Indexed OCR Text

Pages 241-260

مخصص، ويوصف الدليل بأنه مخصص، يقال السنة تخصِّص الكتاب. ويوصف
المعتقِد لذلك بأنه مخصص، كما قال الشافعي: يخص الكتاب بالخبر، وغيره لا
خص.
[تعريف التخصيص]
وأما التخصيص: وهو المقصود بالذكر، فهو لغة: الإفراد، ومنه الخاصة.
١/١٥٥ واصطلاحاً / قال ابن السَّمْعاني: تمييز بعض الجملة بالحكم، وتخصيصُ العام
بيانُ مالم يُرَدْ بلفظ العام. وقال ابن الحاجب: قصر العام على بعض مسمياته، ورُدّ
بأن لفظ القصر يحتمل القصر في التناول أو الدلالة أو الحمل أو الاستعمال. وذكر
ابن الحاجب أن التخصيص يطلق على قصر اللفظ على بعض مسمياته، وإن لم
يكن عاماً، كما يطلق العام على اللفظ بمجرد تعدد مسمياته، كالعشرة والمسلمين
المعهودين، وضمائر الجمع.
وقيل: إخراج ما يتناوله الخطاب. وهو أحسن، لأن الصيغة العامة شاملة
لجميع الأفراد، مع قطع النظر عن المعارض. ومقتضى الإرادة شمول الحكم
لجميع الأفراد، فيخصّصٍ بعض الأفراد بالحكم دون بعض. فهي داخلة في جملة
مقتضيات اللفظ ظاهراً مُخْرَجَة عنه بالتخصيص، وحينئذ فالإخراج عن الدلالة أو
التناول غير ممكن، والممكن إخراج بعض المتناول.
وقال القَفَّال الشَاشي: إذا ثبت تخصيص العام ببعض ما اشتمل عليه، عُلم أنه
غير مقصود بالخطاب، وأن المراد ما عداه، ولا نقول: إنه كان داخلاً في الخطاب،
فخرج عنه بدليل، وإلا لكان نسخاً، ولم يكن تخصيصاً، فإن الفارق بينهما أن
النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان ما قصد له باللفظ العام.
وكذا قال إنْكِيا الطبري، والقاضي عبد الوهاب: معنى قولنا: أن العموم
مخصوص، أن المتكلم به قد أراد بعض ما وضع له دون بعض، وذلك مجاز لأنه
شبيه بالمخصوص الذي يوضع في الأصل للخصوص، وإرادة البعض لا تصيّره
موضوعاً في الأصل لذلك، ولو كان حقيقة لكان العام خاصاً، وهو متناف، وإنما
يصير خاصاً بالقصد كالأمر يصير أمراً بالطلب والاستدعاء. انتهى.
٢٤١

وكذا قال القاضي والغزالي: لا يجوز أن يقال: هذا عام مخصوص، أو قد
خص، لأن القائلين بالعموم يقولون: هو للاستغراق، فإن أريد البعض فقد تجوِّزَ
به عن حقيقته ووضعه، فلم يتصرف في الوضع، ولم يغير حتى يقال ذلك؛ وإلا
فإذَنْ(١) هذا اللفظ مؤول، ومعناه أن وضْعَه للعموم، واستعمل في غير وضعه مجازاً
فهو عام من جهة اللفظ بالوضع، وخاص بالإرادة أو التجوز، إذ قصد به بعض
مدلوله، وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه بالإرادة، قالا: وهذا
التأويل متعين؛ لأن تخصيص العام محال؛ بل هو علامة أنه أريد باللفظ العامِّ
بالوضع، أو الصالح لإرادة العموم، الخُصُوصُ. فيقال على سبيل التوسع لمن عرف
ذلك: أنه خصص العموم، أي أريد به الخصوص.
قال القاضي: وأما عندنا يعني الواقفية المنکرین للصيغ لا يوصف بأنه تخصیص
للعام، ولكنه بيان مشترك، ويحتمل من اللفظ.
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): لما كان التخصيص إخراج بعض أفراد
العام عن الإرادة منه وجب قطعاً أن يكون شرطه قصد الإخراج عن الإرادة، وأما
العام فيتناول الأفراد بوضعه، فيدخل تحته بما لا يمكن أن يخص من الأفراد، ولیس
من شرطه إرادة الفرد المعين اتفاقاً، لأنَّه إذا لم يخرج منه بعض الأفراد كفت الإرادة
العامة لتناول الحكم لجملة أفراده حصول الحكم في الفرد المعين، وإن لم يخطر
بالبال ذلك الفرد بخصوصه. قال: وهذا مما لا خلاف فيه، أعني أنه ليس من
شرط العام إرادة كل فرد من أفراده بخصوصه. انتهى.
وقال العَبَّادِي في ((زياداته)): العبارات أمارات الإرادات، فإذا خصت العبارة
خصت الإرادة، وإذا عمّت عمت، وهو جار على أحد القولين السابقين. وهل
يجب مقارنة المخصِّص المخَصَّص أم لا؟ فيه قولان. قالت الأشعرية بالثاني،
والمعتزلة بالأول. وهما القولان في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): مذهب أصحابنا يعني المعتزلة أنه يشترط في
التخصيص مقارنة اللفظ العام، والعقلي محل وفاق في اشتراط المقارنة.
(١) لعل الصواب: فإن، أو إن (وإلّ) من زيادة النساخ.
٢٤٢
١

