Indexed OCR Text
Pages 41-60
وراء ذلكم﴾ [سورة النساء / ٢٤]. وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ [سورة المجادلة / ٤] ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [سورة النساء / ٤٣] فإن لم يفهم مدلوله على ثبوت هذه الأحكام قبل هذه الشروط ثبت الحكم على العدم . اهـ . النوع الخامس مفهوم العَدد وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أو ناقصا، كقوله: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا)، وقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [سورة النور / ٤] وهو دليل مستعمل كالصفة سواء كما قال الشيخ أبو حامد وابن السَّمْعاني. ونقله أبو حامد عن نص الشافعي، وكذا القاضيان: أبو الطيب الطبري والَاوَرْدي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفى، وجرى عليه الإمام والغزالي وابن الصباغ في ((العدة)) وسليم. قال: وهو دليلنا في نصاب الزكاة، والتحريم بخمس رضعات. وقال ابن الرِّفْعَة في باب الجماعة من ((المطلب)): إنه العمدة لنا في عدم تنقيص الأحجار في الاستنجاء عن الثلاثة، والزيادة على ثلاثة أيام في خيار الشرط، وتعجبت من النووي في قوله: إن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين. قال: ولعله سبق الوهم إليه من اللقب، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن منصوص أحمد. وبه قال مالك وداود. وقال آخرون: لا يدل، وهو رأي منكري الصفة كالقاضي وإمام الحرمين. وقد قال به صاحب الهداية من الحنفية. فقال في قوله: (خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم) : إنه يبقى غيرها بالعدد. وأجاب عن (خمس رضعات) بأنه إنما لم ينتف تحريم الرضعة، لثبوته / في إطلاق: ﴿أرضعنكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] الصريح. ١٩٧ /١ وقال أبو بكر الرازي: كنت أسمع كثيرا من مشايخنا يقولون في المخصوص: ٤١ إنه حجة، كقوله: (خمس فواسق). وقوله: (أحلت لنا ميتتان، ودمان)، فدل على أن غيرهما من الميتة غير مباح . ولقيت محمد بن شجاع قد احتج به، ولا أعرف جواب المتقدمين من أصحابنا عنه. قال: والقائلون بهذا فرقوا بين أن يصرح بالعدد كما ذكرنا فيكون حجة، وبين أن لا يصرح به كقوله: (الذهب بالذهب مثلا بمثل)، إلى آخر الأصناف الستة فلا يدل على أن ما عداه بخلافه؛ لأنه لم يقل: إن الربا في الستة، كما قيل: خمس يقتلهن المحرم . وقال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف أصحاب أبي حنيفة في العدد إذا ورد مقرونا باللفظ، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ثم ناقضوا أصلهم في الزيادة على النص، فجعلوه أقوى النصين، ومنعوا من الزيادة عليه بالقياس، كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [سورة النور / ٤] وقالوا: إنه يدل على سقوط التغريب . وممن أنكر العدد الإمام الرازي بعد تفصيل سبقه إليه أبو الحسين في ((المعتمد))، ونبه عليه الآمدي أيضا. وحاصله أنه لا يدل، فإنه قال: الحكم المقيد بعدد إن كان معلول ذلك العدد ثبت في الزائد لوجوده فيه كما في: جَلَدَ مائة، أو حَكَمَ بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة؛ وإلا يلزم، كما أوجب مائة جلدة. والناقص عن ذلك العدد، إن كان داخلا فيه وكان الحكم إيجابا أو إباحة ثبت فيه، كما أوجب أو أباح جلد مائة؛ وإن كان تحريما فلا يلزم. وإن لم يكن داخلا فيه، كالحكم بشهادة شاهد واحد، فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين، فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأولى، والإيجاب والإباحة لا يلزمان. قال: فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل. تنبيهات الأول : محل الخلاف فيما لم يقصد به التكثير، فأما المقصود به كالألف، والسبعين، وغيرهما، فما جرى في لسان العرب للمبالغة، فلا يدل بمجرده على التحديد. ذكره ابن فُورَك. وكلام الباقين في الجواب عن الحديث مصرح به، واستثنى ابن الصباغ في ((العدة)) ما إذا كان في العدد تنبيه على ما زاد عليه، كقوله: ٤٢ (اذا بلغ الماء قلتين) فإنه تنبيه على أن ما زاد عليهما أولى بأن لا يحمل. الثاني: قال بعض المتأخرين: محل الخلاف إنما هو عند ذكر العدد نفسه، كاثنين، وثلاثة. أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة، كقوله: (أحلت لنا ميتتان ودمان)، فلا يكون تحريم ميتة ثالثة مأخوذا من مفهوم