Indexed OCR Text

Pages 181-200

المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] فقد خصه عليه السلام بغير النساء، لنهيه عن قتل
النساء، وأما القرينة المدخلة، فكقوله: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)،
فإن المعنى في استيفاء الحد المِلْكُ، وهو شامل للرجل والمرأة، ولهذا أقامت عائشة
الحد على أمّةٍ لها.
ويخرج من هذا أن للمسألة أربعة أقسام: ما يدخلن قطعاً، ومالا يدخلن
قطعاً، وما يدخلن على الأصح، ومالا يدخلن على الأصح.
الثاني(١): سكتوا عن الخنائى، هل يدخلون في خطاب المذكر والمؤنث؟ والظاهر
من تصرف الفقهاء دخولهم في خطاب النساء فيما فيه تغليظ، وخطاب الرجال فيما
فيه تخفيف، وقد يجعلونه في مواضع خارجاً عن القسمين.
[المسألة الثانية]: [في دخول العبيد والإماء تحت الخطاب باللفظ العام]
نحو ياأيها الناس، وياأيها الذين آمنوا، ثلاثة أوجه لأصحابنا حكاها المَاوَرْدِي
في ((الحاوي)):
أحدها: يدخلون فيه لتوجه التكليف إليهم.
والثاني: لا يدخلون إلا بدليل، لأنهم أتباع الأحرار.
والثالث: إن تضمن الخطاب تعبداً توجه إليهم، وإن تضمن ملكاً أو عقْداً أوْ
ولاية لم يدخلوا فيه. قيل: وأجمعوا على أنه غير مخاطب بالعبادات المالية كالغزو
والخراج، لأنه لا مِلْكَ له وإن مُلَّكَ، وفيه نظر.
والذي عليه اتباع الأئمة الأربعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، أنهم
يدخلون إتباعاً لموجب الصيغة، ولا يخرجون إلا بدليل، كما قال الأستاذ
أبو منصور، والقاضي أبو الطيب، وإلْكِيا الطبري، ونقله ابن بُرْهَان عن معظم
الأصحاب، ونقله القاضي عبد الوهاب عن معظم أصحابهم.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى: قد جعل الشافعي بعض الظواهر
بالترجيح للأحرار إذا كان أكثر الخطاب في الشرع مخصوصا بهم، فتوهم
(١) أي التنبيه الثاني.
١٨١

بعض أصحابنا أن للشافعي فيه قولين، وليس كذلك، وإنما جعله في الأحرار
بالترجيح على حملة الشرع.
وفصّل أبو بكر الرَّازي من الحنفية بين أن يكون الخطاب لحق الله فيشملهم،
وبين أن يكون لحق الآدميين فلا، ولهذا يمتنع شهادة العبيد، ولأن استغراقهم
بحقوق السَّادة قرينة تدل على امتيازهم عن حكم العموم، وحكاه الأستاذ
أبو منصور عن بعض أصحابنا، وحكاه البَاجِي والَمَازرِي عن ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد
منهم، وفي دخول المبعض كلامٌ سبق في بحث التكليف.
[المسألة] الثالثة
الأكثر كما قاله الأستاذ دخول الكافر في الخطاب الصالح له وللمؤمنين إذا ورد
مطلقاً، كيا أيها الناس، يا أولى الألباب، فيعم ولا يخرج منها أحدٌ إلا بدليل،
وذهب بعض أصحابنا إلى اختصاصه بالمؤمنين، وقيل يدخلون في حقوق الله دون
حقوق الآدميين، وقد سبقت المسألة في باب التكليف.
قال الهندي: والقائلون بعدم دخول العبد والكافر إن زعموا أنه لا يتناولهما من
حيث اللغة فهو مكابرة، وإن زعموا التناول لكن الرق والكفر في الشرع خصصهم
فهو باطل للإجماع على أنهما مكلفان في الجملة.
[المسألة] الرابعَة
الخطاب ((بيأهل الكتاب)) لا يشمل الأمّة إلا بدليل منفصل، لأن اللفظ قاصر
عليهم، وقال أبو البركات ابن تيمية في ((مسودته)) الأصولية هو على وجهين:
أحدهما: خطاب على لسان محمد بَّر، كقوله: ﴿يأهل الكتاب لا تغلوا في
دينكم﴾ [سورة المائدة / ٧٧] ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي﴾ [سورة البقرة / ٤٠] فهذا
حكم سائر الناس فيه حكم بني إسرائيل، وأهل الكتاب إن شاركوهم في المعنى
دخلوا وإلا فلا، لأن بني إسرائيل وأهل الكتاب صنف من المأمورين بالقرآن،
نظير خطابه لواحد من الأمّة يثبت الحكم في حق مثله، ثم هل عمَّ عرفاً أو عقلاً؟
١٨٢

فيه الخلاف المشهور.
والثاني: خطابه لهم على لسان موسى وغيره من الأنبياء، فهي مسألة شرع من
قبلنا، والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخِطابي قطعاً، لكن يثبت بطريق
الاعتبار العقلي عند الجمهور، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم
عبرة لأولي الألباب﴾ [سورة يوسف / ١١١] وقوله: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [سورة
الحشر / ٢] ونحوه، والحاصل أن العموم يكون تَارَةً للأشخاص، وتارة للأفعال،
وفي كلا الموضعين يعم، وهل هو بالوضع اللغوي، أو بالعبارة العرفية، أو
بالعِبرة العقلية؟
[المسألة] الخامسة
الخطاب «بيأيها المؤمنون»
حكى ابن السَّمْعَاني في ((الاصطلاح)) عن بعض الحنفية أنه لا يشمل غيرهم
من الكفار، لأنه صريح، ثم اختار التعميم لهم ولغيرهم، لعموم التكليف بهذه
الأمور، وأن المؤمنين إنما خُصّوا بالذكر من باب خطاب التشريف لا خطاب
التخصيص، بدليل قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من
الربا﴾ [سورة البقرة / ٢٧٨] وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة قلت: وفيه
نظر، لأن الكلام في التناول بالصيغة لا بأمر خارج.
وقال بعضهم: لا يتناولهم لفظاً، وإن قلنا إنهم مخاطبون إلا بدليل منفصل، أو
من عدم الفرق بينهم وبين غيرهم، وإلا كيف بعموم الشريعة لهم ولغيرهم ! وأما
حيث يظهر الفرق، أو يمكن معنى غير شامل لهم، فلا يقال بثبوت ذلك الحكم
لهم، لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل، والتعلق قدر زائد على الوجوب، فلا
يثبت في حقهم بغير دليل ولا معنى.
مسألة
وقد يجيء الخطاب بيأيها الناس للمشركين خاصة في قوله: ﴿يأيها الناس
١٨٣

ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [سورة الحج / ٧٣] بدليل قوله: ﴿إن الذين تدعون من
دون الله﴾ الآية [سورة الأعراف / ١٩٤] نص عليه الشافعي في ((الرسالة))، وقال: إنه
من العموم الذي أريد به الخصوص.
[المسألة] السَادسَة
[خطاب المواجهة، هَل يَشمل المعدومين؟]
الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي عليه السلام مثل: يأيها الناس، ويأيها
الذين آمنوا، ويسمى خطاب المواجهة، لا خلاف في شموله لمن بعدهم من
المعدومين حال صدوره، لكن هل هو باللفظ أو بدليل آخر من إجماع أو قياس؟
فذهب جماعة من الحنفية والحنابلة إلى أنه من اللفط، وذهب الأكثرون إلى
الثاني، وأن شمول الحكم لمن بعدهم [بالإجماع أو القياس](١). والحق أنه مما عرف
بالضرورة من دينه عليه السلام، أن كل حكم تعلق بأهل زمانه فهو شامل لجميع
الأمة إلى يوم القيامة .
قال أبو الحسين بن القَطّان: هم مكلفون لا من الخطاب، ولكن لما كانت
الرسالة راجعة إلى سائر القرون كانوا سواءً، قال تعالى: ﴿لأنذركم به ومَنْ بَلغ﴾
[سورة الأنعام / ١٩] وقوله: (بعثت إلى الناس كافة). قلت: وأصْرَحُ منهما قوله
تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأَمِّيين رسولاً - إلى قوله - وآخرين منهم لما يلحقوا
بهم﴾ [سورة الجمعة / ٢ -٣].
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: مَن قال بخصوصه بالمخاطبين ينبغي
أن يعتبر فيه أحوال المخاطبين، ولا يدخل في خطابهم من ليس بصفتهم إلا بدليل
من خارج، وهذا غير الاختصاص بأعيانهم، وهو أَعْلَى مرتبة منه، لأن اعتبار
الأعيان في الأحكام محمول غالباً غلبة كثيرة .
١/١٤٧ / ويحتمل أن يقال: لا تعتبر أحوالهم وصفاتهم إلا أن يحتمل اعتبارها لمناسبة أو
(١) زيادة يقتضيها السياق.
١٨٤

غيرها، والأليق بالتخصيص الأول.
وقال في ((شرح العنوان)): الخلاف في أن خطاب المشافهة هل يشمل غير
المخاطبين قليل الفائدة، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف عند التحقيق، لأنه إما أن
ينظر إلى مدلول اللفظ لغة، ولاشك أنه لا يتناول غير المخاطب، وإما أن يقال:
إن الحكم يقصر على غير المخاطب إلا أن يدل دليل على العموم في تلك المسألة
بعينها، وهذا باطل لما علم قطعاً من الشريعة أن الأحكام عامة إلا حيث يرد
التخصيص .
واعلم أنه عبّر جماعة عن هذه المسألة بأن الخطاب مع الموجودين في زمنه عليه
السلام لا يتناول من بعدهم إلا بدليل منفصل، وذكرها بعضهم أخصّ من هذا،
وفَرض المسألة في: يأيها الناس، وينأيها الذين آمنوا، كما ذكرنا.
وقال بعض المتأخرين: الألفاظ لها حالتان: تارة تكون محكوماً بها، نحو زيد
قائم، أو مخاطبة بخطاب المواجهة نحو يا زيد، وتارة تكون متعلق الحكم، نحو
اصحب العلماء، فالمسمَّيَات في الحالة الأولى يجب أن تكون موجودة حال الحكم أو
الخطاب، فإن القضاء بالحقيقة في الخارج فرع وجودها، وكذلك المتكلم معها،
ومدارها في الحالة الثانية لا يجب أن تكون موجودة في الخارج، بل اللفظ حقيقة فيما
وجد وسيوجد منها، كقول الوالد لولده: اصحب العلماء، لا فرق فيه بين مَنْ
يكون عالماً حال الخطاب، وبين من سيصير عالماً بعد ذلك، وكذلك اقطعوا
السارق، وحدُّوا الزناة، واقتلوا المشركين، لقيام الإجماع على نحو ﴿قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله﴾ [سورة التوبة / ٢٩] وقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨]
﴿الزانية والزاني﴾ [سورة النور / ٢]، يتناول مشركي زماننا، وسُرَّافَهُمْ، وزناتَهمْ، لا
على وجه المجاز، لكن اتفقوا أيضاً على أن الاتصاف بالصفة المشتقة لمن لم تعم به
بالنسبة إلى قيامها في المستقبل مجاز، كما في قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾
[سورة الزمر / ٣٠] ولا طريق إلى الجمع بين هذين الاتفاقين إلا ما ذكرناه من كون
الصفة محكوماً بها، وكونها متعلق الحكم.
وقد اعترض النّقْشوانى في ((تلخيص المحصول)) على هذه المسألة بقول
١٨٥

