Indexed OCR Text

Pages 341-360

[الثالث]
التخْصَّيِصُ بِالصّفَةِ
والمراد بها المعنوية لا النعت بخصوصه، نحو أكرم العلماء الزهاد، فإن التقييد
بالزهاد يخرج غيرهم. قال إمام الحرمين في باب القضاء من ((النهاية)): الوصف
عند أهل اللغة معناه التخصيص، فإذا قلت: رجل، شاع هذا في ذكر الرجال،
فإذا قلت: طويل، اقتضى ذاك تخصيصاً، فلا تزال تزيد وصفاً، فيزداد الموصوف
اختصاصاً، وكلما كثر الوصف قل الموصوف. اهـ.
وهي كالاستثناء في وجوب الاتصال وعودها إلى الجمل. قال المازري: ولا
خلاف في اتصال التوابع وهي النعت، والتوكيد، والعطف، والبدل؛ وإنما
الخلاف في الاستثناء. وقال بعضهم: الخلاف في الصفة النحوية، وهي التابع لما
قبله في إعرابه، أما الصفة الشرطية فلا خلاف فيها.
وقال أبو البركات بن تيمية: فأما الصفات وعطف البيان والتوكيد والبدل
ونحوها من المخصصات فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء. وقال الإمام فخر
الدين: إذا تعقبت الصفة شيئين، فإما أن تتعلق إحداهما بالأخرى، نحو أكرم
العرب والعجم المؤمنين عادت إليهما، وإما أن لا يكون كذلك نحو أكرم العلماء،
وجالس الفقهاء الزهاد، فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة. وللبحث فيه مجال
كما في الاستثناء. وقال الصَفِي الهندي: إن كانت الصفات كثيرة، وذكرت على
الجمع عقب جملة تقيدت بها أو على البدل فلواحدة غير مُعينة منها، وإن ذكرت
عقب جمل ففي العود إلى كلها أو إلى الأخيرة الخلاف.
٣٤١

مسألة
[تَوَسط الوَصف بَين الجمَل]
فأما إذا توسط الوصف بين الجمل، ففي عوده إلى الأخيرة خلاف حكاه ابن
داود، من أصحابنا في ((شرح مختصرِ المزني)). قال: وبنى عليهما القولان في إيجاب
المتعة للمطلقة بعد الدخول استنباطاً من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم
النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦]
قال: ووجه البناء أن الحكم المقصود إنما هو رفع الجناح عن المطلِّقين قبل
المسيس والفرْض، ثم إنه عطف عليه بقوله: ﴿ومتعوهن﴾ فإن أعدنا الصفة إليه
أيضاً لم تجب المتعة لغير هؤلاء، وكأنه قيل: ومتعوا المذكورات، فإن لم نعده
وجبت، وكأنه قيل: ومتعوا النساء. وقضيته عدم ترجيح عوده إليهما.
مسألة
[فائدة الصفَة]
الوصف إما أن يكون لمعرفة أو نكرة، فإن كان لنکرة ففائدته التخصيص، نحو
مررت برجل فاضل. ومنه ﴿آيات محكمات﴾ [سورة آل عمران / ٧] وإن كان لمعرفة
ففائدته التوضيح ليتميز به عن غيره، نحو زيد العالم، ومنه الصلاة الوسطى .
ويسميه البيانيون الصفة المفارقة (١).
وخالفهم ابن الزَّمَلْكَاني تلميذ ابن الحاجب في كتاب ((البرهان))، فقال: إذا دخلت
الصفة على اسم الجنس المعرَّف بالألف واللام كانت للتخصيص لا للتوضيح، لأن
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الفارقة.
٣٤٢

الحقيقة الكلية لو أريدت باسم الجنس من حيث هي هي كان الوصف لها نسخاً،
فتعين أن يكون مَعْنِيا بها الخاص، ثم الصفة تأتي مبينة لمراد المتكلم.
ويتفرع على هذا ما لو قال له: والله لا أشرب الماء البارد، فشرب الحارّ لم
يحنث، بخلاف مالو قال: والله لا كلمت زيدا الراكب فكلمه وهو جالس، فإنه
يحنث، إذ لم تفد الصفة فيه تقييداً وهو حسن. وقد يقال: إنه لا يخالف كلامهم،
لأن اسم الجنس عندهم في المعنى كالنكرة.
١٦٩/ب
وظاهر تصرف أصحابنا أن الصفة إذا وقعت للنكرة فهي للتوضيح، خلافاً لأبي
حنيفة فإنها للتخصيص، ولهذا / كانت العارية عندنا على الضمان وعنده على
الأمانة. ومنشأ الخلاف أن قوله عليه السلام: (عارية مضمونة)، هل مضمونة
للتخصيص أو للتوضيح؟ فعندنا للتوضيح وعنده للتخصيص. وكذلك العبد لا
يملك عندنا، وعنده يملكُ، ومدركه قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً
لا يقدر على شيء﴾ [سورة النحل / ٧٥]. هل هذا الوصف للتوضيح أو للتخصيص؟
فعندنا للتوضيح إذ العبد لا يخرج حاله عن هذا، وعنده للتخصيص على سبيل
الشرط .
تنبيه :
اتفقوا على القول بتخصيص العام بالصفة، واختلفوا في مفهوم الصفة، نحو
(في سائمة الغنم الزكاة). فلم اختلفوا فيه، واتفقوا هنا؟ والجواب أن الصفة تأتي
لرفع احتمال في أحد محتملين على السّواء، لأن الرقبة تتناول المؤمنة والكافرة، فإذا
قيّدت زال الاحتمال.
٣٤٣