العدد. لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله: (إذا بلغ الماء قلتين) وليس كذلك، لأنه ليس فيه اسم عدد، والفرق أن العدد يشبه الصفة، والمعدود يشبه اللقب، ولا فرق فيه بين أن يكون واحدا أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلت: رجال، لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى، لأنه اسم موضوع لاثنين، كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد، فمن ثَمَّ لم يكن قوله: (ميتتان ودمان) يدل على نفي حل ميتة ثالثة، كما أنه لو قال: أحلت لنا ميتة، لم يدل على عدم حل أخرى. الثالث: أنه من أشهر حجج المثبتين أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [سورة التوبة / ٨٠] قال النبي عليه السلام: (لأزيدن على السبعين) فعلم من الآية أن حكم ما زاد على السبعين بخلافه . وأجيب بأنه لعله قاله رجاء حصول المغفرة بناء على بقاء حكم الأصل، فإن رجاءها كان ثابتا قبل نزول الآية، لا لأنه فهمه من التقييد . وأجاب القاضي أبو بكر والإمام والغزالي ومن تابعهم بالطعن في الحديث، وقالوا لم يصح، وهذا غير مستقيم، فإنه مخرج في الصحيحين، لكن بلفظ سأزيد على السبعين. قال أبو بكر الرازي: فأما ما رواه أبو عبيد: لأزيدن على السبعين، فهي رواية باطلة لا تصح، ولا تجوز عليه، فإنه يمتنع غفران ذنب الكافر، وإنما المروي: لو علمت أن يغفر له إذا زدت على السبعين لزدت. قلت: هكذا رواه البخاري في باب الجنائز بلفظ: (لو علمت أني إن زدت على السبعين يغفر له، لزدت عليها) . وقال ابن فُورَك: لا معنى لتوهين الحديث، لأنه قد صح، وليس بمنكر استغفارُه عليه السلام، لأنها لا تستحيل عقلا، والإجابة ممكنة. ولو خُلينا وظاهرٌ ٤٣ الآية لكان الزائد على السبعين يقتضي الغفران؛ لكنه نزل بعده: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [سورة التوبة / ٨٤]. فدل ذلك على زوال حكم المفهوم؛ فإن صلاته عليه السلام توجب المغفرة، ولهذا امتنع من الصلاة على المَدِين . وتلطف القاضي ابن المنير، فقال: لعل القصد بالاستغفار التخفيف كما في دعائه لأبي طالب. وقوله: (لأزيدن على السبعين) أي أفعل ذلك لأثاب على الاستغفار، فإنه عبادة . وقول الأصوليين: إن أسماء العدد نصوص، ليس على إطلاقه؛ بل هي نصوص(١) بقرائن الأحوال إذا قصد الكثرة، كقولك: جئت ألف مرة. ومنه حثه عليه السلام على صوم عشر ذي الحجة، وإنما هو تسعة أيام خاصة، ولو نذر صوم هذا العشر لم يكن ناذرا صوم يوم العيد، ولا عاصيا بهذا اللفظ إجماعا، فدل على أن العشرة قد تطلق على التسعة تقريبا . النوع السادس مَفهومِ الحَال أي تقييد الخطاب بالحال، كقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] وهو كالصفة. قاله ابن السَّمْعاني. ولم يذكره المتأخرون لرجوعه إلى الصفة. وقد ذكره سليم في ((التقريب)) وإلكِيا. ومثلاه بالآية، وكذلك ابن فُورَك في كتابه. وقال: هذه الواو تنبىء عن حال مَنْ وقع عليه كما تقول: لا تأكل السمك، وتشرب اللبن بالرفع، أي في حال شربك اللبن. فيكون تخصيصا للحال ، فيدل على أن ما لا حال فيه حكمه بخلافه . (١) بياض في جميع النسخ التي بأيدينا . ٤٤ النوع السابع مَفهوم الزمَان كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [سورة البقرة / ١٩٧] ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [سورة الجمعة / ٩] وهو حجة عند الشافعي كما نقله الإمام والغزالي في ((المنخول)) ولو قال لوكيله: بع يوم الخميس، تعين عليه، لأنه قد يحتاج الى بيعه في ذلك الوقت، لكثرة الراغبين إذ ذاك، كما إذا أمره ببيع الفراء في الشتاء؛ ولو وكله بالعتق يوم الجمعة تعين، وليس له عتقه في غيره. ولو قال: طلق زوجتي يوم الخميس، فالمنقول أنه لا يقع قبل ذلك الوقت. وإن طلقها بعده وقع، واستشكله النووي. نعم، لو ادعى عليه بعشرة فقال: لا يلزمني تسليم هذا المال اليوم، لا يجعل مقرّاً به، لأن الأقارير لا تثبت/ بالمفهوم، نقله الرافعي عن القاضي ١٩٧ / ب الحسین. النوع الثامن مَفهوم المكَان نحو جلست أمام زيد، مفهومه أنه لم يجلس عن شماله، ونحو اضرب زيدا في الدار، قال تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [سورة البقرة / ١٩٨]. وهو حجة عند الشافعي أيضا، كما نقله الإمام والغزالي في ((المنخول)). ولو قال: بع في مكان كذا، تعين على الأصح. وهنا بحث نفيس وهو أنه هل يشترط في الفاعل والمفعول أن يكونا في الظرف أم لا؟ مقتضى كلام النحاة أنه لا يشترط. وقد فرق أصحابنا بين ما لو قال: إن ٤٥ قتلت زيدا في المسجد فأنت طالق، أنه لابد من وجود القاتل والمقتول في المسجد. ولو قال: إن قذفت زيدا في المسجد فأنت طالق، يشترط وجود القاذف في المسجد . والتحقيق في هذه القاعدة التفصيل بين المشخصات الحسية، فيشترط وجودها كالمسألة الأولى، وإلا فيشترط وجود الفاعل في الظرف كالثانية . وينشأ عن هذا الخلاف بيننا وبين الحنفية في حديث: (صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد) فهم يقولون كان النبي صل﴿ في المسجد، وسهيل خارجه. قلنا: هذا ضعيف لأن الصلاة من الحسيات، فلابد من وجود الفاعل والمفعول. وأما من جهة الواقع فليس في حائط المسجد فرجة حتى يراه النبي وَلير، ومثله: (البصاق في المسجد خطيئة)، هل يمتنع على من بالمسجد أن يبصق إلى خارج المسجد؟ فيه هذا العمل. تنبيه [مفهوم ظرفي الزمان والمكان راجع إلى الصفة عند إمام الحرمين] أشار إمام الحرمين إلى رجوع هذا وما قبله إلى الصفة، لأن الظرفين يقدر فيهما الصفة. فإذا قلت: زيد في الدار، فالمراد كائن فيها. وإذا قلت: القيام يوم الجمعة، فالمراد واقع يوم الجمعة، والكون والوقوع صفتان. النوع التاسع مفهوم الغاية وَمَد الحكم بإلى وَحتى كقوله: ﴿ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] وقوله: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) يدل على الوجوب عند الحول، لأن الحول جعل غاية للشيء، وغاية الشيء آخره. وقد نص الشافعي على القول به، فقال في ((الأم)): وما جعل الله له غاية، فالحكم بعد ٤٦ مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها. ثم مَثَل بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾ الآية [سورة النساء / ١٠١] . وكان في شرط القصر لهم بحالة موصوفة دليل على أن حكمهم في غير تلك الصفة غير القصر. اهـ . وقد اعترف به جمع من منكري المفهوم الشرطي، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين. وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم كما قاله القاضي وابن القَشَيري، وحكى ابن برهان وصاحب ((المعتمد)) الاتفاق عليه. وقال سليم: لم يختلف أهل العراق في ذلك. وخالف الأشعرية في ذلك . وقال القاضي في ((التقريب)): صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقييد بحروف الغاية يدل على انتفاء الحكم وراء الغاية، ثم قال: وكنّا قد نصرنا إبطال حكم الغاية في كتب، والأوضح عندنا الآن القول بها، فإذا قال: اضرب عبدي حتى يتوب، اقتضى ذلك بالوضع الكف عن ضربه إذا تاب، ولهذا أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، وغاية الشيء نهايته. فلو ثبت الحكم بعدها لم تفد تسميتها غاية . قال: وهذا مِنْ توقيف اللغة معلوم، فكان بمنزلة قولهم: تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها. واحتج القاضي أيضا بالاتفاق على أنك تقدر في غاية الطهر فتقول في: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] تقديره فاقربوهن، وفي ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [سورة البقرة / ٢٣٠] فتحل ونحو ذلك، وهذا الكلام من القاضي يقتضي أن مذهبه أن ثبوت الحكم فيما بعد الغاية من جهة المنطوق لا المفهوم فتنبه لذلك . وكذا قال العَبْدَرِي في ((المستوفى)) وابن الحاج في تعليقه على ((المستصفى)): عَدُّ الأصوليين المغيّا ((بإلى، وحتى)) في المفهوم جهل بكلام العرب، فإن المخالف بما يقتضيه ((حتى، وإلى)) لا من جهة المفهوم. قلت: ويلزمهم أن يقولوا بذلك في الشرط، فإن الجزاء مرتبط به عند أهل اللسان، وهو غير مستقل بنفسه كالغاية . وذهب الآمدي وطائفة من الحنفية إلى المنع تصميمها على إنكار المفهوم. ونقله المازري عن الأزدي تلميذ القاضي أبي بكر. وقد سبق في التخصيص بالغاية ما ٤٧ يستدعي تجديد العهد به ههنا. والحاصل أن الخلاف هنا كخلاف مفهوم الحصر، قيل: لا يفيد. وقيل: منطوق. وقيل: مفهوم . تنبيهات الأول : فسروا الغاية بمد الحكم بإلى وحتى، وألحق به بعضهم مدها بصريح الكلام، نحو صوموا صوما آخِرُهُ الليل. قال الهندي: وفيه نظر . الثاني: ظن بعضهم أن هذا الخلاف السابق، هل يَدخْل في المغيّا؟ وليس كذلك، بل ذلك كلام في الغاية نفسها، والكلام هنا فيما بعد الغاية. فلنا في نحو قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ [سورة المائدة / ٦] ثلاث قضايا: غسل ما دون المرفق، وهو بالمنطوق، وغسل المرفق، وهو الخلاف في أن الغاية هل تدخل؟ وعدم غسل ما بعد المرفق، وهو خلاف المفهوم . الثالث: إذا تُصُوّرِ في الغاية تطاول، فهل يتعلق الحكم بأولها أم يتوقف على تمامها؟ هذا الأصل وَلّدته من الخلاف في أن دم التمتع يجب عندنا إذا فرغ من العمرة أو أحرم بالحج، لأنه به يسمى متمتعا. وقال مالك: ما لم يقف بعرفة لا يجب دم التمتع به. وقال عطاء: ما لم يرم جمرة العقبة. والدليل في المسألة قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] فنحن نقول كلمة ((إلى)) للغاية، فيكتفى بأولها، ولا يشترط الاستيعاب والخصم يشرطه، ومبنى حملنا قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فإن استيعاب جميع الليل لا يكون شرطا، فكذا هنا . ٤٨ النوع العاشر مَفهوم الاستثناء نحو لا إله إلا الله، ولا عالم في البلد إلا زيد، ونحو ما قام القوم إلا زيد. وهو يدل على ثبوت ضد الحكم السابق للمستثنى منه للمستثنى، فإن كانت القضية السابقة نفيا كان المستثنى مثبتاً، أو إثباتا كان منفيا . وقد اعترف به أكثر منكري المفهوم، كالقاضي والغزالي، وأصرت الحنفية على الإنكار بناء على أنه لا عمل للاستثناء في المنفي عن غيره، وإنما مقتضاه الثبوت فقط، وقد سبقت المسألة، في باب التخصيص. ثم اختلفوا في دلالة النفي والاستثناء على الثبوت : قيل: بالمفهوم، والصحيح أنها بالمنطوق، بدليل أنه لو قال: ما له علي إلا دينار، كان ذلك إقرارا بالدينار حتى يؤاخذ به، ولولا أنه منطوق لما ثبتت المؤاخذة، لأن دلالة المفهوم لا تعتبر في الإقرار . وبذلك صرح أبو الحسين بن القطان فقال: نحو قوله: (لا نكاح إلا بولي)، (ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) هي النفي والإثبات معا بالمنطوق، والآخر بالمفهوم. قال أبو الحسين هما جميعا بالمنطوق، وليس أحدهما / بالمفهوم. ١٩٨ / أ لأن قوله: (لا صيام) نفى للصيام عند عدم النية، وإثبات له عند وجودها، كقولك: لا تعط زيدا شيئا إلا أن يدخل الدار، فكان العطاء والمنع منصوصا عليهما، فكذلك هنا. اهـ . ٤٩ النوع الحادى عشر [مَفهومِ الحَصْر] وله صيغ: الأولى: وهي أقواها تقديم النفي على إلّ نحو ما قام إلا زيد، يدل على نفي القيام عن غيره، وإثباته له، ونحو لا صلاة إلا بطهور، وهو أحد نوعي الاستثناء، وقد سبق، بل قال جماعة: إن ذلك منطوق لا مفهوم، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في ((الملخص)) ورجحه القَرَافي في ((القواعد)). وقال الَمَاوَرْدي: النفي إذا تجرد عن الإثبات فإن كان جوابا لسؤال سائل لا يكون موجبا لإثبات ما عداه، كقوله: (لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان) فلا يدل على التحريم بالثالثة. وإن كان ابتداء كقوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) فيدل على ثبوتها بالطهور، ويكون نفي الحكم عن تلك الصفة موجبا لإثباته عند عدمها، وهو الظاهر من مذهب الشافعي. قال: ويحتمل قول من جعل ماعدا الإثبات في ((إنما)) موقوفا أن يجعل ما عدا النفي موقوفا . وقال سليم في ((التقريب)): (لا صلاة إلا بطهور) يفيد إجزاء الصلاة بالطهور. ومن أصحابنا من قال: يفيد أن الطهارة شرط في الصلاة، ولا يفيد إجزاءها. وهذا غلط، لأن قوله: (إلا بطهور) يقتضي رد جميع ما نفاه بقوله: (لا صلاة) وإثباته. قال: وهذا اللفظ لا يدل على وجوب الصلاة والطهارة، وذهب ابن الدَّقاق إلى أنه يدل على وجوب الطهارة والصلاة، وغلط في ذلك؛ لأنه يصح استعمال هذا اللفظ في النوافل، فيقال: لا صلاة نافلة إلا بطهارة. وإنما يدل على صحتها وإجزائها بالطهارة . وقال إليكِيا: المفهوم يجري في النفي كالإثبات، ولا فرق بين قوله: القطع في ربع دينار، وبين قوله: لا قطع إلا في ربع دينار. قال: ومن العلماء من قال: إذا قال: لا قطع إلا في ربع دينار، كان نصا في القطع في الربع مفهوما في الذي فوقه ودونه . ١٠ وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): الإثبات بعد النفي في الاستثناء المفرغ مفيد للحصر، أي ينفرد ما بعد ((إلا)) بذلك دون العام المقدَّر. فإذا قلت: ما جاء إلا زيد، فزيد منفرد بالمجيء دون الآخرين المقدَّرين في: ما جاء أحد. وإذا قلت: ما زيد إلا بشر، لا يلزم أن لا يكون بشرا غيره، لأنك إنما أثبتها له دون غيرها من الصفات. ولم تتعرض لنفيها عمن عداه. وهكذا في كل مستثنى هو في الحقيقة كالصفة والحال. نحو ما