Indexed OCR Text
Pages 221-240
قال: ومثاله قوله لخولة في دم الحيض: (اغسليه)، وفي حديث عمار: (إنما يغسل الثوب من المني والبول والدم)، وحديث أسماء: (حُتّيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء)، فذكر الماء وهو بعض ما دخل في اللفظ الأول. وقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وقال في خبر آخر: (وترابها طهورا)، والتراب بعض الأرض. وقوله: (الطعام مثلاً بمثل)، وقال في خبر آخر: (البر بالبر) فاختلفت أجوبة أصحابنا في هذه الأمثلة على المذهب جميعاً. انتهى. وقال صاحب ((المصادر)): إنما قال أبو ثور في قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [سورة البقرة / ٢٤١] وقوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦] فأثبت المتعة للمطلقة التي هذه سبيلها، فيجب أن يكون هذا هو المراد بالأول وأن لا يثبت لغير المطلقة التي لم تمس ولم يفرض لها، والصحيح خلافه، لأنه إنما يصار إلى التخصيص حيث التنافي. انتهى. وقد حكى أبو الحسين بن القطّان قولين للشافعي في هذه الآية، وسيأتي في التخصيص بالمفهوم، وقضيته جريان قول الشافعي كمذهب أبي ثور. وقد احتج الجمهور في عدم التخصيص بأن المخصص منافٍ، وذِكْر الحكم في بعض الأفراد ليس بمناف، فذِكْر الحكم ليس بمخصص. واعْتُرِض بمنع المقدمة الثانية، وهي أن ذِكْر الحكم في بعض الأفراد ليس بمناف بناء على قاعدة المفهوم، وفَّرْقٌ بَيْ منافاة الحکم وبين منافاة الذكر، فثبوت الحكم في بعض الأفراد ليس بمناف لثبوته في غيرها. وأما الذكر فلا نسلم عدم منافاته لأصل المفهوم الدال على نفي الحكم عما عداه. وهذا الاعتراض إنما يتأتى في ذكر الحكم في بعض الأفراد، فتخصيصه بماله مفهوم مخالفة عند القائلين به كالصفة مثلاً ولا يجيء في ذكر الحكم في بعض الأفراد بذكر مالا مفهوم له كاللقب، والذين أوْرَدُوا هذه المسألة أوردوها عامة. ومن الناس من أنكر الخلاف في هذه المسألة، وقال: لما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب ظُنَّ أنه یقول بالتخصیص، ولیس کذلك. ولعل أبا ثور یقول: إن. (١) كذا في الأصل، ولعل الصواب ((على المذهبين)). ٢٢١ ٦ هذه الصورة لا يجوز تخصيصها من العام، وتصير قطعية لمحل السبب على ما سبق، ولا ينبغي أن يقع فيه خلاف. فإن قلت: فعلى قول الجمهور ما فائدة هذا الخاص مع دخوله في العام؟ قلت: يجوز أن تكون فائدته عدم التخصيص ، أو التفخيم والمزية على بقية الأفراد، أو اختصاصه بضرب من التأكيد، إن جدَّت واقعة بعد ورود العام. وقد يُرَجِّحُ مذهب أبي ثور من جهة أنه يجوز استعمال العام وإرادة الخاص، فيجوز أن يكون ذلك العام أريد به الخاص والقرينة فيه الإفراد، ولكنه خلاف الأصل. وهنا تنبيهات الأول: قال الشيخ تقي الدين ابن دَقِيق العيد: لا ينبغي أن يكتفى في تقرير هذه الفائدة ونسبة هذا المذهب لأبي ثور بهذا الحال، لأن استنتاج الكليات من الجزئيات يعتمد كونها ... (١) الخصوصيات، ويوجد القدر المشترك. وأمَّا الفرد المعين فيحتمل أن يكون الحكم فيه لأمر يختصّه. بيانه أن يعتقد أبو ثور أن الأصل عدم طهارة الجلد بالدباغ، ويعتقد أن المأكول يختص بمعنى يناسب التطهير أو ١٥٢/ ب التخفيف /، فيجعل ذلك قرينة في تخصيص العموم، كما جعل أصحاب الشافعي عدم اعتبار دباغ جلد الكلب قرينة تخص هذا العموم؛ أو يمنع تطهير جلد مالا يؤكل لحمه بنهي النبي عليه السلام عن افتراش جلود السباع كما استدل به بعضهم لهذا المذهب. والمقصود: أنه إنْ كان أبو ثور نصّ على القاعدة فذاك، وإن كان أُخِذ بطريق الاستنباط من مذهبه في هذه المسألة فلا يدل على ذلك. قلت: وبذلك صرح أبو ثور في كتابه، فقد حكى عنه أبو عُمَّر بن عبد البر في (التمهيد)) أنه إنما صار إلى تخصيص الدباغ بالمأكول لأجل قوله عليه السلام في جلد الشاة: (هلا دَبغتموه). وقال في حديث آخر: (نهى عن جلود السباع). قال (١) هنا بياض في جميع النسخ، وقدَّر بعض النساخ المبيض له كلمة: ((منفي)). ٢٢٢ أبو ثور: فلما رُوى الخَبَرَانِ أخذنا بهما جميعاً، لأنه لا تناقض فيهما. انتهى. ويقال له: هذان الخبران كل واحد منهما عام من وجه، خاص من وجه. فإن خبر السباع عام في جلود السباع قبل الدباغ وبعده، وخاص بالسباع. وحديث (أيما إهاب دبغ)، عام في كليهما، وخاص بالدباغ، ويتأكد في مثله الترجيح بأمر خارج. الثاني: أن صورة المسألة أن يكون الخاص مفهومه موافقاً. فإن كان مفهوم مخالفة مثل: خبر القلتين، وسائمة الغنم، بالنسبة إلى قوله: (لا ينجسه شيء) وقوله: (في أربعين شاة شاة) ونحوه، فهذه مسألة تخصيص العموم بالمفهوم، وستأتي. وبذلك صرح القاضي أبو الطيب الطبري. فقال: فأما إذا كان للخاص دليل خطاب، فإنه يخص