٠
[الرابع]
[التخصيص بالغايَة]
وهي نهاية الشيء ومُنْقَطعه، وهي حد لثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها. ولها
لفظان: ((حتى، وإلى)) كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم﴾ [سورة
البقرة / ١٨٧] وقوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة / ٦] ونحو أكرم بني تميم،
حتى يدخلوا أو إلى أن يدخلوا، فيقتضي تخصيصه بما قبل الدخول.
والمقصود بالغاية ثبوت الحكم لما قبلها، والمعنى يرتفع بهذه الغاية، لأنه لو بقي
فيما وراء الغاية لم تكن الغاية منقطعاً، فلم تكن الغاية غاية؛ لكن هل يرتفع
الحكم من غير ثبوت ضد المحكوم عليه أم تدل على ثبوت المحكوم عليه
فقط؟ هو موضوع الخلاف كما في الاستثناء، والمختار الأول.
وأما ما جُعل غاية في نفسه فهل يندرج في حكم المعنى أم لا؟ فيه الخلاف الآتي
في المفهوم. فإذا قلت: اشتريت من كذا إلى كذا، أو من كذا حتى كذا، فلا
خلاف فيما قبْل الغاية أنه غير داخل، وأنّ ما بين مبتدأ الغاية ومنتهاها داخل، وإنما
الخلاف فيما بعد الغاية، ومنهم من فرق بين ((حتى)) فتدخل، و ((إلى)) فلا تدخل.
قال الْمَاوَرْدِي والرُّؤْياني: ويتعلق بالغاية إثبات ونفي كالاستثناء والشرط، إذ
الشرط موجب لثبوت الحكم بعده، ولا يبقى به(١) قبله؛ والغاية موجبة لثبوت الحكم
قبلها لا بعدها. فإن تعلق بالغاية شرط تعلق الإثبات بهما والنفي بأحدهما، كقوله
تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] وهذا غاية. ثم قال:
﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] وهذا شرط، فلا يستباح وطؤها إلا
بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمهما، أو عدم أحدهما من غاية أو
(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: وينتفي
٣٤٤

شرط. وكذا جعل ابن السَّمْعاني الآية من تعليق الحكم بغايةٍ وشرطٍ، والغسل
شرط، فكانا معتبرين في إباحة الإصابة.
وقال الأصوليون: يجوز أن يجعل للحكم غايتان كهذه الآية. وقال في
(المحصول)): الغاية هي الأخيرة، لأنها الذي يترتب عليه الحكم، وسميت الأولى
غاية مجازاً لقربها من الغاية واتصالها بها، ونوزع بأن هاتين غايتان لشيئين، فما
اجتمع غايتان، لأن التحريم الناشىء عن دم الحيض غايته انقطاع الدم، فإذا
انقطع حَدَثَ تحريمٌ آخر ناشىء عن عدم الغسل، فالغاية الثانية غاية هذا التحريم
الثاني. وقال غيره: ليس هنا غایتان، لأنهم قالوا: لها حرْفَانِ ((حتى، وإلى» ولیس
هنا غير ((حتى))، فلو كان الحرفان هنا لأمكن ما قالوا، وإنما هو نظير قولك لا تكرم
زيداً حتى يدخل الدار، فإذا دخل فأكرمه. وأيضاً فإن كان على قراءة التشديد في
﴿يطّهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] فالغاية واحدة، وهي تأكيد للمعنى الأول على قراءة
التخفيف، أي ينقطع حيضهن، فبعده ﴿فإذا تطهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] أي
اغتسلن، وهو شرط، فيتعارض مفهوم الغاية ومفهُوم الشرط، فأيّهما يقدم؟ الظاهر
تقديم مفهوم الشرط، وحمل القرآن على تكثير الفوائد أوْلى من حمله على التأكيد.
وحكى التَّبريزي في ((اختصار المحصول)) فيما إذا كانت الغاية لها جزءان أو
أجزاء خلافاً في أن الغاية هي الأولى أم الأخيرة؟ قال القَرَافي: ولم أره إلا فيه،
وغيره يحكي الاندراج مطلقاً، ولم يتعرض للأجزاء.
قلت: وهو قريب من الخلاف الفقهي في أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو
بمجرد غَسْله أم يتوقف على تمام الأعضاء؟ والأصح الأول. فقوله بَطّور: (لا يقبل
الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فالحدث مُغَيًّا بالوضوء، والوضوء
ذو أجزاء فهل يرتفع عن العضو بمجرده، أم لا يرتفع شيء منه حتى توجد الغاية
بتمامها؟ وكذلك قوله: ((إذا تطهر فَلَبِسَ خُفَيْهِ)) هل المراد تطهر طُهراً كاملاً، أوْ
طُهراً ما حتى لو غسل رِجْلاً، وأدخلها، ثم أخرى وأدخلها جازَ؟ وفيه خلاف،
هذا مأخذه.
وحكى غيره مذهباً ثالثاً بالتفصيل، فقال: إن كانت منفصلة عن ذي الغاية
٣٤٥

كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فالغاية أول جزء
منه، وإن لم تكن منفصلة كقوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة المائدة / ٦] فالغاية
آخر جزء من أجزائها.
واعلم أن الأصوليين أطلقوا كون الغاية من المخصِّصات، قال بعض
المتأخرين: وهذا الكلام مقيَّدُ بغايةٍ تَقَدَّمَهَا لفظ يشملها، لو لم يؤتَ بها، كقوله
تعالى: ﴿حتى يُعطوا الجزية﴾ [سورة التوبة / ٢٩] فإن هذه الغاية لو لم يؤت بها لقاتلنا
المشركين، أَعْطَوا الجزية أو لم يُعْطُوها. ووراءه صورتان:
إحداهما: غايةٌ لم يشملها العموم ولا صَدَقَ عليها اسمه، فلا يؤتى بها إلا
لعكس ما يؤتى بالغاية في القسم قبله، فإن تلك يؤتى بها لتخصيص العموم أو
تقييد المطلق؛ وهذه يؤتى بها لتحقيق العموم وتأكده وإعلام أنه لا خصوص فيه،
وأن الغاية فيه ذاكرة بحال قصد منه أن يتعقب الحال الأولى بحيث لا يتخللها
شيء.
ومثاله قوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى
يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق). فحالة البلوغ
والاستيقاظ والإفاقة تضاد حالات الصبا والنوم والجنون، وقصد بالغابة هنا
استيعاب رفع القلم لتلك الأزمنة بحيث لم يَدَع ولا آخر الأزمنة الملاصقة للبلوغ
والاستيقاظ والإفاقة، وهذا تحقيق للعموم.
ومنه قوله تعالى: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [سورة القدر / ٥] قُصِدَ به تحقيق أن الحالة
- الملاصقة لطلوع الفجر مما شمله ((سلام)) بما قبلها بطريق الأولى. وكذلك قوله
تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٢] فإن حالة الطهر لا يشملها
اسم الحيض.
والصورة الثانية: غاية شملها العموم، أتت أو لم تأت. فهذه أيضاً لا يؤتى بها
إلا لتحقيق العموم، كقولك: قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته. والمراد تحقيق
قراءتك للقرآن كله، بحيث لم تَدَع منه شيئاً، وكذلك قَطَعتُ أصابعه من الخِنْصر
٣٤٦

إلى البنصر(١)،المراد تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه. انتهى.
وحاصله أن ما يشمله العموم لو لم يأت هو مراد الأصوليين، ووراءه صورتان:
ما لم يشمله ألبتة، وما يشمله / وإن أتت. وهاتان لا تكون الغاية فيهما ٢/١٧٠
للتخصيص .
هذا كله في حكم ما بعد الغاية نفسها، هل يدخل في المغيًا، كقولك: أكلت
حتى قمت؟ هل يكون القيام محلاً للأكل؟ فيه مذاهب:
أحدها: أنه داخل فيما قبله.
والثاني: لا يدخل، وهو مذهب الشافعي والجمهور، كما قاله الإمام في
((البرهان)).
والثالث: أنه لا يدل على شيء، واختاره الآمدي. وهو ظاهر كلام الرافعي في
باب الوضوء.
والرابع: إن كان من جنسه دخل وإلا فلا، نحو بعتُك التفاح إلى هذه
الشجرة، فينظر في تلك الشجرة أهي من التفاح فتدخل أم لا، فلا تدخل؟ قاله
الرُّؤْياني في ((البحر)) في باب الوضوء، وحكاه أبو إسحاق الَّرْوَزِي عن المُرِّد.
والخامس: قال في المحصول: وهو الأولى إن تميَّز عما قبله بالحسّ، نحو ﴿أتموا
الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧] فإن حكم ما بعدها خلاف ما قبلها، وإن لم
يميّز حساً استمر ذلك الحكم على ما بعدها، مثل: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [سورة
المائدة / ٦] فإن المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس. قال القَرَافي: وقول
الإمام: يكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها مدخول من جهة أنا لا نعلم خلافاً فيما بعد
الغاية. وهذا يقتضي ثبوت الخلاف فيه، والخلاف ليس إلا في الغاية نفسها.
والسادس: إن اقترن ((بمنْ)) لم يدخل، نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه
الشجرة، فلا يدخل في البيع؛ وإن لم يقترن جاز أن يكون تحديداً، وأن يكون
بمعنى ((مع)).
(١) كذا في الأصل ولعل صوابه ((من الخنصر إلى الخنصر)) وإلا لم يتحقق العموم.
٣٤٧