جاء زيد إلا راكبا ، وما زيد إلا عالم، لم ترد نفي الركوب والعلم عمن عداه، وإنما أردت ثبوت هذه الصفات له، وذلك ثابت . فإن قلت: فلزم أن يكون ثَمَّ منفي عام، وهذا مثبت منه دونه، فيكون المعنى إثبات هذه الصفة له دون غيرها من الصفات. وهو غير مستقيم، فإنك إذا قلت: ما زيد إلا قائم، لم يستقم نفي جميع الصفات عن زيد . فالجواب أن هذا كان القياس، ولكنه أتى على غيره لأمرين: أحدهما: أنه لو اعتبر ذلك لامتنع استعمال هذا الباب فيه، فيفوت كل معناه منه. والثاني: أنهم قصدوا إثبات ذلك ونفي ما يتوهم المتوهم مما يضاد ذلك، وكذلك قوله: (لا صلاة إلا بطهور) فإن المعنى إثبات الطهارة للصلاة المشروعة، لا إثبات الطهارة لها خاصة، حتى يلزم أنها إذا وجدت وجدت، إذ قد توجد الطهارة ولا تشرع الصلاة لفوات شرط آخر . الثانية : وهو قريب مما قبله في القوة: الحصر بإنما. نحو إنما زيد في الدار، مفهومه أنه ليس في غيرها. قال إلكِيا: وهو أقوى من الغاية. وقد نص عليه الشافعي في ((الأم)) فقال: وإذا أسلم الرجل على يد الرجل، ووالاه، ثم مات، لم يكن له ميراثه من قبيل قوله رير: (إنما الولاء لمن أعتق). وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أن الولاء لا يكون إلا لمن أعتق. والثاني: لا يتحول الولاء عمن أعتق. ولهذا قال الماوَرْدي في ((الحاوي)): مذهب الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي . وذهب ابن سُرَيج وأبو حامد والمرْ وَرُّوذي إلى أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل لما تضمنته من الاحتمال. والمذهب الأول: أنها في قوة ((ما، وإلا))، ٥١ لكن اختلفوا في أن المنفي فيها بالمنطوق أو المفهوم على وجهين. قال: وعلى هذا فإذا انتفى حكم الإثبات عما عداه، فقد اختلف أصحابنا في موجب نفيه عنه. أحدهما: أوجبه لسان العرب لغة. والثاني: أوجبه دليل الخطاب شرعا. قال: ولا فرق في هذا النوع بين أن يقع جوابا أو ابتداء بخلاف ما سبق في مفهوم الصفة . اهـ . وقد قال به الشيخ أبو إسحاق والإمام الرازي، وقال القاضي عبد الوهاب: ((إنما)) لتحقيق المتصل، وتمحيق المنفصل؛ ونقل ابن القُشَيري عن القاضي القول به بعد تردده، لأن العرب لا تفصل بين قولك: إنما الربا في النسيئة، ولا ربا إلا في النسيئة . وقد سمى أهل اللغة ذلك تمحيقا وتحقيقا، ونفيا وإثباتا. قال ابن القُشَيْري: ولعل الأصح أن الظاهر من هذا اللفظ اقتضاء النفي، ثم يجوز تركه بدليل. فمن قال بالمفهوم، قال: هذا نقيض النفي، ومن لم يقل به تردد. وحكى الغزالي عن القاضي أنه ظاهر في الحصر، محتمل في التأكيد، واختاره. وقد سبق في فصل الحروف في الكلام على ((إنما)) بقية المذاهب. وفيه ما يتعين استحضاره هنا . الثالثة : حصر المبتدأ في الخبر سواء كان الخبر مقرونا باللام نحو العالم زيد، أو مضافا نحو صديقي زيد، يفيد حصر المبتدأ في الخبر عند عدم قرينة عهد، ومن قال بإفادته الحصر إمام الحرمين والغزالي والهراسي وغيرهم من الفقهاء . وأنكرها القاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين، وتبعهم الآمدي . واختلف الأولون في أنه هل يفيد الحصر بالمنطوق أو المفهوم؟ فذهب الإمام الرازي ومن تبعه إلى الأول، واستدل في ((المطالب العالية)) على أن الله خالق لأفعال العباد بقوله تعالى: ﴿هو الله الخالق﴾ [سورة الحشر / ٢٤]. قال: وهذا التركيب يفيد الحصر . وذهب الغزالي وبعض الفقهاء إلى الثاني. قال الغزالي: وإنما أفاد الحصر، لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر أو مساويا، ويمتنع أن يكون أعم لغة وعقلا، فلا يجوز الحيوان إنسان، ولا الزوج عشرة، بل الإنسان حيوان، والعشرة زوج. ٥٢ والعرب لم تتبع إلا الصدق، والمساوي يجب أن يكون محصوراً في مساويه. والأخص محصورا في أعمه. وإلا لم يكن أخص، ولا مساويا. قالوا: فلو لم تقتض الحصر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر، وهو غير جائز. بيانه: أنا إذا قلنا: العَالِ زيد فالألف واللام ليست للجنس قطعا ولا للعهد، فتعين أن تكون لماهية العَالِمِ، وتلك / الماهية إما أن تكون موجودة في غير زيد أو لا، فإن لم تكن ١٩٨ / ب انحصرت العَالمية في زيد وهو المطلوب، وإن كانت موجودة في غيره فتكون أعم من زيد، وزيد أخص منها. وقد أخبرتم عنها فلزم الإخبار بالأعم عن الأخص، كما ادعينا . قيل: وهذا الدليل إنما يتم بجعل العَالِ مُخْبَرًا عنه. وزيد مخبرا به. أما لو جعل