Indexed OCR Text
Pages 121-140
وأثر المفعول به ههنا إنما هو في ربط الصفة بالموصوف لا في التعميم، وكونه ضرورياً لا ينافي الربط، ولو سلم فالفاعل أيضاً ضروري، فينبغي أن يظهر أثره في التعميم، وكونه غير فضلة لا ينافي الضرورة بل يؤكدها. الثامنة: مما يتفرع على أن النكرة المنفية للعموم نفي المساواة بين الشيئين كقوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [سورة الحشر / ٢٠] فهو عام عندنا؛ لأن نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفيها من كل وجه، حتى احتج به أصحابنا على امتناع القصاص من المسلم للكافر؛ لأنه يقتضي الاستواء، والله تعالى قد نفاه. وخالفت الحنفية ومنعوا عمومه، وبه قالت المعتزلة، ووافقهم الغزالي، وصاحب ((المعتمد)) و ((المحصول))، لأن نفي الاستواء المطلق لا يحتمل نفي الاستواء من كل وجه؛ لأن الأعم لا يستلزم الأخص، وهو مردود، فإن ذلك في جانب الثبوت، أما في النفي فيدل؛ لأن نفي العام يدل على نفي الخاص، وهو نفي الحقيقة العامة، فتنتفي جزئياتها .. ومأخذ الخلاف أن المساواة في الإثبات، هل مدلولها لغة: المشاركة في كل الوجوه حتى يكون اللفظ شاملاً؟ أو مدلولها المساواة في بعض الوجوه حتى يصدق بأي وجه؟ فإن قلنا بالأول لم يكن النفي للعموم؛ لأن نقيض الكلي الموجب جزئي سالب، وإن قلنا بالثاني كان للعموم، لأن نقيض الجزئي الموجب كلي سالب، وحاصله أن صيغة ((لا يستوي)) عموم سلب التسوية أو سلب عموم التسوية، فعلى الأول يمتنع ثبوت شيء من أفرادها، وعلى الثاني لا يمتنع ثبوت البعض. فإن قلت: فهذا يرجح مذهبهم، لأن حرف النفي سابق، وهو شرط لسلب العموم. قلت: الشرط أن يتقدم على لفظ عام تحته متعدد، فإذا سُلب عمومه نفي الحكم عن بعض الأفراد، نحو لم أضرب كل الرجال، بخلاف لا يستويان، فإن السلب دخل على ماهية الاستواء، والماهية من حيث هي هي لا تعدد فيها ولا اتحاد، فلم يبق بعد سلبها شيء يثبت له الحكم، فلهذا قلنا: إن هذه الصيغة من باب عموم السلب لا سلب العموم. ١٢١ وأما ابن الحاجب فإنه لما رأى المباحث متقابلة من الجانبين عدل عن مدلول اللفظ وأحال العموم على النفي، فإن الفعل لما وقع في جانب النفي كان نفياً لمصدره كما سيأتي، فلذلك قال: والتحقيق أن العموم من النفي، وهو الذي عوّل عليه الآمدي . وسلك إلكِيا الطبري طريقة أخرى، فحكى عن قوم أنه من باب المجمل، لأن نفي الاستواء إذا أطلقٍ فيما ثبت بالدليل أنه متماثل بالذات إنما يُعنى به في بعض أوصافه، وذلك غير بَيْنَ من اللفظ، فهو مجمل؛ إذ قال: ومتى عقب هذا النوع بشيء فرق بينهما فيه، وجِب حمل أوله عليه، والمراد بذلك أنهما لا يستويان في الفوز بالجنة، ولذا قال في آخره: ﴿أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ [سورة الحشر / ٢٠] وعليه جرى الصّفي الهندي. فقال: الحق أن قوله: يستوي أو لا يستوي، من باب المجمل من المتواطىء، لا من باب العام، ونظيره: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ [سورة النساء / ١٤١]. ونظير هذا الخلاف خلاف الأصوليين في قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [سورة آل عمران / ٣٦] هل هو عام حتى يخص ما يخص من الأحكام بدليل، أو مجملٌ؛ لأنا نعلم ضرورة مساواتهما في الإنسانية وغير ذلك؟ وعلى الأول يحتج به على أن المرأة لا تكون قاضياً ولا إماماً، ولا يلزمها الجمعة وغير ذلك بخلاف الثاني. تنبيه هذا الخلاف في عموم المساواة يجري في كلمة مثل، بل هو أدل على المشابهة من لفظ المساواة، ولم يذكروه، قال ابن دقيق العيد: لفظ المثل دال على المساواة بين الشيئين إلا فيما لا يقع التعدد إلا به. التاسعة: إذا وقع الفعلِ في سياق النفي أو الشرط فهو على قسمين. أحدهما: أن يكون قاصراً، فهل يتضمن ذلك المصدر فيكون نفيه بمصدره، وهو نكرة في سياق النفي فيقتضي العموم، أم لا؟ حكى القَرَافي عن الشافعية والمالكية أنه يعم، وأن القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)) نص على ذلك، وظاهر كلام إمام الحرمين والغزالي والآمدي والهندي، حيث قيدوا الخلاف الآتي بالفعل ١٢٢ المتعدي إذا نفي هل يعم مَّفَاعِيلَه؟ يقتضي أن اللازم لا يعم نفيه ولا يكون نفيا للمصدر. وقال الأصفهاني: لا فرق بينهما، والخلاف فيهما على السواء، لكن الغزالي حيث صور المسألة بما سبق، مَثّل بما إذا قال: والله لا أضرب، أو إن ضربت فأنت طالق، ونوى الضرب بآلة بعينها، أو إن خرجتٍ فأنت طالق، ونوى مكاناً بعينه وهو يخل بترجمة المسألة كما قاله الهندي، لأن الضرب والخروج غير متعد إلى الآلة والمكان. اللهم إلا أن يريد بقوله المتعدي إلى مفعول أعم من أن يكون متعدياً بنفسه أو بالحرف، سواء كان معه الحرف أو لم يكن، وحينئذ فيشمل الخلاف الأفعال كلها، ثم إنه أطلق الفعل ولابد من تقييده بالواقع في حيز النفي أو الشرط لا الإثبات فتفطن له، وذكر الهندي أن ذلك في قوة نفي المصدر، وقضيته أنه ليس مثله؛ بل أنْزَلُ منه درجة. والصواب أنه يعم كما في نفي المصدر، مثل قوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ [سورة طه / ٧٤] ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [سورة فاطر / ٣٦] ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [سورة طه / ١١٨] الآية، ولا ريب أن النفي في هذا وأمثاله للعموم، وأن المفهوم منه أنه نفي لمصدره، كما لو قال: لا حياة ولا موت، ولهذا لو حلف لا يبيع ولا يطلّق حنث بأي بيْع كان، وأيّ طلاق كان، لأنه لم يفهم منه إلا نفي أفراد هذا الجنس من البيع أو الطلاق، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فوجب أن يكون نفي الفعل حقيقة في عموم نفي جميع المصادر وهو المطلوب. والثاني: أن يكون متعدياً ووقع في سياق النفي أو الشرط، ولم يصرح بمفعوله، ولم يكن له دلالة على مفعول، لا واحد، ولا أكثر، فهل يكون عاماً فيها أم لا؟ كما إذا قال: والله لا أكلت، أوْ لا آكل، أو إن أكلت فعليّ كذا، فذهب الشافعية والمالكية / وأبو يوسف وغيرهم إلى أنه عام فيه. ١٣٨ / ب وقال أبو حنيفة: لا يعم، واختاره القرطبي من المالكية، والإمام الرازي منا، وجعله القرطبي من باب الأفعال اللازمة، نحو يُعطي ويمنع فلا يدل على مفعول لا ١٢٣ بالعموم ولا بالخصوص؛ لأن هذه الأفعال لما لم تقصد مفعولاتُها تبين أنه قصد بها ماهيات تلك الأفعال المجردة عن الوحدة والكثرة، بل وعن القيود المكانية والإضافية . وحجة الأولين أن أصل وضع هذه الأفعال لتدل على ماهيات مقيدة بالمحالّ التي هي المفعولات كما وضعت لتدل على الفاعل ومع ذلك فقد يحذف الفاعل في بعض المواضع، ويصير كأنه لم يوضع له الفعل، كما فعلوا في باب إعمال المصدر، كقوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيماً﴾ [سورة البلد / ١٤ - ١٥] وتظهر فائدة الخلاف في التخصيص بالنية، فعند أصحابنا لو نوى به مأكولاً معيناً قُبِل، ولا يحنث بأكل غيره بناء على عموم لفظه، وقبول العام للتخصيص ببعض مدلولاته كسائر العمومات، فصح أن ينوي في هذه الأفعال ما كان أصلاً لها مع كونه محذوفاً لفظاً؛ لأنها صالحة له وضعاً، ولا يقبل عند الحنفية؛ لأن التخصيص فرع ثبوت العموم ولا عموم. وقد قال الرافعي في كتاب ((الأيمان)): لو حلف لا يساكن في الدنيا، ونوى البلد فهل يحمل عليه أو لا، إذ ليس بمساكنة، فلا تعمل النية المجردة؟ وجهان. وذكر القرطبي أن القائلين بتعميمه قالوا: إنه لا يدل على جميع ما يمكن أن يكون مفعولاً له على جهة الجمع، بل على جهة البدل. قال: وهؤلاء أخذوا الماهية مقيدة، ولا ينبغي لأبي حنيفة أن ينازعه. قال: وإذا التفت إلى هذا ارتفع الخلاف . وقال الإمام فخر الدين: نظر أبي حنيفة في هذه المسألة دقيق، لأن النية لو صحت لصحت إما في الملفوظ أو غيره، والأول باطل، لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا تقبل التعدد فلا تقبل التخصيص، فإن أخذت مع قيود زائدة عليها تعددت، وحينئذ تصير محتملة للتخصيص، لكن تلك الزوائد غير ملفوظ بها فالمجموع الحاصل من الماهية غير ملفوظ، فيكون القابل لنية التخصيص شيئاً غير ملفوظ، وهذا هو القسم الثاني، وهو إن جاز عقلاً لكنه باطل شرعاً، لأن إضافة ماهية الأكل إلى الخبز تارة وإلى غيره أخرى إضافات تعرض لها بحسب اختلاف ١٢٤ المفعول فيه. وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك وهذا الموضع وذاك - إضافات عارضة لها بحسب اختلاف المفعول فيه، ثم أجْمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالزمان والمكان لم يصح، فكذا التخصيص بالمفعول به، والجامع رعاية