى عليه ابن الصلاح
والنووي .
ومنهم منٍ توقف في ثبوتها بقوله لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه ، وهو ظاهر
كلام ابن القَطّان المحدِّث، وهو قوي ، فإن الشخص ىوقال : أنا عدل ، لم تقبل
لدعواه لنفسه مزية ، فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق العدالة ؟
والأول حكاه أبو بكر الصَّيْرفي في كتاب ((الدلائل والأعلام)). قال: إذا ادعى
رجل أنه صاحب النبي وَلّر، وهو ممن لا يعرف، لم يقبل منه حتى تعلم عدالته .
فإذا عرفت عدالته قبل منه أنه سمع من النبي ◌َِّ، ورآه مع إمكان ذلك منه ،
لأن الذي يدعيه دعوى لا أمارة معها ، وخالف أبو الحسين بن القطان ، وقال :
ومن يدعي صحبة النبي ◌َّ لا يقبل منه حتى تعلم صحبته ، فإذا علمناها فما رواه
فهو على السماع ، حتى يعلم من غيره .
وهو ظاهر كلام ابن السَّمْعاني، فإنه قال : تعلم الصحبة إما بطريق قطعي،
وهو خبر التواتر، أو ظني وهو خبر الثقة . ويخرج من كلام بعضهم قول ثالث،
وهو التفصيل بين أن يَدَّعي الصحبة اليسيرة، وقلنا بالاكتفاء بها في مسمى
الصحابي فيقبل ، لأنه مما يتعذر إثباته بالنقل إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي
وَ ليل أحد أو حال رؤيته إياه ، وإن ادعى طول الصحبة ، وكثرة التردد في السفر
والحضر ، فإن مثل ذلك يشاهد ، وينقل ، ويشتهر ، فلا يثبت بقوله .
ولم يقف ابن الحاجب على نقل في هذه المسألة ، فقال : لو قال المعاصر العدل
أنا صحابي احتمل الخلاف . وقال أبو عبدالله الصَيْمَري من الحنفية : لا يجوز
عندنا الإخبار عن أحد بأنه صحابي إلا بعد وقوع العلم به ، إما اضطرارا أو
اكتسابا . وقيل : يجوز أن يخبر بذلك إذا أخبر به الصحابي .
قلت : وهو الصحيح ، وقد روى البخاري في المغازي عن الزهري عن سنين
ابن جميلة، قال:زعم أنه أدرك النبي ◌َّ، وخرج معه عام الفتح . أما إذا أخبر
عنه عدل من التابعين أو تابعيهم أنه صحابي ، قال بعض ((شراح اللمع)): لا
٣٠٦

أعرف فيه نقلا . قال : والذي يقتضيه القياس فيه أنه لا يقبل ذلك ، كما لا يقبل
من ذلك مراسيله ، لأن تلك قضية لم يحضرها . اهـ .
والظاهر قبوله، لأنه لا يقول ذلك إلا بعد العلم به، إما إضطرارا أو اكتساباً،
وإليه يشير كلام ابن السَّمْعاني السابق . قال الصَّيْرفي: ومنٍ علم أنه سمع رسول
الله ◌َّ فما حكاه على السماع، حتى يعلم غيره، سواء بين ذلك أو لا، لظهور
العدالة في الكل .
مسألة
[ تعريف التابعين ]
الخلاف في التابعي كالخلاف في الصحابي ، هل هو الذي رأى صحابيا أو
الذى جالس صحابيا ؟ قولان ، حكاهما النووي أول ((تهذيبه)). وقال الخطيب
البغدادي : هو من صحب الصحابي ، وكلام الحاكم - كما قاله ابن الصلاح -
يشعر بالاكتفاء باللقاء ، وهو أقرب منه في الصحابي نظراً إلى مقتضى اللفظين
فيهما. وقد يفرق بينهما بشرف الصحبة، وعظم رؤية النبي ◌َّة، وذلك أن رؤية
الصالحين لها أثر عظيم . فكيف رؤية سيد الصالحين ! فإذا رآه مسلم ولو لحظة
انصبغ قلبه على الاستقامة ، لأنه بإسلامه تهيأ للقبول ، فإذا قابل ذلك النور
العظيم أشرق عليه ، وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه .
الشرط الرابع [من الشروط التي يجب أن تتحقق في المُخْبِرِ]
أن یکون بعیدا من السهو والغلط ، ضابطا لما یتحمله ویرویه، لیکون الناس
على ثقة منه في ضبطه، وقلة غلطه . فإن كان قليل الغلط قُبِل خبره، إلَّ فيما
نعلمه أنه غلط فيه . وإن كان كثير الغلط، ردًّ إلا فيما نعلم أنه لم يغلط فيه . قال
ابن السَّمْعاني في ((القواطع))، ونحوه قول إلكِيا الطبري: لا يشترط انتفاء الغفلة،
فكون الراوي ممن تلحقه الغفلة لا يوجب رد حديثه / ، إلا أن يعلم أنه قد لحقته ٢٣٤/ ب
الغفلة فيه ، بعينه ، وأكثر المحدثين لا يخلون من جواز يسير الغفلة ، وإنما يرد إذا
غلبت الغفلة على أحاديثه ، وعليه يخرج ما قاله الشافعي في إسماعيل بن عياش ،
٣٠٧

قال : إنه كان سيء الحظ فيما يرويه عن غير الشاميين ، وعنى به أن الغفلة كانت
غالبة عليه في ذلك ، فاختلطت رواياته ، ولكن إذا تعارضت روايات من تناهي
بحفظه ، ومن تلحقه الغفلة ، رجح الأول .
وذكر نحوه ابن برهان في ((الأوسط)).
وقال ابن فُورَك في كتابه : فإن لم يكن ضابطا لكل ما حدث به ساغ الاجتهاد
فيه ، وإن غلب عليه ترك الضبط لم يقبل خبره ، كما لا تقبل شهادته . وقال في
موضع آخر : إن كان الراوي تلحقه الغفلة في حالة لا يردُّ حديثه إلا أن يعلم أنه
قد لحقته الغفلة في حديث بعينه .
وقال أبو بكر الصَّيْرفي : من أخطأ في حديث ، فليس بدليل على الخطأ في
غيره ، ولم يسقط بذلك حديثه . ومن كثر خطؤه وغلطه لم يقبل خبره ، لأن المدار
على حفظ الحكاية . اهـ .
وهذا ما حكاه الترمذي في ((علله)) عن جمهور أهل الحديث ، فقال : كل من
كان متهما في الحديث بالكذب ، أو كان مغفلا يخطيء الكثير ، فالذي اختاره أكثر
أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل منه بالرواية . ا هـ .
وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): الأحوال ثلاثة ، لأنه إن غلب خطؤه وسهوه
على حفظه فمردود قطعا ، وإن غلب حفظه على اختلاله فيقبل إلا إذا قام دليل
على خطئه ، وإن استويا فخلاف . قال القاضي عبد الجبار : يقبل ، لأن جهة
الصدق راجحة في خبره ، لعقله ودينه . ا هـ .
قلت : والراجح أنه ممن غلب غلطه، وأطلق الشيخ أبو إسحاق رد خبره إذا
كثر منه السهو والغلط ، وأشار بعض الخراسانيين من أصحابنا إلى أنه يقبل خبره
إذا كان مفسرا ، وهو أن يذكر من روى عنه ، ويعين وقت السماع منه، وما أشبه
ذلك . قلت : وبه جزم القاضي أبو الحسين في كتاب الشهادات من تعليقه، وذكر
ابن الرِّفعة أن إمام الحرمين نقله عن الشافعي بالنسبة إلى الشهادة، ففي الرواية
أولى . قال : وهو ما أورده الفُورَاني والمسعودي والغزالي.
٣٠٨

الشرط الخامس : أن لا يعرف بالتساهل فيما يرويه ، وبالتأويل لمذهبه:
فربما أحال المعنى بتأوله، وربما يزيد في موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه،
فلم يوثق بخبره، قاله ابن السَّمْعاني . ولو روى الحديث وهو غير واثق به لم يقبل،
وإن كان يتساهل في غير الحديث ، ويحتاط في الحديث ، قبلت رواياته على
الأصح .
وقال المازَرِي : الراوي إن عرف منه التساهل في حديثه والتسامح لم يقبل
قطعا ، وإن لم يعرف ذلك منه ، ولكن نرى منه غفلة وسهواً ، فإن كان ذلك نادرا
لم يؤثر ، مالم يَلُحْ للسامع فيه ظهور مخايل الغفلة ، وإن كثرت فاختلفوا على ثلاثة
أقوال : أحدها : لا يمنع من قبوله إلا أن يظهر منه مخايل الغفلة . والثاني : لا
يقبل . والثالث : يجتهد ويبحث في الحديث الذي سمع منه ، حتى يظهر ضعفه
من قوته . وهو مذهب عيسى بن أبان . واختاره القاضي عبد الوهاب ، لكنه مثّل
بمثال فيه نظر .