الأصوليين: إن المعدوم يكون مخاطباً بالخطاب السابق، ولم يفرقوا بين خطاب
المشافهة وغيره، وهو غفلة منهم لأن تلك المسألة إنما هي في الكلام النفسي،
والكلام النفسي له تعلق بمنْ سيوجد على تقدير وجوده، وتعلق الكلام النفساني
ليس من باب أوضاع اللغة في شيء بل هو أمر عقلي، ولذلك مثلوه بأنّ أحَدَنَا يجد
في نفسه طلب الاشتغال بالعلم، والذي من ولد(١) سيوجد له على تقدير وجوده،
بخلاف هذه المسألة، فإن معتمد القول بأن خطاب المشافهة لا يتناول المعدوم أنّ
العرب لم تضع مثل: قومُوا، ولا عليكم أنفسكم خطاباً للمعدوم؛ بل ولا
للموجود الغائب، بل الحاضر القريب. والحاصل أن البحث في هذه المسألة
لغوي، وتلك عقلىّ، فلا تناقض بينهما.
وممن أورد هذا السؤال أيضاً صاحب ((البديع))، وأجاب عنه بأن الكلام ثَمَّ في
تسميته أمراً، وهنا في تسميته خطاباً، ولا تلازُمَ بينهما، فإن معنى تعلق الأمر
بالمعدوم التعلق العلمىّ لا التنجيزى، ولا يجوز أن يسمى خطاباً؛ لأنه عبارة عما
قصد به إفهام مَن هو متهيء للفهم، وهو غير ممكن في المعدوم، وهذا إنما يتم إذا
قلنا: إن كلام الله في الأزل لا يسمّى خطاباً. فإن قلنا يسمى فلا فرق بينهما،
والظاهر أن الذي قال بتناول الخطاب للمعدوم زَمَن النبي عليه السلام أراد به
التناول عند صيرورته أهلاً للخطاب كما في الأمر، لا أنه حال عدمه مخاطب بمعنى
يفهمه في ذلك الوقت.
[المسألة] السَابعَة
{هَل خطاب الله رسوله بلفظ يختص به يشمل أمته]
الخطاب المختص بالنبي عليه السلام بوضع اللسان، مثل: يأيها النبي، ويأيها
الرسول، لا يدخل تحته الأمّة إلا بدليل منفصل من قياس وغيره، وحينئذ
فيشملهم الحكم لا باللفط.
وقيل يدخل في اللفظ فهو عام إلا بدليل يخرجه، ونقل عن أبي حنيفة وأحمد،
(١) لعل الصواب: ما ولد.
١٨٦

واختاره إمام الحرمين، وابن السَّمْعاني، وغيره من أصحابنا، وهو بعيد، إلا أن
يحمل على التعبير بالكبير عن أتباعه فيكون مجازاً لا حقيقة.
وقال ابن القُشَيْرِي: قالت الحنفية: الأمة معه بشرع في الخطاب المختص،
ولهذا قالوا: يصح لنا النكاح بلفظ الهبة، قال: والمختار أن يقال: أما اللفظ في
وضعه فمختص به، وأما أنّ الصحابة هل كانوا يرون أنفسهم مثلاً له في
الخطاب، فلسنا على ثبت في ذلك، والغالب على الظن أنهم ما كانوا يطلبون
مشاركته فيما اختص به، فأما مالم تظهر خاصّته فهو محل نظر.
وفصّل إمام الحرمين، فقال: الصيغة إما أن ترد في محل التخصيص أوْ لاً، فإن
وردت فهو خاص، وإلا فهو عام، لأنا لم نجد دليلاً ناطقاً على التخصيص، ولا
على التعميم، والظاهر أن الخلاف حيث لا يظهر اختصاص النبي ◌َّ، فإن ظهر
اختص بالإجماع فلا معنى لهذا التفصيل، فكأن الإمام يقول بالعموم في هذه
المسألة، فلهذا نقلناه عنه أولاً.
ويجب أن يكون الخلاف مقيداً بأمرين(١): أحدهما: فيما يمكن أن يكون هو
المقصود به وَلَه، أما ما قامت قرينة على أن المقصود بالحكم غيره، وأتى بلفظه
لجلالة وقوع المشافهة معه، كما في قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾
[سورة الزمر / ٦٥] فهذا لا مدخل له فيه ## بلا خلاف، وعلى هذا فذكر ابن
الحاجب هذه الآية في صورة المسألة ليس بجيِّد، وكيف يحتج بمخاطبة الأنبياء
بذلك وهم معصومون، بل ذلك على سبيل الفرض، والمحالُ يصح فرضه
لغرض .
وحكى ابن عطية عن مَكي والَّهْدَويّ أَن الخطاب بقوله: ﴿فلا تكونَنَّ من
الجاهلين﴾ [سورة الأنعام / ٣٥] للنبي عليه السلام، والمراد أمته. قال: وهذا
ضعيف، ولا يقتضيه اللفظ، وارتكب شططاً في التأويل، قال: ويحتمل أن لا
يعلم قول الله (٢): ﴿ولو شاء الله لجمعهم﴾ [سورة الأنعام / ٣٥] والتحقيق أن هذا
(١) ذكر أحد القيدين، ولم يذكر الثاني.
(٢) كتب ناسخ القاهرية هنا مانصه: ((لعله ويحتمل أن يعم بدليل قوله الله: (ولو شاء لجمعهم) فليتأمل))
١٨٧