(١) بيعص
واعلم أنه سيأتي في باب الحج حكاية خلاف في أنه لا يجوز إلا بعد أن يقترن
بالتكليف ما يدل على النسخ، ولم يذكروه هنا لأنه أخف.
[الفرق بين التخصيص والنسخ]
واعلم أنَّ التخصيص شديد الشبه بالنسخ لاشتراكهما في اختصاص الحكم
بنقْض ما يتناوله اللفظ، وقد فرقوا بينهما من وجوه:
أحدها: أن التخصيص ترك بعض الأعيان، والنسخ ترك بعض الأزمان، قاله
الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى.
الثاني: أن التخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال بخلاف النسخ، فإنه
لا يتناول إلا الأزمان. قال الغزالي: وهذا ليس بصحيح، فإن الأعيان والأزمان
ليسا من أفعال المكلفين، والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص
يرد على الفعل في بعض الأحوال.
الثالث: التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد بخلاف النسخ، فإنه يكون
لكل الأفراد. وعلى هذا فالنسخ أعم، قاله البيضاوي. لكن اختارَ إمامُه خلافَه،
فإنه قال: النسخ لا معنى له إلا تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص،
فيكون الفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص. وقد سبقه إلى
ذلك الأستاذ فيما نقله عن إمام الحرمين في كتاب ((النسخ)) فقال: صرح الأستاذ بأن
النسخ تخصيصٌ في الزمان، واعترض عليه.
الرابع: وحكاه القاضي أبو الطيب عن بعض أصحابنا أن التخصيص تقليل،
والنسخ تبديل. وقال: هذا لفظ جميل، ولكن ريعه قليل، ومعناه مستحيل، لأن
الردة تبديل، وليست بنسخ، قال تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على
الذين يبدلونه﴾ [سورة البقرة / ١٨١].
الخامس: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم، سواءً كان ثابتاً في حق شخص
واحد، أو أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلى الأول، ومنهم من عبر عنه
بأن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل فيه.
السادس: أن التخصيص يبقي دلالة اللفظ على ما بقى تحته حقيقة كان أو
٢٤٣

مجازاً على الخلاف، والنسخ يبطل دلالة حقيقة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية.
السابع: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، وأما التخصيص فلا
يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصوص وفاقاً.
الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز التخصيص. قال
القَرَافي: وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيراً، والمراد أن الشريعة المتأخرة قد
تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة، أما كلها فلا، لأن قواعد العقائد لم تنسخ،
وكذلك حفظ الكليات الخمس، فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام
الفروعية، وإن جاز نسخ شريعة بشريعة أخرى عقلاً.
١٥٥/ب
التاسع / : أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص فإنه بيان
المراد باللفظ العام، ذكره القَّفَال الشّاشي، والعبَّادِي في زياداته، وهذا على رأي
القاضي، وأما على رأي غيره، فينبغي أن نقول: انتهاء حكم بخلاف التخصيص.
العاشر: أن التخصيص بيان ما أريد بالعموم، والنسخ بيان مالم يرد بالمنسوخ،
ذكره المَاوَزْدِي.
الحادي عشر: أن التخصيص يجوز أن يكون مقترناً بالعام، ومقدماً عليه،
ومتأخراً عنه، ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ، ولا مقترناً به، بل
يجب أن يتأخر عنه.
الثاني عشر: أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون
بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع، ويقع التخصيص بالإجماع، والنسخ لا
يقع به.
الثالث عشر: يجوز التخصيص في الأخبار والأحكام، والنسخ يختص بأحكام
الشرع.
الرابع عشر: التخصيص على الفور، والنسخ على التراخى، ذكره المَاوَرْدي،
وفي هذا نظر.
الخامس عشر: أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع، ونسخه لا يقع به.
٢٤٤

السادس عشر: أن التخصيص لا يدخل في غير العام، بخلاف النسخ؛ فإنه
يرفع حكم العام والخاص.
السابع عشر: أنه يجوزنسخ الأمر بخلاف التخصيص على خلاف فيه.
الثامن عشر: أن التخصيص يؤذن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه،
والنسخ يحقق أن كل ما يتناوله اللفظ مراد في حال الحال، وإن كان غير مراد فيما
بعده، وكان اللفظ المطلق لا يدل على الزمان أصلاً، وإنما يدل على الفعل ثمَّ
الزمان ظرف.
واعلم أن هذه الفروق أكثرها أحكام أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر.
مسألة
الحكم إذا علق بعده(١) هل يكون تعليقه بما دونه نسخاً أو تخصيصاً، فيه وجهان
لأصحابنا، حكاهما الرُّؤْياني في كتاب الطلاق من ((البحر))، وفرع عليها ما لو قال:
أنت طالق ثلاثاً، ونوى بقلبه إلا واحدة. قال في ((الإفصاح)): ففيه جوابان:
أحدهما لا يصح الاستثناء في الظاهر والباطن. والثاني: يصح في الباطن دون
الظاهر.
وإن قلنا: تخصيص صحت نيته في الباطن دون الظاهر، وكأنه يشير بهذا إلى
الفرق الحادي عشر.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: الخطاب في العموم والخصوص على أربعة أوجه :
أحدها : خطاب عامّ اللفظ والمعنى، كقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيءٍ﴾
(١) كذا في الأصل.
٢٤٥

