Indexed OCR Text
Pages 161-180
كْتَابُ الشَّنَة [الكتَابُ الثَائِيّ]" مَبَّاحِتُ السُّنَّة ٢١٤ / ١ [تعريف السنة لغة واصطلاحاً] السنة لغة : الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسَنّ إذا أمررته عليه، حتى يؤثر فيه سُنًَّا أي طرائق. وقال إلْكِيا: معناها الدوام. فقولنا: سنه معناه الأمر بإدامته من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه . قال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أُطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيره مقيدة، كقولهم: مَنْ سنَّ سنَّة سيئة، وتطلق على الواجب وغيره في عرف اللغويين والمحدِّثين، وأما في عرف الفقهاء فإنما يطلقونها على ما ليس بواجب، وأطلقها بعض الأصوليين هنا على الواجب والمندوب والمباح، وتطلق في مقابلة البدعة، كقولهم: فلان من أهل السنة . قال ابن فارس في فقه العربية: وكره العلماء قول من قال: سنّة أبي بكر وعمر، وإنما يقال: فرض الله وسنته، وسنة رسوله . وقال الدَّبُوسي: ذكر أصحاب الشافعي أن السنة المطلقة عند صاحبنا تنصرف إلى سنة الرسول، وأنه على مذهبه صحيح، لأنه لا يرى اتباع الصحابي إلا بحجة، كما لا يتبع من بعده إلا بحجة، ويحتمل أنه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق العمرين والصحابة. (١) من هنا يبدأ الجزء الرابع في النسخة القاهرية. ١٦٣ وأما في الاصطلاح: فتطلق على ما ترجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض، وتطلق وهو المراد هنا: على ما صدر من الرسول وَلل من الأقوال والأفعال والتقرير والهم، وهذا الأخير لم يذكره الأصوليون، ولكن استعمله الشافعي في الاستدلال . مسألة السنة المستقلة بتشريع الأحكام ولهذا لم يفرد إمام الحرمين السنة عن الكتاب. وقال: كل ما يقوله النبي وَل عن قول الله تعالى، فلم يكن لذكر فصل بين الكتاب والسنة معنى، ونص الشافعي في ((الرسالة)) على أن السنة منزّلة كالقرآن محتجا بقوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ [سورة الأحزاب / ٣٤] فذكر السنة بلفظ التلاوة كالقرآن، وبينَ سبحانه أنه آتاه مع الكتاب غير الكتاب، وهو ما سنه على لسانه مما لم يذكره فيه، ولهذا قال ◌َله: (ألا إني قد أوتيت الكتاب ومثله معه) رواه أبو داود، وفي بعض طرقه أنه قال: (دخل يوم خيبر لما حرَّم لحوم الحمر). قال الحافظ الدارمي: يقول : (أوتيت القرآن، وأوتيت مثله) من السنن التي لم ينطق بها القرآن بنصه، وما هي إلا مفسرة لإرادة الله به، كتحريم لحم الحمار الأهلي ، وكل ذي ناب من السباع، وليسا بمنصوصين في الكتاب . وأما الحديث المروي من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال الشافعي في ((الرسالة)): ما رواه أحد ثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وقد حكم إمام الحديث يحيى بن معين بأنه موضوع، وضعته الزنادقة . قال ابن عبد البر في «کتاب جامع [بیان] العلم)) : قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: (ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن ١٦٤ وافق كتاب اللّه فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله). قال الحافظ: وهذا لا يصح، وقد عارضه قوم، وقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله فوجدناه مخالفا للكتاب، لأنا لم نجد فيه: لا يقبل من الحديث إلا ما وافق الكتاب؛ بل وجدنا فيه الأمر بطاعته، وتحذير المخالفة عن أمره حكم على كل حال. انتهى . وقال ابن حبان في صحيحه في قوله رَي: (بلغوا عني ولو آية): فيه دلالة على أن السنة يقال فيها: آي. وقال الشافعي في ((الرسالة)) في باب فرض طاعة الرسول وَلي: قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [سورة النساء / ٨٠] وكل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه كالحج والصلاة والزكاة لولا بيان الرسول ما كنا نعرف كيف نأتيها، ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات، وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة كانت طاعته على الحقيقة طاعة الله . مسألة [السنن عند الشافعي ثلاثة أقسام ] قال الشافعي في ((الرسالة)): لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن سنن رسول اللّه الخيل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها : ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول اللّه مَالخل مثل نص الكتاب . والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن اللّه ما أراد، وهذان الوجهان لم يختلفوا فيهما . والثالث : ما سن الرسول اَلله، وليس فيه نص كتاب، واختلفوا فيه، فمنهم من قال: جعل الله [له بما] فرض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب. ومنهم من قال: بل جاءته رسالة الله فأَثْبِتَ سنته بفرض الله. ومنهم من قال: ألقي في روعه كما سن. انتهى . ١٦٥ وبالقول الثاني جزم أبو الحكم بن بَرجَان، وبنى عليه كتابه المسمى ((بالإرشاد))، وبينّ كثيرا من ذلك مفصلا، وقال: كل حديث ففي القرآن الإشارة إليه تعريضا أو تصريحا، وما قال من شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعَمِه عنه من عمه. قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام / ٣٨] ألا يسمع إلى قوله : (لأقضين بينكما بكتاب الله). وقضى بالرجم، وليس هو نصا في كتاب الله، ولكن تعريضٌ مجمل في قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [سورة النور /٨] وأما تعيين الرجم من عموم ذلك العذاب، وتفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول فيه، وبأمره به، وموجود في عموم قوله : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر /٧] وقوله : ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [سورة النساء / ٨٠]. وهكذا جميع قضائه وحكمه. وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه، ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلَّغه ربه تبارك وتعالى، لأنه واهب النعم . قال: وقد نبهنا النبي ◌َّ# على هذا المطلب بمواضع كثيرة من خطابه. منها قوله عن الجنّة: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بَلْه ما اطلعتم عليه)، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [سورة السجدة / ١٧] وحديثه الآخر: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، فمن كان من أهل السعادة فهو يعمل لها، ومن كان من أهل الشقاوة فهو يعمل لها)، ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى﴾ [سورة الليل /٥ -١٠]. ومنها قوله : (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها) ، ثم ٢١٤ / ب قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾ [سورة الواقعة / ٣٠] فأعلم ◌َّر / بمواضع حديثه من القرآن، ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب، ليستخرج علماء أمته معاني حديثه منه، طلبا لليقين وحرصا منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب، وأن يرتقوا في الأسباب . ١٦٦ مسألة [حاجة الكتاب إلى السنة] قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. قال أبو عمر: يريد أنها تقضي عليه، وتبين المراد منه. وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب. وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الحديث الذي روي: أن السنة قاضية على الكتاب. فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله ولكن أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه . ١٦٧ القسم الأولـ الأقوال والمراد بها التي لا على وجه الإعجاز، وينقسم إلى نص وظاهر ومجمل وغيره، وقد سبقت مباحث الأقوال بأقسامها من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ. قال الحارث المحاسبي في كتاب ((فهم السنن)): وهذا القسم على وجوه شتى ، فمنها: ما يبتدىء ثَمَّ بتعليم عامتهم أو بعضهم. ومنها: ما يسأله بعضهم عنه فيخبرهم. ومنها: ما يكون من بعضهم السبب بتوفيق الله ليعلمه بسببه، فيبينه في ذلك تبيينا له، أو ينهى عنه، كما كانوا يصلون ما سبقهم به من الصلاة، ثم يدخلون معه في الصلاة، فجاء معاذ فدخل معه في الصلاة، ولم يبدأ بما سبق، ثم قضى ما سبق، به، لما سلم النبي ◌ِّ. فقال النبي ◌َّرَ: إن معاذا قد سن لكم فافعلوا ذلك، رواه غير واحد عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ . ومنها: ما يحتكم فيه إليه، فيقضي بين بعضهم بذلك إيضاحا لما أحب الله وتعليما لهم ، وذلك كتعليمه الصلاة للمسيء صلاته، وتعليمه التشهد كما يعلم السورة من القرآن، وغير ذلك. ١٦٨ القسم الثاني الأفعال وعادتهم يقدمون عليها الكلام على العصمة، لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله. [عصمة الأنبياء] والكلام قبل النبوة وبعدها: أما قبل النبوة، فقال المازري: لا تشترط العصمة، ولكن لم يرد في السمع وقوعها. وقال القاضي عياض: الصواب عصمتهم قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار عن الأنبياء بتبرئتهم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان. ونقل ابن الحاجب عن الأكثرين عدم امتناعها عقلا، وأن الروافض ذهبوا إلى امتناعها، ونقله غيره عن المعتزلة، لأن ذلك يوجب هضمه واحتقاره، وهو خلاف الحكمة، والأصح قول الأكثرين، ومنهم القاضي، لأن السمع لا دلالة له على العصمة قبل البعثة، وأما دلالة العقل فمبنية على فاسد أصلهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية الأصلح والمصلحة . وأما بعد النبوة والإرسال بالمعجزة، فقد دلت المعجزة دلالة قطعية على صدقه، وهل دلالتها عقلية أو عادية؟ خلاف سبق في أول الكتاب. فكل أمر ينافي دلالتها فهو على الأنبياء محال عقلا . والكلام في العصمة يرجع إلى أمور: أحدها: في الاعتقاد ولا خلاف بين الأمة في وجوب عصمتهم عما يناقض مدلول المعجزة، وهو الجهل بالله تعالى والكفر به. وثانيها : أمر التبليغ وقد اتفقوا على استحالة الكذب والخطأ فيه . ١٦٩ وثالثها: في الأحكام والفتوى، والإجماع على عصمتهم فيها ولو في حال الغضب، بل يستدل بشدة غضبه وير على تحريم ذلك الشيء(١). ورابعها : في أفعالهم وسيرهم ، فأما الكبائر فحكى القاضي إجماع المسلمين أيضا على عصمتهم فيها، ويلحق بها ما يزري بمناصبهم كرذائل الأخلاق، والدناءات، وإنما اختلفوا في الطريق، هل هو الشرع أو العقل؟ فقالت المعتزلة وبعض أئمتنا: يستحيل وقوعها منهم عقلا. لأنها منفرة عن الاتباع، ونقله إمام الحرمين في البرهان عن طبقات الخلق. قال: وإليه مصير جماهير أئمتنا. وقال ابن فُورَك: إن ذلك ممتنع من مقتضى المعجزة. وقال القاضي عياض: إنها ممتنعة سمعا، والإجماع دل عليه. ولو رددنا إلى العقل فليس فيه ما يحيلها. واختاره إمام الحرمين، والغزالي وإلّكِيا، وابن برهان. وقال ابن القشيري: إنه المستقيم على أصولنا. وقال المقترح: إنه الصواب، لأنه ليس في العقل ما يحيله، وجعل الهندي الخلاف فيما إذا لم يسنده إلى المعجزة في التحدي، فإن أسنده إليها كان امتناعه عقلا . [العصمة من الصغائر] وأما الصغائر : التي لا تزري بالمناصب، ولا تقدح في فاعلها، ففي جوازها خلاف من حيث السمع مبني أولا على ثبوت الصغيرة في نفسها، فمن نفاها كالأستاذ أبي إسحاق من حيث النظر إلى مخالفة أمر الآمر، فلا تجوز عنده علیھم، والعجب أن إمام الحرمين في ((الإرشاد)) وافق الأستاذ على منع تصور الصغائر في الذنوب وخالفه هنا، والصحيح تصورها، واختلف القائلون به، هل تجوز عليهم؟ وإذا جازت، فهل وقعت منهم أم لا؟ ونقل إمام الحرمين وإلْكِيا عن الأكثرين الجواز عقلا. قال ابن السَّمْعاني: وأما السماع فأباه بعض المتكلمين، والصحيح صحة وقوعها منهم، وتتدارك بالتوبة. اهـ . ونقل إمام الحرمين وابن القشيري عن الأكثرين عدم الوقوع. قال: وأوَّلوا تلك الآيات، وحملوها على ما قبل النبوة، وعلى ترك الأولى. وقال إمام الحرمين: الذي (١) بياض في النسخ التي بأيدينا. ١٧٠ ذهب إليه المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا وإثباتا، والظواهر مشعرة بالوقوع. ونسب الأبياري لمذهب مالك الوقوع في الجملة، والقائلون بالجواز قالوا: لا يقرون عليه. ونقل القاضي عياض تجويز الصغائر ووقوعها عن جماعة من السلف، ومنهم أبو جعفر الطبري، وجماعة من الفقهاء والمحدثين. وقال في الإكمال: إنه مذهب جماهير العلماء، ولابد من تنبيههم عليه، إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين، أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم. والمختار امتناع ذلك عليهم، وأنهم معصومون من الصغائر والكبائر جميعا، وعليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وأبو بكر بن مجاهد، وابن فُورَك، كما نقله عنهما ابن حزم في كتابه ((الملل والنحل)) وقال: إنه الذي ندين الله به. واختاره ابن برهان في ((الأوسط)). ونقله في ((الوجيز)) عن اتفاق المحققين، وحكاه النووي في ((زوائد الروضة)) عن المحققين. وقال القاضي الحسين في أول الشهادات من تعليقه: إنه الصحيح من مذهب أصحابنا، وإن ورد فيه شيء من الخبر حمل على ترك الأولى، وقال القاضي / ٢١٥ / ١ عياض: على ما قبل النبوة، أو فعلوه بتأويل، وهو قول أبي الفتح الشهرستاني، والقاضي عياض، والقاضي أبي محمد بن عطية المفسر فقال عند قوله تعالى : ﴿واجعلنا مسلمين﴾ [سورة البقرة /١٢٨]: الذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول الرسول: (إني لأتوب في اليوم وأستغفر سبعين مرة)، إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لمزيد علومه وإطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية . واختار الإمام فخر الدين العصمة منها عمدا، وجوزها سهوا، ونقل القاضي عياض عن بعض أئمتهم أنه على القولين تجب العصمة من تكرار الصغائر، لالتحاقها حينئذ بالكبائر. ونقل الإجماع على العصمة عن الصغيرة المفضية للخسَّة وسقوط المروءة والحشمة. قال: بل المباح إذا أدى إلى ذلك كان معصوما منه، ونقل عن بعضهم أنه أوجب العصمة عند قصد المكروه . ١٧١ [معنى العصمة] ثم القائلون بالعصمة، اختلفوا في معناها، فقيل المعصوم من لا يمكنه الإتيان بالمعاصي. وقيل: يمكنه. ثم الأولون اختلفوا، فقيل: إنه يختص في نفسه أو بدنه بخاصية، تقتضي امتناع إقدامه عليها. وقيل: هو مساو لغيره في خواص بدنه، ولكن فسر العصمة بالقدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية، وهو قول الأشعري حكاه في ((المحصل)). واحتج بعضهم لإمكان الوقوع مع أن الله منعهم منها بألطافه بهم من صرف دواعيهم عنها بما يلهمهم إياه من ترغيب أو ترهيب أو كمال معرفة ونحوه بقوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ [سورة الأنعام / ١٥]. وقال التلمساني: المعنيّ بالعصمة عند الأشعرية تهيئة العبد للموافقة مطلقا، وذلك يرجع إلى خلق القدرة على كل طاعة أمروا بها، والقدرة تقارن وقوع المقدور، كما قالوا: إن التوفيق خلق القدرة على الطاعة، فإذن العصمة توفيق عام، وردّت المعتزلة العصمة إلى خلق ألطاف تقرب فعل الطاعة، ولم يردُّوها إلى القدرة، لأن القدرة عندهم