Indexed OCR Text
Pages 61-80
كْتَابُ الشَّع ... كتابُ الشَّخ والنظر فيه بحسب اللغة / والاصطلاح. أما في اللغة: فيطلق ويراد به الإبطال ١٩٩ / ب والإزالة، ومنه نسخت الشمس الظل والريح آثار القدم. ومنه تناسخ القرون، وعليه اقتصر العسكري. ويطلق ويراد به النقل والتحويل بعد الثبوت، ومنه نسخت الكتاب أي نقلته. وهو المَعْنِيّ بقوله تعالى: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [سورة الجاثية / ٢٩]. ومنه تناسخ الأرواح والمواريث. وسُمِّي قوم من المبتدعة المتناسخة. لأنهم زعموا أن الأرواح تنتقل من هيكل إلى هيكل، ومن قالب إلى قالب . ثم اختلفوا، فذهب الأكثرون كما قاله الهندي إلى أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل. وعليه أبو الحسن البصري والرازي، ونقله ابن برهان عن عبد الله البصري . وذهب القَفَّل الشاشي إلى أنه حقيقة في النقل، وذهب أبو بكر وعبد الوهاب والغزالي إلى أنه مشترك بينهما لفظا لاستعماله فيهما ، وذهب ابن المنير في ((شرح البرهان)) إلى أنه بالاشتراك المعنوي، وهو التواطؤ، لأن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب قدرا مشتركا، وهو الرفع، وهو في نسخ الظل بَيْنَّ، لأنه زال بضده، وفي نسخ الكتاب مقدَّر من حيث إن الكلام المنقول بالكتابة لم يكن مستفادا إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة خصوصية، فإذا نسخت الأصل ٦٣ ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع. وقيل: القدر المشترك بينهما هو التغيير، وقد صرح به الجوهري، ونبه صاحب ((المعتمد)) على أن نسخت الكتاب ليس من باب النقل والتحويل، لأن المكتوب لم ينتقل على الحقيقة؛ بل يشبه المنقول. ثم قيل: الخلاف لفظي. وقال ابن برهان: بل معنوي يبنى عليه جواز النسخ بلا بدل، فمن قال: حقيقة في الإزالة مجاز في النقل جوزه، ومن قال: حقيقة فيهما منعه. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): فأما استعمال النسخ في الشرع فقال أبو عبد الله البصري: هو منقول إلى معنى في الشرع، ولا يجري عليه على سبيل التشبيه بالمعنى اللغوي، لأنه يفيد في الشرع معنى مميزا يجري مجرى اسم الصلاة، وقال الشيخ أبو هاشم: إنه يفيد معنى في الشرع على طريق التشبيه باللغة ، وذلك أنه يفيد إزالة مثل الحكم المتقدم، كما يفيد في اللغة الإزالة، إلا أن الشرع قصره على إزالة مثل الحكم الثابت بطريق شرعي على وجه مخصوص، يجري مجرى قولنا: ((دابة)) في أنه غير منقول، لكنه مخصوص ببعض ما يدب. اهـ. قال ابن الصباغ: ذهب بعض المتكلمين إلى أنه منقول من اللغة إلى الشرع، كما نقل اسم الصلاة، والأظهر أنه مخصوص في الشرع برفع مثل الحكم، وإن كان الرفع عاما كما خصصت الدابة بالاسم، وإن كان غيرها يدب عليها . وأما في الاصطلاح ، فقد اختلف في حده، والمختار أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب. والمراد بالحكم ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فلا يرد أن القديم لا يرفع. وحاصله يرجع إلى التعلق، وهو حادث، وفيه نظر(١) إذ نفسه ليس بحكم، والمراد ارتفاع دوام الحكم بمعنى تكرره، لا ارتفاع الحكم الذي هو الخطاب، لأن ما ثبت قِدمُه استحال عدمه. وتقييده بالشرعي يخرج العقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به، فإنه لو حرم فردا من تلك الأفراد لم يسم نسخا. وقلنا: بخطاب، ليعم وجوه الأدلة، وليخرج الإجماع والقياس، إذ لا يتصور النسخ فيهما، ولا بهما؛ وليخرج ارتفاعه بالموت ونحوه، فإنه لا يسمى (١) قوله: إلى التعلق، أي تعلق الحكم. وقوله: فيه نظر، أي في كون الحكم ما ذكره . ٦٤ نسخا، وكمن سقط رجلاه، فإنه لا يقال: نسخ عنه غسل الرجلين. وما قاله الإمام فخر الدين في ((المحصول)) من أنه نسخ ضعيف . ومنهم من زاد قيد ((التراخي)) ليخرج المتصل بالحكم، كالاستثناء والشرط