[سورة الزمر / ٦٢] قال الشافعي (رحمه الله) في ((الرسالة)): فهذا عام لا خاص.
واعترض ابن داود عليه فقال: كيف عَدَّ هذه الآية في العمومات التي لم يدخلها
التخصيص، والله تعالى شيء بدليل قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل
الله﴾ [سورة الأنعام / ١٩].
ورد ابن سُرَيْج عليه، وقال: أما عَلِمتَ أن المخاطِبَ لا يدخل تحت الخطاب؟
وقال في كتاب ((الإعذار والإنذار)) لابن داود: وأمّا ما عرّض به من قوله: ﴿قل أي
شيء أكبر شهادة﴾ [سورة الأنعام / ١٩] وأي ضرورة دعته إلى هذا؟ وكيف يحتمل
العموم ما أوْماً إليه؟ وقد بدأ الله بنفسه، فأخبر بقوله: ﴿الله خالق كل شيء)
[سورة الزمر / ٦٢] وهل تحتمل الأوهام في المخاطبة ما أومأ إليه؟ ولولا أن القلوب لا
تطيق الكلام، لكان عليه فيه كلام كثير. ويقول: إِن الآية تخرج عامة في مذاهب
جميع الناسٍ، لأنه لما كان ما عرّض به في الله محالاً خارجاً عن الوهم، عُلِم أن
الخطاب إنّما يخرج على ما يعقل ويتوهم دون مالا يعقل ولا يتوهم، فإذا لم يخرج
على مالا يتوهم لم يدخل في ذلك عموم ولا خصوصٌ.
ثم قال بعد شيء مما ذكره في دفع ما أورده ابن داود مما يستحيل اندراجه في
الصفات: قد أومينا إلى ◌ُمَلٍ وكَرِهنا التفسير، لأن الشافعي وأصحابه بعده
يكرهون الخوض في هذا. انتهى.
وقال الصَّيْرفي في ((شرح الرسالة)): اعترض ابن داود ويحيى بن أكثم على
الشافعي في قوله في قول الله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر / ٦٢] إنه
عام، وجهلوا الصواب، وذهبوا عن اللغة، وذلك لو أن رجلاً من كبار أهل بغداد
قال: أطعمْتُ أهلَ بغداد جميعاً لم يكن داخلا فيهم، ولم تقُل له: خرجت أنت
بخصوصٍ ، وإنما العموم في المطعَمين سواه لأنه هو المطعم لهم. قال: وفي الآية
دليلان: أحدهما: أنه لا خالق سواه. وثانيهما: أن ما سواه مخلوق، وينبغي أن
يعلم أن الخطاب عام فيما سواه.
قال: ولا شك أن لفظة ((شيء)) لا تطلق على الله، وإن شملت الموجودات لغة
واصطلاحاً، وسنّدُ المنع كون الأسماء توقيفية، ولأن لفظة شيء مأخوذة من شاء.
٢٤٦

والشاء من المحدّث الذي ليس بقديم، والله تعالى قديم فلا يصدق فيه ذلك.
الثاني: خطابٌ خاصُّ اللفظ والمعنى كقوله: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك﴾ الآية
[سورة الأحزاب / ٥٩] فهذا مختص به عليه السلام، لأنه لا يجب على أحد التخيير.
الثالث: خطابُ خاصُّ اللفظ عامُّ المعنى، كقوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين
يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ الآية [سورة الأنعام / ٦٨] الخطاب معه، والمراد به
الأمة، بدليل قوله: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب﴾ [سورة النساء / ١٤٠] ولم ينزل في
الكتاب إلا هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [سورة
الزمر / ٦٥] وقوله: ﴿ولا تكن للخائنين خصيماً﴾ [سورة النساء / ١٠٥] قال الأستاذ:
أبو إسحق: ولا يصار إلى ذلك إلا بدليل غير الخطاب، وأنكر ابنُ حزم في
((الإحكام)) وجود هذا القسم، وقال ليس موجوداً في اللغة، وهو محجوج بما ذكرنا.
الرابع: خطابُ عامُّ اللفظ، والمراد به الخصوص، وهذا اختلف فيه،
والأكثرون على جوازه، كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا
لكم﴾ [سورة آل عمران / ١٧٣] فإن المراد بالناس الأول: نعيم بن مسعود، أو أربعة
نفر كما قال الشافعي في ((الرسالة)). قال الكرخى: وهو مجاز لا حقيقة، وإذا
خاطب بذلك فلابد أن يدلنا على مراده به. وهل يجب مقارنة الدليل الخطاب، أو
يجوز تأخيره عنه؟ فيه القولان.
وذهب بعض الأصوليين إلى إنكار هذا القسم، لأن الموجب للخصوص بمنزلة
الاستثناء المتصل بالجملة، ولا يجوز في قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلاّ
خمسين عاماً﴾ [سورة العنكبوت / ١٤] أن هذه الصيغة مراد بها ألف سنة كاملة.
واعلم أن جماعة أطلقوا الخلاف في هذه المسألة: منهم صاحب المحصول،
وخصّهُ الشيخ أبو حامد، والشيخ أبو إسحاق، وسليم الرازي في ((التقريب))،
وابن السَّمْعَاني في ((القواطع))، والقاضي عبد الوهاب، وصاحب المعتمد في
((الأحكام)) وغيرهم - بالخبر ولم ينقلوا الخلاف في الأمر والنهي؛ بل جعلوه محل
وفاق، كالنسخ، وهو الظاهر، فإن المانع هنا في الخبر قياس التخصيص على
النسخ، كما قاله القاضي عبد الوهاب، والظاهر أن المخالف يمنع تسميته عاماً
٢٤٧