العالم خبرا مقدما على المخبر عنه، فحينئذ لا فرق بين العالم زيد، وزيد العالم. ثم نقول: العالم زيد يفيد الحصر، وأيضا لو جعل الألف واللام في العالم للمعهود، وهي معنى الكامل والمشتهر في العالمية، فحينئذ يفيد المبالغة، ولا يفيد الحصر. هذا إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين، وقد خيرنا فيهما، أما اذا كان المبتدأ معرفة والخبر نكرة، نحو زيد قائم، فلا حصر فيها قطعا، فإنه لا ينحصر زيد في القيام قطعا . وقال العَبْدَرِي: ما ذكره الغزالي من أنه لا يجوز صديقي زيد، فليس بصحيح؛ بل هو جائز، ويكون المبتدأ لفظا خاصا لا عاما، وإنما أوقعه في هذا الغلط كون الصداقة لفظا عاما. نعم، هو عام إذا انفرد فلم يقع خبرا ولا مبتدأ ولا صفة، فيقال: «صديقي)) يصلح للخبرية عن واحد وعن أکثر، فإذا وصف به موصوف أو أخبر به عن مبتدأ كان مفردا إذا كان المبتدأ أو الموصوف مفردا. فإن كان المبتدأ أو الموصوف مثنى أو جمعا كان هو كذلك، ويدل عليه الضمائر المقدرة فيه، فإنها تقدَّر على وفق من تعود عليه. مثاله: زيد صديقي هو، والزيدان صديقي هما، والزيدون صديقي هم. وقال ابن الحاجب في أماليه: زعم إمام الحرمين أنك إن أخرت صديقي كانت الصداقة غير محصورة في زيد، وإن قدمته كانت محصورة فيه، وكلامه يشعر بأنه ٥٣ خبر في الجملتين جميعا. وقال غيره هذا القول، وزعم أيهما قدم فهو المبتدأ. وقال قوم: باستواء التقديم والتأخير . وَوَجَّه قوم قول الإمام إن ((صديقي)) مقتض للخبرية، لإفادته النسبة إلى زيد، فإذا كان خبرا وأخرته لم يلزم الحصر لجواز أن يكون الخبر. أعم، كقولك: زيد عالم، فإذا قدمته مع كونه خبرا فلم تقدمه إلا لغرض، ولا غرض إلا قصد الحصر . ووجه القول الثاني أن المعرفتين إذا اجتمعا كان أسبقهما المبتدأ، فإذا قلت: زيد صديقي، فلا حصر، لجواز عموم الخبر، وإذا قلت: صديقي زيد أفاد الحصر، لأن المبتدأ صديقي، فلو قدرت الخبر عاما لم يستقم، فلابد من مطابقته، وأن لا صديق سواه. قال ابن الحاجب: وليس القولان بقويين . والدليل على القول الثالث: أن المعرفتين إذا اجتمعا فالمقدم هو المبتدأ مذكور في موضعه، وحينئذ: فقولك: صديقي زيد أو زيد صديقي، إما أن تريد بالصديق معهودا أو عموم الأصدقاء، فإن قَصَد واحدا، وقدم زيدا أو أخره فالمعنى واحد، وإن قصد عموم الأصدقاء وقدم زيدا أو أخره، وجب العموم. فإذا قلت: صديقي زيد، أي إن كلّ صداقة لي محصورة في زيد، أو زيد صديقي ، فزيد هو المخبر عنه، لا صديق سواه، وجب الحصر فيهما جميعا، ولو سلم تعيين صديقي للخبرية كما قاله الإمام فالمعنى فيهما واحد، فإنه إن أريد الخاص فلا عموم في التقديم أو التأخير أو أريد المعنى العام فالمعنى واحد، قدم أو أخر. وإنما فهم التغاير لتنزيله منزلة: العالم زيد، وليس هو نظيره. واعلم أنهم اختلفوا في المبتدأ إذا كان معرفة، والخبر نكرة، هل يفيد الحصر؟ فقيل: لا يفيد أصلا. واحتج له بقوله: (الصيام جنة)، فإنه لا يمتنع أن يكون غيره كذلك. وقد ثبت قوله: (فليتق النار ولو بشق تمرة). وقيل: يفيده. ثم اختلفوا هل يفيده من جهة المنطوق أو المفهوم؟ على قولين: فقيل: إنه بالمفهوم، ونقله ابن القُشَيْري عن الحنفية. قال: ولهذا لم يقبلوه. قال: وعندنا أنه ليس من قبيل المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر. ٥٤ ومن قال: زيد صديقي لم يتضمن نفي الصداقة عن غيره، فلو قال: صديقي زيد اقتضاه. قال: ولا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان عليه، لأنه غير نظم الكلام، فدل على قصد الاهتمام وحصر الصداقة فيه، وهو تابع لإمام الحرمين . وكذلك اختار الغزالي أنه منطوق، وجعله دون ((إنما)) في القوة، وكذلك إلكِيا، وقال: إن تلقي الحصر فيه مأخوذ من حيث اللفظ، فجعل جنس التحريم محصورا في المسكر. والصداقة مبتدأ، والمبتدأ لابد أن يكون معلوما للمخاطب وضعا، والصداقة لا تعرف إلا بصرفها إلى الجنس، فكأنه قال: جنس الصداقة محصور في زيد. ولو قال: زيد صديقي، لا يفهم منه أنه لا صديق سواه، لأنه جعل الصداقة خبرا، ولم يجعلها مبتدأ، فلم يعرفه المخاطب. قال: ويتلقى الحصر من فحوى اللفظ، ونظم الكلام. قال: ولهذا قال: إن تلقي المفهوم من الفحوى لا يسقط، لظهور فائدة التخصيص من جهة موافقة العادة أو السؤال حتى يجوز الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ [سورة البقرة / ٢٢٩] في نفي الحكم حالة المصافاة. قال: فيرجع حاصل