والصفة، لأنه بيان لغاية الحكم ولا يسمى نسخا، لاستحالة أن يكون آخر الكلام قد مَنَع أوله. وقولنا: ((رفع حكم)) يغني عن هذا القيد، إذ ليس من ذلك رفع الحكم، لأن الرفع إنما يكون بعد الثبوت، وليس شيء منها ثبوت الحكم، لأنها تخصيصات. وهو يبين أنه غير مراد. وقولنا: بخطاب أي بحيث لو لم يرد الثاني، لكان حكم الأول باقيا. وما ذكرناه من كون النسخ رفعا هو مختار الصَّيْرفي، والقاضي أبي بكر، والشيخ أبي إسحاق، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، وابن الأبْياري، وهو المختار. وقد أنكره أكثر الفقهاء بناء على أن الحكم راجع إلى كلام الله. وهو قدیم، والقديم لا يرفع ولا يزال. وأجيب بأن المرفوع تعلق الحكم النسبي لا ذاته ولا تعلقه الذاتي . وقال بعض شارحي ((البرهان)): الحق ما ذكره القاضي من أنه الرفع، ولا يلزمه ما ألزمه الإمام من التناقض في التعلق. فإن القاضي بنى على أصلين: أحدهما: أن الأمر يفارق الإرادة. وثانيهما: أن الكلام القديم يتعلق بمتعلقات مختلفة على الاتحاد في نفسه، والاختلاف راجع إلى التعلق، فالأمر عبارة عن الطلب القائم بذات الباري سبحانه، فقد يتعلق بالمطلوب على الدوام قطعا، وتكون الإرادة غير ذلك، وقد يتعلق بالمطلوب نفسه في بعض الأزمان، ويكون هذا التعلق بيانا للإرادة والعلم، أنه لم يرد الدوام وإنما أريد بعض الأزمنة، ولم يتعلق العلم بالدوام، ولا تناقض في تعلق الطلب بمتعلق واحد على صفتين في وقتين، مطلوبا على التأبيد في الوقت، وفي بعض الأزمان في وقت آخر لم يختلف. وإنما اختلف التعلق والزمان. وإنما يستحيل هذا أن لو كان المخاطب يفهم في وقت واحد، ولا استحالة في وقتين، فيرجع حاصل النسخ إلى بيان الإرادة والعلم. وحدَّه الفقهاء بأنه الخطاب الدال على انتفاء الحكم الشرعي مع التأخير عن ٦٥ مورده، والزموا عليه كون النسخ من باب التخصيص، فيصح أن ينسخ بما به يُخَصَّص، فينسخ بدليل العقل، وبالإجماع، وهو لا يجوز . وإلى كونه بيانا ذهب الأستاذ أبو إسحاق، والقاضي أبو الطيب، وسليم، وإمام الحرمين، والإمام فخر الدين، وغيرهم. وحكاه في ((المعالم) عن أكثر العلماء. واختاره القَرَافي. وهؤلاء يجعلون النسخ تخصيصا وبيانا، أي أنّ الخطاب الثاني بينَّ أن الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مرادا من الخطاب الأول كما أن التخصيص في الأعيان كذلك . وأوردوا على من حدَّه بالرفع بأن الرافع الحادث إن وجد حال وجود الأول لم ينافه، وإن وجد حال عدمه لم يعدمه، لامتناع إعدام المعدوم. وأجيب بأن الرفع كالكسر والارتفاع كالانكسار، ولذلك يجعلون الرفع كفسح العقود . وقالوا أيضا: إنما عدلنا إلى البيان احترازا عن تعارض الرافع والدافع، والرفع ١/٢٠٠ ليس أولى من الدفع، وهذا منهم بناء على أن الرفع والدفع من مقتضى اللفظ/ وليس كذلك؛ بل الألفاظ دلائل على إرادة الشارع، والشارع له المحو والإثبات . واحتج القائلون بالثاني أيضا بأن علم الله إما أن يتعلق بدوام الحكم أبدا أو إلى وقت معين. وعلى كلا التقديرين فلا يمكن الرفع. أما إذا تعلق بالدوام فلأنه يستحيل رفعه، لاستحالة وقوع خلاف معلومه. وأما على التقدير الثاني وهو أن يعلم انتهاؤه إلى الوقت، وإذا كان الانتهاء واجبا في ذلك لم يحصل الرفع الثاني لأنه قد وجب ارتفاعه. وأجيب بأنا لا نسلم أنه إذا تعلق العلم بالانتهاء في ذلك الوقت يمتنع الرفع، لجواز أن يكون العلم تعلق بالانتهاء في ذلك الوقت بالحادث، فإن العلم يتعلق على ما هو به . وتحرير هذا الخلاف أنهم اتفقوا على أن الحكم السابق له انعدام. وتحقق انعدامه، لانعدام متعلقه، لا لانعدام ذات الحكم. واتفقوا على أن الحكم المتأخر اللاحق لابد وأن يكون منافيا للأول، وأن عنده يتحقق عدم الأول . ثم اختلفوا في عدم الأول هل هو مضاف إلى وجود الحكم المتأخر؟ فيقال: إنما ارتفع الأول ٦٦ لوجود المتأخر اللاحق؛ أو لا يضاف إليه بل يقال: الحكم الأول انتهى، لأنه كان في نفس الأمر مغيا إلى غاية معلومة لله، وقد علمناها بالحكم اللاحق المتأخر؟ فإذن النزاع في استناد عدم السابق إلى وجود اللاحق، فالأستاذ يقول: الحكم في نفس الأمر لم يكن له صلاحية الدوام، لكونه مغيا إلى غاية معلومة معينة لا نعرفها إلا بعد ورود الناسخ، فيكون النسخ بيانا؟ وبهذا يندفع وهم من قال: إن النزاع لفظي . وقدَّر ابن المنير كونه لفظيا بأن الفقهاء يثبتون رفعا مع البيان، والأصوليون يثبتون بيانا مع الرفع، وذلك لأن الفقهاء لا ينازعون في أن الحكم المنسوخ كان قبل النسخ ثابتا. وهو بعد النسخ غير ثابت. وإنما أنكروا رفعا يناقض الإثبات ويجامعه. والأصوليون لا ينازعون في أن المكلفين كانوا على ظَنّ بأن الحكم لا ينسخ بناء على أن الغالب في الأحكام القرار وعدم النسخ، ثم بالنسخ تبين لهم أن الله تعالى أراد من الأول نسخه في الزمان المخصوص، لأن الإرادة قديمة لابد منها اتفاقا، فلا يبقى للخلاف محط. وقول ابن الحاجب: إن انتهاء غاية الحكم ينافي بقاءه ، ولا نعني بالرفع إلا ذلك - مردود، فإن هذا ليس برافع . ومنهم من جعل الخلاف هنا مبنيا على اختلاف المتكلمين في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد . فمن قال ببقائها قال: إنما ينعدم الضد المتقدم لطريان الطارىء، ولولاه لبقي، ومن لم يقل ببقائها قال: إنه ينعدم بنفسه، ثم يحدث الضد الطارىء وليس له تأثير في إعدام الضد الأول . وقال إلكيا: زعم القاضي أن النسخ رفع، وإنما يستقيم إذا جعلنا النص الأول موجبا حقيقة تاما، والموجب هو الله تعالى والوجوب باقتضائه، فقد تبين انتهاء الأول في علم الله بالنسخ بأمر يخالف الأمر الأول، ويستحيل تقدير وضع أمرين متناقضين في زمان واحد . واختار الإمام أن النسخ ظهور ما ينافي اشتراط استمرار الحكم بقوله: افعل من حيث اللفظ للطلب، ولكنه مشروط بأن لا ينهى عنه. ويصح منه أن يقول: افعل ٦٧ إن لم أنهك عنه. وقال: اخترت على هذا الرأي النسخ قبل مضي إمكان الفعل، وعلى ما ذكره الأولون لا يجوز، فإنه لا ثبوت قبل الإمكان. فقيل: للإمام، فهذا من قبيل الاستثناء؟ فقال: الاستثناء هو المقرون باللفظ، والنسخ متراخ. وهو على هذا القول يرى ظهور المنافي بالإضافة إلى اعتقادنا التأبيد فيه، وعلى رأي الفقهاء: النسخ لا يصادف الأمر؛ بل يصادف استمراره، وعلى رأي الآخرين لا يصادف لا البقاء ولا الأمر، ولكن يبقى الحكم في الاستقبال. وهو إنما يصادف ما اعتقدناه فيه، فيرفع اعتقادنا، والبقاء ظاهر في اعتقادنا، وهو في حق الله انتهاءً. فعلى هذا الناسخ لا يضاد الأمر الأول، ولا تتصور المضادة في إمضاء حكم الله تعالى إلا بطريق البداء وهو غير جائز عليه . وحدَّته المعتزلة بالخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل ، وذكروا مثلا ليحترزوا به عن الرفع، وجوزوا نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها . وقال العبادي من أصحابنا في كتاب ((الزيادات)): اختلف في النسخ فقيل: إزالة فرض العمل في المستقبل. وقيل: بيان انتهاء مدة العبادة. وقيل: انتهاء مدة التكليف على ضرب من التراخي بدليل لولاه لوجب استرساله على عدم العموم. وقيل: قطع حكم توهم دوامه. قيل: وهذا أصل العبارات على أصل الشافعي، لأنه يتناول ما قبل العمل وبعده. اهـ . والحد الثاني حكاه إمام الحرمين عن القاضي أبي الطيب، وضعفه بأن النسخ يجرى في غير العبادات. وقال الشافعي في ((الأم)): الناسخ من القرآن الأمر نزله الله بعد الأمر بخلافه، كما حولت القبلة. وقال في ((الرسالة)): وهكذا كل ما نسخه الله تعالى، وهي نَسْخُه تَرْكَ فَرْضِه، وكان حقا في وقته، وتركه حق إذا نسخه، فيكون من أدرك فرضه مطيعا باتباع الفرض الناسخ له . قال ابن القَطَّان : وجملة الكلام في النسخ عندنا هو أن يأمر بأمر على الإطلاق