مسألة
[ رواةٌ لاتُرُد روايتهم ]
لا يُرَدُّ خبر من قلت روايته، كما لا ترد شهادة من قلت شهادته . ولا یُرَدُّ خبر
من لم يعرف مجالسة العلماء والمحدثين، لأنه قد سمع من حيث لا يعلمون . قال
ابن فُورَك وابن السَّمْعاني : نعم ، إن روى كثيرا لا يحتمله حاله لم يقبل ، لأن
التهمة تقوى فيه ، فيضعف الظن بقوله .
٣٠٩

مسألة
[ التدليس وحكمه]
من عرف بتدليس المتون ، فهو مجروح مطروح وهو ممن يحرف الكلم عن
مواضعه . قاله الماوَرْدي والرُّوْياني وابن السَّمْعاني وغيرهم . وأما الأستاذ أبو
منصور البغدادي فقال : التدليس في المتن هو الذي يسميه أصحاب الحديث
بالمدرج، وهو أن يدرج في كلام النبي ◌ََّ كلام غيره، فيظن السامع أن الجميع
من كلام النبي ◌ََّ. قال: فلا حجة فيما هذا سبيله.
[تدليس الرواة]:
وأما من عرف بتدليس الرواة مع صدقه في المتون كشريك وهشيم وقتادة
والأعمش وسفيان بن عيينة - وقيل : إن التدليس في أهل الكوفة أشهر منه في أهل
البصرة - فله أحوال :
أحدها : أن يكون في إبدال الأسماء بغيرها كما يقول عن اسم زيد بن خالد
عمرو بن بكر، فهو كذب يرد به حديثه . قاله الماوَرْدي والرُّؤْياني .
ثانيها : أن يسميه بتسمية غير مشهورة، وسهَّل ابن الصلاح أمره . وقال ابن
السَّمْعاني : ليس بجرح إلا أنه بحيث لو سئل عنه لم ينبه عليه ، وأما أبو الفتح بن
برهان فقال : هو جرح إلا أن يكون الذي يروى باسمه من أهل الأهواء ، ولكنه
عَدَل عن اسمه المشهور صونا له عن القدح. فلا يُرَدّ بذلك روايته ، لأن من
العلماء من قبل أهل الأهواء . اهـ. وليس من هذا إعطاء شخص اسم آخر
تشبيها له ، كقول القائل : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ويعني به بعض مشايخه
تشبيها بالبيهقى ، يعني الحاكم .
ثالثها : أن يكون التدليس في اطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الحديث إلى
من هو أبعد منه ، فهذا قد فعله سفيان بن عيينة ، فلا يكون به مجروحا، لكن لا
يقبل من حديثه إذا روى عن فلان، حتى يقول : حدثني أو أخبرني . قاله
الماوَرْدي والرُّؤْياني.
٣١٠

وقال إلْكِيا الطبري : من قَبِل المراسيل لم ير له أثرا، إلا أن يدلس لضعف
عمن سمع منه فلا يعمل به ، وأما إذا لم يعلم بمطلق روايته ، فلا بد أن يقول :
حدثنى أو أخبرني أو سمعته .
وفصَّل ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) بين أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ، وإذا
استكشف لم يخبر باسم من يروي عنه ، فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه ، لأنه
تزوير لا حقيقة له ، وذلك يؤثر في صدقه. وقد قال النبي رشّئية: (المتشبع بما لم
يعط كلابس ثوبي زور) ، وبين أن يُرِيّ اسم من يروي عنه ، إلا أنه إذا كشف
عنه أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله، فهذا لا يسقط الحديث، ولا يقتضي
القدح في الراوي، وقد كان سفيان بن عيينة يدلس، فإذا سئل عمن حدثه بالخبر
نص على اسمه . ومذهب الشافعي أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إلا إذا
صرح بالسماع والتحديث ، فأما إذا قال عن فلان لم يقبل . وأما إذا لم يشتهر
بالتدليس فيقبل منه إذا حدث بالضعف(١)، لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة
والاختصار .
وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب / ((الدلائل والأعلام)): كل من ظهر تدليسه ٢٣٥ / أ
من غير الثقات لم يقبل خبره ، حتى يقول : حدثنى أو سمعت، ومن قال في
الحديث : حدثنا فلان عن فلان، قبل خبره لأن الظاهر أنه إنما حكى عنه؛ وإنما
توقفنا في المدلس لعيب ظهر لنا فيه، وإن لم يظهر فهو على سلامته، ولو توقیناها
لتوقينا في حدثنا لإمكان أن يكون حدَّث قبيلته وأصحابه ، كقول الحسن : خطبنا
فلان بالبصرة، ولم يكن حاضرا، لأنه احتمال لاغ، فكذلك من علم سماعه إذا
كان عن مدلس، وكذلك إذا قال صحابي كأبي بكر وعمر : قال رسول الله كذا ،
فهو محمول على السماع والقائل بخلاف ذلك يغفل .