نظر الإمام إلى أن التخصيص لا يدل على المخالفة في هذه الصورة وغيرها، ولكن حكم المخالفة يتلقى من الفحوى فهو يدل بالمنطوق لا بالمفهوم. اهـ . مسألة صورة المسألة في اللام الجنسية أما التي للتعريف أي للعهد فلا. ذكره صاحب ((الذخائر)) من الفقهاء . قال في باب الرد بالعيب، في الكلام على زوائد المبيع: للمشتري بعد القبض وقبله، لقوله وَ* (الخراج بالضمان) فالحديث يقتضي أنها للبائع فيما قبل القبض، لأنه من ضمان البائع . فأجاب: للمذهب أن هذه الألف واللام في الخراج بالضمان للتعريف، فكأنه قال: الخراج في مقابلة مثل هذا بالضمان، ودل على هذا التقييد قيام الدليل من خارج أن ضمان الغاصب والمقبوض عن سوم البيع والعقود الفاسدة الضمان ٥٥ فيها، ولا خراج للضامن بالضمان. وقد كانت قصة الحدیث في بيع وجد فيه الرد بالعيب بعد القبض. وهذا لا يمنع ثبوت الخراج بملك أو نحوه، وإن لم يكن ضمانا، إذ لا حصر إلا في اللقب واللام الجنسية. هذا كلامه. مسألة [إفادة ضميرٌ الفَصَل بَين المبتدأ والخبر الحَصرِ] الإتيان بضمير الفصل بين المبتدأ والخبر(١) نحو زيد هو العالم، ومنه قوله تعالى: ﴿فالله هو الولي﴾ [سورة الشورى / ٩]. ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [سورة الكوثر / ٣]. ذكره البيانيون. وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): صار إليه بعض العلماء لوجهين: أحدهما: مثل قوله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [سورة الصافات / ١٧٣]. فإنه لم يُسق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دون غيرهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن المسرفين هم أصحاب النار﴾ [سورة غافر / ٤٣]. ﴿إن الله هو الغفور الرحيم﴾ [سورة ١٩٩ / أ الشورى / ٥]. والثاني: أنه لم يوضع إلا للفائدة، ولا فائدة في مثل / قوله: ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾ [سورة الزخرف / ٧٦] سوى الحصر . مسألة [ تقديم المعَمولات عَلَىْ عُوَامِلهَا ] تقديم المعمولات على عواملها(٢) نحو (إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [سورة الفاتحة /٥] ﴿وهم بأمره يعملون﴾ [سورة الأنبياء / ٢٧]. وقد صرح صاحب ((المحصول)) وغيره بدلالته على الحصر. قال بعضهم: ولا خلاف في إفادة هذا الحصر عند القائلين به من جهة المفهوم لا المنطوق. وذكره البيانيون أيضا. ورده ابن الحاجب في ((شرح المفصل))، والشيخ أبو حيان. وقال: الذي نص عليه أن (١) هذه هي الصيغة الرابعة من صيغ الحصر. (٢) هذه هي الصيغة الخامسة من صيغ الحصر. ٥٦ التقديم للاهتمام والعناية. فقال: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا مهتما بهما أو بعنايتهما. اهـ . وهذا إنما قاله سيبويه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول. قال: وذلك قولك: ضرب زيداً عبدُ الله. ثم قال: وكأنهم يقدمون ... إلى آخره. وليس هذا محل النزاع، لأن الكلام في تقديم المعمول على العامل، لا في تقديمه على الفاعل. وذكره في باب: ((ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل)). قال: وذلك قولك: زيدا ضربت، فالاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء مثله في ضرب زيد عمرا، وضرب زيدا عمرو، فهذا وإن كان محل النزاع فلا حجة فيه، لأنه إنما ذكره من الجهة التي شابه بها تقديم الفاعل على المفعول أو العكس في المثالين، وليس فيه من هذه الجهة إلا الاهتمام، ولا يبقى ذلك الذي اختص بها إذا تقدم على العامل وهي الحصر . والحق أن التقديم يفيد الاهتمام، وقد يفيد مع ذلك الاختصاص بقرائن، وهو الغالب، وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون﴾ [سورة الأنعام / ٤٠-٤١] فإن التقديم في الأولى قطعا ليس للاختصاص، وفي ((إياه)) قطعا للاختصاص، والذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم، بدليل قوله تعالى: ﴿كلا هدینا ونوحا هدینا من قبل﴾ [سورة الأنعام /٨٤] ﴿أفي الله شك﴾ [سورة إبراهيم / ١٠] إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ . وقد رد صاحب ((الفلك الدائر)) القاعدة بالآية الأولى. قيل: ورد ابن الحاجب في ((شرح المفصل)) القاعدة بقوله تعالى: ﴿بل الله فاعبد﴾ [سورة الزمر /٦٦] مع قوله: ﴿فاعبد اللّه مخلصا﴾ [سورة الزمر / ٢] فدل على أن التقديم والتأخير سواء. وهذا فيه نظر؛ بل ذلك يدل على عدم المساواة، فإنه حيث أخر المعمول أتى بما