في جميع الأزمنة ، ويريد منه بعضها ولا يكشف ذلك. ثم يأمر بأمر ثان، فيعلم أنه أراد به بعض الأزمنة. قال: ولا فرق بين النسخ والتخصيص على هذا، إلا في ٦٨ خصلة واحدة، وهي أن التخصيص قد يجوز أن يكون مقترنا مع الأمر، ولا يجوز ذلك في النسخ. انتهى . والحق أن النسخ للحكم كالفسخ للعقد، كالكسر للصحيح، والخلاف في أن الفسخ رفع للعقد من أصله أو من حينه لا يجيء هنا . تلیه [الفَرَق بَين التخصيص وَالنَسَخْ] سبق في باب التخصيص تفريق بعضهم بينهما، بأن التخصيص يرفع بعض الحكم، والنسخ يرفع الكل. وهو ضعيف؛ بل قد يكون النسخ رافعا للبعض، لأن الشارع إذا أثبت الحكم في جميع أفراد العام، ثم رفع بعضه يكون نسخا لذلك البعض، كما ينسخ الكل. ومثّله بعضهم بالعَرَايا. وإن كان الأصحاب جعلوه من التخصيص، لأن نهيه عن بيع الطعام بالطعام عام، ثم رفع بعضه بالعرايا، وقوله: (أينقص الرطب إذا جفَّ) دليل على أن قوله: (لا تبيعوا الطعام بالطعام) إيراد على عمومه تمراً أو غير تمر، فحينئذ تكون إباحة العرايا نسخا لذلك البعض، لا تخصيصا، لأن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ولا يكون مندرجا تحت إرادة اللافظ ابتداء، وبه يحصل الفرق بين النسخ والتخصيص. فصْل [في أركَان النسخ] أركان النسخ ثلاثة: الناسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه. أما الناسخ فهو الله تعالى على الحقيقة، وتسمية خطابه الدال على النسخ ناسخا توسع، إذ به يقع النسخ، كما يقال: صومٍ رمضان ناسخ لصوم عاشوراء/، والمنسوخ هو المزال، ٢٠٠/ب وهو الحكم المرتفع أو المبين على الخلاف. والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المُزَالةِ . ٦٩ مسألة [ النسخ لا يَسْتلزِمُ البَدَاء] ولا يستلزم النسخ البداء إذ النسخ بأمر، والبداء الظهور بعد أن لم يكن، خلافا للرافضة واليهود، فإنهم ادعوا استلزامه. فلزمهم التسوية بينهما في الجواز وعدمه، فقالت اليهود: لا يجوز النسخ عليه لامتناع البداء عليه. وقالت الرافضة: يجوز البداء عليه لجواز النسخ منه. والكل كفر. والثاني أغلظ إذ يمكن حمل الأول على وجه لا يكفر بأن يجعل التعبد بكل شرع مغيًا إلى ظهور آخر. وبهذا المعنى أنكره بعض المسلمين. وقال سليم في ((التقريب)): مذهب الأشعرية في النسخ يؤدي إلى جواز البداء، لأن اللفظ بصيغته عندهم لا يدل على استغراق الأعيان والأزمان، حتى يقترن به دليل عليه يخصه، ولفظ العموم في الأزمان لا يقترن به ما ينسخ بعضه، لأن النسخ لا يكون إلا بدليل منفصل عن المنسوخ، متأخر عنه، فلابد في قوله: أن يدل دليل أنه قصد إيجاب العبادات في عموم الأوقات، ثم يدل دليل آخر بعده على النسخ. اهـ . وقال إلْكيا: لا يستلزم البداء، لأن النسخ هو النص الدال على أن مثل الثابت زائل في الاستقبال، وذلك يقتضي أن الفعل المأمور به غير المنهي عنه، وأنَّ وقت المنهى عنه غير وقت المأمور به. وبنوا على هذا الأصل أن نسخ الفعل قبل وقت إمكانه غير جائز. وأما الأشعرية فجوَّزوه بناء على أن الذي أمر به لمصلحة، والذي نهى عنه لمفسدة، لا أنه أمر به ونهى عنه عبثا، وتقدير النهي بعد الأمر قبل إمكان الأول ضرب من البداء، وغاية ما تمسكوا به أن الأمر بالفعل مشروط ببقائه أو مشروط بانتفاء النهي. فإذا نهى عنه فقد زال الشرط بعد نهيه عن الفعل غير الوجه الذي أمر به. ولیس کما إذا قال: أمرتکم بكذا وكذا. ونهیتکم عنه متصلا به، ٧٠ لأنه نهى عن الفعل على وجه الأمر. وههنا النهي على غير وجه الأمر، فهو كقولك: أمرتكم بشرط أن لا يظهر لكم ما ينافيه. فائدة [ تحقيق لغوي في لفظ البَدَاء] حكى ابن العارض المعتزلي في كتاب ((النكت)) عن بعضهم: أن لفظ البداء غير صحيح في اللغة، وإنما هو البدو من بدا الشيء يبدو بَدْواً وبُدُوّا، إذا ظهر. قال ابن الصلاح في ((فوائد رحلته)): وهذا ليس بصحيح، فقد أورد هذا اللفظ ابن