الاحتياط في تعظيم التمييز. هذا كلامه. والنظر الدقيق إنما هو لأصحابنا، وما ذكره الإمام مدخول، وقوله: الأكل ماهية واحدة لا تقبل التعدد مُسَلّم، ولكن مع قرينة دخول حرف النفي لا نُسلم أنه لا دلالة له على التعدد، سلمنا أن الملفوظ لا يقبل التخصيص، فغير الملفوظ يقبله . وأجيب عما ذكره من القياس بوجهين: أحدهما: بالمنع، فإنه يجوز تخصيص النية بالمكان والزمان، كما يجوز بالمأكول المعيّنّ بلا خلاف، وقد نص الشافعي على أنه إذا قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق، ثم قال: أردت شهراً، أنه يصح ويُقبل منه ، بلا فرق. وثانيهما: أن قياس المفعول به على المفعول فيه ظاهر التعسف، لأن المفعول به من مُقَوِّمات الفعل في الوجود، لأن أكلا بلا مأكول محال، وكذا في الذهن فَهْم ماهية الأكل دون المأكول مستحيل، فإلزام الأكل للمأكول واضح. وأما الزمان والمكان فليسا من لوازم ماهية الفعل، ولا من مقوّماته، بل هما من لوازم الفاعل، ولا شك أن دلالة الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على المفعول فيه . وقال محمد بن يحيى في تعليقه: الخلاف المفهوم من اللفظ منحصر في ثلاثة أقسام: ما وضع له اللفظ كاسم البيت للبيت، وما دل عليه اللفظ، وما تضمنه كدلالة اسم البيت على السقف والحائط، وما لزمه لضرورة الوجود، ككونه ذا ظل واقع عند طلوع الشمس. فمثال الأول: دلالة لفظ الإيمان على معناه. ومثال الثاني: دلالة الطلاق على المطلُّق والمطلّقة. ومثال الثالث: دلالته على زمان الطلاق ومكان المطلق. أما الموضوع فيحتمل النية بالإجماع كلفظ العين والقُرْء إذا نوى به مسمياته، ١٢٥ وأما اللازم فلا يحتملها كما إذا نوى زمان الطلاق ومكانه، وأمّا المدلول فمحل الخلاف، ولهذا اختلف الأصوليون في أن من قال: والله لا آكل ونوى بعض المأكولات، هل يخص به يمينه، فإن المأكولات التي يتعلق بها الأكل كثيرة وغير ملفوظة وضعاً؟ وهل يقوم عموم المدلول مقام عموم اللفظ حتى يحتمل التخصيص بنيته؟ اختلفوا فيه مع اتفاقهم على أن تعيين زمان الأكل لغو في نيته، والصحيح إلحاق المدلول بالموضوع، فإنه مراد اللافظ بلفظه، فله أن يتصرف فيه بنيته بخلاف ما ذكروه من المقتضى؛ فإنما يضمر لضرورة لصحة الكلام أو صدق المتكلم، ولا دلالة للفظ عليه. تنبيهات الأول: ما حكيناه عن أبي حنيفة في هذه المسألة هو المشهور، ولهذا قالوا: لو قال: إن تزوجتُ أو أكلتُ أو شربتُ أو سكنتُ أو لبِسْتُ أو اغتسلتُ، ونوى شيئاً دون شيء لا يُصَدَّق؛ لأنه نوى التخصيص في الفعل، والفعل لا عموم له. وقال السروجي: قد قال أصحابنا في تخصيص الفعل أربع مسائل: إذا قال لها طلقى نفسك، ونوى الثلاث صحت نيته، وإذا قال: إن خرجت، ونوى السفر صدِّق، وإذا قال: إن ساكنتك في هذه الدار، ونوى أن يكون في بيت منها غير معين صدق. وإذا قال: إن اشتريت، ونوى الشراء لنفسه صدق. قال: ووجه خروج هذه المسائل عن هذا الأصل أن في قوله: طلقي نفسك، المصدر فيه محذوف، أي افعلي فعل الطلاق، والمحذوف له عموم، لأنه من باب اللغة لا من باب الضرورة، والمعنى فيه أن الأمر طلب إدخال المصدر في الوجود، لأن الأمر طلب الفعل من الفاعل المخاطب، بخلاف حرف المضارعة، وهو فعل فيه طلب المصدر وإدخاله في الوجود، فكان أدلّ على المصدر من مجرد الفعل كالماضي والمضارع. قال: وبالتخريج الثاني أجبْتُ قاضي القضاة تقي الدين ابن رَزِين الشافعي لما سألني عن الفرق بين طلقتك وَطلقي نفسك. وأما الجواب عن قوْله: إن خرَجْتِ أن بهذا الفعل شيوعاً يقال: خرج فلان إلى السفر، وخرج من بيته وداره من غير ١٢٦ سفر، فكان السفر يحتمل كلامه في خرجت، وأما مسألة المساكنة فالمفاعلة تقع من اثنين في الدار، وهي في بيت منها أكمل، فقد نوى النوع الكامل فيصدّق، وأما مسألة الشراء، فالشراء أصالة هو الأصل، فكان أقوى، فجاز تخصيصه من اشتريت، ونظيره عن محمد: لا يتزوج، ونوى عربية أو حبشية دُيِّن في الجنس، ولو نوى كوفية أو بصرية لا يقبل، لأن تخصيص المكان قَلَّما يعتبر. الثاني: أن الغزالي حكى عن الحنفية أنهم ردوا هذه المسألة إلى أنها من قبيل المقتضى، والمقتضى لاعموم له في تقدير ما يصح به الكلام، فكذلك هذه، كما أن مثل قوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) / يستدعي