وقال أبو الحسين بن القطّان في كتابه : المدلس . هو من يوهم شيئا ظاهره
بخلاف باطنه، وليس بصريح من الكذب، مثل أن يقول: قال رسول الله وَله ،
ويكون بينه وبين الرسول واسطة . فإذا كف ذلك منه، وجب أن يكف عن
إخباره .
(١) كذا في الأصول، ولعلها بالعنعة.
٣١١

وقد شدَّد بعض المحدثين فيه، فقال شعبة : لأن أدْمَى أحب إلى من أن أدلس .
قال : ووجدت ابن أخي هشام حكى عن الشافعي أنه لا يجيز التدليس، ولا
يقول به . ويقول : هذا سليمان الشاذكوني يقول : من أراد أن يتدين بالحديث،
فلا يكتب عن فلان وفلان شيئاً إلا ما قالا : حدثنا، أو أخبرنا ، وما سوى ذلك
فهو خل وبقل . قال : ومن عرف بالتدليس وقف في خبره .
قال أبو الحسين : وجملته أن المحدِّث إن قصد بقوله عن فلان إيهام أنه سمع
منه فهو غش، وإن كان على طريق الفتوى كقصة أبي هريرة في الجنب يصوم، فإن
ذلك لا يضره .
قال : والكلام في الصحف وغيرها مثل هذا ، ولا يقبل ذلك الكتاب إلا أن
يرويه عن النبي ◌ُّر، ككتاب عمرو بن حزم. فأما إذا كان كتاب النبي وَل
فيجوز أن يجعل أصلا ، فيقال به ، لأنه لم يسمعه إلا وقد صح شرائطه . ويجوز
أن يقال : يقف عنه حتى يعلم من أي وجه كان . ا هـ .
قال: ومن عرف بالتدليس، لا يقبل منه حرف، حتى يبين سماعه، ويقبل
ذلك من الثقات.
وقد يعرف التدليس بأن يكثر عن المجهولين ، ويصل الموقوف . وإذا فعل ذلك
توقف في خبره ، وكذلك قال القَفَّال الشاشي في كتابه : من عرف بالتدليس ، لم
يقبل خبره ، حتى يخبر بالسماع ، فيقول : سمعت أو أخبرني أو حدثني ونحوه .
فأما إذا قال : قال فلان ، فلا يقبل ، لأن تدليسه ظهر . فالواجب التوقف عنه في
خبره ، وإنما يسامح الثقات غير المعروفين بالتدليس في قولهم عن فلان ؛ لأن ذلك
أخف من الإخبار بالسماع في خبره ، ويحمل ذلك منهم على السماع على حمله ما
عرف منهم ، فصيّر ذلك كاللغة الجارية ، فأما من ظهر فيه التدليس فلا بد من
الكشف ، ليوقف على من سمع منه الخبر لينظر في أحواله . اهـ .
وقال القاضي أبو الطيب ، والأستاذ أبو منصور : إن عرف بالتدليس لم يقبل ،
حتى يصرِّح بالتحديث ، وإن لم يعرف به قبل منه قوله : قال فلان إذا حكاه عمن
أدركه وحمل على سماعه منه .
٣١٢

قال سليم : وذهب بعض المحدثين إلى أنه لا يقبل خبر المدلس بحال ، وجعله
جرحا . وقال القاضي عبد الوهاب : اختلفوا في قبول خبر المدلس ، وهو الذي
يعزي الرواية إلى رجل بينه وبينه رجل آخر ، فعن أصحاب أبي حنيفة أنه تقبل
روايته ، وهو قول داود على ما حكاه الجَزّرَي .
ولا شك أن روايته لا تقبل على رأي من رد المراسيل ، وإنما الخلاف في ذلك
فيمن قبلها ، وحكي عن الشافعي أنه شدد في المنع من قبول روايته ، حتى قال :
لا تقبل منه إذا قال : أخبرني(١)، حتى يقول: حدثنى أو سمعت؛ لأن هذا القول لا
لبس فيه، والأول فيه لبس . قال : وذكر بعض أصحابنا قبول روايته، والظاهر
على أصول مالك عندي أنها مردودة . وحكى المازَري الخلاف في قبول حديث
المدلس ، ثم اختار أنه يقدح في ورعه وتحفظه . وأما قبول حديثه أوْ رَدّه ، فيتوقف
على الاطلاع على تأويله، وغرضه الباعث له على التدليس ، وعلى الفطن في مقدار
تغريره بالسامعين منه ، وهل أمن أن يقعوا بما حدثهم في نقل مالا يحل لهم ، لو
أبدَى لهم ما كتم أم لا ؟
وقال القاضي في ((التقريب)): التدليس يتضمن الإرسال لا محالة ، لاشتراكهما
في حذف الواسطة . وإنما يفترقان في أن التدليس يوهم سماع من لم يسمع منه ،
وهو الموهن لأمره . والإرسال لا يتضمن التدليس ، لأنه لا يوهم ذلك .