دريد في قصيدته في ((الممدود والمقصور)) فقال : فكـذاك رأيك ذو بداء توصي وعقلك في بدا قال التبريزي: البدا المقصور موضع، وقيل: إنه بغير ألف ولام، والبداء الممدود من قولهم: بدا لي في الأمر تريد تَغَيّر رأيي فيه عما كان. قلت: وحكاه صاحب ((المحكم)) عن سيبويه، فقال: بَدا الشيء يبدو بَدْوا وبُدُوًا وبَدَاء، الأخيرة عن سيبويه. وفي ((صحاح)) الجوهري: بدا له في هذا الأمر بداء ممدود. وقد نبه عليه أبو محمد بن بري، فقال: صوابه بداء بالرفع لأنه الفاعل . وقال السهيلي في ((الروض)): المصدر الْبُدُوُّ والبَذْو، والاسم البداء. ولا يقال في المصدر بدا له بدوّ، کما لا یقال: ظهر له ظهور بالرفع، لأن الذي یظهر ويبدو ههنا هو الاسم، نحو البداء. قال: ومن أجل أن البدو الظهور كان البداء في وصف الباري سبحانه محالا ، لأنه لا يبدو له شيء كان غائبا عنه، وقد يجيء بدا بمعنی أراد مجازا كحديث البخاري في الثلاثة: الأقرع والأعمى والأبرص، وأنه ◌َّر قال: بدا لله أن يبتليهم . ٧١ تنبيه منع بعض الحنفية إطلاق لفظ التبديل على النسخ، فإنه رفع الحكم المنسوخ، وإقامة الناسخ مقامه، وذلك يوهم البداء، وهو محجوج بقوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [سورة النحل / ١٠١]. مسألة [النسخ جائز عقلاً وواقع شرعًا ] النسخ جائز عقلا وواقع سمعا، خلافا لليهود غير العيسوية، وبعض غلاة الروافض. ومنهم من منعه عقلا. ومنهم من جوَّزه عقلا ومنعه شرعا، حكاه أبو زيد. قال: ولذلك ذهب إليه بعض المسلمين ممن لا يعتد بخلافه، وسمّاه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصا. فقيل: هو إنكار للوقوع، وهو منقول الآمدي وابن الحاجب عنه. وقيل: إنما أنكر الجواز، وهو منقول الشيخ أبي إسحاق وسليم والإمام فخر الدين الرازيان، وصرَّح بأن خلافه في القرآن خاصة. قال ابن دقيق العيد: نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرتفع؛ بل بمعنى أنه ينتهي بنص دل على انتهائه، فلا يكون نسخا. اهـ. وحاصله صيرورة الخلاف لفظياً، وبه صرح ابن السَّمْعاني. قال الهندي : وليس من ضرورة القول بصحة نبوة سيدنا محمد وَلي القول بصحة النسخ، حتى يلزم من إنكاره إنكار النبوة، وذلك لاحتمال أن يقال: إن شرع الماضين كان مغيًّا إلى ظهوره وَحيّ في اللفظ . وهنا مباحثة مع اليهود لعنوا بما قالوا ، وهي أنهم زعموا أن التعبد في الشرائع بالعبادات لا يجوز أن يتغير قياسا على التوحيد، فإن التعبد بالتوحيد لا يجوز تغييره ٧٢ إلى الكفر. فيقال لهم: أيجوز أن يتعبد بالصلاة مثلا في وقت دون وقت مع القدرة على الفعل؟ فإن قالوا: نعم، وهو قولهم، لأنهم لا يقولون باستغراق الزمان بالصلاة والصوم؛ فيقال لهم: أيجوز أن يتعبد بالتوحيد في وقت دون وقت مع كمال العقل والقدرة؟ فإن قالوا: نعم، فقد جوزوا ترك التوحيد. وإن قالوا: لا ، وهو قولهم فقد فرقوا بين التوحيد والشرائع. وحينئذ فلا امتناع في اختلاف التعبد بالشرائع في الكيفية والعدد والوقت والزيادة والنقص . مسألة يجوز نسخ الحكم عندنا وإن لم يقترن به إعلام بأنه سينسخ قال ابن برهان: وعن أبي الحسين البصري وغيره من المعتزلة أنه لا يجوز إلا إذا اقترن به ما يدل على النسخ في الجملة، كقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية [سورة البقرة / ١٤٤]. قالوا: فهذه قرينة أن الله تعالى سينسخ القبلة من بيت المقدس . وقال الأستاذ أبو إسحاق: رأيت بعض من كان يظهر التوحيد، ويُتّهم بالإلحاد يزعم أن النسخ لا يجوز إلا بدليل مقرون باللفظ يعلم أنه كائن بعد، وإن لم يبين وقته. قال الأستاذ: فهذا قول اليهود، وقد أجمعت الأمة على خلافه. اهـ . ونقل عن أبي الحسين البصري أنه يجب أن يذكر مع المنسوخ ما يدل على أنه منسوخ من حيث الجملة، وإلا لكان تلبيسا. وخالفه جمهور المعتزلة. وأصحابنا قالوا: لا يجب ذلك؛ بل يجوز تأخير