قال إمام الحرمين في ((البرهان)): إنه مذهب سيبويه. وأنكره عليه ابن خروف.
وقال: لم يذكر سيبويه منه حرفاً، ولا هو مذهبه؛ والذي قاله في كتابه: إن ((إلى))
منتهى الابتداء. تقول: من مكان كذا إلى كذا، وكذلك ((حتى)) قال: ولها في
الفعل حالٌ ليس ((لإلى)). تقول: قمت إليه، فتجعله منتهاك من مكانك، ولا
تكون ((حتى)) هنا. فهذا أثر ((إلى))، وأصلها، وإن اتسعت فهي أعم في الكلام من
((حتى)). تقول: قمت إليه، فتجعله منتهاك من مكانك. ولا تقول: ((حتاه)). هذا
لفظ سيبويه. ولم يذكر في كتابه غير ذلك.
وهذا كله في غاية الانتهاء، أما غاية الابتداء ففيها قولان فقط. قاله القَرَافي.
وطرد الأصفهاني الخلاف فيها، فقال: وفيها مذاهب: يدخلان. لا يدخلان،
ثالثها: تدخل غاية الابتداء دون الانتهاء. رابعها: إن قرب(١) حسا خرجت، وإلّ
دخلت. خامسها: إن اختلف الجنس خرجت. ثم قال القَرَافي: وهذا الخلاف
مخصوص ((بإلى)) ولا يجرى في ((حتى)» لقول النحاة: إن المعطوف بحتى شرطه أن
يكون من جنس ما قبلها، وداخلاً في حكمه، وآخر جزء منه أو متصلاً به، أو فيه
معنى التعظيم أو التحقير، فقطعوا باندراج ما بعدها في الحكم، وخالفه
الأصفهاني. وقال: بل يجرى فيها، وهي إذا جاءت عاطفة ليست بمعنى ((إلى)) فلا
منافاة بين قول النحويين والأصوليين.
وههنا أمور:
أحدها: أن هذا الخلاف محله في غايةٍ يتقدمها لفظ يشملها على ما سبق
تقريره.
الثاني: أن من شَرْط المُغَيًّا أن يثبت قبل الغاية، ويتكرر حتى يصل إليها،
كقولك: سرت من البصرة إلى الكوفة؛ فإن السير الذي هو المغيًّا ثابت قبل
الكوفة، ويتكرر في طريقها. وعلى هذا يمنع أن يكون قوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾
[سورة المائدة / ٦] غاية لغسل اليد، لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى
الإبط. فليس ثابتاً قبل المرفق الذي هو غاية، فلا ينتظم غاية له، وإنما ينتظم أن
(١) كذا في الأصل، وما تقدم يقتضي ((إن تُميزَت حسًا .. الخ)).
٣٤٨
٠
٠

لو قيل: اغسلوا إلى المرافق لأن مطلوب الغسل ثابت إلى المرفق ومتكرر.
قال بعض الحنفية: فتعين أن يكون المغيا غير الغَسْل، ويكون التقدير: اتركوا
من آباطكم إلى المرافق فيكون مطلق الترك ثابتاً قبل المرفق، ويتكرر إليه، ويكون
الغسل نفسه لم يُغَيَّ، وفي هذا يتعارض المجاز والإضمار، فإنه إما أن يتجوز بلفظ
اليد إلى جزئها حتى يثبت قبل الغاية، ولا يضمر. وإما أن يضمر كما يقول: هذا
الحنفي، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [سورة البقرة / ١٨٧]
يقتضي ثبوت الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروبها،
وليس كذلك. ويشكل كون الليل غاية للصوم التام، وإنما ينتظم، لو قيل:
صوموا إلى الليل.
قال القَرَافي: أورده الشيخ عز الدين، وأجاب عنه بأن المراد أتموا كل جزء من
أجزاء الصوم بسنته وفضائله. وكرروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد
يحصل في جزء من أجزاء الصوم دون جزء، من جهة اجتناب الكذب والغيبة
والنميمة وغير ذلك مما يأباه الصومُ، وكذلك آدابه الخاصة: كترك السواك،
والتفكر في أمور النساء، وغير ذلك. فأمرنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس.
الثالث: أن أصحابنا في الفروع صححوا عدم دخولها فيها فيما إذا قال: بعتك
من هذا الجدار إلى هذا الجدار، لم يدخل الجدَارَانِ في البيع. وصححوا دخول
غاية الابتداء دون الانتهاء فيما لو قال: له على من درهم إلى عشرة، أو ضمنتُ
مالك عليه من درهم إلى عشرة. فالصحيح لزوم تسعة، ولو شرط في البيع الخيار
إلى الليل انقطع الخيار بغروب الشمس خلافاً لأبي حنيفة، فإنه أثبته إلى طلوع
الفجر، وكذا إذا باعه بثمن إلى شهر لم يدخل الشهر الثاني في الأجل. ولو وكله في
بيع عين بعشرة مؤجلة إلى يوم الخميس، لم يدخل يوم الخميس في الأجل. قاله في
((البحر)) ولو حلف ليقضينَ حقه إلى رأس الشهر، لم يدخل رأس الشهر في اليمين؛
بل يجب تقديم القضاء عليه. ولو قال: أردت ((بإلى)) معنى ((عند)) ففي قبوله
وجهان، حكاهما الغزالي في ((البسيط)) ورجح القبول.
٣٤٩