على الشيء حاصلة لضده . قال القاضي أبو بكر: ولا تطلق العصمة في غير الأنبياء والملائكة على وجه التعظيم لهم في التحمل بما يؤدونه عن اللّه تعالى. قلت: ووقع في كلام الشافعي في ((الرسالة)): وأسأله العصمة . مسألة [وقوع النسيان من النبي (#] وأما النسيان، فلا امتناع في تجويز وقوعه من الأنبياء فيما لا يتعلق بالتكليف. قال ابن عطية: وكذلك ما أراد الله من نبيه نسيانه، ولم يرد أن يكتب قرآنا . وأما ما يتعلق بالتكليف، فاختفلوا فيه. قال ابن القشيري : والذي نقطع به أنه ١٧٢ لا يمتنع وقوعه عقلا إلا أن نقول: النبي لا يقع في نسيان، ونقيم المعجزة عليه، وإذا ثبت جوازه عقلا، فالظواهر تدل على وقوعه. وقال قوم: لا يقرُّون عليه، بل ينبهون على قرب، وهذا لا يحصل فيه، ولا يمتنع التراخي في التقرير عليه، ولكن لا ينقرض زمانهم وهم مستمرون على النسيان، وادعى فيه الإجماع للمسلمين . قال ابن القشيري: ما أمر بتبليغه فنسي، فالحكم كما قال؛ فأما ما أمر به ثم نسي فلا أُبُّعِّدُ أن ينسى، ثم لا يتذكر حتى ينقرض زمانه، وهو مستمر على النسيان، مثل أن ينسى صلاة، ثم لا يتذكرها. اهـ . وفصَّل ابن عطية في الكلام على النسخ بين ما لا يحفظه أحد من الصحابة، فالنبي معصوم من النسيان قبل التبليغ وبعده، فإن حفظه جاز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بَلَّغ وأدى الأمانة. ومنه قول أبيٍّ: حسبت أنها رفعت، فقال النبي وَية: (لم ترفع، ولكن نسيتها). وقال الآمدي: ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإِسفرايني وكثير من الأئمة إلى امتناع النسيان، وذهب القاضي إلى جوازه. وأما الإمام الرازي فادَّعى في بعض كتبه الإجماع على الامتناع، وحكى الخلاف في بعضها . قال الشيخ كمال الدين بن الزَّملكاني: الظاهر أن ما طريقه التبليغ فيه مما يقطع بدخوله تحت دلالة المعجزة على الصدق، فهذا هو محل الإجماع؛ وما طريقه التبليغ والبيان للشرائع فهو محل الخلاف، فيحمل كلام الرازي على ذلك. وقد أشار إلى هذا التفصيل القاضي وإمام الحرمين وغيرهما. وحاصل الخلاف يرجع إلى أن ذلك هل هو داخل تحت دلالة المعجزة على التصديق، أم لا؟ فمن جعله داخلا فيها منعه، وقال: لو جاز تبعضت دلالة المعجزة على التصديق؛ ومن جعله غير داخل فيها جوزه لعدم انتقاص الدلالة . وأما القاضي عياض فحكى الإجماع على امتناع السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، وخص الخلاف بالأفعال، وأن الأكثرين ذهبوا إلى الجواز، وأن المانعين تأولوا الأحاديث الواردة في سهو النبي وَلّ على أنه تعمد ذلك ليقع النسيان فيه بالفعل، وخطّأهم في ذلك لتصريحه عليه السلام بالنسيان بقوله: (إنما أنا بشر ١٧٣ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)، ولأن الأفعال العمدية تبطل الصلاة والبيان كاف بالقول، فلا ضرورة إلى الفعل، وحيث [قلنا](١) بالجواز، فالشرط - بالاتفاق - أن لا يقَرَّ أحدهم عليه فيما طريقه البلاغ لما يؤدي ذلك إليه من فوات المقصود بالتشريع. واشترط الجمهور اتصال التنبيه بالواقعة، وميل إمام الحرمين إلى جواز التأخير . قال القاضي عياض: وأما الأقوال فلا خلاف في امتناع ذلك فيها، وفي السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (قلت: يا رسول الله، أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم. فإني لا أقول إلا حقا). قال: وتنزيه النبي ◌ّل عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله الأستاذ. وفي كلام إمام الحرمين ما يقتضي وجود خلاف فيه، وهو مؤول على ما ليس طريقه البلاغ . وقال الرازي في تفسيره: وأما ما يتعلق بالتبليغ فأجمعت الأمة على العصمة فيه من الكذب والتحريف عمدا وسهوا، ومنهم من جوزه سهوا، ولا يحسن حكاية الخلاف بعد