به العموم ، فيخرج منه ما يتناوله دليله، كقوله: (في أربعين شاة شاة) مع قوله: (في سائمة الغنم زكاة)، فتخرج المعلوفة من قوله: (في أربعين شاة شاة). فالمفهوم كالمنطوق في وجوب العمل به، واللفظ الخاص يُقضى به على العام، فكذلك ههنا. وكذلك قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء)، مع قوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيِّره). وقال الشيخ في ((شرح الإلمام)): ينبغي أن يقيد محل الخلاف بالتخصيص بما ليس له مفهوم، كاللقب، فأما ماله مفهوم كالصفات، فعلى القول بالمفهوم أجازوا تخصيص العموم به. قلت: وبه صرح القفال الشاشي في كتابه، فقال بعد قوله: إن ذلك لا يخصص أما إذا كان إفراد المخصوص بالذكر على معنی نفي مشاركة غيره إياه كما روي: (في سائمة الغنم زكاة)، وروي في: (أربعين شاة شاة)، فذكر السَّوْم عند أصحابنا يدل على نفي الزكاة فيما ليست بسائمة، وكأنه قيل: لا زكاة إلا في السائمة، فإن لم يقم دليل على أن إفْرَادَهُ بالذكر على معنى مخالفة المسكوت عنه له في حكمه فإنه لا يجعل مخصصاً للعموم، لأن ذلك العموم يشتمل عليه وعلى غيره. قال: ولولا قيام الدليل على أن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً) على أنه ٢٢٣ تحديد لدخل في جملة قوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء). انتهى. وكذا قال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور إذا عري اللفظ الخاصّ من وجود الأدلة التي تقتضي المنافاة سوى خصوصه في ذلك المسمى، فإن كان معه ما يقتضي ذلك فلا خلاف في أنه يخص العموم إلا في المواضع التي يختلف فيها، مثل أن يكون الحكم فيها متعلقاً بصفة، فیدل على ما عداه بخلافه عند القائلين بدليل الخطاب، أو أن يكون فيه تعليل يوجد في بعض ما دخل تحت العموم، فإذا عري من ذلك ففيه الخلاف. [ذكر بعض أفراد العام هل يخصص العام] الثالث: أن الخلاف لا يقصر على ورود الخاص بالنص؛ بل إذا ورد العام، ثم ورد من النبي ◌ّيهو قضاء أو فعل بما يوافق العموم، ولم يقم دليل على أن فعله بيان للعموم ومفسِّر له، فالحكم كذلك. قال القَفّال الشاشي، ومَثّله بقطعه عليه السلام فيما قيمته ثلاثة دراهم أو عشرة، وليس فيه أن ذلك تفسير للآية. قال: وكذلك لم يجعل أصحابنا ثلاثة الدراهم حداً كما ذهب إليه مالك، ولا عشرة كما ذهب إليه أهل الرأي، لأن العموم قد ثبت بقطع السُّرَّاق أمراً، والتقييد إنما يقع على ما سرق من قليل وكثير، ولهذا لم يجعل الخبرين في قيمة المِجَنّين متعارضين لأن قيمتهما قد تختلف. الرابع: قيد ابن الرِّفْعَة في باب الأواني من ((المطلب)) هذه المسألة، فقال: محل قولنا إنّ ذكر بعض أفراد العام لا يخصّص ما إذا لم يعارض العموم عمومٌ آخر، فإن عارضه قدّم، ومَثّله بحديثٍ عَليٍّ: (هذان حرام على ذكور أمتي، حل الإناثهم)، ورواية أبي موسى: (حَرُمَ لُبْسُ الحرير والذهب على ذكور أمّتي)، فاقتضى الثاني تخصيص الأول باللبس، وقد عارض عمومٍ الأول حديث أم سلمة: (الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يُجَرْجِرُ في جوفه نار جهنم)، فإنه يقتضي تحريم الأواني على الرجال والنساء. وفيما قاله نظر؛ لأن حديث الأواني غير حديث الاستعمال. ٢٢٤ فائدة لا معنى لهذه المسألة إلا أنّا نقصر الحكم على تلك الواقعة، أو نقيس على تلك الواقعة ما هو في معناها من كلّ مأكول اللحم، كما في شاة ميمونة. قال الإمام: المراد بقولهم تخصيص المعنى الثاني. مسألة إذا ذُكر العام، وعطف عليه بعض أفراده مما حق العموم أن يتناوله كقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [سورة البقرة / ٢٣٨].، فهل يدل فيه التخصيص على أنه غير مراد باللفظ العام؟ حكى الرُّوْيَاني في ((البحر)) عن والده في كتاب الوصية أنه حكى خلاف العلماء في هذه المسألة، فقال بعضهم: هذا المخصوص بالذكر لم يدخل تحت العام، لأنا لو جعلناه داخلاً تحته لم يكن للإفراد فائدة. قلت: وعلى هذا جرى أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جِني؛ وظاهر كلام الشافعي يدل عليه، فإنه قال في حديث عائشة في الصلاة الوسطى وصلاة العصر: إنه يدل على أن الصلاة الوسطى ليست العَصْر، لأن العطف يقتضي المغايرة . ثم قال الرُّوْيَاني: وقال بعضهم: هذا المخصوص بالذكر هو داخل تحت العموم، وفائدته التأكيد، أي فكأنه ذُكِرَ مرتين: مرة بالعموم، ومرة بالخصوص. وفرّع الرُّوْيَاني على هذا الخلاف مالو أوصى لزيد بدينار، وبثلث ماله للفقراء، وزيد فقير، فلا يجوز أن يُعْطَى غير الدينار؛ لأنه بالتقدير قطع اجتهاد القاضي، جزم. به في ((الحاوي))، وحكى الحناطي فيه وجهين: أحدهما هذا، وهو الأظهر. والثاني: أنه يجمع بين