مقدَّراً ليصح ١/١٣٩ به الكلام، ثم رد الغزالي هذا بالفرق بينهما من جهة أن المصدر في المقتضى إنما هو ليتم الكلام به ويكون مفيداً، ولا كذلك المفعول، فإن الفعل يدل عليه بصيغته ووَضْعِه، فالأكل يدل على المأكول. وهذا صحيح أعني دلالة المصدر على المأكول مطلقاً، لكن من جهة مقتضاه لا من جهة صيغته، وقوله: إن الفعل المتعدي يدل على المفعول بصيغته ووضْعه ممنوع، فقد قال النحويون: الأفعال كلها المتعدية (١) تدل على المصدر والفاعل وظرف الزمان والمكان والحال والمفعول من أجله وغير ذلك، وتدل المتعدية على المفعول به؛ لكن دلالتها على هذه الأشياء تختلف، فدلالتها على المصدر وظرف الزمان المعين دلالةٌ بالوضع، لأنها تدل على المصدر بلفظها، وعلى ظرف الزمان المعين بصيغتها، ودلالتها على الباقي بالمقتضى لا بالوضع، ثم إن دلت على المصدر بالوضع، فإنها تدل عليه مطلقاً، كدلالة أكل ويأكل على الأكل، ولا تدل على أنواع الأكل كالخضم والقضم، ولا يدل على أشخاص أنواعه كخضْم زيد وقَضْم عمرو، فدلالتها على المصدر المطلق نصٌّ وعلى تفاصيله مجمل، ولذلك تدل بصيغتها على الزمان الماضي والمضارع مطلقاً، كدلالة أكل على الماضي، ولا يدِل على أمس المعين وعامَ أولَ، ودلالة يأكل على المضارع، ولا يدل على اليوم وغداً، فدلالتها على الماضي المطلق أو المضارع المطلق نص، ودلالتها على أجزاء كل منها مجمل. (١) صوابه: المتعدية وغيرها ١٢٧ وقد أورد على الحنفية موافقتهم على نية التخصيص فيما لو صرح بالمصدر، فقال: لا آكل أكلاً، فالفعل دال عليه فلا فرق بين التصريح به وعدمه، وأجابوا بأن المصدر الثابت لغة في قوله: لا آكل هو الدال على الماهية لا على الأفراد، بخلاف لا آكلٍ أكلا، فإنه نكرة في موضع العموم، فيجوز تخصيصه بالنية، ويرد عليهم بأنهم حَنْتُوه بكل أكل فيما إذا لم يصرح بالمصدر، ولو لم يكن عاماً لما توجه ذلك، وغاية ما قالوا في توجيهه أن قوله: لا آكل معناه لا أوجدُ ماهية الأكل، وهو ينتفى بانتفاء فرد من أفراده، وقد اعترض القَرَافى على فرْق الغزالي بأن مَنْع عموم المقتضى لأجل أن صحة الكلام يتم بتقدير واحد، فيُقتصَر عليه، ولا يحتاج إلى غيره، فلا عموم، وهكذا يقال في هذه المفاعيل، وهذا لا يجيء على طريقة الحنفية، فإنهم يمنعون من دلالته على مفعول ألبتة، ثم هو بناء على أن المقتضى لا عموم له وهي مسألة خلاف. فوائد الكلام المطلق إذا نُويَ به مقید ، کالكلام في العام إذا نوي به الخاص، وقد رده القَرَافي في هذه المسألة إلى المطلق بناء على قاعدته أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمان والأمكنة. قال: فتكون المسألة مع الحنفية في أن تقييد المطلق هل يجوز في غير الملفوظ أي فيها دُلِّ عليه التزاماً أم لا؟ وقد سبق رَدُّ هذه القاعدة. مسألة [إفادة المصدر العموم] قيل: إن مجرد المصدر يدل على استيعاب الأفراد، وحكاه في ((المحصول)) في الكلام على أن المجاز غالب في اللغات عن ابن جِنِّي، وهو بعيد؛ ولعله أراد أنه مستغرق باعتبار الصلاحية كما سيأتي نظيره في الجمع المنكر. وزعم إمام الحرمين أن المصدر لا يشعر بعموم ولا خصوص. قال: مَنْ قال: ١٢٨ إنه مشترك بين العموم والخصوص فقد زَلَّ، لأنه مشتق من الفعل على رأي، أو الفعل منه على آخر، ويستحيل تخيل العموم في الفعل، ولو اقترنت به قرينة عمومٍ، فالعموم منها لا مِنه، كما لو اقترنت بالفعل، وأورد أنّ وصفه بالكثرة نحو ضرباً كثيراً يقتضي أنها أحد محمليه، وأجيب بأنه يقتضي أنها أجنبية، والموصوف لا يشعر بالصفة . وقال المازَرِي: أما كونه غير مشعر بالجمع فمتفق عليه، وأما كونه صالحاً للإشعار فمختلف فيه. واختار الإمام أنه غير مشعر بواحد أو جمع، وتمسك باعتذار سيبويه عن قولهم: ضربته ضرباً كثيراً، نعتٌ للضرب من غير أن يكون في الضرب التعدُّد، والمنعوت لا يشعرُ بنعته، ألا ترى إلى قولهم: رأيت رجلاً عالماً، فإن لفظة ((رجل)) لا تشعر بعالم، وأنكر عليه ابن خَرُوف ذلك. وقال: هذا لم يقله سيبويه، ولا هو مذهبه. قلت: وقال صاحب البيان من أصحابنا: إذا قلت: أنتِ طالق طلاقاً، أو أنت طالق الطلاق، فإنه لا يقع عليها إلا طلقة؛ لأن المصدر لا يزيد به الكلام، وإنما يدخل للتأكيد، كقوله: ضربت زيداً ضرباً، إلا أن ينوي به مازاد