إجماع الأمة. والصواب ما قاله القاضي عياض، وكلامه موافق لجمهور الأمة في ذلك . ثم قال القاضي: وأما ما ليس سبيله البلاغ ولا تعلق له بالوحي ولا بالأحكام، فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي عن أن يقع خبره في شيء من ذلك كله، بخلاف مخبره، لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا، وأنه معصوم من ذلك كله في كل حال: رضاه وغضبه، ومزاحه، لاتفاق المسلمين والصحابة على تصديقه في جميع أحواله، وتلقيه بالقبول والعمل. [عصمة الملائكة] ٢١٥ / ب هذا كله في الأنبياء، أما الملائكة / فقد تكلم القاضي على عصمتهم، وقال: أما الرسل منهم فالقول فيهم كالقول في الأنبياء. وقال: هم في حق الأنبياء كالأنبياء في حق الأمم. قال ابن القشيري: ولعله بنى هذه اللفظة على تفضيله الملائكة على (١) زيادة يقتضيها السياق. ١٧٤ الرسل من بني آدم. وأما من عدَّ الرسل من الملائكة، فقال قوم بثبوت عصمتهم. ومنهم من خصَّه بالمقربين منهم، كالحملة والكروبيين ونحوهم. ونقل ابن السَّمْعاني في العصمة عن المعتزلة وغيرهم، قال: وعند أهل السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم، بدليل قصة إبليس، وقد كان من الملائكة . فرع: [هل يجوز أن يخلع الله نبيا من النبوة؟] ذكره إمام الحرمين وغيره. إن قيل: هل يجوز أن يخلع الله نبيا من النبوة؟ قلنا: هذا لا يمتنع عقلا، فإن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قال: فإن قيل: لو خلع كيف يكون أحوال تلك المعجزات؟ قلنا: كانت ترد إذن أو تزال؛ وأما شرعا فمن ثبتت له العصمة لا تزول عنه. قال: ولا معوّل على ما نقله الضعفاء من أن بلعام بن باعوراء كان نبيا، فخلعه الله تعالى، فإن ذلك ضعيف لا يصح . مسألة [جواز الإغماء على الأنبياء] أطلق أصحابنا الفقهاء جواز الإغماء على الأنبياء، لأنه مرض. ونقل القاضي الحسين في تعليقه في كتاب الصيام عن الداركي أن الإغماء إنما يجوز على الأنبياء ساعة وساعتين. فأما الشهر والشهران فلا يجوز كالجنون. ١٧٥ مسألة [وقوع المحرم والمكروه من النبي ◌َ﴾] يمتنع فعل المحرم عليه لما بينا من العصمة، وكذلك المكروه، لا يفعله ليبين به الجواز؛ لأنه يحصل فيه التأسي؛ لأن الفعل يدل على الجواز، فإذا فعله استدل به على جوازه، وانتفت الكراهة؛ [وقيل] بل [فعل المكروه] في حقه في تلك الحالة أفضل لأجل تكليفه البيان. وقد لا يتم إلا بالفعل. وقد صرح بذلك أصحابنا في وضوئه مرة ومرتين. ونقل عن الحنفية أنهم حملوا وضوءه بسؤر الهر على بيان الجواز مع الكراهة . تنبيه: [شرط إلحاق فعله بقوله] شرط الحارث المحاسبي في كتابه كون فعله وَّ ر ملحقا بقوله أن يجمعهم عليه، أو بعضهم، أو يفعله بنفسه هو ويظهره لهم ليأخذوه عنه، يعنى فإن لم يكن كذلك كان مخصوصا به. قلت: وكذلك ما كان يفعله في خلواته من الأمور الشرعية. ولهذا كان أهله يفعلونه، وهذا القدر كاف في إظهار البيان، كما في القبلة للصائم والاغتسال من التقاء الختانين، ومن ذلك استدباره الكعبة في البنيان ونحوه، وشرط صاحب ((الكبريت الأحمر)) أن يكون لولا مباشرة النبي وَلّ له ما كنا نفعله، وإنما نفعله لأجل أنه فعله؛ لأنه لو دل على الفعل دليل آخر غير فعله لم نكن متأسین . [أقسام الأفعال] وأما تقسيم الأفعال: ففعله بَّ ينقسم إلى أقسام: أحدها: ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية، كتصرف الأعضاء وحركات الجسد. قال ابن السمعاني: فلا يتعلق بذلك أمر بامتناع ولا نهي عن مخالفة، أي وإنما يدل على الإباحة . ١٧٦ الثاني : ما لا يتعلق بالعبادات، ووضح فيه أمر الجبلة، كأحواله في قيامه وقعوده، والمشهور في كتب الأصول أنه يدل على الإباحة. ونقل القاضي عن قوم أنه مندوب بخصوصه، وكذلك حكاه الغزالي في ((المنخول)). وقد