والجمهور على قبول خبره . وقال به جمهور مَنْ قبل المرسل . وقيل : لا يقبل لما فيه
من التوهم . والمختار أن من عُرف منه لم يقبل إذا أورده على وجه يحتمل السماع
وغيره، وإن لم يوهم ذلك قبل . وقال : وأما من قال في الإجازة والمناولة : حدثني
أو أخبرني ، فإن قلنا : انه يجوز العمل بالإجازة قبل ، ومن لا يجوّزه لم يقبله لإيهام
إرادة ما يجوز العمل به ، وهو لا يجوزه .
تنبيه : [شرط صحة تحمل الرواية]
هذه الشروط إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل . ولهذا تقبل رواية ما تحمَّله
في حال صباه وكفره وفسقه ، وأدَّاه في حالة الكمال على ما سبق ، وشرط صحة
(١) لعل الصواب: أخْبَرَ.
٣١٣

التحمل وجود التمييز فقط . قاله الماوَرْدي ، والرُّؤْياني ، قالا : فلو كان الصبي
غير مميّز لم يصح تحمله ، قالا : وعلى متحمل السنة أن يرويها إذا سئل عنها ، ولا
يلزمه روايتها إذا لم يسأل عنها ، إلا أن يجد الناس على خلافها .
فصْل
[روايَة الاغْمَى]
ولا يشترط أن يكون الراوي بصيرا، بل يقبل خبر الأعمى الضابط، واختلفوا
في جواز سماعه، والصحيح الجواز إذا حصلت الثقة به، بأن يكون ضابطا
للصوت ، بدليل إجماع الصحابة على قبول حديث عائشة (رضي الله عنها) من
خلف ستر، وهم في تلك الحالة كالعميان . وقد قبلوا خبر ابن أم مكتوم وعِتّبان
ابن مالك .
وحكى الرافعي في كتاب الشهادات في رواية الأعمى وجهين ، وأن الإمام
والغزالي صححا المنع ، وأن الأصح عند الأكثرين الجواز لما ذكرنا . قال : ومحل
الخلاف إذا تحملها وهو أعمى ، فأما ما سمعه قبل العمى ، فتقبل روايته في
العمى بلا خلاف ، أي للإجماع على قبول روايات ابن عباس وغيره ممن طرأ
العمى عليه .
[ رواية الأخرس بالإشارة]
وهل تقبل رواية الأخرس إذا كانت الإشارة مفهمة ؟ قال بعض شراح
((اللمع)): لا أعرف فيه نصا . والذي يقتضيه القياس أن ينبني ذلك على الوجهين
٢٣٥ / ب في شهادته ، فإن قلنا : تقبل، فروايته أولى ، وإن قلنا : لا تقبل / شهادته ففي
روايته وجهان ، والظاهر القبول ، لأن الرواية أوسع من الشهادة .
٣١٤

[رواية المرأة]
ولا تشترط الذكورة ، بل يقبل خبر المرأة والخنثى، ونقل صاحب ((الحاوي))
عن أبي حنيفة أنه لا تقبل أخبار النساء في الدين إلا أخبار عائشة وأم سلمة رضي
الله عنهما . قال الرُّؤْياني: هكذا نقله، ولا يصح، وهو غلط لأنه لو كان نقص
الأنوثه مانعا لهن لم يقبل قولها في الفتوى، وهو غلط . اهـ .
وهذا النقل لا تعرفه الحنفية ، وقد قال أبو زيد الدَّبُوسي: رواية النساء مقبولة
لأنهن في الشهادة فوق الأعمى، وقد قبلت رواية الأعمى ، فالمرأة أولى ، ولأن
الصحابة كانوا يسألون أزواج النبي وَلّه . نعم ، في تعليق ابن أبي هريرة حكاية
وجهين في قبول فتوى المرأة لا يبعد جريانهما في روايتها ، وخرج من ذلك
طريقان : أحدهما : القطع بالقبول . نعم ، في ترجيح رواية الرجل على المرأة
خلاف حكاه في ((المنخول)).