التخصيصٌ بالبَدل
أعني بدل البعض من الكل، نحو أكلت الرغيف ثلثه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم
عموا وصموا كثير منهم﴾ [سورة المائدة / ٧١] ذكره ابن الحاجب في مختصره. وأنكره
الصفي الهندي، قال: لأن المبدل كالمطروح، فلم يتحقق فيه معنى الإخراج،
والتخصيص لابد فيه من الإخراج، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولله على الناس
حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [سورة آل عمران / ٩٧] ، أن تقديره ولله حج
البيت على من استطاع، وكذا أنكره الأصفهاني شارح ((المحصول)). وهذا أحد
المذاهب فيه، والأكثرون على أنه ليس في نية الطرح.
قال السِّيرافى: زعم النحويون أنه في حكم تنحية الأول، وهو المبدل منه، ولا
يريدون بذلك إلغاءه، وإنما مرادهم أن البدل قائم بنفسه، وليس تبيينا للأول
كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت، وهو معه كالشيء الواحد، ومنهم من قال:
لا يحسن عَدّ البدل، لأن الأول في قولنا: أكلت الرغيف ثلثه، يشبه العام المراد به
الخصوص، لا العام المخصوص.
تنبيهان
الأول : إذا جعلناه من المخصصات فلا يجيء فيه خلاف الاستثناء في اشتراط
بقاء الأكثر؛ بل سواء قلّ ذلك البعض أو سَاوَاه أو زاد عليه، كأكلت الرغيف ثلثه
أو نصفه أو ثلثيه .
الثاني : يلتحق ببدل البعض / في ذلك بَدَلُ الاشتمال، لأن في كليهما
١٧٠ / ب
بيانا وتخصيصا للمبدل منه .
٣٥٠

التخصيص بالحَال
هو في المعنى كالصفة ، وظاهر كلام البيضاوي أنه إذا تعقب جملا عاد إلى
الجميع بالاتفاق، نحو أكرم ربيعة، وأعط مُضَر، نازلين بك. لكن صرح في
((المحصول)) بأنا نخصه بالأخيرة على قاعدة أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
التخصيص بالظَرفين وَالجَار والمَجَرور
نحو أكرم زيدا اليوم، أو في مكان كذا، ولو تعقب جملا، فظاهر كلام
البيضاوي الاتفاق على رجوعه إلى الجميع. وصرح في ((المحصول)) في الجار
والمجرور بأنا نخصه بالأخيرة، أما لو توسط فذكر ابن الحاجب في مسألة: ((لا يقتل
مسلم بكافر)) أن قولنا: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمراً ما يقتضي أن الحنفية
يقيدون به الثاني أيضاً .
وقال أبو البركات بن تيمية: فأما الجار والمجرور مثل أن نذكر جملا، ثم تقول:
على أنه أو بشرط أنه، ينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا، لتعلقه بالكلام لا
بالاسم، فهو بمنزلة الشرط اللفظي.
٣٥١

التَميِيز
نحو له عندي ملء هذا ذهبا. وإن تعقب جملا، فظاهر كلام البيضاوي عوده
إلى الجميع بالاتفاق. وينبغي أن يأتي فيه ما سبق في الحال، ويشهد للخلاف عندنا
ما لو قال: له عندي كذا وكذا درهما، فيلزمه درهمان على المذهب. وفي قول درهم
وشيء. والأول: ظاهر في العود إلى الجميع. والثاني: ظاهر في اختصاصه
بالأخيرة. وما لو قال: له على خمسة وعشرون درهما، هل قوله: درهما، تفسير لما
يليه من الجملتين، أو هو تفسير للجملتين؟ فيه وجهان، حكاهما الشّاشي في
((الحلية)). ونسب الأول للإِصْطَخْرِي وابن خَيْرَان. والثاني: للجمهور. وبنى
عليهما ما لو قال: بعتك هذا بخمسة وعشرين درهما. فعلى الأول لا يصح، وعلى
الثاني يصح .
مسألة
المميِّز إذا ورد على شيئين، وأمكن أن يكون مميزاً لكل واحد منهما، وأن يكون
مميزا للمجموع، فيه خلاف، يتخرج عليه مسألة: لو قال: إن حضتما حيضة،
فأنتما طالقان، وجهان: أحدهما : أنه لكل منهما. والثاني: للمجموع، وهو محال
فيكون تعليقا بمستحيل، ومِثلُهُ: إن دخلتما هاتين الدارين .
مـ
٣٥٢