كان ابن عمر لماحج جرّ خطام ناقته حتى برَّكها حيث بركت ناقة النبي ◌َّ تبركا بآثاره الظاهرة . الثالث: ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص، كالأكل والشرب واللبس والنوم، وهو دون ما ظهر منه قصد القربة، وفوق ما ظهر فيه الجبلية، وقد يخرَّج فيه قولان للشافعي من القولين في تعارض الأصل والظاهر، إذ الأصل عدم التشريع، والظاهر أنه شرعي، لكونه منصوبا لبيان الشرعيات. وقد جاء عن الشافعي أنه قال لبعض أصحابه: اسقني قائما، فإن النبي ◌ُّ شرب قائما . وقد صرّح الأستاذ أبو إسحاق بحكاية الخلاف، وفيه وجهان للأصحاب: أحدهما: وهو قول أكثر المحدّثين أنه يصير سنة وشريعة، ويتبع. والأصل فيه أن يستدل به على إباحة ذلك. والثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدليل. هكذا حكى الخلاف في ((شرح الترتيب))، وقال في كتابه في ((الأصول)): يعلم تحليله على أظهر الوجهين، ويتوقف فيه في الوجه الآخر على البيان . وهكذا حكى الخلاف إلْكِيا، وعلل الوقت بأن الفعل لا يدل على جواز الإيقاع، والمصالح مختلفة باختلاف أحوال المكلفين. قال: وفي هذا نظر للأصوليين متجه إلا أن الذي عليه الأكثرون أنه مباح، لإجماع الصحابة. وقد سئلت أم سلمة عن القبلة للصائم، فأجابت بأن النبي ◌َّه لم يكن يبتعد عن ذلك. اهـ . وجزم ابن القَطّان بأنه على الإباحة، وكذلك الماوَرْدي والرُّؤْياني في كتاب القضاء ، حتى يقوم دليل على اختصاصه به، وفي الصحيح عن عبيد بن جريج. قال: قلت لابن عمر: رأيتك تصنع أربعا. وفيها: رأيتك تلبس النعال السبتية؟ فقال رأيت رسول الله وَليل يلبسها. وذكر البخاري في باب الاقتداء بالنبي ير حديث ابن عمر أن النبي ◌َّ اتخذ ١٧٧ خاتما من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فنبذه، وقال: إني لم ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم . ويخرج من كلام الفقهاء ما يقتضي انقسام هذا القسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها: ما يترقى إلى الوجوب، كإيجاب الشافعي الجلوس بين الخطبتين، لأنه عليه السلام كان يجلس بين الخطبتين. وثانيها: ما يترقى إلى الندب، كاستحباب أصحابنا الاضطجاع على الجانب الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، سواء كان المرء تهجد أو لا، لقول عائشة كان النبي ◌ّ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، وأما حديث الأمر به فمعلول. ثالثها : ما يجيء فيه خلاف، كدخوله مكة من ثنية كَداء، وخروجه من ثنية كُدا، وحجّه راكبا، وذهابه إلى العيد في طريق، ورجوعه في أخرى. وقد اختلف أصحابنا في هذا: هل يحمل على الجبلي، فلا يستحب؟ أو على الشرعي فيستحب؟ على وجهين . وقال أبو إسحاق المروزي: إذا فعل النبي ◌َّر فعلا لمعنى، ولم يكن مختصا به فعلناه، ومن طريق الأولى إذا عرفنا أنه فعله لمعنى يشاركه فيه غيره. وقال أبو علي ابن أبي هريرة: نفعله اتباعا له، سواء عرفنا أنه لمعنى يختص به أم لا. وقال الرافعي: الذي مال إليه الأكثرون قول ابن أبي هريرة، ذكره في استحباب تخالف الطريقين في العيد. وعن الماوَرْدي أن ما فعله النبي ◌َّ لمعنى فزال ذلك المعنى، فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو إسحاق: لا يفعل إلا بدليل. والثاني: قاله ابن أبي هريرة: يفعل . وقال ابن الصباغ في صلاة العيدين من ((الشامل)): قال أبو إسحاق: إذا عقلنا معنى ما فعله، وكان باقيا، أو لم نعقل معناه، فإنا نقتدي به فيه، فأما إذا عقلنا ٢١٦ / ١ معنى فعله، ولم يكن / الغرض به باقيا لم نفعله، لزوال معناه. وقال ابن أبي هريرة نقتدي به، وإن زال معناه، لقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ الآية [سورة الاعراف /١٥٨]. ١٧٨ لأنه كان يفعل الرمل والاضطباع لإظهار القوة من المسلمين، ثم صار سنة، وإن زال معناه . وبقى قسم آخر وهو أن لا يعلم السبب. وقال النووي في ((الروضة)): يستحب التأسي قطعا. الرابع : ما علم اختصاصه به ، كالضحى، والوتر، والمشاورة، والتخيير لنسائه، والوصال، والزيادة على أربع - فلا يشاركه فيه غيره. وتوقف إمام الحرمين في أنه هل يمتنع التأسي به؟ وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به 18 في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك، فهذا هو محل التوقف. وتابعه على ذلك ابن القشيري والمازَري. وفصّل الشيخ الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه (المحقق في الأفعال) بين المباح، فليس لأحد التشبه فيه به كالزيادة على أربع، وبين الواجب فيستحب التشبه، وكذلك التنزه عن المحرم، كأكل ذي الريح الكريهة، وطلاق من تكره صحبته. قال: وهذا تفصيل حسن لمن فهم الفقه وقواعده، ولعل الإمام عنى بذلك أنه لم ينقل أن الصحابة فعلوا ذلك بمجرد الاقتداء والتأسي، بل لأدلة منفصلة. قلت: وقد ذكره الماوَرْدي والرُّؤْياني. وقسّما هذا النوع إلى ما أبيح له وحظر علينا كالمناكح. وإلى ما أبيح له وكره لنا كالوصال. وإلى ما وجب عليه وندب لنا كالسواك والوتر والضحى . الخامس : ما يفعله لانتظار الوحي، كابتداء إحرامه ويس ير بالحج حيث أبهمه منتظرا للوحي، فقال بعض أصحابنا: إطلاق الإحرام أفضل من تعيينه، تأسيا، والصحيح خلافه. قال الإمام في ((النهاية)): وهذا عندي هفوة ظاهرة، فإن إبهام رسول الله ◌َّ محمول على انتظار الوحي قطعا، فلا مساغ للاقتداء به في هذه الجهة . ١٧٩ السادس : ما يفعله مع غيره عقوبة، فلا شك أنه واجب عليه، قال ابن القَطَّان: ولا خلاف فيه، وإنما اختلفوا هل غيره ممن يشاركه في المعنى قياسا عليه، أم على الظاهر (١)؟ وقال الأستاذ أبو إسحاق: ما يفعله مع غيره، إن تعلق به أحد طرفيه كالبيوع والأنكحة فظاهر المذهب وعليه جمهور الفقهاء أنه محمول على الجواز في غيره مستدل على إباحته. واختلفوا في وجوب أوصافه على حسب اختلافهم فيما يأتيه من عباداته، وإن فعله بين شخصين متداعيين أو على جهة التوسط فهو محمول على الوجوب بلا خلاف، ويجرى مجرى القضاء والحكم. قال: وما تصرف فيه من أملاك الغير فهو بالإجماع موقوف على معرفة السبب، ويدخل فيه جميع وجوه الاستباحة. السابع: ما يفعله مع غيره إعطاء، وقد حكى الرافعي وجهين في أن الرضخ للعبيد والنساء والصبيان مستحب أو واجب . قال: والمشهور وجوبه، لم يترك رسول الله ◌َّ الرضخ قط. ولنا فيه أسوة حسنة . الثامن: الفعل المجرد عما سبق، فإن ورد بيانا، كقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (وخذوا عني مناسككم)، أو لآية كالقطع من الكوع المبين لآية السرقة، فهو دلیل في حقنا، ولا خلاف أنه واجب، وحيث ورد بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل إن كان واجبا فواجب، وإن كان مندوبا فمندوب، كأفعال الحج والعمرة، وصلاة الفرض والكسوف. وقال الأستاذ أبو منصور: وهذا على القول بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ومن أباه منع بيان المجمل بالفعل المتأخر عنه، وإن لم یکن کذلك بل ورد مبتدأ، فإن علمت صفته في حقه من وجوب أو ندب وإباحة، فما حكم الأمة فيه؟ اختلفوا فيه على مذاهب، أصحها: أن أمته مثله، إلا أن يدل على تخصيصه به. وثانيها: كما لم تعلم صفته، وهو قول القاضي أبي بكر. وثالثها: مثله في العبادات دون غيرها، وبه قال أبو علي بن خلاد من المعتزلة. ورابعها: الوقف، قاله الرازي: وحكى ابن السَّمْعاني عن أبي بكر الدقاق أنه لا يكون شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه، ثم قال ابن السَّمْعاني: هكذا أورده الأصحاب. وعندي أن ما (١) كذا في الأصول. ١٨٠