بيان النسخ من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة . /وقال الماوردي: سمعت بعض أهل العلم يقول: إن كل آية منسوخة ففي ٢٠١ / أ ضمن تلاوتها ما يدل على أن حكمها ليس بثابت على الإطلاق، مثل قوله في سورة النساء : ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [سورة النساء / ١٥] نبه على أن حكمها لا يدوم، فنسختها آية النور بقوله: ﴿الزانية ٧٣ والزاني﴾ الآية [سورة النور /٢]. ولذا قال ◌َله: (قد جعل الله لهن سبيلا). قال: وهذا الذي ادعاه يبعد أن يوجد في كل آية منسوخة، لكنه معتضد لمذهب أبي حنيفة في أن الزيادة على النص تكون نسخا، فجعل ذلك من شواهد المنسوخ . مسألة لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا وقول من قال: نُسِخَ صوم عاشوراء برمضان، ونَسَخَّت الزكاة كل صدقة سواها. فلا يصح، لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه. وإنما وافق نسخ عاشوراء فرضَ رمضان، ونسخْ سائر الصدقات فرضَ الزكاة، فحصل النسخ معه لا به . قال أبو الحسين بن القَطّان في كتابه: حكى بعض مشايخنا خلافا في أن النسخ في الأمر أو المأمور . فقيل: وقع في الأمر . وقيل: في المأمور نفسه . والأمر هو القول. والمأمور هو المخاطب. قال: والذي عندنا أن النسخ وقع في الأمر بدليل قوله : ﴿ما ننسخ من آية﴾ [سورة البقرة / ١٠٦] فأخبر أن النسخ يقع في الآية . وممن تعرض لهذا الخلاف ابن حزم في ((الإحكام)). وقال: الصحيح أنه إنما يقع على الأمر، ولا يجوز أن يقع على المأمور به أصلا، لأن المأمور به هو فعلنا. وفعلنا إن كان قد وقع منا، فقد فنی ولا ینهی عما مضى، وإن لم یکن قد وقع بعد، فكيف ينسخ شيء لم يكن بعد! ويدل له قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ الآية [سورة البقرة / ١٠٦] فدل على أن الآية هي المنسوخة لا أفعالنا المأمور بها والمنهي عنها . مسألة المنسوخ عند أئمتنا الحكم الثابت نفسه. وقالت المعتزلة: مثل الحكم الثابت فيما يستقبل. والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحُسن صفة نسبية للحَسَن. ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ٧٤ ترتبط بالإرادة على أن الحسن والقبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نسبية. قاله ابن عطية في تفسيره . مسألة يجب اعتقاد الأمر بالشيء قبل ورود الناسخ إن بقي الامر به، ولم يرتفع عنه بضده، وإن جوزنا النسخ قبل الفعل. ولا يجيء الخلاف السابق في البحث عن المخصص. وقال بعض الحنفية: أما في حياة الرسول وَلقر فلا يقطع بالحكم قبل ظهور ناسخه، لأن دوامه باستصحاب الحال لجواز نزول الوحي بما ينسخه. وأما بعد وفاته فقد انتفى احتمال النسخ وصار البقاء ثابتا بدليل مقطوع . مسألة يجوز نسخ النسخ، لأن المعنى المقتضى لجوازه أولا قد يتفق في الثاني. وقد وقع ذلك. قال الشافعي فيما حكاه العبادي عنه: لا أعلم شيئا أحل ، ثم حرم، ثم أحل، ثم حرم، إلا المتعة. وذكر غيره أنها نسخت خمس مرات. وممن ذكر هذه المسألة ابن حزم في ((الإحكام)). وقال: لا فرق بين أن ينسخ الله حكما بغيره، وبين أن ينسخ ذلك الثاني [بثالث]، وذلك الثالث برابع، وهكذا كلما زاد. وقد جاء في بعض الآثار أحيلت الصلاة والصوم ثلاثة أحوال، وصح التكرير في نكاح المتعة . وقال القاضي ابن العربي: نسخت القبلة مرتين، وكذا نكاح المتعة، ولحوم الحمر الأهلية، ولا أحفظ رابعا. قلت: وادعى بعضهم تكرر النسخ في الكلام في الصلاة . ٧٥ مسألة شريعة نبينا محمد مية ناسخة لجميع الشرائع بالإجماع، واختلف في أن عيسى بعث مقرراً لشريعة موسى عليهما السلام ، أو بشريعة مبتدأة حكاه ابن الرفعة في ((المطلب)) ثم قال: والحق أنه لم ينسخ كل شريعة موسى، ولهذا قال تعالى: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ [سورة آل عمران / ٥٠] لأنه لم يحلل لهم كل ما حرم