ونحوه من باب الخطاب العام من غير قصد شخص معين. والمعنى اتفاق جميع
الشرائع على ذلك، ويستراح حينئذ من إيراد هذا السؤال من أصله.
أما فيما لم يظهر أن الأمة مقصودة به، فإن قامت قرينة لفظية على دخولهم فلا
خلاف في عمومه، وتكون القرينة مبيِّنَة أنه عَبّر بلفظه عنه، وعن غيره مجازاً، وهذا
كما في قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ الآية، [سورة
الطلاق / ١] فإن ضمير الجمع في قوله: طلقتم، وطلقوهن، قرينة لفظية تدل على
أن الأمة مقصودة معه بالحكم، وأنه خصَّ بالخطاب لكونه متبوعهم، ولولا فَهْمُ
عمومها للأمة لما افتتح بها.
واعلم أن مثل هذا الخطاب نوعان: نوع مختص لفظه بالنبي بَّر، ولكن
١٤٧ /ب يتناول / غيره بطريق الأولى، كقوله: ﴿يأيها النبي لم تحرِّم ما أحل الله لك تبتغي
مرضاة أزواجك﴾، [سورة التحريم / ١] ثم قال: ﴿قد فرض الله لكم تحلّة
أيمانكم﴾ [سورة التحريم / ٢]، وقوله: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [سورة
الطلاق / ١] .
ونوع يكون الخطاب له وللأمة، وأَفْرَدَهُ بالخطاب، لكونه هو المُواجَهَ بالوحي،
وهو الأصل فيه، والُبَلَّغ للأمة والسفير بينهم وبين الله، وهذا معنى قول
المفسرين: الخطاب له، والمراد غيره، ولم يريدوا بذلك أنه لم يُخَاطَب بذلك أصلاً،
كما يقول السلطان لمقدم العساكر: اخرُجْ غَداً، أو انزل بمكان كذا، واحمل على
العدوّ في وقت كذا ، ومنه قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما
أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [سورة النساء / ٧٩] ، بخلاف قوله: ﴿وأرسلناك
للناس رسولا﴾ [سورة النساء / ٧٩].
[المسألة] الثامنة
الخطاب للأمة إن اختص بهم نحو: ياأيها الأمة فلا يدخل الرسول تحته بلا
خلاف، كما قال الصفي الهندي، وأشار إليه القاضي عبد الوهاب في كتاب
((الإفادة))، ومثلّه بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا
١٨٨

دعاكم﴾ [سورة الأنفال / ٢٤]، فالأول: عام. والثاني: خاص فينا دونه، لأنه هو
الذي أمرنا بالاستجابة له، ومثل قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً، رسولا﴾ [سورة
الطلاق / ١٠ - ١١]، تقديره: اطلبوا رسولا على الإغراء، وهذا أيضاً فينا دونه.
اهـ.
وإن أمكن تناوله نحو: يأيها الناس، ويأيها المؤمنون، ويا عبادي، فاختلفوا
فيه، فالأكثرون على أنه يشمله. وقيل: لا، لأجل الخصائص الثابتة له. والثالث:
ونقل عن أبي بكر الصَّيْرَفي والحَلِيمِي التفصيل بين أن يسبقه تبليغ: نحو قل،
ونحوه، فلا یشمله، فإن الأمر بالتبلیغ یؤثر في عموم الخطاب، وإن ورد مسترسلاً
فالرسول فيه بمثابة غيره، واستنكره إمام الحرمين، لأن القول فيها جميعاً مستند إلى
الله تعالى، والرسول مبلغ خطابه إلينا، فلا معنى للتفرقة.
وقال المُقْتَرح في تعليقه: الخطاب إما يكون من الكتاب، أو من السنة، فإن
كان من الكتاب فهو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى، والمبلغ يندرج تحت عموم
الخطاب، وإن كان من السنة فإما أن يكون مجتهداً أولا، فإن قلنا: إنه مجتهد
فيرجع إلى أن المُخَاطِب: هل يدخل تحت الخطاب أم لا؟ وإن لم يكن مجتهداً فهو
مبلغ، والمبلغ إذَنْ داخل تحت الخطاب. ثمَّ قيل: لا فائدة للخلاف في هذه
المسألة. وقيل: بل تظهر فائدتها فيما إذا ورد العموم وجاء فعل النبي ◌َّ بخلافه،
فإن قلنا: إنه داخل في خطابه كان فعله نسخاً، وإن قلنا: ليس بداخل لم يخص
فعله العموم، وبقي على شموله في ذلك.
[المسألة] التاسعَة
[الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة هل يشمل غيره من الأمة]
الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة، إن خص فيه بالتخصيص، فلا شك
فيه، لقوله: (ولن تجْزى عن أحد بعدك)، وإن صلح أن يتناول غيره، فلا يتناول
غيره من الأمة إلا أن يقوم دليل على وجوب تعميمه عند الجمهور، ونص عليه
الشافعي .
١٨٩

قال الإمام في باب الرضاع من ((النهاية)) في الكلام على إرضاع الكبير: وقد
أشار الشافعي إلى تصرف في حديث سالم رمز إليه المزني، وهو أن خطاب رسول
الله عليه الصلاة والسلام إذا اختص بشخص في حكاية حال، فحكم الصيغة
اختصاص الحكم بالمخاطب؛ وإذا قضينا بأن الناس في الشرع واحد، فهو يتلقى
من إجماع الصحابة لما يشاهدونه من قرائن الأحوال الدالة على الاختصاص. قلنا :
اضطرب رأيهم في قضيّة سالم في التخصيص، واللفظ في نفسه مختص بالمخاطب،
فلم يجز تعميم الحكم، سيما إذا اعتقد خلافه مما يستقل دليلاً. انتهى.
وقال القاضي من الحنابلة وغيره: عام بنفسه. وقال أبو الخطاب منهم: هذا إذا
وقع جواباً لسؤال، كقول الأعرابي وَاقَعْتُ، فقال: (اعتق). فأما نحو قوله: (مُرُوا
أبا بكر فليصل بالناس) فلا يدخل فيه كلَّ الصحابة، وكذا قوله للرجل: (قم
فبارز)، فلا يجوز على غيره المبارزة. قال: وكذلكَ إذا حكم وَلّ في حادثة بين
نفسين، كان واجباً على كل أحد أن يحكم عليه بمثل تلك الحادثة، وهذا لا أعْلم
فيه خلافاً. انتهى .
واقتضى كلام القاضي منهم أنه عام بعرف الشرع لا بوضع اللغة للقطع
باختصاصه به لغة، ومن ثمَّ قال بعضهم: ليس النزاع لفظياً.
وحكى أبو الحسين بن القَطَّان وجهين لأصحابنا في المسألة. وقال: الأكثرون
على الأول. قال: والثاني أنه للعموم بدليل: حكمي على الواحد، وعلى هذا فقال
الأستاذ أبو منصور: اختلف أصحابنا في كيفية الحكم بذلك في غير السائل، هل
هو بالقياس أو بقوله: خطابي للواحد خطابي للجماعة؟ وجهان، الأول قول ابن
سریج. انتھی .
ويخرج من كلام الإمام السابق رأي ثالث: أنه بالإجماع، ثم صوّر إمام الحرمين
وابن السَّمْعَاني وغيرهما المسألة بخطابه عليه السلام، وصوّرها الشيخ أبو حامد في
أعمّ من ذلك، وهي مخاطبة الشارع واحداً بلفظ مختص به، سواء كان المُخَاطِبُ
الله تعالى لنبيه وَله، نحو ﴿يأيها النبيّ حرّض المؤمنين على القتال﴾ [سورة
الأنفال / ٦٥] و﴿يأيها الرسول بلغ﴾ [سورة المائدة / ٦٧] أو المخاطِبُ النبيِ وَ لِّ واحداً
من أمته.
١٩٠