ما أوصى له به، وبشيء آخر من الثلث على ما أراد الموصي. ٢٢٥ المسألة الرابعة(١) أن المعطوف إذا كان خاصّاً لا يوجب التخصيص المذكور في المعطوف عليه عند أصحابنا، ويوجبه عند الحنفية، وقيل: بالوقف. لنا أن العطف لا يقتضي ١٥٣/أ الاشتراك في هذه الأحكام. ومثال المسألة: / احتجاج أصحابنا على أن المسلم لا يُقتل بالذمّى بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يقتل مؤمن بكافر)، وهو عام في الحربىّ والذمىّ؛ لأنه نكرة في سياق النفي. وقالت الحنفية: بل هو خاص، والمراد به الحربي، بقرينة عطف الخاص عليه، وهو قوله: (ولا ذو عهد في عهده)، لأنه عليه السلام عطف عليه قوله: (ولاذو عهد في عهده)، فيكون معناه ولاذو عهد في عهده بكافر، على حد قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ [سورة البقرة / ٢٨٥]، ثم إن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فقط بالإجماع. لأن المعاهد يقتل بالمعاهد، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم أيضاً هو الحربي، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. وهذا التقدير ضعيف لوجوه: أحدها: أن العطف لا يقتضي الاشتراك بين المتعاطفين من كل وجه. الثاني: أن قوله: (ولاذو عهد في عهده) كلام تام، فلا يحتاج إلى إضمار قوله: بكافر، لأن الإضمار خلاف الأصل، والمراد حينئذ أن العهد عاصم من القتل. وقد ذهب أبو عُبيد في ((غريب الحديث)) إلى ذلك فقال: إن قوله: (ولاذو عهد في عهده) جملة مستأنفة، وإنما قيده بقوله: ((في عهده))، لأنه لو اقتصر على قوله: ((ولا ذو عهد))، لتوهم أن مَنْ وُجِدَ منه عهد، ثم خرج منه، لا يقتل؛ فلما قال: ((في عهده)) علمنا اختصاص النهي بحالة العهد. فإن قيل: ما وجه الارتباط بين هاتين الجملتين على رأيكم؟ إذ لا يظهر مناسبة لقولنا: (ولاذو عهد في عهده) مطلقاً مع قولنا: (لا يقتل مسلم بكافر). أجاب (١) أي من المسائل الصارفة للفظ عن العموم. ٢٢٦ : أبو إسحاق المروزي: بأن عداوة الصحابة للكفار كانت شديدة جداً، فلما قال عليه السلام: (لا يقتل مسلم بكافر)، خشي أن يتجرد هذا الكلام، فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر من معاهد وغيره، فعقّبه بقوله ما معناه: ولاذو عهد في زمن عهده. الثالث: أن حمل الكافر المذكور على الحربي لا يحسُن، لأن هَدْرَ دَمِهِ من المعلومِ من الدين بالضرورة، فلا يتوهم أحد قتل مسلم به؛ ويُبْعِد هذا الجوابَ قليلاً أمران: أحدهما أن مدلول الحديث مستغنى عنه بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [سورة التوبة / ٤] فالحمل على فائدة جديدة أوْلى. وثانيهما: أن صدر الحديث نفى فيه القتل قصاصاً لا مطلق القتل، فقياس آخره أن يكون كذلك. الرابع: سلمنا صحة التقدير، لكن لا نسلم لزوم تساوي الدليل والمدلول عليه، لأنهما كلمتان لو لفظ بهما ظاهرتين أمكن أن يراد بإحداهما غير ما أريد به بالأخرى، فكذلك منع ذكر إحداهما، وتقدير الأخرى، ويؤيده عموم: ((والمطلقات)) وخصوص ((وبعولتهن)) مع عود الضمير عليه. إذا علمت هذا، فاعلم أنه قد اختلف طرق الأصوليين في ترجمة هذه المسألة، فمنهم من ترجمها كما ذكرنا، وادعى أنه الصواب كما سيأتي، ومنهم من ترجمها كالآمدي في ((الأحكام)) بأن العطف على العام: هل يقتضي العموم في المعطوف؟ وهذه تشمل مالا خلاف فيه، وهي مالو قال: لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده بحربي، فلا يقول أحد باقتضاء العطف على العام العمومَ، حتى لا يقتَل المعاهد بكافر، حربياً كان أو ذمياً. ومنهم من ترجمها كالإمام فخر الدين والبيضاوي والهندي وغيرهم، بأن عطف الخاص لا يقتضي تخصيصه. وناقشهم النَّقْشَواني وغيره بأن هذه العبارة تشمل صورتين: إحداهما: عام معطوف على عام، قام الدليل على أنه مخصوص، كقولك: لا تضرب رجلاً ولا امرأة، ثم تبين لنا أن المراد بالمرأة غير القاذفة أو شاربة الخمر، ٢٢٧ وَوِزَانُه هنا أن يقال: لا يقتل مسلم بكافر، ثم يُخصَّصُ الكافر في المعطوف عليه بدلیل. والثانية: عطف خاص بلفظه على عام بلفظه، فهل يقتضي ذلك تخصيصٍ الأول: كقولنا لا تضرب رجلاً ولا امرأة كهلة؟ فهل يخص الرجل بالكهل أيضاً؟ ووزانه هنا أن يقال: لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد بحربي. قالوا: ومثالهم إنما هو من القسم الأول. ولم يتعرضوا للثانية، والإمام ترجم للثانية. ومثاله إنما يطابق الأولى، وحينئذ فكان من حقه أن يقول: إن تخصيص المعطوف، يقتضي تخصيص علته، ونازعه الأصفهاني شارح ((المحصول)) وقال: بل كَلَامُهُمْ يشمل الصورتين، فإنهم أطلقوا الخاص ومرادهم سواء كان خاصاً لفظاً أو دل الدليل على أنه مخصوص، وتبعه الشيخ شمس الدين الأصفهاني من المتأخرين في مصنفٍ مفرد في هذه المسألة قال: والحق أن ترجمة الإمام تَعُمّ المسألتين، فإن الخاص أعم من أن يكون خصوصه بدليل منفصل أو غيره . لكن الحق أن المسألة وإن كانت عامة، تقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الخاص مذكوراً في المعطوف من غير تقدير. الثاني: أن يكون مقدّراً لكن لا يكون تقديره مستفاداً من المعطوف عليه. والثالث: أن يكون تقديره من حيث العموم مستفاداً من المعطوف عليه، ومن حيث الخصوص مستفاداً من تخصيص بمنفصل، والحديث من الوجه الثالث والبيان في الجميع لا يتفاوت. انتهى. والحق أن يقال: المقصود بالمسألة إنما هو أن إحدى الجملتين إذا عطفت على الأخرى، وكانت الثانية تقتضي إضماراً كقوله: (ولاذو عهد في عهده) على ما تدعيه الحنفية، فإنها لا تستقيم عندهم بدون إضمار، وإلاّ يلزم قتل المعاهد مطلقاً ، فهل يضمر ما تقدم ذكره؟ ثم إن كان عاماً اقتضى العطف عليه تقدير العام، فكان العطف على العام يقتضي العموم لذلك، أو يضمر مقدار ما يستقل (١) لعل في الكلام سقطاً والصواب ((وإلا يلزم عدم قتل المعاهد مطلقاً)) وانظره بعد صفحتين. ٢٢٨ ٠ به الكلام فقط، لأن ما وراءه تقدير لا حاجة إليه، قالت الحنفية بالأول، وأصحابنا بالثاني. وقد أجاد ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) حيث افتتح المسألة بقوله: المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه؛ بل بقدر ما يفيد ويستقل به، وعند الحنفية جميع ما سبق مما يمكن إضماره. انتهى. وكذا ابن الصباغ في ((العدة)) حيث قال: هل يجب أن يضمر في المعطوف جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه؟ وإذا وجب ذلك، وكان المضمر في المعطوف عليه مخصوصاً، فهل يجب أن يكون المضمر في المعطوف عليه مخصوصاً أم لا؟ والحاصل أن الخلاف في أنه هل يجب تقدير ما ذكر في الأولى، أو ما يستقل به الكلام فقط؟ فنحن لا نقدر إلا ما يستقل به الكلام فقط، والحنفية يجعلون المضمر في الثانية هو المضمر في الأولى. وقالوا: حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وذلك يقتضي التسوية بينهما في أصل الحكم وتفاصيله، وساعدهم جماعة من أصحابنا، حتى قال / ابن السَّمْعانى: كلامُهم ظاهر جداً. ١٥٣/ب وقال ابن الحاجب: إنه الصحيح. وفصّل بعض الحنابلة بين أن يقيّد المعطوف بقيد غير قيد المعطوف عليه، فلا يضمر فيه، وأن يطلق فيضمر فيه، ونقل بعض المتأخرين من أصحابهم أنهم إنما يقولون بتخصيص العام المعطوف عليه بخصوص الخاص المعطوف فيما هو مخصوص المادة كالحديث، ونحوه، وهو أن يكون المذكور في الموضعين. أما إذا لم يتعين، كما لو قال: ضربت زيداً وعمراً قائماً في الدار، فإن المعطوف هنا خاص، وهو أن ضربت في حال قيامه وحال كونه في الدار، والمعطوف عليه عام، فلا يقولون بتخصيص المعطوف عليه. والضابط أن للجملتين المتعاطفتين أحوالاً: أحدها: أن يتضح كون الثانية مستقيمة، وهذا لا خلاف فيه بين الفريقين. ومنه فرَّ من لم يترجم المسألة بالعطف على العام هل يقتضي العموم، فإذا عطفت جملة على أخرى، وكانت الثانية مستقلة بنفسها، وكانت المشاركة في أصل الحكم ٢٢٩ لا في جميع صفاته، وقد لا يقتضي مشاركة أصلاً، وهي التي تسمى واو الاستئناف كقوله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك، ويمحو الله الباطل ويحق الحق﴾ [سورة الشورى / ٢٤] فإن قوله: ﴿ويمحو الله الباطل) جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قلبها، ولا هي داخلة في جواب الشرط. الثانية: أن لا يتضح استقامتها إلاّ بتقدير وإضمار، وهذا موضع الخلاف، فالحنفية يقدرون الأول، ثمَّ له حالتان، لأنه إما أن يكون عاماً فيكون المعطوف عاماً أيضاً، وإما أن يكون خاصّاً فيكون خاصّاً، وهذه الحالة عندهم تشارك الثانية الأولى في جميع ما هي عليه، ولهذا لو قال: هذه طالق ثلاثاً وهذه، طلقت الثانية ثلاثاً بخلاف ما إذا قال: هذه طالق ثلاثاً، وهذه طالق، فلا تطلق إلا واحدة لاستقلالها ووافقهم ابن الحاجب، والتزم في أثناء كلامٍ له في مختصره الأصولي أن قول القائل: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً، يتقيد بيوم الجمعة أيضاً، وهذا يقتضي أن عطف الجملة الناقصة عنده على الكاملة يقتضي مشاركتهما في أصل الحكم وتفاصيله، وذكر بعض الفضلاء أنه اختيار ابن عُصْفُور من النحويين. وأما أصحابنا الشافعية فقد اختلفوا في ذلك، فقالوا: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة، فإن الثانية تتقيد أيضاً بالشرط، وكذا لو قدم الجزاء على الشرط، وهو ظاهر. وقالوا فيما إذا قال: لفلان علىّ ألف ودرهم ونحوه أنه لا يكون الدرهم مفسراً للألف، بل له تفسيرها بما شاء. وهو مذهب مالك. وقال الحنفية: إن كان المعطوف مَكيلاً أو موزوناً أو معدوداً فسِّرت الألف به، وإن كان متقوَّماً كالثوب والعبد بقي العدد الأول على إبهامه. ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وأنتِ يا أم أولادي. قال العبادي: لا يقع عليه الطلاق، لأنه قبل النكاح لغو، وقد رتب طلاقها عليه فيلغو، حكاه عنه الرافعي، ولم ينكره، ثم قال: ويقرب من هذا ما ذكره غيره أنه لو قال لزوجته: نساء العالمين طوالِقٍ، وأنت يا فاطمة، أنه لا يقع شيء، لأنه عطف طلاقها على طلاق نسوة لا يقع طلاقهن، وقضية هذه العلة أنه إذا عطف الطلاق على طلاق نافد یقع. ٢٣٠ الثالثة: أن يشكل الحال، فذهب قوم إلى أنها محتاجة إلى الإضمار، وآخرون إلى أنها غير محتاجة كهذا الحديث، فإنه عندنا تام لا يحتاج إلى تقدير، وهم يقدرونه، قالوا: ولو لم نقدره لكان معناه لا يقتل ذو عهد في عهده، وحينئذ يلزم امتناع قتل المعاهد مطلقاً. قلنا: لا نسلم لزومه، وإنما يظهر امتناعه، وحينئذ يجوز تخصيصه بدليل منفصل، كما يجوز تخصيص قوله: ((بكافر)» على تقدير أن يكون هو مقدراً. وقد ذكر القُدُوري في كتابه ((التجريد)) في الحديث تقديرين آخرين: أحدهما: أنه لا حذف فيه. ولكنه على التقديم والتأخير، والأصل (لا يقتل مسلم، ولا ذو عهد في عهده بكافر)، ثم أخّرَ المعطوف عن الجار والمجرور، وإذا ثبت ذلك فالكافر الذي لا يقتل به المعاهد لا یصح أن یکون من لا عهد له، وهو الحربي، فكذلك الكافر الذي لا يقتل به المسلم. وفيه نظرٍ، لأنّه فرَّ من ضرورة تقدير الحربي إلى التقديم والتأخير، وهو خلاف الأصل أيضاً، وبأن فيه ما سبق. الثاني: أن ذو عهد مبتدأ، وفي عهده خبره، والواو للحال، أي لا يقتل مسلم بكافر، والحال أنه ليس ذا عهد في عهده. ونحن لو فرضنا خلوّ الوقت عن عهد لجميع الكفّار لم يقتل مسلم بكافر. قال: ومثله في المعنى ما أنشد أبو زيد الأنصاري : ٠ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حيث سُلت وهذا فيه بُعْدٌ، لأن فيه إخراج الواو عن أصلها وهو العطف، ومخالفة لرواية من روى: ((ولا ذي عهد)» بالخفض، إما عطفاً على كافر كما يقول الجمهور، وإما على مسلم كما تقوله الحنفية، ولكنه خُفِضَ لمجاورته للمخفوض. وأيضاً فإن مفهومه حينئذ أن المسلم يقتل بالكافر مطلقاً، في حالة كون ذي العهد في عهده، وهذا لا يقوله أحد، فإنه لا يقتل بالحربي اتفاقاً. ٢٣١ : مسألة اختلفوا في لفظ العام إذا كان معطوفاً على عمومٍ قبله، وأمكن استعمال كل واحد منهما في نفسه إذا أفردَ بالذكر من غير تعلّق الثاني بما قبله. قال الأستاذ أبو منصور: فكل مَنْ اعتبر خصوص السبب زعم أن الثاني محمول على حكم العموم الذي يليه، ومن اعتبر عموم اللفظ أوْجَبَ اعتبار العموم الثاني بظاهره، إلا أن يقوم دليل على تعلقه بالمعطوف، ومثاله قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [سورة المائدة / ٣٨] إلى قوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ [سورة المائدة / ٣٩]، ((فمن تاب)) كلام مستقل بنفسه مفرداً، فلا يصح تضمينه بما قبله من السرقة من سقوط القطع بالتوبة، بل هو عام في السرقة وغيرها إلا ما خصّه الدليل منه. وليس هذا كقوله في آية المحاربة: ﴿إلا الذين تابوا﴾ الآية [سورة المائدة / ٣٤] استثني لأنه غير مستقل. قال الأستاذ وأصحاب الرأي: هذا المذهب الذي اخترناه أوْلى، لأنهم حملوا قوله تعالى: ﴿وأولات الأحْمَال أُجلهنَّ أنْ يَضَعْنَ حملهنّ﴾ [سورة الطلاق / ٤] على المطلقة، وعلى المتوفى عنها زوجها، ولم يحملوها على المعطوف عليه في قوله: ﴿والمطلقات يتربَّصْنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [سورة البقرة / ٢٢٨]. المسألة الخامسة(٢) إذا ورد اللفظ العام، ثم ورد عقيبه تقييدٌ بشرطٍ أو استثناءٍ أو صفة أو حكم، ٢/١٥٤ وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما / يتناوله العموم، فهل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض أو لا؟ فيه قولان، والمذهب كما قاله ابن السَّمْعاني: أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط، وبه جزم الشيخ أبو حامد (١) لعل هذا سبق قلم من المؤلف، وإلا فالعطف على قوله ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ من أول سورة الطلاق نفسها. (٢) أي من المسائل الصارفة للفظ عن العموم. ٢٣٢ ٠ الأسفرايني، فقال: بل يحمل الأول على عمومه، والآخر على أنه بيان لبعض حكم الأول. قال: وأبو حنيفة يوافقنا على هذه القاعدة، وإن خالفَنًا في مثل: (لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده). انتهى. وجزم به أبو بكر الصَّيْرفي في كتاب ((الدلائل والأعلام))، والقَفَّال الشَّاشي في كتابه، وابن القُشَيْرِي وإلْكِيا الطبري، والشيخ أبو إسحاق وسليم في ((التقريب))، وابن الصباغ في ((العدة))، وبه جزم أبو بكر الرازي من الحنفية، ونقله عن عيسى بن أبان وغيره. وقالت الحنفية: إن ذلك يقتضي تخصيصه، وبه قال القاضي من الحنابلة، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد. قال سليم: وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وإنما خالفه في اعتبار مسائل خَصَّ عموم أَوَّلها بخصوص آخر، كقوله: (لا يقتل مسلم بكافر) الحديث. فحمل أول الحديث على الكافر الحربي والمستأمن، لأجل آخره. لنا أن العام إنما يخص بما ينافيه. قلت: ونقل الرافعى في أول باب قاطع الطريق عن أكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم أن الآية في المسلمين دون الكفار، وأنهم احتجوا على ذلك بقوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية [سورة المائدة / ٣٤] فدّل هذا الاستثناء على أنها في المسلمين. انتهى. وذهب بعض الأصوليين إلى الوقف، واختاره أبو الحسين البصري في ((المعتمد)) كذا رأيته فيه، وكذا حكاه ابن برهان في ((الأوسط))، وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، ونقل ابن الحاجب عنه أنه يخصص، وهو وَهَمُ. قلت: ونص عليه الشافعي في ((الأم))، ونقله عن ابن عباس. واعلم أن للشافعي في المسألة نصاً صريحاً، لكن وقع في كلامه ما يقتضي الأمرين، فأما ما يدل على أنه تخصيص، فمواضع: أحدها: أنه قال في ((الأم)) في قوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [سورة الأنعام / ١٤١]: إن الضمير عائد على بعض ما تقدم، وهو الزرع، لا النخل والزيتون، لأن الحصاد لا يكون إلا في الزرع، فلم يوجب الزكاة إلا في الزرع، وحمل الإيتاء العام عليه، لأجل الضمير المخصص. ٢٣٣ الثاني: أنه قال في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [سورة التوبة / ٤١]: إن هذا وإن كان لفظه عاماً للحر والعبد، إلا أنه خاص بالحر لقوله بعده: ﴿وجاهدوا بأموالكم﴾ [سورة التوبة / ٤١] والعبد لا يملك. الثالث: قوله في الاحتجاج على أن العبد لا يملك الطلاق الثلاث بقوله سبحانه ﴿الطلاق مرتان﴾ [سورة البقرة / ٢٢٩]. لأنه وإن كان عاماً لكنه خاص بالحر، لأجل قوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتْتُموهُنَّ﴾ [سورة البقرة / ٢٢٩] والعبد لا يعطي شيئاً. الرابع: أنه استدل علی أن العبد لا تحل له أربع زوجات بقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [سورة النساء / ٣] وقال: هذا خاص بالحر، لقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [سورة النساء / ٣] فإن العبد لا يملك. الخامس: آية المحاربة السابقة. وأما المواضع التي تدل على أنه ليس بتخصيص، فمنها أن ظهار الذمى عنده صحيح مع أن قوله تعالى عقب قوله: ﴿والذين يظاهرون﴾ [سورة المجادلة / ٤] ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ [سورة المجادلة / ٤]، وهو لا يكون إلا للمؤمنين. فلم يجعل هذا مخصصاً لعموم ((الذين يظاهرون)). ومنها: أن إيلاء الذمي عنده صحيح، مع أن قوله تعالى عقبه: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [سورة البقرة / ٢٢٦] فلم يجعله مخصصاً. فخرج من هذا أن للشافعي في المسألة قولین: أصحھما أنه تخصیص كما دل عليه الأكثر من كلامه إلا أن يدل دليل على عدم المخصص، فيعمل به، كإيلاء الذمّى، وظهاره. وقد مثلوا الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ [سورة البقرة / ٢٣٧] بعد قوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [سورة البقرة / ٢٣٦] ومعلوم أن العفو لا يكون إلا من البالغة الرشيدة، فهل يتخصص النساء بهن؟ قال صاحب المصادر: ٢٣٤ وهذا ليس بوزان المسألة، لأنه إنما يصح لو لم يذكر بعده ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [سورة البقرة / ٢٣٧] فقد ذكر حكم البلَّغ، وحكم غيرهن. ومثال الصفة قوله: ﴿لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ [سورة الطلاق / ١]، بعد قوله: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [سورة الطلاق / ١]، ويعني بالأمر الرغبة في رجعتهن، ومعلوم أن ذلك لا يتأتى في البائنة، فكان الأول عاماً في المطلقات. قال القَفَّال: ولهذا جعل أصحابنا قوله: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ [سورة الطلاق / ١] فيما يملك الزوج من عدد الطلاق، وإن كان قوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ [سورة الطلاق / ١] يقتضي تخصيصه بالرّجعيّ . ومثال رُجوع الضّمير قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [سورة