المفعول مَعَهَ وَلَه
كل منهما مقيِّد للفعل، ويفترقان من جهة أن المفعول له هو الغرض الحامل على
الفعل، فهو لازم للفعل في المعنى، بخلاف المفعول معه. قال بعض النحويين:
وفي المفعول معه الفاعل مصاحب له، لا أنه مشترك مع صاحب الفعل في الفعل .
مسألة
قال الأستاذ أبو إسحق الأسفرايني في كتابه: اختلفوا في الجملتين المتصلتين إذا
أمكن إفراد كل واحدة بلفظها وحكمها، وقام الدليل على تخصيص إحداهما من
غير استثناء أو وصف متصل بهما، فقال الأكثرون: إنه لا يؤثر فيما اتصل به، ولا
يحمل على حكمه إلا بمثل دليله. وقال آخرون: إنه يوجب التسوية بينهما، وإذا لم
يمكن إفراد كل واحدة منهما بالحكم واللفظ كانتا كالجملة الواحدة، والاستثناء
عامل فيهما معا، وإن اختصت الدلالة بإحداهما .
مسألة
قال: وكذلك الحكم في الضمير، إذا اتصل بأحد الأجناس مع العطف فإنه
يعود إلى الجميع، كقولهم: أعطيت بني زيد، وأكرمت بني عمرو، وأکرموني
وأعطوني. وكقولهم: جاءني بنو فلان، وهم أكلوا، فالهاء والميم والواو والألف في
الجمع راجع إلى جميع ما تقدم، لا يخص منه شيء إلا بدليل. فإن جمع بين الذكور
والإناث، فإن وُصِلَ الكلام بسمة الجمع الموضوعة للإناث كانت للجنس المختص.
بها في أصل الوضع، كقولك : جاءني مسلمون ومؤمنات، فأكلن. ويجوز حمله على
الجميع بدليل نحو فأكلن، وأكلوا على الاختصار. وإن وصِل بالسمة الموضوعة
لجمع الذكور. فالظاهر رجوعها إلى الذكور، ولا يحمل على الجميع إلا بدليل.
٣٥٣

قال: ولا فرق في ذلك بين تقديمهم ما تعود الكناية إليه على غير جنسه، أو تقديم
جنسه عليه في أن الظاهر رد الضمير .
مسألة
إذا ذكر حكم، وعقب بشرط ثم ذكر بعده إشارة، هل تعود للشرط أو
للأصل؟ فيه خلاف بيننا وبين الحنفية، أصله أنه لا يكره للمكّي التمتع والقِران،
ولا يلزمه الدم عندنا وعنده يكره، ويلزمه الدم. ومنشأ الخلاف من قوله تعالى:
﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام﴾ [سورة
البقرة/١٩٦] إلى أن قال: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [سورة
البقرة/١٩٦] فعندنا ذلك يرجع إلى الدم وعنده إلى أصل التمتع .
٣٥٤

التخصيص بالأدلة المنفصلة
والمراد منه ما يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه . وقد
ذكروها ثلاثة : الحس، والعقل، والدليل السمعي. قال القَرَافي: والحصر غير
ثابت، فقد بقى التخصيص بالعوائد، كقولك: رأيت الناس فما رأيت أفضل من
زيد، والعادة تقضي بأنك لم تَرَ كلِّ الناس. وكذا التخصيص بقرائن الأحوال
كقولك لغلامك : ائتني بمن يحدّثني، فإن ذلك لمن يصلح لحديثه في مثل حاله.
والتخصيص بالقياس إلا أن يدعي دخوله في السمعي.
قلت: وقد ذكر الرافعي في باب الوكالة أن القرائن قد تَقْوَى فيترك لها إطلاق
اللفظ. قال: ألا ترى أنه إذا أمره في الصيف بشراء شيء(١) لا يشتريه في الشتاء.
قال: وقد يتعادل اللفظ والقرينة، وينشأ من تعادلهما خلاف في المسألة ، ثم نقل
بعد أوراق عن الإمام في الكلام على أن الوكيل هل يُؤَكَّل؟ أن الخلاف ناظر إلى
اللفظ والقرينة، وفي القرينة تردد في التعميم والتخصيص، وفي هذا فائدة أخرى،
وهي أن القرائن [قد] يثبت فيها العموم .
الأول: (التَّخصّص بَدَليل) العَقل
يجوز التخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا؛ فالأول : كتخصيص
قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر/ ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس
خالقا لنفسه. والثاني: كتخصيص قوله تعالى: ﴿ولله على الناس) الآية [سورة آل
عمران/٩٧] فإنا نخصص الطفل والمجنون لعدم فهمهما الخطاب. قال الشيخ
أبو حامد الأسفرايني: ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك .
(١) بيض في الأصل هنا لكلمة لعلها ((ثلج)) أو نحو ذلك.
٣٥٥