وقال إمام الحرمين: لا ينبغي أن يكون في المسألة خلاف، فقال: لاشك أن
الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا ينبغي فيه خلاف، وأنه عام بحسب
العرف الشرعي، ولا ينبغي فيه خلاف، فلا معنى للخلاف في المسألة، قال
المُقْتَرح: بل هو معنوي، وهو أنَّا نقول: الأصل ما هو؟ هل هو مورد الشرع، أو
مقتضى العرف؟ وقال الصفي الهندي: لا نسلم أن الخطاب عام في العرف
الشرعي؛ بل الذي نسلمه عموم مقتضى الخطاب غير عموم قطعاً(١)، والنزاع إنما
هو في الثاني لا في الأول.
والحق أن التعميم منتف لغة ثابت شرعاً، والخلاف في أن العادة هل تقضي
بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها أو لا؟ فأصحابنا يقولون: لا قضاء
للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، والخصم يقول: إنها تقضي بذلك. وهذا نقل
ابن السَّمْعَاني عنهم الاحتجاج بأن عادة أهل اللسان مخاطبة الواحد، وإرادة
الجماعة.
تنبيه
[تطبيبه عَليهِ السَلام، هَل يفيد التَّعَميِّم؟]
هذا في الأحكام، وأما تطبيبه عليه السلام لأصحابه وأهل أرضه، فقال الحافظ
شمس الدين الذهبي في ((مختصر المستدرك)): هو خاص بطباعهم وأرضهم، إلا
أن يدل دليل على التعميم، لأن تطبيبه من باب المباح، بخلاف أوامره الشرعية،
ذكره في حديث: (أن امرأة أتت النبي ◌َّر بصبيّ لها فقالت: أنقأ منه العُذْرَة.
فقال: تحرقوا حلوق أولادكم ! خذي قسطاً هندياً وورسا فأسعطيه إياه). وقال
إسناده صحيح(٢). انتهى.
(١) كذا في الأصل، ويظهر أن فيه تحريفاً أو سقطاً.
(٢) الحديث الذى ساقه المصنف هنا غير واضحة ألفاظه. والحديث رواه البخاري ومسلم عن أم قيس
بنت محيصن أنها أتت النبي ◌َ ◌ّ بصبي لها، وقد أعلقت عليه من العُذْرة. فقال: علام تَدْعَرْنَ
أولادكن بهذا العِلاق؟ عليكنّ بهذا العود الهندي. والمراد بالعلاق: المعالجة من العذرة. والعذرة مرض
يعرض للحلق.
١٩١

وفيما قاله نظر، وظاهر تصرف العلماء سيما مَن صنف في الطب النبوي، إنما
يفهم التعميم كالأوامر، ولهذا تكلفوا الجواب عن حديث : (أبردوا الحمى بالماء)
مع أن كثيراً من الحميات لا يقتضى الطب تسويغ ذلك، وحملوه على ما يقتضي
الحال اللائق بذلك من أنواع الحميات، وقوله إن التطبيب من باب المباح ممنوع.
[المسألة] العاشرة
[دخول المخاطِبْ في عموم خطابه]
اختلفوا في دخول المخاطب بكسر الطاء في عموم خطابه على وجهين
لأصحابنا، حكاهما الأستاذ أبو منصور. أحدهما: قال: وبه قال أكثر المخالفين أنه
١/١٤٨ يتناول، ولا يخرج من عمومه / إلا بدليل يوجب تخصيصه. والثاني: قال: وعليه
أكثر أصحابنا أنه لا يدخل إلا بدليل، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
قال: وفائدة الخلاف تظهر فيها إذا وَرَدَ منه عليه السلام لفظ عام في إيجاب
حكم أو حَظْره أو إباحته: هل يدل ذلك على دخوله فيه أم لا؟ وكذا قال القاضي
أبو الطيب إذا أمر النبي عليه السلام أمته بأمر لم يدخل هو في الأوامر خلافاً لبعض
أصحابنا، وكذا قال سليم في ((التقريب)): إذا أمر عليه السلام بأمر لم يدخل في
حكمه إلا أن يكون في اللفظ ما يقتضيه، كقوله: افعلوا كذا فإنكم مكلفون،
وقيل يدخل مطلقاً، وكذا قال ابن برهان في ((الأوسط)): ذهب معظم العلماء إلى
أن الآَمِرَ لا يدخل تحت الخطاب، ونقل عبد الجبار وغيره من المعتزلة دخوله، وكذا
قال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)): المسألة مصورة فيه عليه السلام إذا كان آمِراً،
وعامة الفقهاء على أنه لا يدخل، فأما الأمر الوارد من الله تعالى بذكر الناس، فقد
اتفقوا على أن الرسول لا يدخل في ذلك. هكذا قال، وقد سبق الخلاف فيه.
والحاصل أن مذهبنا عدم الدخول، ولهذا قال النووي في ((الروضة)) في كتاب
الطلاق: إنه الأصح عند أصحابنا. وقد رأيت مَن أنكر عليه ذلك بنقل
((المحصول)) عن الأكثرين الدخول، وقد عجبت من نَقْل هؤلاء الفحول، لأنهم
إنما تعرضوا للأمر، لا للخبر، والفرق بينهما واضح، وقد سوّى صاحب
١٩٢