على واحدة، فيقع ما نواه، كما لو لم يأت بالمصدر. انتهى. تنبيه [ إفادة الأفعال الواقعَة صلَةً لمَوَصول حَرْ في العموم] ما أطلقوه من أن الفعل لا يدل على استغراقه في حيز الإثبات مبني على أنه نكرة، وقد نقل الزجاجي في ((الإيضاح)) إجماع النحويين على أن الأفعال نكرات، ولهذا امتنع الإضافة إليها لانتفاء فائدة الإضافة. وليتفطن لفائدة حسنة، وهي إنما هذا في غير الأفعال الواقعة جملة "لَموصول حَرْفى، أما المذكورات فإنها للعموم، لأنك إذا قلت أعجبني أن قام زيد، فمعناه قيامه، فهو اسم في المعنى فيجري عليه حكم اسم الجنس المضاف، وهذا يخرج من كلام النحويين والبيانيين. (١) كذا في الأصول، والأكثر التعبير بقولهم: صلة الموصول الخ ١٢٩ فصْل في ذكر مَراتب الصيغ زعم إمام الحرمين وابن القُشَيْرِي أن أعلاها أسماء الشرط، والنكرة في النفي، وادَّعِى القطع بوضع ذلك للعموم، وأن علمه بذلك تسمية خارجة مخصوصة رأساً. قال: وجمع الكثرة ظاهر فيه لا نص، وكلام ((المحصول)) وأتباعه مصرح بأن أعلاها أسماء الشرط والاستفهام، ثم النكرة المنفية، لدلالتها بالقرينة لا بالوضع، وعكس الهندي في باب التراجيح، فقدم النكرة المنفية على الكل، فحصل ثلاثة آراء . وقال ابن السَمْعَاني: ألفاظ الجموع أبْيْنُ وُجوه العموم، ثم يليها اسم الجنس المعرف باللام، وظاهره أن الإضافة دون ذلك في الرتبة . وعكس الإمام فخر الدين هذه المقالة في تفسيره، فزعم أن الإضافة أدل على العموم من الألف واللام، والنكرة المنفية أدل على العموم منها في سياق النفي، والتي بِمِنْ أدل من المجردة منها. ويؤيد الأول قول أبي علي الفارسي إن مجىء أسماء الأجناس مُعَرَّفَة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة. وقال إنْكِيا الطبري في ((التلويح)): ألفاظ العموم أربعة: أحدها: عام بصيغته ومعناه كالرجال والنساء. والثاني: عام بمعناه لا بصيغته كالرهط والإنس والجن وغيرها من أسماء الأجناس، وهذا لا خلاف فيه. والثالث: ألفاظ مبهمة نحو ((ما ومَن))، وهذا يعم كل واحد. ١٣٠ والرابع: النكرة في سياق النفي نحو لم أر رجلاً، وذلك يعم لضرورة صحة الكلام، وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام، لا أنه يتناول الجمع بصيغته، فالعموم فيه من القرينة، فلهذا لم يختلفوا فيه. انتهى. وقال إلْكِيا في موضع آخر: العام الذي لم يرد على سبب أقوى من الوارد، ولهذا اختلفوا في التمسك بعمومه دون الأول، وقال الشيخ في ((شرح الإلمام)): بَحث / ١٣٩/بـ بعض المتأخرين الباحثين لا المصنفين في منع تفاوت رتب العموم نظراً إلى أن دلالة اللفظ العام على أفراده وضعية، ولا تفاوت في الوضع وتناوله الأفراد. وقد صرح في ((المستصفى)) بتفاوت مراتب العموم في تناولها لبعض الأفراد، لكن هذا التفاوت ليس من جهة الوضع وإنما هو لأمور خارجة عنه، والعموم يضعف بأن لا يظهر فيه قصد التعميم، وسر ذلك بأن يكثر المخرج منه، ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، ومثّله بأصل دلالة البيع، فإن دلالة قوله عليه السلام: (لا تبيعوا البر بالبر) على تحريم الأرز أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله، ولهذا جوز عيسى بن أبان ... (١) دون ما بقي على العموم، قال: ولا يبعد ذلك عندنا فيما بقي عاماً لأنا لا نشك في أن العمومات بالنسبة إلى بعض المسميات تختلف بالقوة لاختلاف ظهور إرادة قصد ذلك المسمى بها، فإذا تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين، وكذا القياسان إذا تقابلا وجب تقديم أجْلاهما وأقواهما. قال الشيخ: أما ظهور قصد التعميم فلا شك في اقتضائه القوة، لكن قد يقال: هل المعتبر في الضعف عدم قصد التعميم، أو قصد عدم التعميم؟ والظاهر الثاني، وظاهر كلام ((المستصفى)) الأول، ثم ذلك إنما يكون بقرائن خارجة عن مدلول اللفظ ونحوه. ثم قسموا المراتب على ثلاثة أقسام: : أحدها: أن يظهر أن الرسول عليه السلام لم يقصد التعميم وإن كان اللفظ عاماً لغة، كقوله: (فيما سقت السماء العشر) فإن سياقه لبيان قدر الواجب لا غير، فهذا لا عموم له في قصده، وكذا قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ [سورة المدثر / ٤] لا (١) هنا بياض في جميع النسخ ١٣١ عموم في الآلة المطهرة، لأن المقصود الأمر بأصل التطهير. الثاني: لفظ عام ظهر منه قصد التعميم بقرينة زائدة على اللفظ، فحكم إمام الحرمين بأنه لا يؤول بقياس، قال بعض المتأخرين: وفيه نظر، فإن كانت القرينة تفيد العلم بالتعميم صار نصاً، وإن لم يفده إلا قوة الظن، فما المانع من تأويله بقياس أجْلى منه في النظر! فلا وجه لهذا الإطلاق. الثالث: لفظ عام لغة ولا قرينة معه في تعميم ولا تقتضيه، فالواجب إذا أوّل وعُضد بقياس اتباعُ الأرجح في الظن، فإن استويا وُقف عند القاضي، وصوبه بعضهم، وقدّم الإمام الخبر لنصيته، وهو كقوله: (إنما الأعمال بالنيات). انتهى. وإمام الحرمين يقول: إنه لو قدم ظَنّ القياس على ظنّ اللفظ لكان تقديماً لمرتبة القياس على مرتبة الخبر، وإذا آل الأمر إلى تقديم الأرجح في الظن فقياس الشبه ضعيف، فإن قيل به، فيقدم عليه العموم بالنظر إلى رتبته؛ ورتبته العموم، وأما النظر إلى الجزئيات فلا ينبغي أن يقدم القياس الشبهي إلا عند ضعف العموم ضعفاً شديداً، بحيث يكون قياس الشبه أغلب على الظن منه، فإنا رأيناهم يستدلون بعمومات ونصوص بعيدة التناول في القصد لمحل النزاع بظهور القصد. وأما قياس العلة فهو أرفع من الشبه، وأما ما (١) فيه إلا مجرد مناسبة يُيديها النظر لا تقوى بالتعليل، فالأولى تقديم العموم والظاهر عليها، لاسيما إذا قرُّبَ أن يزاحم، وكان ترجيحها على ما يعامل به ليس بقويّ(٢). مسألة الجمع المنكر كرجال فيه وجهان لأصحابنا حكاهما الشيخ أبو حامد الأسفراينى، والشيخ أبو إسحق في ((اللمع))، وسليم في ((التقريب)): أحدهما: أنه عام، ونصره ابن حزم في كتاب ((الإحكام))، وحكاه ابن برهان عن المعتزلة، لأنه يصح الاستثناء منه، قال صاحب ((المعتمد)): حكاه القاضي عبد (١) لعل صوابه: ما ليس فيه الخ (٢) كذا في الأصل والمعنى غير واضح. ١٣٢ الجبار عن أبي علي الجبائي، وحكى عن أبي هاشم مخالفته، وهو قول جمهور الحنفية، واختاره البَزْدَوي وابن الساعاتي، وأصحهما كما قال الشيخ أبو حامد وسليم، أنه ظاهر المذهب، وعليه عامة أصحابنا، أنه ليس بعام؛ لأن أهل اللغة سموه نكرة، ولو تناول جميع الجنس لم يكن نكرة. قال: وعلى هذا فيما يحمل عليه وجهان : أحدهما: على أقل الجمع وحكاه صاحب ((المعتمد)) عن أبي هاشم. والثاني: يحمل على الجميع ولا يُقتَصر على أقله. قال سليم: والأول أشبه. قال صاحب ((الميزان)): وأصل الخلاف أن النكرة في سياق الإثبات تعم عند المعتزلة على طريق البدل، كما قالوا في خصال الكفارة. ومنهم من حكى في المسألة ثلاثة مذاهب، أصحها ليس بعامٍ. والثاني: عام، وهو رأي المعتزلة والحنفية، حيث قالوا: العام ما انتظم جمعاً من المسميات. والثالث: أنه واسطة بينهما، وهو قول صدر الشريعة من الحنفية، وهو غريب. تنبیهان أحدهما: أطلقوا الخلاف. قال الصفي الهندي : والذي أظنه أن الخلاف في غيْر جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جداً إذ هو مخالف لنصهم، فإنهم نصوا على أنه للعشرة فما دونها بطريق الحقيقة، فالقول بأنه للعموم بطريق الحقيقة مخالف لقولهم. انتهى. لكن حكاه الجمهور عن الجبّائِي، ومنهم القاضي أبو بكر في ((مختصر التقريب)) مصرحاً بأنه يجعل الجمع المنكر بمنزلة المعرَّف، وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلّة والكثرة، وهو قضية كلام البَزْدَوِي، أعني أن جموع القلة للعموم وإن كانت منكرة، وعلى هذا فيحمل على أقل الجمع الصّالح له، لكن فرق بعض الحنفية بينهما، فقال في جمع القلة المنكر: يحمل على المتيقن، وهو أقل الجمع، وجمع الكثرة يحمل على العموم وإن كان نكرة. ويشهد لذلك أيضاً أنهم حكوا عن الجُبَّائي صحة الاستثناء من الجمع المنكر. ١٣٣ وهي مسألة خلاف بين النحويين، فمنهم من جوزه لأن النكرة مترددة بین محال غير متناهية، لأنها عامة على البدل، فحسُن الاستثناء من أجل عموم المحالّ، وعلى هذا فنقول: جاءني رجال إلا زيد، وقيل بالمنع، وهو الصحيح عند الجمهور، لأن النكرة لا تتناول أكثر من فرد بلفظها، فيكون الإخراج منها محالاً، ولهذا كانت في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء/ ٢٢] للوصف لا الاستثناء، ويقوّي الأول قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا﴾ [سورة العصر / ٢، ٣]، فإنهم نصّوا على أن أل الجنسية في