مخصوصاً، ويقول: إنه عام أريد به الخصوص، وحينئذ فلا ينتهض الاستدلال
عليه بما ذكروه من الآيات المخصصة، وهو قويٌّ. ومن هنا قال بعضهم: يشترط
١/١٥٦ في التخصيص وروده في الإنشاءات / لا في الأخبار، فإنه لا يكون فيها عام
مخصوص؛ بل عام أريد به الخصوص.
فائدة
عمومات القرآن مخصوصة في الأكثر، حتى قال الشيخ علم الدين العراقي:
ليس في القرآن عام غير مخصوص إلا أربعة مواضع(١).
أحدها: قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] فكل من سُمِّيَتْ
أُمّاً من نسب أو رضاع، أو أمَّ أمّ وإن علت، فهي حرام.
ثانيها: قوله: ﴿كل من عليها فان﴾ [سورة الرحمن / ٢٦] ﴿كل نفس ذائقة
[سورة الأنبياء / ٣٥] .
الموت»
ثالثها: قوله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [سورة البقرة / ٢٨٢].
رابعها: ﴿وأنه على كل شيء قدير﴾ [سورة الحج / ٦] .
خامسها: ﴿وما من دابة في الأرض إلا عَلَى الله رزقُها﴾ [سورة هود / ٦]. وغلط
من جعل منه قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [سورة آل عمران / ٢٩] إذ
القدرة لا تتعلق بالمستحيلات، لأن الممكن المعدوم لا يطلق عليه شيء عندنا
حقيقة فما ظنك بالمستحيل.
ء
وأما قول ابن جني في ((الخصائص)) في قوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في
الأرض﴾ [سورة البقرة / ٢٥٥] عموم أريد به الخصوص، لأنّ الأفعال الصادرة من
مخلوقاته ليست له، فبناه على مذهبه الفاسد فى الاعتزال.
(١) عدها خمسة لا أربعة.
٢٤٨

فصْل
فِىَ الفَرقِ بَيْنَ العَامّ المخصُوصِ
وَالعَامّ الذِى أَرْيَدَبَّهِ الخصُوصُ
اعلم أن الأصوليين لم يتعرضوا للفرق بينهما، وظن بعضهم أن الكلام فيه مما
أثاره المتأخرون، وليس كذلك. فقد وقعت التفرقة بينهما في كلام الشافعي وجماعة
من أصحابنا، فاختلف قوله في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة
البقرة / ٢٧٥]: هل هو عام مخصوص أو عام أريد به الخصوص؟
قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في كتاب البيع: والفرق بينهما أن الذي أريد به
الخصوص ما كان المراد به أقل، وما ليس بمراد هو الأكثر. قال أبو علي بن أبي
هريرة: وليس كذلك العام المخصوص، لأن المراد به هو الأكثر، وماليس بمراد هو
الأقل. قال: ويفترقان في الحكم من جهة أن الأول لا يصح الاحتجاج بظاهره،
وهذا يمكن التعلق بظاهره اعتباراً بالأكثر.
وفرق الْمَاوَرْدِي في ((الحاوي)) بينهما من وجهين: أحدهما: أن العام المخصوص
ما يكون المراد باللفظ أكثر، وماليس بمراد باللفظ أقل، والعام الذي أريد به
الخصوص ما يكون المراد باللفظ أقل، وما ليس بمراد باللفظ أكثر. والثاني: أن
المراد فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد به العموم متأخر عن
اللفظ أو يقترن به.
وممن تعرض للفرق بينهما من المتأخرين الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، فقال
في ((شرح الإلمام)): يجب أن يُتَنبَّه للفرق بين قولنا: هذا عام أريد به الخصوص،
٢٤٩

وبين قولنا: هذا عام مخصوص، فإن الثاني أعم من الأول. ألا ترى أن المتكلم إذا
أراد باللفظ أولاً ما دل عليه ظاهر العموم، ثم أخرج بعد ذلك بعض ما دل عليه
اللفظ كان عاماً مخصوصاً، ولم يكن عاماً أريد به الخصوص. ثم يقال: إنه منسوخ
بالنسبة إلى البعض الذي أخرج، وهذا متوجه إذا قصد العموم، وفرقّ بينه و. ن
أن لا يقصد الخصوص بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريداً به بعض ما يتنا نه
في هذا.
وفَرَقَ الحنابلة من المتأخرين بينهما بوجهين آخرين:
أحدهما: أن المتكلم إذا أطلق اللفظ العام، فإن أراد به بعضاً معيناً فهو العام
الذي أريد به الخصوص. وإن أراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام
المخصوص، مثاله قوله: قام الناس، فإذا أردت إثبات القيام لزيد مثلاً لا غير فهو
عام أريد به الخصوص. وإن أردت سلب القيام عن زيد فهو عام مخصوص.
والثاني: أن العام الذي أريد به الخصوص إنما يحتاج لدليل معنوي يمنع إرادة
الجميع، فيتعين له البعض. والعام المخصوص يحتاج إلى تخصيص اللفظ غالباً
كالشرط والاستثناء، والغاية والمتصل، نحو: قام القوم، ثم يقول: ما قام زيد.
وفرَّق بعض المتأخرين: بأن العام الذي أريد به الخصوص هو أن يطلق العام
ويراد به بعض ما يتناوله. وهو مجاز قطعاً، لأنه استعمال اللفظ في بعض مدلوله،
وبعض الشيء غيره. قال: وشرط الإرادة في هذا أن تكون مقارنة لأول اللفظ،
ولا يكفي طروها في أثنائه، لأن المقصود منها نقل اللفظ عن معناه إلى غيره،
واستعماله في غير موضوعه، وليست الإرادة فيه إخراجاً لبعض المدلول، بل إرادة
استعمال اللفظ في شيء آخر غير موضوعه، كما يراد باللفظ مجازه.
وأما العام المخصوص فهو العام الذي أريد به معناه غْرَجاً منه بعض أفراده
بالإرادة، إرادة للإخراج لا إرادة للاستعمال. فهي تشبه الاستثناء، فلا يشترط
مقارنتها لأول اللفظ، ولا تأخيرها عنه؛ بل يكفي كونها في أثنائه، كالمشيئة في
الطلاق .
وهذا هو موضوع خلافهم في أن العام المخصوص مجاز أو حقيقة، ومنشأ التردد
٢٥٠