((المحصول)) بينهما في النقل عن الأكثرين، وهو ظاهر كلام الغزالي في ((المنخول))
حيث قال بهما، ثم قال: والمختار الاندراج، وكذا قال ابن القُشَيْرِي في ((أصوله)).
قال: صاحب المحصول: ويشبه أن يكون كونه أمراً قرينة مخصصة، ففرق
بينهما، وأدخله في الخبر لا الأمر. قال صاحب ((الحاصل)): وهو الظاهر، وعلى هذا
فلا منافاة بينه وبين نَقْل الجمهور.
وفصّل إمام الحرمين، فقال: اللفظ يتناوله نفسه، ولكنه خارج عنه عادة، وقال
إلكِيا الهراسي: القول الموجز فيه أن موجب الخلاف الاندراج، ولكن اشتهر عرف
الاستعمال بخلافه، وذلك لا يوجب تأثيراً في موجب اللفظ إلا أن يكون عُرف
الاستعمال راجعاً إلى غير اللفظ، لا إلى حال المخاطب. قال: وهذا دقيق قاطعٌ
خيال المخالف. وقال الصفي الهنديّ: هذه المسألة قد تعرض في الأمر، وقد
سبقت في مباحثه، ومثله النهي، ومرت في الخبر، والجمهور على دخوله.
وقال بعض المتأخرين: إذا كان المراد بهذه المسألة أن ما وضع للمخاطب يشمل
المتكلم وضعاً؛ فلیس کذلك، وإن کان المراد حكماً فمسلم، إذا دل عليه دليل، أو
كان الوضع شاملاً له كألفاظ العموم.
تنبيه
[دخول جبريل في التكاليف التي ينزل بهَا]
وقع البحث في أن جبريل عليه السلام هل يدخل في التكليف بما يأتي به النبي
وَله؟ والتحقيق أن كل تبليغ يتوقف على فعل، فهو مأمور بذلك الفعل، كما في
إمامته بالنبي عليه السلام في اليومين. وأما مالا يتوقف على فعل فهو مأمور بتبليغ
ما أمر بتبليغه فقط.
مسألة
[دخول المخاطب في عُم أمر المخاطِبٍ له]
أما المخاطَب بالفتح فقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: لا يدخل في عموم أمر
١٩٣

المخاطب له على المذهب الصحيح، ولهذا لو قال: وكلتك في إبْرَاء غرمائي، وكان
هو منهم لم يدخل. قلت: وهذه المسألة هي مسألة أوامر الله العامة، هل يدخل
فيها النبي عليه السلام؟ وقد سبقت، لكن الصحيح هناك الدخول.
/
. 4
٠٠
١٩٤
ء

فصْل
في القرائن التي يُظن أنها صارفة للفظ عن العموم. وفيه مسائل:
[المسألة] الأولى
الخارج على جهة المدح أو الذم، نحو ﴿إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي
جحيم﴾ [سورة الانفطار / ١٣]، وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [سورة
التوبة / ٣٤] وقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [سورة المؤمنون / ٥] والمراد
مدح قوم وذم آخرين، ويتعلق به ذكر الذهب والفضة، وذكر النساء، وملك
اليمين، ونحو ذلك؛ ففي التعلق بعمومه وجهان لأصحابنا حكاهما أبو الحسين بن
القَطَّان، والأستاذ أبو منصور، وسليم الرَّازِي، وابن السَّمْعَاني، وغيرهم:
أحدهما: أنه لا يقتضي العموم، ونسب للشافعي، ولهذا منع التمسك بآية
الزكاة في وجوب زكاة الحلي، لأن اللفظ لم يقع مقصوداً له، وربما نقلوا عنه أنه
قال: الكلام مفصل في مقصوده، ومجمل في غير مقصوده، ونقله أبو بكر الرَّازي
عن القَاشَاني، ونقله ابن برهان عن الكَرْخِي وغيره.
وقال إلْكِيا الهراسي: إنه الصحيح. وبه جزم القَفَال الشّاشي في كتابه، فقال:
لا يحكم بالعموم بمجرد الخطاب العام، ولكن يكون المخصوص بالذكر على ما
حكم فيه، ثم ينظر فيما عداه مما هو داخل تحته بدليل آخر لا بالعموم، وأطال في
الاحتجاج بذلك.
قال: فلا يحتج بقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [سورة التوبة / ٣٤]
على وجوب الزكاة في قليل الذهب والفضة وكثيرهما، بل مقصود الآية الوعيد
لتارك الزكاة، وكذا لا يحتج بقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [سورة المؤمنون / ٥ -٦] في بيان ما يحل منها ومالا
١٩٥