[اشتراط الحرية ]
ولا تشترط الحرية ، بل تقبل رواية العبد ، وإن لم تقبل شهادته .
قال إلْكِيا الطبري : لا خلاف بين العلماء في عدم اشتراط الحرية والذكورة .
[اشتراط كون الراوي فقيهًا ]
ولا يشترط أن يكون فقيها عند الأكثرين سواء خالفت روايته القياس أم لا .
وشرط عيسى بن أبان فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، ولهذا ردّ حديث
الْمُصَرَّاة ، وتابعه أكثر متأخري الحنفية ، ومنهم الدَّبُوسي ؛ وأما الكَرْخي وأتباعه
فلم يشترطوا ذلك ، بل قبلوا خبر كل عدل إذا لم يكن مخالفا للكتاب أو السنة
المشهورة ، ويقدم على القياس . قال أبو اليسر منهم : وإليه مال أكثر العلماء .
قال صاحب ((التحقيق)): وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة : (إذا أكل أو
شرب ناسيا)، وإن كان مخالفا للقياس، حتى قال أبو حنيفة : لولا الرواية لقلت
٣١٥

بالقياس . وقد ثبت عن أبي حنيفة أنه قال : ما جاءنا عن الله وعن رسول الله
بَ لَةٍ فعلى الرأس والعين . واحتج أبو حنيفة في مواضع كثيرة على تقدير الحيض
وغيره بمذهب أنس بن مالك مقلدا له ، فما ظنك بأبي هريرة مع أنه أفقه من
أنس .
قال: ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي، فثبت أنه قول
◌ُحْدَثٌ . اهـ. وكذا قال بعض متأخري الحنفية ، قال : ولهذا قلنا بحديث
القهقهة ، وأوجبنا الوضوء فيها ، وليست بحدث في القياس، ولهذا لم يوجبوا
الوضوء على من قهقه في صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، لأن النص لم يرد إلا في
صلاة ذات ركوع وسجود .
قلت : والصواب أن أبا هريرة كان من فقهاء الصحابة، وقد أفرد القاضي
أبو الحسين السبكى جزءاً في فتاويه، وقال شارح البَزْدَوِي : بل كان فقيها، ولم
يعدم شيئاً من آلات الاجتهاد، وكان يفتي في زمن الصحابة، وما كان يفتي في
ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد . وقد انتشر عنه معظم الشريعة ، فلا وجه لرد حديثه
بالقياس . ا هـ .
[أمور أخرى لا تشترط في الرواة]
ولا يشترط أن يكون عالما بالعربية، ولا علمه بما رواه ، ولا بكونه لا يدري
المراد به كالأعجمي ، لأن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث، ولهذا
يمكنه حفظ القرآن، وإن لم يعرف معناه .
كما لا يُرَدُّ بكونه لم یرو غیر القلیل، کالحدیث والحدیثین، ولا بكونه لا يعرف
مجالسة أهل العلم ولا بطلبه، لأنه لا يقدح في صدقه. قاله القاضي
عبد الوهاب .
قال : وإذا كان الراوي مختلفا في اسمه إلا أن له كنية أو لقبا يعرف به فلا يرد
بذلك خبره ؛ لأنه به يعرف ويخرج عن الجهالة . ونقل في موضع آخر عن مالك
اشتراط معرفته بهذا الشأن . قال : وعنى به معرفة الرجال والرواة ، وأن يعرف ؛
هل زِيد في الحديث بنفي ، أو نقص منه ؟ والصحيح ، قبول رواية من صحت
٣١٦

روايته ولو لم يُعْنَ بهذا الشأن، وبه جزم إلكيا الطبرى وغيره. قال: ولكن، يرجح
عليه رواية من اعتنى بالروايات.
ولا يشترط كونه أجنبيا ، فلو روى خبرا ينفع به نفسه أو ولده قبل ، فإنه إنما
يرجع نفعه إليه ، ثم بعد موته يصير شرعا ، وهو لا يختص بأحد . قاله إلْكِيا
الطبري .
ولا يشترط أن يقول: سمعت ، ولا أخبرنا خلافا للظاهرية، أو من ذهب
منهم إلى أنه لا يقبل الحديث إلا إذا قال راويه: سمعت أو أخبرنا حتى ينتهي إلى
رسول الله ◌َ، حكاه أبو العباس بن سُرَيْج في كتاب ((الإعذار الراد كتاب
الإنذار)) ثم قال : وهذا يقتضي ردّ أكثر الأحاديث إذ ليس فيها ذلك ، وخاف إن
قيل فلان عن فلان قبول المرسل ، وذهب عن العرف ، لأن الناس استثقلوا :
أخبرنا ، وسمعت؛ فأقاموا ((عن))(١) مقامهما، لأنها ألحقت الخبر بالمُخبر. اهـ.