أن إرادة إخراج بعض المدلول هل تُصَيِّرِ اللفظ مراداً به الباقي، أوْ لا؟ وهو يقوّي
كونه حقيقة لكن الجمهور على المجاز، والنية فيه مؤثرة في نقل اللفظ عن معناه إلى
غيره.
ومن هنا يعرف أن عدَّ ابن الحاجب البدل في المخصِّصات ليس بجيد، لأن
الأولى في قولنا: أكلت الرغيف ثلثه أنه من العام المراد به الخصوص، لا العام
المخصوص. وقال علي بن عيسى النحوي في كتاب ((العرض والآلة)): إذا أتى
بصورة العموم والمراد به الخصوص، فهو مجاز إلا في بعض المواضع إذا صار
الأظهر الخصوص، کقولهم: غسلت ثيابي، وصرمت نخلي، وجاءت بنو تميم،
وجاءت الأزد. انتهى.
٢٥١

فصْل
فِيمَا مجونز تخصيصُهُ
من حق التخصيص أن لا يكون إلا فيما يتناوله اللفظ، فاللفظ الذي لا يتناول
إلا الواحد لا يجوز تخصيصه، بمعنى إخراج بعض الجزئيات منه، لأنه إخراج
البعض مع بقاء البعض، والواحد لا بعض له، فاستحال تخصيصه. ولهذا قال
ابن الحاجب: لا يجوز تخصيصٌ إلا في ذى أجزاء يصح افتراقها، ليمكن صرفه إلى
بعض يصح القصر عليه.
واعترض القَرَافي بأن الواحد يندرج فيه الواحد بالشخص، وهو يصح إخراج
بعض أجزائه، لصّحة قولك: رأيت زيداً وتريد بعضه، وإن تعذر إخراج بعض
الجزئيات، فينبغي التفصيل.
وأما الذي يتناول أكثر من واحد، فإما أن يكون عمومه من جهة اللفظ أو
المعنى، أي الاستنباط. فالأول يتطرق إليه التخصيص أمراً أو خبراً، نجو ﴿اقتلوا
المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥]، ثم خص الذمي ومَن في معناه. والثاني على ثلاثة
أقسام:
أحدها: العلة، وقد اختلف في تخصيصها على مذاهب كثيرة، والمنقول عن
١٥٦ /ب الشافعي والجمهور المنع / وستأتي المسألة في باب القياس إن شاء الله تعالى، وهي
المسألة المسماة هناك بالنقض، كالنهي عن بيع الرطب بالتمر، لأجل النقصان عند
الجفاف، ووجدنا هذه العلة في العَرَايا، مع أن الشارع جوزه فيها.
٢٥٢

الثاني: مفهوم الموافقة كدلالة التأفيف على حرمة الضرب، فالتخصيص فيه
جائز بشرط بقاء الملفوظ، وهو التأفيف في مثالنا هذا. ومنع القاضي أبو بكر
والشيخ أبو إسحاق وسليم في ((التقريب)) من جواز تخصيص مفهوم الموافقة
لمعنيين: أحدهما: أن التخصيص إنما يكون في العموم ولا عموم إلا في الألفاظ.
الثاني: أنه لما قال: ﴿فلا تقل لهما أفٍ﴾ [سورة الإسراء / ٢٣] وكان المنع من أجل
الأذى، لم يَجُزْ أن يدل دليل على إجازة الضرب مع أن فيه أذى، لأنه يناقض
الأول، قالوا: وهكذا القياس لا يدخله تخصيص.
ويحتمل أن هاتين العلتين تَنْبَنِيَانٍ على الوجهين في المعلوم من جهة الفحوى:
هل هو من جهة اللغة، أو من جهة القياس؟ وفيه وجهان، وشرط الهندي في
الجواز أن لا يعود نقضاً على الملفوظ كإباحة ضرب الأم إذا فجرت. أما إذا عاد
نقضاً على الملفوظ كما إذا قال: ﴿فلا تقل لهما أفٍ﴾ [سورة الإسراء / ٢٣] لكن أباح له
نوعاً من أنواع الأذى مطلقاً، فلا يجوز هذا كله مع بقاء مدلول اللفظ، أما لو ورد
دليل يدل على إخراج الملفوظ وهو ((التأفيف)) مثلاً، فإنه لا يكون تخصيصاً؛ بل
نسخاً له، وللمفهوم أيضاً؛ لأن رفع الأصل يستلزم رفع الفرع.
الثالث: مفهوم المخالفة كسائمة الغنم، فإن مفهومه نفى الإيجاب عن معلوفة
الغنم، فيجوز أن يقوم الدليل على ثبوت مثل حكم المذكور لبعض المسكوت عنه،
الذي ثبت فيه بالمفهوم خلافُ ما ثبت للمنطوق، ويعمل بذلك جمعاً بين الدليلين،
فتخص المعلوفة المُعَدَّة للتجارة من هذا العموم.
وشرط البيضاوى وصاحب ((الحاصل)) للجواز أن يكون المخصص راجحاً، ولم
يذكره الإمام، والظاهر عدم اشتراطه، إذ لا يشترط في المخصص الرجحان.
ومنهم من منع من تخصيصه، كما حكاه ابن برهان في ((الوجيز)) وهو احتمالٌ
للشيخ أبي إسحاق الشيرازي.
وحكى ابن برهان عن القاضي أبي بكر أنه منع تخصيص مفهوم الموافقة، لأنه
يوجب نقض اللفظ، واختار تخصيص مفهوم المخالفة، لأنه لا يوجبه، والذي
رأيته في كتاب ((التقريب)) للقاضي المنع فيهما مطلقاً. نعم هذا اختيار سليم الرازي
٢٥٣