يحل، ولكن فيها بيان أن الفرج لا يجب حفظه عنهما، ثم إذا احتيج إلى تفصيل
مالا يحل بالنكاح أو بملك اليمين صِيرَ فيه إلى ما قصد تفصيله، مثل: ﴿حرّمت
عليكم أمهاتكم﴾ [سورة النساء / ٢٣] ونحوه.
قال: ومَن ضبط هذا الباب أفاده علْماً كثيراً، واستراح مَن لا يرتّب الخطاب
على وجهه، ولا يضعه موضعه. انتهى.
وجزم به القاضي الحسين في ((تعليقه)) في باب ما يَخْرُم من النكاح، وعبارته :
قلنا: الآية إذا سيقت لبيان مقصود، فإنما يوجب التعميم في محل المقصود، فأما في
محل غير المقصود والغرض بالخطاب فلا يقصد بالخطاب، بل يعْرض عنه صفحاً،
كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾ الآية [سورة
البقرة / ١٨٧] اهـ.
والثاني: وعليه الجمهور أنه عام، ولا تنافي بين قصد العموم والذم، قال
الأستاذ أبو إسحق الأسفراينى: إنه الظاهر من المذهب. وقال الشيخ أبو حامد
وسليم الرَّازي في ((التقريب)): إنه المذهب، وكذا قال ابن برهان في ((الأوسط))،
وقال ابن السَّمْعَاني في ((القواطع)): إنه المذهب الصحيح. قال: وكذا ذكره الشيخ
أبو حامد وغيره من أئمتنا، وصرحوا بأن المذهب الشافعي الصحيح عنده صحة
ادعاء العموم فيه حتى لا يعارضه.
وقال الأستاذ أبو منصور في كتاب ((التحصيل)): عليه أصحاب الشافعي
وأبي حنيفة وأكثر القائلين بالعموم، ونقله ابن القَطّان عن أهل الظاهر، وجزم به
الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)) وخطَّا مُخَالِفَه، وقال الأستاذ أبو إسحاق: وقد
جعله الشافعي في بعض المواضع طريق الترجيح، ولا يعرف أنه جعله وجه المنع
من الاستدلال بالظاهر.
قلت: وللشافعي في القديم ما يدل عليه، فإنه ذهب فيه إلى أن النوم في الصلاة
١٤٨ / ب لا ينقض / الوضوء واحتج بقوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سُجَّداً وقياما﴾
[سورة الفرقان / ٦٤] قال: فأخرجه مخرج المدح، وما خرج مخرج المدح ينفي عنه
إبطال العبادة، واحتج في الجديد على أصحاب مالك في أن وقت المغرب يبقى إلى
١٩٦

مغيب الشفق من حديث أبو موسى الأشعري (أنه صلى المغرب في اليوم الأول عند
غروب الشمس، وفي الثاني عند مغيب الشفق، ثم قال: ما بين هذين وقتُ
المغرب) وهذا نصٌّ في مساواتها في الوقت بغيرها، فقال المعترض: يحمل على أنه
أراد تعليم وقت الضرورة، فقيل له: لم يقصد ذلك، وإنما قصد تعليم أوائل
أوقات الاختيار وآخرها، لكن نصَّ في موضع آخر على موافقة الوجه الأول، فإن
الحنفية احتجوا على أن وقت الظهر أطول من وقت العصر بقول أهل الكتاب:
نحن أكثر أعمالاً وأقلّ أجراً. قالوا: وهذا يدل على سَعة الوقت، فقال لهم: لم
يقصد بالخبر ذلك، لأن كثرة العمل وقلته لاتدل على ما ذكرتم، فمنع التمسك
بالعموم في غير مقصوده.
وكذا يمنع تمسك الحنفية بحديث: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة
في الخضراوات. وقال: إن الكلام إنما سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب
فيه، لكن الصحيح الأول. وإنما لم يقل به الشافعي هنا لمعارض آخر، لا لمجرد
كونه مسوقاً لغيره. هذا كله إذا لم يعارضه عموم آخر لم يقصد به المدح أو الذم،
فإن عارضه فلا خلاف على المذهب أنه يترجح الذي لم يُسَقْ لذلك، فيجرى على
عمومه، ويقصَر ما سيق للمدح أوالذم عليهما. هكذا قال الأستاذ أبو منصور في
كتاب ((التحصيل))، وأبو الحسين بن القطان في كتابه، والشيخ أبو حامد وسليم
الرازي وابن السمعاني في ((القواطع)) لكن حكى أبو عبد الله السهيلي من أصحابنا
وجهاً أنه يُوقف هذان العامان إلى أن يتبين الحال كالمتعارضين، وهو القياس.
ومثال المسألة قوله تعالى: ﴿حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ [سورة
النساء / ٢٣] فإنها سيقت لبيان أعيان المحرمات دون العدد مع قوله تعالى:
﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [سورة النساء / ٣] فإنه سيق
للعدد، وهو يعم الأخت وغيرها، فيقضى بتلك لأنها مسوقة لبيان المحرم، وكذا
يقضى بها على ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [سورة المؤمنون / ٦] وكذا قوله: ﴿وأن تجمعوا
بين الأختين﴾ [سورة النساء / ٢٣] مع قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم) [سورة
المؤمنون / ٦] فالأولى سيقت لبيان الحكم، فقدم على ما سياقها للمدح، وكذا قوله :
﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [سورة المائدة / ٣] إذا قدَّرنا دخول الشّعَر فيها قدم على
١٩٧

قوله: ﴿ومن أصوافها﴾ [سورة النحل / ٨٠].
واعلم أن المسألة ليست مخصوصة بما سيق للمدح أو الذم؛ بل هي عامة في كل
ما سيق لغرض، كما سبق من نحو (فيما سقت السماء العشر) وغيره.
المسألة الثانية"
وروده عَلَى سَبَب خَاصّ
فتقول: لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما جاء من الشارع ابتداء كقوله :
(مفتاح الصلاة الطهور)، فأما ما ذكره جواباً لسؤال، فأطلق جماعة أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بلا خلاف، ولابد في ذلك من تفصيل، وهو أن
· الخطاب إما أن يكون جواباً لسؤال سائل أم لا. فإن كان جواباً، فإما أن يستقل
بنفسه أوْ لا، فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فلا خلاف في أنه تابع
للسؤال في عمومه وخصوصه، حتى كأن السؤال مُعادٌ فيه، فإن كان السؤال عاماً
فعام أو خاصاً فخاص.
مثال خصوص السؤال قوله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا
نعم﴾ [سورة الأعراف / ٤٤] وقوله في الحديث: (أينقُص الرطب إذا جَف؟ قالوا:
نعم، قال: فلا إذن) وكقول القائل: وطئت في نهار رمضان عامداً فيقول: عليك
الكفارة، فيجب قصر الحكم على السائل، ولا يعم غيره إلا بدليل من خارج على
أنه عام في المكلفين، أو في كل من كان بصفته.
ومثال عمومه مالو سئل عمَّن جامع امرأته في نهار رمضان، فقال: يعتق رقبة.
فهذا عام في كلٍ واطىء في رمضان. وقوله: ((يعتق)) وإن كان خاصاً بالواحد،
لكنه لما كان جواباً عمَّن جامع امرأته بلفظٍ يَعُمّ كل مَنْ جَامع كان الجواب كذلك،
وصار السؤال مُعاداً في الجواب.
واختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله حمل هذا الحكم على العموم، فقيل:
لأنه لما لم يستفصل ((بأي شيء أفطرت))؟ دل على أن الحكم باختلاف ما يقع به
(١) أي من المسائل التي يظن أنها صارفةٌ للفظ عن العموم.
١٩٨