البقرة / ٢٢٨] ، فهذا عام في الرجعية والبائن المدخول بها، ثم قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [سورة البقرة / ٢٢٨]، وهذا لا يتأتى في البائن. وقوله تعالى: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾ [سورة الأنعام / ٩٤]، وهذا عام في المسلمين والمشركين، ثم قال: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ [سورة الأنعام / ٩٤] وهي خاصة بالمشرکین. وجعل بعض المتأخرين مدرك الخلاف أن التخصيص: هل يدخل على الأسماء المضمرة، كما يدخل على الأسماء المظهرة، كما يدل عليه التخصيص المتصل في مثلٍ قوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ [سورة النساء / ٦٦] ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾ [سورة البقرة / ٢٤٩] فمنهم مَنْ قال: أكثر الناس على الدخول، وتوهم بعض المتأخرين أنه لا يدخل في الضمائر، لأن المضمر لا يدل بنفسه على جنس من الأجناس. وإنما يعود إلى المذكور أو المعلوم، فيقل بقلته، ويكثر بكثرته، فلا حاجة إلى دخول التخصيص عليه. وهذا ليس بشيء، لأن موضوعه في اللغة أن يعود إلى ما قبله، فإذا عاد إلى بعض ما قبله فقد خص ببعض معناه. انتهى. وجعل الصَّيْرفى من هذا القسم قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ إلى قوله ﴿إلا أن يعفون﴾ [سورة البقرة / ٢٣٧] فأطلق تعالى الاسم على ٢٣٥ من طلقت بهذه الصفة. وأوجب لها نصف المهر من كل مطلّق، ثم قال: ﴿إلا أن يعفون﴾ [سورة البقرة / ٢٣٧] فلو كان الضمير راجعاً إلى الكل لجاز أن تعفو غير البالغة، لأنه لو كان نصف الصداق لا يكون إلا على الزوج الذي له العفو لامرأته، أو لامرأته عليه، لكان مَن لا يكون له العفو لا نصف له من الصداق. وإذا بطل هذا عُلم أن الخطاب بالعفو في بعض المذكورين في الابتداء، ثم قال: وكل ما يجوز أن يكون في الابتداء على الإطلاق، فالضمير راجع إلى هذا الوصف، والحكم ثابت على ما ثبت. وكل مالا يصح إلا على الترتيب، فالحكم له، وما جاز أن يقع على الجميع، فالضمير عن جميعه. ومثَّل أيضاً بقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حُسْناً﴾ [سورة العنكبوت / ٨] ثم قال: ﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ [سورة العنكبوت / ٨]، فهذا إنّما يكون في ١٥٤ /ب الكافر، والأول / على عمومه، وكذا قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم) الآية [سورة النساء / ١١] ثم قال: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [سورة النساء / ١١] وقال أبو الحسين بن القطان: الكناية إنما تكون على مذكور متقدم، فإن لم يكن لم يجز أن يحمل عليه. وقد خاطبنا الله بخطاب مواجهة لم يكن على ما تقدم كقوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وَجَرَيْنَ بهم بريح طيبة﴾ [سورة يونس / ٢٢] وإنما أراد بكم، ولو خلّينا والظاهر لقلنا فيه إن ذلك ليس بعطف، لكن لما تقدم ذكر المواجهة، علمنا عوده إليهم. نظيره قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [سورة البقرة / ٢٣٧] خرّجه الشافعي على قولين: أحدهما: أن المراد به الولى، لأنه لو أراد الزوج لوَاجَهَهُ، فلما عدل إلى الكناية علمنا أنه لم يُرِدْهُ. والثاني: أنه رد الكناية إلى المواجهة، وهو الزوج لأنه ذكر عفوها وعفو زوجها، فکنی كما كنى في ﴿جَرَیْن بهم﴾ [سورة يونس / ٢٢]: قال: وهذا يجري في كل موضع إن قام الدليل صرنا إليه، وإلا حمل على الظاهر. ٠٠ : قال: وجعل بعض أصحابنا من هذا أن يعطف شيء فيكون حكم الثاني حكم الأول، كقوله: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ﴾ [سورة المائدة / ٩٥] ثم قال: ﴿ومن ٠ ٢٣٦ قتله منكم متعمداً﴾ [سورة المائدة / ٩٥] فكان الصيد اسماً للفعل، فلما قال: ﴿لا تقتلوا﴾ استحال أن يكون إشارة إلى الفعل، فعلم أن الإشارة وقعت إلى عين المصيد، ثم عطف بقوله: ﴿وحرّم عليكم صيد البر﴾ [سورة المائدة / ٩٦] فكان المعطوف الثاني على العطف الأول، وذلك أن أهل اللغة قالوا: إن العطف على حكم المتقدم. قال: ولذلك قال: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ [سورة المائدة / ٩٦] ومن أصحابنا من قال هذا إذا جرين كان للفعل الثاني، لأن الأول لم يعهد أن يكون للفعل لقيام الدلالة عليه، وإذا لم نقدر على هذا رجعنا في ذلك إلى الحقيقة في الثاني، فكان للفعل!) والأجود أن يقال في هذه الآية: إنه للفعل والمصيد نفسه، فقد حرَّم الأمرين جميعاً، لأنه قد يقع على المصيد، وإذا كان يقع عليه حمل على الأمرين. ومما يبين هذا وأن الآية واردة في القسم الأول أنه للفعل قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ [سورة المائدة / ٩٦] فلا