في كتاب «التقريب)»، فإنه منع دخول التخصيص لمفهوم الموافقة، ثم قال: وأما
مفهوم المخالفة فحكمه حكم اللفظ، إن تَناوَل واحداً لم يدخله تخصيصٌ، وإن
تناول أشياء دخله التخصيص.
وقال ((شارح اللمع)) تخصيص دليل الخطاب قبل استقرار حكمه ينبني على
الوجهين فيه: هل هو كالنطق أو كالقياس؟ فإن قلنا: كالقياس لم يجز تخصيصه،
وإن قلنا: كالنطق ففي تخصيصه وجهان، ذكرهما الشيخ أبو إسحاق، مبنيان على
المعنى في فحوى الخطاب. قال: فأما إذا استقر كان ما يَرِدُ مناقِضاً له من باب
النسخ .
مسألة
العموم المؤكد (بكل) ونحوها، هل يدخله التخصيص؟ فيه قولان للعلماء،
حكاهما المَوَرْدِي والرُّؤْيَاني في باب القضاء. أحدهما: لا، ونقله أبو بكر الرازي
عن بعضهم، وجزم به المَازَرِي، ولهذا قالوا: إن التأكيد ينفي التجوز بأن يكون
المراد به البعض. ويشهد له قوله تعالى: ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن
الأمر كله لله﴾ [سورة آل عمران / ١٥٤] في قراءة النصب، لأنه لو لم يعينه للعموم لمّا
قال: ﴿هل لنا من الأمر من شيء﴾ [سورة آل عمران / ١٥٤] وهذا يدخل في المجاز لا
في التخصيص. وَ أصحهما (١): نعم، بدليل ما جاء في الحديث: (فأحرموا كلهم
إلا أبا قتادة لم يحرم)، فدخله التخصيص مع تأكيده. وكذلك قوله تعالى:
﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس﴾ [سورة الحجر / ٣٠ - ٣١] إن جعلنا
الاستثناء متصلاً، فإن قيل: التأكيد هنا مقدر حصوله بعد الإخراج فالمؤكد هنا إنما
هو غير المخْرَج. قلنا: كيف يُفْعل بقوله: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها﴾ [سورة
طه / ٥٦]، والاستغراق فيه متعذر، لأن آيات الله لا تتناهى؟
قال الإمام في ((البرهان)): ومما زل فيه الناقلون عن الأشعري ومتبعيه أن صيغة
(١) هذا هو القول الثاني.
٢٥٤
٠

العموم مع القرائن تبقى مترددة، وهذا إن صح يحمل على موانع العموم، كالصيغ
المؤكدة. انتهى.
وقد صرحٍ بأن التأكيد لا يرفع احتمال التخصيص، وممن صرح بذلك القَفَّال
الشّاشي أيضاً، فقال في كتابه: يجوز التخصيص المؤكد، ومثّله بالآية ﴿فسجد
الملائكة﴾ [سورة الحجر / ٣٠] قال: والتأكيد لا يزيل احتمال اللفظ، وإلا لم يدخله
استثناء، وبالجواز أيضاً صرح المَاوَرْدي والرُّؤْياني في باب القضاء من كتابيهما.
ثم قال: وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز تخصيص المؤكد، وهذا غلط
لوجود الاحتمال بعد التأكيد كوجوده من قبل. اهـ. وهذا نظير الوجهين اللذين
حكاهما المَاوَرْدِي والرُّوْياني أيضاً في جواز نسخ الحكم المقيد بالأبدية، وظاهر كلام
الهندي في باب النسخ أنه إجماع. وليس كذلك.
تنبيه
إذا عُطف الخاص على العام المتناول له، وقلنا: إنه داخل تحت العموم، وكأنه
ذكر مرتين مرة بالخصوص، ومرة بالعموم - يجيء في تخصيصه هذا الخلاف.
مسألة
في الغاية التي ينتهي إليهَا التخصيص
اختلف في المقدار الذي لابد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب:
أحدها: أنه لابد من بقاء جمع كثير، ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين
البصري، وصححه الرازي. وقال الآمدي: وبه قال أكثر أصحابنا، وإليه مال
إمام الحرمين، ونقله ابن برهان عن المعتزلة.
قلت: وعبارة أبي الحسين في ((المعتمد)): الأولى المنع من ذلك في جميع أفراد
العموم، وإيجاب أن يراد بها كثرة وإن لم يُعلم قدرها، إلا أن يستعمل في الواحد
٢٥٥