الفطر، وضعف باحتمال علمه بالحال، فأجاب على ما علم.
وقيل: لما نقل السبب وهو الفطر، فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل وجوب
العتق بوجود الفطر، لأن السبب في الحكم تعليلٌ، وهذا موجود في غير السائل،
وهذا أصح.
وقيل من قوله: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة)، قال الغزالي:
وهذا يشترط فيه أن يكون حال غير المحكوم عليه كحاله، وكل وصف مؤثر
للحكم.
وجعل القاضي في ((التقريب)) مِنْ هذا الضرب قوله: (أنتوضأ بماء البحر؟
فقال: هو الطهور ماؤه) فقال: لأن الضمير لابد له من تعلق بمذكور قبله، ولا
يحسن أن يبتدأ به، وفيه نظر، لأن هذا ضمير الشأن، ومن شأنه صدر الكلام،
وإن لم يتعلق بما قبله، وقد رجع القاضي في موضع آخر فجعله من القسم الثاني،
وهو الصواب، وبه صرح ابن بُرْهَان وغيره.
وإن استقل الجواب بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان كلاماً تاماً مفيداً للعموم
فهو على ثلاثة أقسام: لأنه إما أن يكون أخص أو مساوياً أو أعم.
الأول: أن يكون مساوياً له لا يزيد عليه ولا ينقص، كما لو سئل عن ماء
بضاعة وماء البحر، فقال: لا ينجسه شيء، فيجب حمله على ظاهره بلا خلاف.
كما قاله ابن فُورَك، والأستاذ أبو إسحاق الأسْفِراينى، وابنِ القُشَيْرِي وغيرهم.
وكذا قال أبو الحسين في ((المعتمد»: لاشك في كونه مقصوراً فيه، ولا يجوز خروج
شيء من السؤال عن الجواب إلا بدليل.
ومثّل القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) هذا القسم بحديث المجامع في نهار
رمضان. قال: والظاهر تعلق الحكم الذي هو الإعتاق بالوقوع المذكور تعلق
الحكم بالعلة، لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره، فيعم كل من وجد فيه
ذلك.
قال: ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابياً جاء إلى النبي عليه السلام وعليه جبة،
مضمخ بالخلوق، فقال: أحرمْتُ وعلىّ هذه الجبة، فقال: (انزع الجبة، واغسل
١٩٩

الصفرة)، ولم يأمره بالفدية، فدلَّ على أنّ الفدية غير واجبة، والسبب عَلَّق الحكم
بمثله، وظاهر كلام الأستاذ أبي منصور جريان الخلاف إلا (١) في هذا القسم أيضاً.
وقال ابن الصباغ في ((العدة)): ذكر القاضي أبو الطيب في شرح ((الكفاية)) أنَّ
المخاطب بذلك يكون أصلاً، وكل من فعل فعلًا مثله يكون فرعاً له بعلة تعدت
إليه، كما كان الأرز فرعاً للبر في إثبات الربا فيه. قال: وهذا فيه نظر، لأن خطابه
١٤٩/ ١ لواحد خطاب للجماعة بالإجماع، ولو كان غيره فرعاً له لكان هو / أيضاً فرعاً
لنفسه، وهو محال.
الثاني: أن يكون الجواب أخصّ من السؤال مثل أن يسأل عن أحكام المياه، فيقول:
ماء البحر طهور، فيخص الجواب بالبعض، ولا يعم بعموم السؤال بلا خلاف.
قاله الأستاذ أبو منصور وابن القُشَيْرِي وغيرهما. لكن كلام الأستاذ أبي إسحاق
يقتضي جريان الخلاف فيه. قال ابن القُشَيْرِي: ولا يجوز أن يصدر مثل هذا من
النبي ◌َّ إلا إذا علم أن الحاجة إنما تمس إلى بيان ما خصصه بالذكر، أما إذا علم
أن الحاجة عامة في بيان جملة المياه فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ولهذا قال المَازَرِي: إن قيل: هل يجوز أن لا يطابق النبي بَّة السؤال بزيادة أو
نقص؟ قلنا: أما الزيادة فنعم، كقوله: (الحل ميتته) وقد سئل عن الماء، وأما
النقصان فإن مست الحاجة إلى بيان جميعه ولم يكن في المذكور تنبيه على المسكوت
عنه لم يجز، وإن كان فيه تنبيه يعلم به السامع حكم المسكوت عنه قبل فوت
الحادثة، فإن ذلك لا يسوغ(٢)، فإن لم تمس الحاجة إليه فعلى الخلاف في تأخير البيان .
وقال القاضي أبو بكر وابن فُورَك وصاحب ((المعتمد)) وغيرهم: هذا لا يجوز إلا
بثلاثة شروط: أن ينبه في الجواب على حكم غيره. وأن يكون السائل مجتهداً، وإلا
لم يفد التنبيه - ولعلهم أرادوا بالمجتهد مَنْ له قوّة التّنبُّهِ، وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد -
وأن يبقى من زمن العمل وقت متسع للاجتهاد، فيجيبه النبي ◌َّر عن بعض ما
سأله، وينبهه بذلك على جواز البعض الآخر بطريق من طرق العلة، كقوله لعمر
حين سأله عن القُبلة للصائم: (أرأيت لو تمضمضت) وقوله للخثعمية: (أرأيت لو
(١) الصواب: حذف ((إلا)). (٢) صوابه بحذف لا
٢٠٠