قال القاضي أبو بكر: وصورة المسألة أن الصيغة العامة إذا وردت واقتضى
العقل امتناع تعميمها، فيعلم من جهة العقل أن المراد بها خصوص ما لا يحيله
العقل، وليس المراد به أن العقل صلة للصيغة نازلة له منزلة الاستثناء المتصل
بالكلام؛ ولكن المراد به ما قدمناه، أنا نعلم بالعقل أن مطلق الصيغة لم يُرَدْ
تعميمها .
وقد منع بعضهم التخصيص بالعقل، وهو ظاهر نص الشافعي في ((الرسالة))،
فإنه قال في باب: ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام ويدخله الخصوص،
١/١٧١ ثم قال الشافعي /: قال الله عز وجل: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر / ٦٢]
وذكر قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها
ومستودعها﴾ [سورة هود/٦] فهذا عام لا خصوص فيه، فكل شيء من سماء وأرض
وذي روح وشجر وغير ذلك، فالله خالقه، وكل دابة فعلى الله رزقها، ويعلم
مستقرها ومستودعها. انتهى .
وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الشافعي، لأن التخصيص من العموم
◌ِّما يصح دخوله فيه، لولا دليل التخصيص، فأما الذي يستحيل دخوله في عموم
الخطاب فليس خروجه عنه تخصيصا.
وقال في كتاب ((التحصيل)): إن الشافعي نص عليه، قال في قوله تعالى ﴿الله
خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر / ٦٢] : إنه عام لا خصوص فيه. واعترض ابن داود
عليه بتخصيص كلامه، وصَرْفِهِ عن ظاهره. وأجاب ابن سُريج والصَّيْرفي عنه بأن
التخصيص معناه أن يُخْرُجَ عن عموم اللفظ بالدليل ما كان يجوز دخوله فيه من
طريق العقل؛ فأما الذي يستحيل دخوله في عموم اللفظ، فإن خروجه عن
الخطاب لا يكون تخصيصا. انتهى.
وفصَّل الشيخ أبو إسحق في ((اللمع)) بين ما يجوز ورود الشرع بخلافه، وهو ما
يقتضيه العقل من براءة الذمة، فيمتنع التخصيص به، لأن ذلك إنما يستدل به
لعدم الشرع، فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع ، فأما ما لا
يجوز ورود الشرع بخلافه كالذي دل العقل على نفيه، فيجوز نحو: ﴿الله خالق
٣٥٦

كل شيء﴾ [سورة الزمر/٦٢] فإن المراد ما خلا الصفات لدلالة العقل على ذلك.
انتهى. وهذا يحسن أن يكون تقييداً لكلام مَنْ أطلق، لا مذهباً آخر .
ثم قال القاضي وإمام الحرمين وابن القشيري والغزالي وإلكِيا الطبري وغيرهم:
النزاع لفظي، إذ مقتضى العقل ثابت دون اللفظ إجماعا؛ لكن الخلاف في تسميته
تخصيصا، فالخصم لا يسميه، لأن المخصص هو المؤثر في التخصيص، وهو
الإرادة لا العقل، ولأن دليل العقل سابق، فلا يعمل في اللفظ؛ بل يكون مرتبا
عليه. ومعنى قولنا: إنه مخصِّص أن الدليل دل على أن المراد به الخصوص، ولذلك
العقل هذا الحظ(١)، والدليل لا يخص؛ ولكنه يعلم أنه القصد، فلا فرق إذَن بين
دليل العقل والسمع في ذلك.
وكذا قال الأستاذ أبو منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء
عن حکم العموم، واختلفوا في تسميته تخصیصا، ومنهم من قال: إنه معنوي، ثم
اختلفوا، فقيل: وجهه عند من لا يقول به، أن اللفظ غير موضوع له، لأنه لا
يوضع لغير المعقول، فيكون انتفاء الحكم لعدم المقتضى، وهو حجة، وحقيقة عنده
قطعا. ومن قال: إنه مخصص كان مجازا على الخلاف في العام إذا خُصَّ، فيجري
فيه الخلاف على هذا، ولا يجري على الأول .
وقيل: بل الخلاف راجع إلى التحسين والتقبيح العقليين، وهو قول أبي
الخطاب من الحنابلة. قال: المنع بناء على أن العقل لا يحسِّن ولا يقبِّح، وأن الشرع
يَرِد بما لا يقتضيه العقل. وأنكره الأصفهاني .
وقال النَّقْشَواني: الكلام ليس في مطلق العموم؛ بل في العمومات الدالة على
الأحكام الشرعية. فإن الفقيه لا ينظر في غير أدلة الشرع، وكذا الأصولي. وحينئذ
فالعقل لا مجال له في تحصيل هذه العمومات إلا بالنظر في دليل آخر شرعي؛ فإذا
فرضنا نصا يقتضي إباحة القتل، فالعقل إنما يخصصه لو أدرك المصلحة، وكيف
يدركها؟ فلا يخصصها. انتهى. وهذا الذي قاله مردود بما سبق عن القاضي وغيره
في تصوير المسألة .
(١) المعنى غير بَيَنَّ. ولعل في العبارة حذفا أو تحريفاً.
٣٥٧