على سبيل التعظيم والإبانة، فإن ذلك يجرى مجرى الكثير، وإما غير ذلك فلا.
انتھی .
وقال الأصفهاني: ما نسبه الآمدى إلى الجمهور ليس بجيد، نعم اختاره الغزالي
والرازي. واختلف في ذلك الكثير. فقال أكثرهم: لابد أن يعرف من مدلول
اللفظ العام قبل التخصيص. وقال البيضاوي: لابد أن يكون غير محصور. وقال
ابن برهان في ((الأوسط)): لم يُحُدُّوا الكثرة هنا؛ بل قالوا: تعرف بالقرائن، وأغْرَب
بعضهم، فادّعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عدداً؛ بل الكثير وقوعاً،
والغالب وجوداً بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام.
وقال آخرون: شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثرة وإما في
الاعتبار؛ أما في الكثرة فكما إذا قلت: كل إنسان مصاب، وكل محسن مشكور،
فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك، ويحسن أن لا
يقدح في كلامه(١). وأما في الاعتبار فكما إذا قلت: خرج الناس كلهم للقاء الملك،
فإن المراد مَنْ له اعتبار، وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا .
٢/١٥٧ / والثاني: أن العام إن كان ظاهراً مفرداً ((كمَنْ)) و ((الألف واللام)) نحو: اقتل
من في الدار، واقطع السارق، جاز التخصيص إلى أقل المراتب: وهو واحد، لأن
الاسم يصلح لهما جميعاً. وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع،
وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف. قاله القَّفَال الشّاشي. كذا رأيته في كتابه في
نسخة قديمة، واعتمده ابن الصُّبَّاغ في ((العدة)) أيضاً، فاضبط ذلك، فقد زل
الناقلون عنه في هذه المسألة. فنقل ابن برهان في ((الأوسط)) عنه جواز الرد إلى
الواحد مطلقاً، ونقل القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) وابن السَّمْعاني في
((القواطع)) عنه جواز الرد إلى ثلاثة، ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ،
لكن ظاهر كلام القاضي أن ((من، وما)) محل وفاق. فإنه قال: لنا أن كل ما جاز
تخصيصه إلى ثلاثة، جاز تخصيصه إلى ما دونها ((كمن، وما)) انتهى. وبذلك صرح
الشيخ أبو إسحق الإسفراينى، فقال: لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما
(١) في الأصل هنا خفاء.
٢٥٦

إذا لم تكن الصيغة جمعاً، ((كمن، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام)).
وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه أَلْخَق أسماء الأجناس: كالسارق
والسارقة، بالجمع المعرف في امتناع رده إلى الواحد كذلك؛ والفرق بين الصيغتين
أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع، ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن
الموضوع، ولا كذلك ((من، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام))، لتناولهما الواحد
والاثنين.
قال الأصفهاني: وينبغي أن يُلْحق ((أيِّ)) ((بمن، وما)) قلت: وهو كذلك،
لوجود العلة، وبه صرح إلّكِيا الطبرى. وقال بعض المتأخرين: ما أظن القَفَّال
يقول به في كل تخصيص، فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل
الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصّصات، بدليل احتجاج بعض
أصحابنا عليه بقول القائل: عليَّ عشرة إلا تسعة، ويحتمل أن يعم الخلاف إلا أن
الظاهر خلافه من المنقول عنه.
ثم قلت: وحكى أبو الحسين بن القطان الخلاف في الاستثناء، فقال: وذهب
بعض أصحابنا إلى أنه لا يجوز أن يستثنى إلا أن يبقى أقل الجمع، وهو ثلاثة، وأنه
يمتنع إذا بقي منه واحد أو اثنان. وذهب بعضهم إلى جوازه وأنه يحل التخصيص
محل الاستثناء، وقد اتفقنا على جواز استثناء الأقل من الأكثر وعكسه. انتهى.
قال صاحب ((المصادر)): والذي ذهب إليه القَفَّال عجيب، لأنه إن كان البلوغ
في لفظ ((مَنْ)) إلى الواحد أو الاثنين يجعله مجازاً عنده، فهلا جاز مثل ذلك في ألفاظ
الجمع!
والثالث: التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى
الواحد، وإلا فلا. حكاه ابن المطهر.
والرابع: أنه لا يجوز رده إلى أقل الجمع مطلقاً على حسب اختلافهم في أقل
الجمع. حكاه ابن برهان وغيره.
والخامس: أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم ما بقي في قضية اللفظ واحد،
٢٥٧

وحكاه إمام الحرمين في ((التلخيص)) عن معظم أصحاب الشافعي. قال: وهو
الذي اختاره الشافعي، ونقله ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) عن سائر أصحابنا ما
عدا القَفَّال، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله عن إجماع أئمتنا، وحكاه ابن
الصباغ في ((العدة)) عن أكثر أصحابنا، وصححه القاضي أبو الطيب، والشيخ
أبو إسحاق؛ وقال ابن برهان في ((الأوسط)): إنه ظاهر المذهب؛ ونسبه القاضي
عبد الوهاب في ((الإفادة)) إلى الجمهور، وقال صاحب المصادر: إنه الصحيح.
قال: إلا أن ألفاظ الجمع كالرجال والناس، متى بلغ التخصيص منها إلى أقل من
ثلاث صار اللفظ مجازاً، بخلاف لفظ ((من وما))، فإنه لا يصير مجازاً، وما أظن
أصحابنا يوافقون على صحة ذلك؛ وقد قالوا في كتاب الطلاق: لو قال نسائي
طوالق إلا فُلانة وفلانة وفلانة يقبل.
وقال القاضي الحسين: يجب أن لا يقبل، لأن النساء لفظ الجمع، فينبغي أن
يبقى من عدد النساء ما يكون اللفظ مطابقاً له، لأن أقل الجمع ثلاثة. انتهى.
وكلام القاضي موافق لمذهب القَفَّال.
والسادس: الذي اختاره ابن الحاجب. قال الأصفهاني في ((شرح المحصول)):
ولا نعرفه لغيره، أن التخصيص إن كان متصلاً، فإن كان بالاستثناء أوالبدل جاز
إلى الواحد، نحو أكرم الناس إلا الجهال، وأكرم الناس تميماً، فيجوز وإن لم يكن
المعالم إلا واحداً. وإن كان بالصفة والشرط، فيجوز إلى اثنين، نحو أكرم القوم
الفضلاء، أو إذا كانوا فضلاء. وإن كان التخصيص بمنفصل، وكان في العام
المحصور القليل، كقولك: قتلت كل زنديق، وكانوا ثلاثة، ولم يبق سوى اثنين،
جاز إلى اثنين. وإن كان غير محصور أو محصوراً جاز بشرط كون الباقي قريباً من
مدلول العام.
وحاصلٍ مذهبنا على ما ذكره الشيخ أبو حامد وسليم في ((التقريب)) أن العام إن
كان واحداً مُعَرَّفاً باللام، كالسارق ونحوه جاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد بلا
خلاف، وكذلك الألفاظ المبهمة ((كمن، وما)) لا خلاف فيه، وفي معناه الطائفة،
وإن كان جمعاً كالمسلمين أو ما في معناه كالرهط والقوم جاز تخصيصه إلى أن يبقى
٢٥٨