ولا يشترط أن يحلف على روايته ، وعن على بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أنه
كان يُرَهِّب الراوي الثقة ، حتى يحلف على خبره . وحكاه الأستاذ أبو إسحاق
الأسفرايني .
ولا يشترط الاجتماع بالراوي في كل رواية ، بل يكفي مجرد الاجتماع ولو مرة
واحدة ، واشترط البخاري الأول ، ونقله مسلم بن الحجاج في كتابه . وقال : لا
أصل له في أفعال السلف والخلف .
ولا يشترط العدد ، ونقلوا عن الجبائى أنه اشترط في قبول الخبر رواية اثنين ،
وشرط على الاثنين اثنين حتى ينتهي الخبر إلى السامع . وذكر القاضي أبو الطيب
أنه زعم أنه مذهب الصديق ، وعمر رضى الله عنهما ، لطلبهما الزيادة في الرواة .
ونقل إلْكِيا الطبري عنه تعليل ذلك فإنا لو لم نقل ذلك تضاعفت الأعداد ، حتى
يخرج عن الحصر . كما يقال ذلك في تضعيف أعداد بيوت الشطرنج ، قال : ولا
يتجه له اعتبار ذلك بالشهادة ، لقيام الفرق بينهما في أمور كثيرة ، فلعله اعتمد في
ذلك على أخبار صحت عن الصديق والفاروق في التماس شاهد آخر مع الراوي
(١) أي أقاموا قولهم: ((عن فلان)) مقام حدثنا فلان وأخبرنا.
٣١٧

الواحد ، كقول الصديق للمغيرة : من شهد معه ؟ وقول عمر الفاروق لأبي موسى
مثله . وهو باطل ، فإنه لاخفاء في قبول الصحابي رواية الصديق وحده ، ورواية
جلة الصحابة، إلا أنه طلب في بعض الأحوال مزيد استقصائهم لريب اعتراهم
في خصوص أحواله، كإحلاف علىّ بعض الرواة . اهـ .
واعلم أنه أثبت منقول عن أبي على الجبائي في ذلك ما نقله عنه أبو الحسين
البصري في ((المعتمد) فقال : قال أبو علي : إذا روى اثنان خبرا وجب العمل به ،
وإن رواه واحد فقط لم يجز إلا بشرط أن يعضده ظاهر ، أو عمل بعض الصحابة
به أو اجتهاد ، أو يكون منتشرا . وحكى القاضي عبد الجبار عنه أنه لم يقبل في
٢٣٦ / ١ الزنا إلا خبر أربعة / ، كالشهادة عليه، ولم يقبل شهادة القابلة الواحدة . اهـ .
والحاصل أنه لا يرد رواية الواحد مطلقا ، بل يعتبر مع ذلك عاضدا له ، ويقوم
العاضد مقام الراوي الآخر. وهذا نقله صاحب ((الكبريت)) عنه ، وهم أعرف
بمذهبه . قلت : ولا نظن أن ما نقل أولا عن الجبائي هو مذهب البخاري ، فإن
الحاكم ذكر أن البخاري في صحيحه اشترط رواية عدلين عن عدلين متصلة، أُنْكِر
ذلك على الحاكم. قال ابن الجوزي وغيره: هذا غير صحيح منه، وقد ظن
ذلك ولم يصب . وأيضا فذلك احتياط منه لا اشتراط في العمل به .
وحكى الرُّؤْياني في ((البحر)) وابن الأثير في ((جامع الأصول))، أن بعضهم
اشترط أربعة عن أربعة إلى أن ينتهي الإسناد. وقال الأستاذ أبو منصور : منهم من
شرط خبر الاثنين عن اثنين في كل عصر إلى أن يتصل بأصله، وهو قول الجبائي .
ومنهم من اعتبر رواية ثلاثة عن ثلاثة في كل عصر . ومنهم من اعتبر أربعة ،
ومنهم من اعتبر خمسة . ومنهم من اعتبر سبعة . ومنهم من اعتبر عشرين . ومنهم
من اعتبر سبعين. وهذا غريب. وإنما قيل ببعضه في المتواتر .