عليهم، لأن منه الزنى والقتل والسرقة، وإنما أحل لهم السبت، ولحم الإبل، وأشياء من الحيتان والطير تخفيفا عنهم. ولم يوجب عليهم شيئا لم توجبه شريعة موسى . وقال الإمام في تفسيره: روي أن الرسل بعد موسى عليه السلام كانت شريعتهم واحدة موافقة لشريعة موسى، إلى أن جاء عيسى عليه السلام بشريعة مجددة. قال: ومنع القاضي كون الرسول الثاني يأتي بشريعة الرسول الأول سواء ، أي من غير زيادة ولا نقص إذا كانت شريعة الأول محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر، لأن الرسول إذا كان كذلك لم يعلم من جهته إلا ما قد علم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث رسولا لاشريعة معه أصلا لما بينّ في العقليات، كذلك ما نحن فيه. وأجاب الإمام عن ذلك بما يُوقَّف عليه من كلامه . فصْل في بيان الحكمة في نسخ الشرائع ذكره الإمام فخر الدين في ((المطالب العالية)) وهو أن الشرائع قسمان: منها ما يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد. ومنها سمعيَّة لا يعرف الانتفاع بها إلا من السمع. فالأول يمتنع طروّ النسخ عليها كمعرفة الله وطاعته أبدا . ومجامع هذه الشرائع العقلية أمران: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا﴾ [سورة البقرة / ٨٣]. والثاني: ما يمكن طريان النسخ والتبديل عليه أمور تحصل في كيفية إقامة الطاعات العقلية والعبادات الحقيقية . وفائدة نسخها أن الأعمال البدنية إذا واظبوا عليها خلفا عن سلف صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها. ومنعهم ذلك من الوصول إلى المقصود، وهو معرفة الله وتمجيده، فإذا غير ذلك الطريق إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه الأعمال رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة انقطعت الأوهام عن الاشتغال عن تلك الصور والظواهر إلى علام السرائر. وذكر غيره في ذلك وجوها: منها: أن الخلق طبعوا على الملالة من الشيء، فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها. ومنها: بيان شرف نبينا عليه السلام، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها . ومنها: ما فيه من حفظ مصالح العباد كطبيب يأمر بدواء في كل يوم وفي اليوم الثاني / بخلافه ٢٠١ / بـ للمصلحة. ومنها: ما فيه من البشارة للمؤمنين برفع الخدمة ومؤنتها عنهم في الجنة، فجريان النسخ عليها في الدنيا يؤذن برفعها في الجنة ﴿يمحو الله ما يشاء ٧٧ ويثبت﴾ [سورة الرعد / ٣٩]. وذكر الشافعي في ((الرسالة)) أن فائدة النسخ رحمة الله بعباده والتخفيف عنهم، وأورد عليه أنه قد يكون بأثقل. وجوابه: أنه رحمة في الحقيقة بالوجوه التي ذكرنا . فصْل في شروط النسخ الأول : أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا لا عقليا، أي قد ثبت بالشرع، ثم رفع، فإن كان شيئا يفعله الناس بعادة لهم أقروا عليها، ثم رفع كاستباحتهم الخمر في أول الإسلام على عادة كانت لهم إلى أن حرم لم يكن نسخا. وإنما هو ابتداء شرع . الثاني: أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ متأخرا عنه، فإن المقترن كالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا، وإنما هو تخصيص، كقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فليس ذلك ناسخا للصوم نهارا، وكذا قوله: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [سورة النساء / ١٩]. قال إلْكِيا: هذا إذا كانت الغاية معلومة، فإن كانت مجملة وهي التي رمز الشرع إليها، ولو لم ترد أمكن إجراء حكم النص كقوله: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [سورة النساء /١٥] فهل يجعل بيان الحكم على خلاف الحكم السابق بعدها نسخا للحكم المتقدم أم لا؟ قال: فيه قولان لأصحاب الشافعي، والأقرب أنه نسخ بحق شرعية الجلد بعد قوله: ﴿أو يجعل اللّه لهن سبيلا﴾ [سورة النساء / ١٥] وبه جزم الأستاذ أبو منصور كما لو قال: افعلوه إلى أن أنسخه . ٧٨ الثالث : أن يكون النسخ بخطاب شرعي، فارتفاع الحكم بموت المكلف أو جنونه ليس بنسخ، وإنما هو سقوط التكليف جملة . الرابع: أن لا يكون المرفوع مقيدا بوقت يقتضي دخوله زوال المغيّ بغاية، فلا يكون نسخا عند وجودها . الخامس : أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، فإن كان أضعف منه لم ينسخه، لأن الضعيف لا يزيل القوي. قال إلّكِيا: وهذا مما قضى به العقل؛ بل دل الإجماع عليه، فإن الصحابة لم ينسخوا نص القرآن بخبر الواحد . السادس : وذكره إلكِيا: أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ، حتى لا يلزم البداء. قال: ولا يشترط بالاتفاق أن يكون اللفظ الناسخ متناولا لما تناوله المنسوخ، أعني التكرار والبقاء، إذ لا يمنع فهم البقاء بدليل آخر سوى اللفظ، ومن هنا يفارق التخصيص . السابع: أن يكون مما يجوز أن يكون مشروعا، وأن لا يكون مما لا يحتمل التوقيت نسخا، مع كونه مشروعا. فلا يدخل النسخ أصل التوحيد بحال، لأن الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال، وكذا ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت فلا يدخله نسخ، كشريعتنا هذه. قال سليم: وكل ما لا يكون إلا على صفة واحدة كمعرفة الله تعالى ووحدانيته ونحوه فلا يدخله النسخ. ومن هنا يعلم أنه لا نسخ في الأخبار، إذ لا يتصور وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق. وكذا قال إلْكِيا الطبري. وقال: الضابط فيما ينسخ ما يتغير حاله من حسن لقبح. واعلم أن في جواز نسخ الحكم المعلق بالتأبيد وجهين، حكاهما الماوردي والرُّؤْياني وغيرهما: أحدهما: المنع، لأن صريح التأبيد مانع من احتمال النسخ. قال: وأشبههما الجواز. قلت: ونسبه ابن برهان إلى معظم العلماء، وأبو الحسين في ((المعتمد)) إلى المحققين. قال: لأن العادة في لفظ التأبيد المستعمل في لفظ الأمر المبالغة لا الدوام. وقال الماوردي: لأن المطلق يقتضي التأبيد كالمؤكد. ولأنه لما جاز انقطاع المؤبد بالاستثناء في قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ الآية [سورة النور / ٤] جاز انقطاعه بالنسخ كالمطلق . ٧٩ ونظير المسألة تخصيص الحكم المؤكد. وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): ظاهر كلام الجمهور جواز نسخ الحكم المصرح فيه بكلمة التأبيد، ومنعه جماعة . وقال الجَصَّاص: الصحيح عند أصحابنا امتناع نسخه، لأن الله تعالى ألزمنا اعتقاد الحكم باقيا على سبيل التأبيد بالتنصيص عليه، فلا يجوز أن يكون بقاؤه مؤقتا إلى وقت، وعلى ذلك جرى أبو منصور الماتريدي والدَّبُوسي والبَزْدَويَّان الأخوان، وادعى شارح البَزْدَوي في ((الكشف)) الاتفاق على أن التنصيص في وقت من أوقات الزمان بخصوصه يمنع النسخ، وليس كما قال. ثم ظاهر كلام ابن الحاجب تخصيص الجواز بما إذا كان إنشاء نحو: صوموا أبدا، بخلاف ما إذا كان خبرا مثل الصوم واجب مستمر أبدا، فلا يجوز نسخه. وفي كلام الآمدي إشارة إليه. والفرق واضح إذ يلزم من نسخ الخبر الخلاف. وكذلك إمام الحرمين حيث قال في أول النسخ: فإن قيل: لو قال: هذا الحكم مؤبدًا لا ينسخه شيء، فهل يجوز تقدير نسخه؟ قلنا: لا، لأن في تقدير وروده تجويز الخلف. اهـ . ولكن هذه العلة لا خصوصية لها بالمؤبد، فإن الخبر من حيث هو يمتنع فيه لنسخ، لا من حيث التأبيد . وصواب العبارة أن يقال: التقييد بالتأبيد لا يزيد حكما متجددا، بل هو تأكيد، سواء كان في الخبر أم الإنشاء ، أما في الخبر فلا خلاف، وأما في الإنشاء فعلى المختار. وقال بعضهم: إنما منع ابن الحاجب بعض الإنشاءات فكأنه فصّل بين أن يكون التأبيد قيدا في فعل المكلف، نحو: صوموا أبدا فيجوز، وبين أن يكون قيدا للوجوب وبيانا لمدة بقائه واستمراره فلا يجوز. قلت: وهذا هو الصواب كما صرح به في المنتهى . ٨٠