وقال الأستاذ أبو إسحق: اختلفوا هل يدخل في العموم ما يمنع العقل إجراء
الحكم فيه؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يتناوله، فيخرجه به دليله. والثاني: أنه
يتناوله كغيره إلا أن الدليل أوجب إخراجه عنه .
قال: وفائدة الخلاف هنا: أن اللفظ إذا ورد عنه - عليه الصلاة والسلام - في
إسقاط أو إيجاب أو حظر أو إباحة، فهل يستدل به على وجوب تلك الأحكام عليه
أو لا؟ هذا كلامه، وهو أثبت معقول في هذه المسألة.
تنبيهان
الأول : من أمثلتهم ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [سورة البقرة/ ٢٨٤] وينبغي أن
يعلم أن الشيء مصدر شاء يشاء، فهو من أسماء الأفعال، فإطلاقه على الذوات من
باب إطلاق المصدر على المفعول، كقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [سورة لقمان/١١]
أي مخلوق الله، ونحو درهم ضَرْب الأمير، أي مضروب الأمير. فقولنا: هذا شيء
في الذوات، أي مُشَاءُ، فحقه أن يكون ما تتعلق به المشيئة، إما بالفعل
كالموجودات أو بالقوة كالمعدوم الممكن. فقوله : ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾
[سورة البقرة/ ٢٠] ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ [سورة الأنفال/٧٥] وما شاكله على
عمومه، لأن إلهاً ثانياً ونحوه من المحالات، فلا تتعلق به المشيئة لا بالفعل، ولا
بالقوة، فلا يسمى شيئا، فلا يدخل في قوله: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ [سورة
البقرة/ ٢٠] فلا يقال: إنه عام مخصوص، فإنه لم يدخل فيه المحال لذاته.
والشيء عند أهل السنة يخص الموجود لا المعدوم، خلافا للمعتزلة، فإنهم
يقولون في المعدوم الذي يصح وجوده: شيء. وأما المستحيل فلا خلاف عند
المتكلمين في أنه لا شيء .
وغلط الزمخشري على المعتزلة، فأدخل المستحيل في اسم الشيء ، وإنما هذا
مذهب النحاة ، فإن سيبويه وقع له أن الشيء عام متناول. قال: هو كما تقول:
(١) حقه أن يقول: ((مَشيءٌ)) وأصله مَشْيُوء، لأنه اسم مفعول من الثلاثي.
٣٥٨

معلوم، ولا خفاء في أن المعلوم يدخل فيه المستحيل، على أن أبا هاشم يقول:
العلم بالمستحيل علم لا معلوم له.
ومما يحقق أن الشيء مختص بالموجودات أنه مصدر من شاء يشاء إذا قصد،
فكأن الشيء هو المقصود إليه، وإنما يقصد الموجود، لا المعدوم والمستحيل. وأيضا
فإطلاق الشيء على الذات الكريمة فيه خلاف، ولئن سُلم فهو من باب المشكل؛
لأنه شيء قديم واجب الوجود لذاته، لا يشاكله شيء من المخلوقات. وقيل: بل
يسمى شيئا بمعنى الشائي ، والمخلوقات تسمى شيئا بمعنى المشاء، فالمعنى مختلف.
فیکون مشترکا.
الثاني: من حكم الدليل العقلي أن لا يخصِّص إلا بالقضايا العقلية، ومن حكم
الدليل السمعي أن لا يخصص إلا بالقضايا السمعية. والدليل العقلي لا يتصور فيه
إخراج أمر خاص من خطاب عام، وإنما يتصور ذلك في الدليل السمعي، والدليل
العقلي لا يكون إلا متقدما، بخلاف السمعي. ذكره العبدري في ((شرح
المستصفى)).
٣٥٩

الثاني :
[دليل] الحس
كقوله: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [سورة النمل/ ٢٣] مع أنها لم تؤت ما كان في يد
سليمان، وكذلك قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء﴾ [سورة الأحقاف/٢٥] وقوله ﴿يُجْبَى
إليه ثمرات كل شيء﴾ [سورة القصص / ٥٧] وفي عدّ هذا نظر، لأنه من العام الذي
أريد به الخصوص، وهو خصوص ما أوتِيَتّه هذه، ودمرته الريح، لا من العام
المخصوص. ولم يحكوا هنا الخلاف السابق في التخصيص بالعقل، وينبغي طرده.
ونازع الغزالي في تفريقهم بين دليل الحس ودليل العقل، لأن أصل العلوم كلها
الحس كما ذكره في مقدمة ((المستصفى)).
٣٦٠