٣١٨
:

مسألة
[الاعتماد علي كتب الحديث من غير الرواية بالإسناد]
دهب قوم إلى أن شرط العمل بالحديث سماعه، وحكاه ابن برهان في
((الأوسط)) عن المحدِّثين، ثم قال : وذهب الفقهاء كلهم إلى أنه لا يتوقف عليه،
فإذا صح عنده النسخة من الصحيحين مثلا، أو من السنن جاز له العمل منها ،
وإن لم يسمع .
وقال إمام الحرمين : إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ، ولم يَرْتَبْ
في ثبوته ، يجب العمل به ، وإن لم يسمع الكتاب ؛ فلا يتوقف وجوب العمل على
أن تنتظم له الأسانيد ، ومنعه المحدثون ؛ والذي قلناه مقطوع به ، فإن من رأى
في صحيح مسلم أو البخاري خبرا ، وعلم ثقة النسخة فلا يتمارى في أنه يجب
العمل بذلك الخبر ، وهو محل إجماع ، هكذا نقله عنه ابن القشيري في كتابه . ثم
قال : وإذا كان التعويل على الثقة ، فلو رأى حديثا في كتاب رجل موثوق به ،
عرف منه أنه لا يجازف يجب عليه العمل به ، وإن لم يره مذكورا بإسناده إلى النبي
وَّر . فوجوب العمل لا يتوقف على الإسناد حسًّا حتى إذا رآه في موضع ينتفي عنه
اللبس منه . وهذا يشير إلى وجوب العمل بالمراسيل . اهـ .
وهكذا جزم إلّكِيا الهراسي بوجوب العمل . قال : وقال قائلون من المحدثين :
ليس له ذلك، وهو بعيد، وله أن يقول: قال رسول الله وَ ل مستندا إلى كتاب ،
وكما أن عليه أن يعمل ، فعليه أن يحتج به على غيره اعتمادا على ما في الكتاب
واستنادا إليه .
مسألة
[إذا رويت لصحابي غاب عن الرسول ◌َ لقول سنة هل يلزمه سؤاله عنها عند لقياه]
لو رُوِيَت سنة لمن غاب عن النبي ◌َّ فعمل بها، ثم لقيه ، هل يلزمه سؤاله
عنها ؟ فيه وجهان . حكاهما ابن فُورَك، وأبو الحسين بن القَطّان، والماوَرْدي ،
٣١٩

والرُّؤْياني، وغيرهم. أحدهما : يلزمه ليكون على يقين من وجوب العمل بها .
والثاني : لا يلزمه ، لأنه لو لزمه السؤال إذا حضر للزمه الهجرة إذا غاب .
وقال الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة))، وسليم الرازي في ((التقريب))، وابن
برهان في ((الأوسط)): والأصح أنه لا يلزمه . وقال ابن فُورَك: إنه الأصح ،
لأنهم إنما كلفوا بالظاهر، ونقله صاحب ((الكبريت الأحمر)) عن الحنفية ، قال :
لكن الأولى ذلك .
وقال صاحب ((الحاوي)): الصحيح عندي أن وجوب السؤال يختلف باختلاف
السنة ، فإن كانت تغليظا لم يلزمه السؤال ، وإن كانت ترخيصا لزمه السؤال ،
لأن التغليظ التزام ، والترخيص إسقاط .
قال أبو الحسين بن القَطَّان ، وابن فُورَك : واحتج من لم يوجبه بأن أهل اليمن
لقي خلق منهم النبي ◌َّرَ، فلم يبلغنا أن واحداً منهم سأل النبي ◌َّر عن مسألة مما
كان معاذ أداه إليهم، ولما أتى آت أهل قباء فأخبرهم لم ينقل أنهم سألوا النبي وَّ
بعد ذلك .
واحتج الآخرون بأنا مأمورون بالاعتقاد فحيث يمكن فلا يعدل عنه. وأهل قباء
استغنوا عن السؤال بمشاهدة النبي وَلّ التحويل . وأهل اليمن يجوز أن يكونوا
سألوه، ومثله بما أتاهم آت في تحريم الخمر أراقوها، ولم يسألوا، وبأن شهود
الأصل إذا حضروا كان السماع لهم دون الفرع، فكذلك هنا .
وقال الآخرون ينظر في ذلك ، فإن كان قد حكم بشهادة الفرع ثم حضر شهود
الأصل لم يكن عليه أن يسألهم ، وهما سواء في المعنى . اهـ .
فرع :
فلو روى تابعي عن صحابي ، ثم ظفر المروي له بالمروي عنه ، فهل يلزمه
سؤاله ؟ يتجه أن يقال : إن قلنا يلزم ذلك في الصحابي فههنا أولى ، وإن قلنا : لا
يلزم فههنا وجهان .
٣٢٠