ينوب عن التقديم، وهو قوله : ﴿مخلصا﴾ [سورة الزمر /٢] ولو لم يذكره مع التقديم دل على إفادته الاختصاص والحصر، ولعل ابن الحاجب أراد الآية الأخرى، وهي: ﴿قل الله أعبد مخلصا له ديني﴾ [سورة الزمر /١٤] فقد ذكر ((مخلصا)) فيهما مع اختلافهما بالتقديم والتأخير . ٥٧ وقال ابن أبي الحديد في ((الفلك الدائر)): الحق أنه لا يدل على الاختصاص إلا بالقرائن، وإلا فقد كثر في القرآن التصريح به مع عدمه كقوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ [سورة الأنبياء /٣١] ولا يدل على أن غير الرواسي لم يجعله في الأرض. وقوله: ﴿إِن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [سورة طه /١١٨] ولم يكن ذلك مختصا به، فقد كانت حواء كذلك. وقوله: ﴿إِذ نفشت فيه غنم القوم﴾ [سورة الأنبياء / ٧٨] ولا يدل على أنها ما نفشت إلا فيه، لأن النفش انتشار الغنم من غير راع، سواء كان في حرث أو غيره. وقال تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [سورة الأنبياء /٧٨] فقدم الظرف، ولا يدل على أنه لم يشهد إلا حكمهم. وقال: ﴿ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ [سورة الأنبياء / ٩٠] ولا يدل على أنه لم يصلح زوجة أحد غيره. قال: وفي الكتاب ألف آية مثل هذه تبطل الاختصاص والحصر. قال: والصحيح أن القرينة تدل على الاختصاص لا بمجرد الصيغة. اهـ . وأنت إذا عرفت قيد العلة سهل الأمر. نعم، له شرطان: أحدهما: أن لا يكون المعمول مقدما على الوضع، فإنه لا يسمى مقدما حقيقة، كأسماء الاستفهام، والمبتدأ عند من يجعله معمولا لخبره. والثاني: أن لا يكون التقديم لمصلحة التركيب، مثل: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [سورة فصلت /١٧] على قراءة النصب . واعلم أن ظاهر كلام البيانيين أن الاختصاص والحصر والقصر بمعنى واحد، ولهذا يجعلون من الحصر تقديم الخبر، فهو عندهم مفيد للاختصاص والحصر. وحكى ابن الحاجب عن إمام الحرمين أنه استدل على أن مفهوم الصفة حجة بأنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره، لأنه بمعناه. وخالفهم بعض المتأخرين، وفرق بينهما بأن الاختصاص إعطاء الحكم لشيء والإعراض عما سواه، فهو مسكوت عنه؛ والحصر إعطاء الحكم له والتعرض لنفيه عما عداه، ففي الاختصاص قضية واحدة، وفي الحصر قضيتان. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد ففيه إثبات القيام لزيد ونفيه عما عداه. وهل ذلك بطريق المنطوق أو المفهوم خلاف ينبني عليه ما إذا قلت بعده: وعمرو، وهل هو نسخ أو تخصيص؟ ٥٨ فإن قلنا بالمنطوق فهو نسخ. وإن قلنا بالمفهوم فتخصيص . قال: ويدل على أن الحصر غير الاختصاص قوله تعالى: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ [سورة آل عمران /٧٤] فإنه لا يجوز أن يقال: إنه يقصر رحمته على من يشاء، لأنها لا تقصر، ولا تختص بها، لأنها لا تختص، بل مدلول الآية أنه يرحم من يشاء وغيرهم يعرض عنه . تنبيه : يدخل في هذا القسم تقديم الخبر، فإن الخبر معمول للمبتدأ على الصحيح . مسألة [في إفادة لام التعريف في الخَبر الحصرْ ] لام التعريف في الخبر نحو زيد المنطلق. ذكره الإمام فخر الدين في ((نهاية الإعجاز)) وهو مقتض حصر الخبر في المبتدأ، عكس الحصر في المبتدأ، فإن الأول يكون محصورا في الثاني. فإذا قلت: الصدِّيق هو الخليفة، وزيد هو المحدِّث، أي لا يتكلم فيها غيره. واللازم ثبوته في هذه المفهومات هو النقيض لا الحصر، ولا الخلاف . وقال أبو الوليد الباجي: قد ذكر شيخنا أبو إسحاق الشيرازي أن للحصر أربعة ألفاظ: ((إنما، والألف واللام)) نحو: (إنما الأعمال بالنيات). ولفظ ((ذلك))، كقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [سورة البقرة / ١٩٦] والإضافة، كقوله: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). قال أبو الوليد الباجي: والذي يصح عندي من ذلك لفظة: ((إنما)). قال: وقد ورد لمالك ما يقتضى أن لام كي عنده من حروف الحصر، وذلك أنه استدل على المنع من أكل الخيل والبغال والحمير بقوله: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [سورة النحل /٨]. ٥٩ مسألة التعليل بالمناسَبة قال الشيخ في ((شرح الإلمام)): الخلافيون من المتأخرين يقولون: التعليل بالمناسبة يقتضي الحصر، لأن قولنا: افعل كذا لكذا يمتنع أن يقال: فلعلّه لكذا، في العرف والاستعمال. فإذا قال: أعطيت هذا لِفَقْرِهِ، لم يحسن أن يقول: أعطيته لعلمه . ٦٠