أقل الجمع، وفي جواز تخصيصه إلى أن يبقى أقل من ذلك وجهان: أحدهما:
يجوز، وهو قول العراقيين والمعتزلة كما قاله سليم. الثاني: لا يجوز وهو قول
القَفَّال. انتھی.
وقال الشيخ أبو حامد: والصحيح عندي أنه يجوز التخصيص إلى أقل من
ثلاثة، وإن كان اللفظ موضوعاً للثلاثة في اللغة حقيقة، إلا أنه يجوز أن يعدل به
إلى المجاز، واحتج له بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة
الحجر / ٩] وقال إليكيا الهراسي: هذه المسألة تستدعي تقديم أصل، وهو القول في
أقل الجمع، قلت: وعلى ما اختاره الجمهور من الجواز إلى الواحد لا يبقى للبناء
على ذلك وجه. وقد سبق في مسألة: ((أقل الجمع)) كلام يتعلق بهذا.
مسألة
اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي على مذاهب:
أحدها: أنه مجاز مطلقاً على أي وجه خص، سواء كان التخصيص متصلاً أو
منفصلاً أو غيره. ونقله الإمام الرازي عن جمهور أصحابنا والمعتزلة، كأبي علي
وابنه. واختاره البَيْضَاوي وابن الحَاجِب والهندي.
قال ابن برهان في ((الأوسط)): وهو المذهب الصحيح، ونسبه إلّكِيا الطبري إلى
المحققين. ونقله في ((المنخول)) عن القاضي أبي بكر، وحكاه الشيخ أبو حامد
الأسفراينى في تعليقه في الأصول، وسليم في ((التقريب)) عن المعتزلة بأسرها وأكثر
الحنفية. منهم عيسى بن أبان وغيره.
قلت: وبه جزم الدَّبُّوسي، والسَّرخسي، والبَزْدَوي. وحكوه عن اختيار
العراقيين من / الحنفية. وقال الشيخ أبو حامد: وحكاه بعض أصحابنا عن ١٥٧/ب
الأشعري أيضاً، ووجهه أنه وضع للمجموع، فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة
صار مجازاً، ولأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك
والمجاز خير منه.
٢٥٩

والثاني: أنه حقيقة فيما بقى مطلقاً، سواء خص بدليل متصل كالاستثناء. أو
منفصل كدليل العقل والقياس وغير ذلك. قال الشيخ أبو حامد الأسفراينى: وهذا
مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة.
انتھی .
وقد وافق أبا حامد على ذلك أئمةُ أصحابنا كالقاضي أبي الطيب الطبري،
والشيخ أبي إسحق في ((اللمع))، وابن الصَّبّاغ في كتاب ((العدة))، وسليم في
((التقريب))، فجزموا على أنه حقيقة، وحكوا الخلاف فيه بالمجاز عن المعتزلة.
ونقله ابن برهان في ((الوجيز)) عن أكثر علمائنا. وقال إمام الحرمين في
((التلخيص)) وابن القُشَيْرِي: هو مذهب جماهير الفقهاء. ونقله الغزالي في
(المنخول)) عن الشافعي، وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): هو قول الكل
والأكثر من أصحاب الشافعي وبعض الحنفية والمالكية، إذا كان الباقي أقل الجمع
فصاعداً، وقال صاحب المصادر: إنه قول أكثر أصحاب الشافعي.
والثالث: إنه إن خص بمتصل لفظي كالاستثناء فحقيقة، أو بمنفصل فمجاز.
وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم وابن برهان وعبد الوهاب عن الكَرْخِي وغيره من
الحنفية، زاد عبد الوهاب: إنه قول أكثرهم، قاله ابن برهان، وإليه مال القاضي،
ونقله عن الشيخ أبي إسحاق في ((اللمع)) أيضاً. قلت: هو الذي صرح في
((التقريب)) فقال: ما نصه: ولو قررنا القول بالعموم، فالصحيح عندنا من هذه
المذاهب أن نقول: إذا قُدِّر التخصيص باستثناء متصل فاللفظ حقيقة في بقية
المسميات، وإن قدر بدليل منفصل فاللفظ مجاز لا يستدل به في بقية المسميات،
وقال: كنا قد نصرنا القول بأنه مجاز مطلقاً. انتهى.
قال المُقْتَرح: ذهب القاضي في أحد مصنفاته إلى أنه مجاز مطلقاً، ثم رجع عنه
إلى الفرق بين التخصيص المقارن والمنفصل، فقال: إن التخصيص المقارن لا
يصيّر اللفظ مجازاً، بل هو باق حقيقة، ونرى أنه كلام واحد، والتخصيص المتأخر
نقول فيه: إنه يبقى مجازاً في البقية، ويحتمل أن القاضي ما أراد بأنه مجاز إلا في
الاقتصار، وفيما عدا المبقى، أما في دلالة اللفظ وضعا فهو حقيقة، والقاضي إنما
٢٦٠