يجوز أن يقال: فعل البَرِّ، وإنما أراد عين المصيد، ومثل ذلك قوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [سورة الطلاق / ١]، ثم قال: ﴿لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً﴾ [سورة الطلاق / ١] فكان الأول محمولاً على البائن والرجعية، والثاني محمول على الرجعية. مسألة وأما إذا كان أول الكلام خاصّاً، وآخره بصيغة العموم - فلا يكون خصوص أوله مانعاً من عموم آخره، كالعكس. ذكره القَفّال، ومثّله بقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨] وقوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾ [سورة المائدة / ٣٩] فإن الأول في صنف من الظالمين، وهم السُّرَّاق، والتوبة بعد الظلم والإصلاح لجميع الظالمين. وقوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [سورة الطلاق / ٤] فكان هذا للمطلقات، ثم قال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [سورة الطلاق / ٤] وهو عام في المطلقات والمتوفى عنهن. (١) يظهر أن في هذه الفقرة من كلامه سقطاً أو تحريفاً، فالمعنى غير واضح. ٢٣٧ وذكره السُّهَيْلي النحوي، ومثله بقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [سورة النساء / ١١] كان أوله خاصاً بالأولاد، وآخره يشمل الأولاد والإخوة والأخوات إذا ورثوا، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قيل: للذكر مثل حظ الأنثيين كان مقصوراً على الأولاد، فلما لم يقل: منهم دل على إرادة العموم. قلت: وينبغي أن يجري فيها الخلاف في العكس، وقد سبق في قوله: (لا يقتل مسلم بكافر). تنبيه إذا تقدم المعنى المخصص، وتأخر اللفظ العام، فظاهر كلام أصحابنا التخصيص، ولهذا خصُّوا قوله عليه السلام: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) بالوصية بقدر حصته، وقالوا: إذا أوصى بعين هي قدر حصته، يصح. فلم يعتبروا العموم، لأجل سبق العلة المخصّصة. مسألة وأما إذا ذكر العام ثم ذكر بعض أفراده بقيد أو شرط فهو يقتضي أن الأول مراد بما عدا الشرط، ويكون مخصصاً له. قاله الصَّيْرفى، ومثّله بقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ [سورة النساء / ٩٢] ثم قال: ﴿فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾ [سورة النساء / ٩٢] فقد علم أنه لم يُرْدِ مجموع الرقبتين على القاتل إن كان القتل من عدوّ لَنَا، لأنه ذكر المؤمن ذكراً عاماً؛ فكان الاسم يَنْظُمُ مَن هو عدوّ لنا ومن هو من دارنا، فلما قال في الثانية: ﴿فإن كان من قوم عدوّ لكم﴾ [سورة النساء / ٩٢] دل على مخالفة الموضعين(١)، وأن الذّكر الأول في (١) في الباريسية: الوصفين. ٢٣٨ بعض المؤمنين، وهذا الذي في غير دار الحرب. وبقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [سورة الطلاق / ١] ثم قال: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ [سورة الطلاق / ٦] لأنّ الحكم الثاني معلق بمعنى ليس في أول ما ابتدىء بذكره. اهـ. وقال الأستاذ أبو إسحق: إذا ورد العموم مجرداً من صفة، ثم أعيد بصفة متأخرة عنه، كقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥]، مع قوله قبله أو بعده: اقتلوا أهل الأوثان من المشركين، كان ذلك موجباً للتخصيص بالاتفاق، ويوجب المنع من قتل أهل الكتاب، ويُخصِّص ما يعدّ(١) من العموم. والله أعلم بالصواب. (١) في القاهرية: بعده. ٢٣٩ مَبَاحِثُ الخَاصِّ وَالخُصُوصِ وَالتخصِّيْصِْ [تعريف الخاص والخصوص والفرق بينهما] الخاص: اللفظ الدال على مسمى واحد وما دل على كثرة مخصوصة، ولهذا قدمه بعض الحنفية على البحث في العام تقديماً للمفرد على المركب. والخصوص: كون اللفظ متناولاً لبعض ما يصلح له لا لجميعه، وقد يقال: خصوصٌ في كون اللفظ متناولاً للواحد المعين الذي لا يصلح إلا له، كتناول كل اسم من أسماء الله تعالى المختصة به له تبارك وتعالى. وذكر القسم الثاني الزَجَّاج في كتاب له في أصول الفقه، نقله عنه ابن الصلاح في فوائد رحلته، أن الشافعي (رضي الله عنه) عبّر عن المخرج مرة بالخاص، وعن المبقّى مرة بالخاص، والخصوص من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعاني الخلاف السابق في العموم، ولم يتعرضوا لذلك. وفرق العسكري بين الخاص والخُصوص، فقال: الخاص يكون فيما يراد به بعض ما ينطوي عليه لفظه بالوضع، والخصوص ما اختص بالوضع لا بإرادة. وقيل: الخاص ما يتناول أمراً واحداً بنفس الوضع، والخصوص أن يتناول شيئاً دون غيره، وكان يصح أن يتناوله ذلك الغير. [تعريف المخصص] وأمّا الُخصِّصُ فيطلق على معانٍ مختلفة، يوصف المتكلم بكونه مخصِّصاً للعام بمعنى أنه أراد به بعض ما يتناوله، ويوصف الناصب لدلالة التخصيص بأنه ٢٤٠