المعنى كالنكرة لعدم التعيين . الثاني: أن القائلين بأنه عام ينبغي أن يعلم أن مرادهم باعتبار صلاحيته لأفراد الجموع لا استغراق الأفراد. مسألة ضمير الجمع كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة / ٤٣] وقوله: أنتم للمخاطبين، وهم للغائبين، فإنه ضمير يرجع إلى المذكورين أولاً إن سبق ذكرهم، وإلا رجع إلى المدلول الذي يجوز صرف الضمير إليه، وإن كان في موضيع الخطاب انصرف للمخاطبين. فالحاصل أن عمومه وخصوصه يتقدر بقدر ما يرجع إليه، وفيه دقيقة لا تخفى، وهي أن لا يدخله التخصيص، لأنه موضوع للكناية عن المراد، فإن كان المراد /أ عاماً كان حقيقة، وإن كان خاصاً كان حقيقة، فلا يثبت التخصيص /، لأنه عبارة عن خروج بعض ما يتناوله اللفظ، وهو لا يتناول إلا المراد، لأنه موضوع للكناية عن المراد، فلا يقبل التخصيص. وتمن ذكر أن الكناية تابعة للمكني في العموم والخصوص الإمام في ((المحصول))، والهندي في ((النهاية))، وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): أما إذا قال: افعلوا، فذكر القاضي عبد الجبار في الدرس عن الشيخ أبي عبد الله البصري أنه يحمل على الاستغراق، وقال أبو الحسين البصري: الأوْلى أن يُصرَف إلى المخاطبين، سواء كانوا ثلاثة أو أكثر، وأطلق سليم في ((التقريب)) أن المطلقات لا ١٣٤ ١ عموم فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أوْلى ببعض﴾ [سورة الأنفال / ٧٥] ولم يبين فيه ما هم أولى به، وإنما يضمر فيه فلا يدَّعى فيه العموم ولا الخصوص، إنما يدعى في الألفاظ الظاهرة، وكذلك الأعلام كزيد وعمرو لا عموم فيها. انتهى . مسألة قد ذكرنا أن الجمع المنكَّر عند الأكثرين محمول على أقل الجمع، فيحتاج إلى تعريفه، والخلاف في أن أقل الجمع ماذا؟ لابد من تحريره، فنقول: ليس الخلاف في معنى لفظ الجمع المركب من ((الجيم والميم والعين)) كما قال إمام الحرمين، وإلْكِيا الهراسي، وسليم في ((التقريب)) فإن ((ج م ع)) موضوعها يقتضي ضم شيء إلى شيء، وذلك حاصل في الاثنين والثلاثة وما زاد ، بلا خلاف .. قال سليم: بل قد يقع على الواحد، كما يقال: جمعت الثوب بعضه إلى بعض، وإليه يشير كلام الأستاذ أبي إسحاق الأسفراينى في كتاب ((الترتيب))، وإن لفظ الجمع محل وفاق، فإنه قال: لفظ الجمع في اللغة له معنيان: الجمع من حيث الفعل المشتق منه الذي هو مصدر جمع يجمع جمعاً، والجمع الذي هو لقب، وهو اسم لعدد وضع فوق الاثنين للاستغراق وأقله ثلاثة، وهذا اللقب لهذا العدد کسائر الألقاب کزید وحمار ونار. وقال: وبعض من لم يهتد إلى هذا الفرق خَلَطَ الباب، فظن أن الجمع الذي هو بمعنى اللقب من جملة الجمع الذي بمعنى الفعل، فقال: إذا كان الجمع من الضم فالواحد إذا أضيف إلى الواحد فَقد جمع بينهما، فوجب أن يكون جمعاً، وثبت أن الاثنين أقل الجمع. وخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، وسائر من كان مثله من أهل العلم. وقال: إن هذا المخالف هو أبو بكر القَفَّال، وفيه نظر، فإن الشيخ أبا محمد الجويني حكى عن القَفّال الشاشي أنه قال في أصوله: أقل الجمع ثلاثة، وضَعَّف · القول بأنه اثنان . ١٣٥ وليس من محل الخلاف أيضاً تعبير الاثنين عن أنفسهما بضمير الجمع، نحو نحن فعلنا، لأن العرب لم تضع للمتكلم ضمير التثنية كما وضعت للمخاطب والغائب، وليس للاثنين إذا عَبَّرا عن أنفسهما بمضمر إلا الإتيان بضمير الجمع. وذكر إمام الحرمين أيضاً أن الخلاف ليس في مدلول مثل قوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [سورة التحريم / ٤]، وقول القائل: ضربت رؤوس الرجلين، وقطعت بطونهما: بل الخلاف في الصيغ الموضوعة للجمع سواء كانت للسلامة أو التكسير كما قال إلكِيا، نحو مسلمين ورجال. وقال الأستاذ أبو منصور: الخلاف في أقل الجمع الذي تقتضيه صيغة الجمع بنفسها أو بعلامة الجمع، وهو ظاهر كلام الغزالي أيضاً، فإنه جعل من صور الخلاف لفظ الناس. وفيه مذاهب: [المذاهب في أقل الجمع] الأول: أن أقله اثنان، وهو المروي عن عُمَرَ وَزَيْدِ بن ثابت، وحكاه عبد الوهاب عن الأشعرى وابن الماجِشُون، قال الباجي: وهو قول القاضي أبي بكر، وحكاه هو وابن خويزمَنْدَاد عن مالك، واختاره الباجي، وقال القاضي أبو الطيب: كان الأشعري يختاره وينصره في المجالس. ونقله صاحب ((المصادر)) عن القاضي أبي يوسف. قال: ولهذا ذهب إلى انعقاد صلاة الجمعة باثنين سوى الإمام، فجعل قوله: ﴿فاسْعَوْا إلى ذكر الله﴾ [سورة الجمعة / ٩] متناولاً اثنين، وأنكر ذلك السَّرَخْسي كما سيأتي. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر، وسليم عن الأشعرية، وبعض المحدثين، وقال ابن حزم: إنه قول جمهور أهل الظاهر، ثم أجاز خلافه. وحكاه ابن الدَّهان النحوي في ((الغرَّة)) عن محمد بن داود وأبي يوسف والخليل ونِفْطَويهِ. قال: وسأل سيبويه الخليل عن ما أحسن(١) فقال: الاثنان جمع، وعن ثعلب أن التثنية جمع عند أهل اللغة، واختاره الغزالي، وقد يحتج لهذا بقوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [سورة الأعراف / ١٣٨] لأنهم طلبوا إلهاً (١) كذا في الأصل. ١٣٦ مع الله، ثم قالوا: ﴿كما لهم آلهة﴾ [سورة الأعراف / ١٣٨]، فدل على أنهم إذا صار لهم إلهان صاروا بمنزلة آلهة. الثاني: أن أقله ثلاثة، وبه قال عثمان وابن عباس، وهو ظاهر نص الشافعي في الرسالة، ونقله الرُّوْيَاني في ((البحر)) في كتاب العِدَد عن نص الشافعي، قال: وهو مشهور مذهب أصحابنا، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي، وقال إلْكِيا: هو مختار الشافعي، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وبه يأخذ، ونقله القاضي أبو الطيب عن أكثر أصحابنا، وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى: إنه ظاهر المذهب، ورأيت من حكى عنه اختيار الأول، وهو سهو. ونقله عبد الوهاب عن مالك، قال: وبه أجاب فيمن قال: ((عليَّ عُهُودُ الله)) أنها ثلاثة، وله عليَّ دراهم ونحوه. ونقله أبو الخطاب من الحنابلة عن نص أحمد بن حنبل، وحكاه سليم في ((التقريب)) عن أهل العراق وعامة المعتزلة، وحكاه ابن الدَّهان عن جمهور النحاة. وقال ابن خَرُوف في ((شرح الكتاب)): إنه مذهب سيبويه قال: وإذا كانوا لا يوقعون الجمع الكثير موضع القليل، ولا القليل موضع الكثير إذا كان للاسم جمع قليل وكثير فأحْرَى أن لا يُوقِعوا على الاثنين لفظ الجمع، وقال الأستاذ أبو بكر بن طاهر الاثنان وإن كان جمعاً لا يعبر عنهما بذلك، لِلْبسِ. انتهى. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، ونسبته على أن المراد أقل الجمع للعدد. قال: فأما الاثنان فجمعهما جَمَعُ اجتماع لا جمع عددٍ. وقال القَفَّل الشاشي في أصوله: أقل الجمع ثلاثة، ولهذا جعل الشافعي أقل ما يعطى من الفقراء والمساكين ثلاثة، وقال في الوصية للفقراء: إن أقلهم ثلاثة، ولأن الأسماء دلائل على المسميات، وقد جعلوا للمفرد والمثنى صيغة، فلا بدَّ وأن يكون للجمع صيغة خلافهما. وقال المَاوَرْدِي في ((الحاوي)): إن أقل الجمع ثلاثة، أي أقل جمع، ومَن جعل أقل الجمع اثنين جعلهما أقلّ العموم. قال شمس الأئمة السَّرَخسي: ونص عليه محمد في ((السير الكبير))، وظن بعض أصحابنا أن أبا يوسف يقول: إن أقله اثنان ١٣٧ على قياس مسألة الجمعة، وليس كذلك، فإن عنده الجمع الصحيح ثلاثة. وإذا قلنا بهذا القول، فهل يصح إطلاقه على اثنين على جهةٍ المجاز أم لا يصح أصلاً؟ فيه كلام، والمشهور الجواز. وحكى ابن الحاجب قولاً أنه لا يطلق على اثنين لا حقيقة ولا مجازاً، وفي ثبوته نظر نقلاً وتوجيهاً، ولم يصح مجازاً من مجاز التعبير بالكل عن البعض. الثالث: الوقف حكاه الأصفهاني في ((شرح المحصول)) عن الآمدي، وفي ثبوته نظر، وإنما أشعر به كلام الآمدي، فإنه قال في آخر المسألة: وإذا عرف مأخذ ١٤٠ /ب الجمع من الجانبين /، فعلى الناظر الاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازمٌ، هذا كلامه، ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهباً. الرابع: أن أقله واحد. هكذا حكاه بعضهم، وأخذه من قول إمام الحرمين: والذي أراه أن الرد إلى واحد ليس بدعاً، ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين، كأن ترى امرأة تَبَرَّجَتْ لرجل فتقول: أَتَتَبرجين للرجال؟ وفيه نظر، لأنه إن كان مراد الإمام حمل ذلك بطريق المجاز كما نقله إلْكِيا الطبري عنه، فهذا لا نزاع فيه، وليس الكلام فيه، وقد صرح به القفال الشاشي أيضاً في كتابه في الأصول، فقال بعد ذِكْرِ الأدلة: وقد يستوي حكم التثنية وما دونها بدليل كالمخاطب للواحد بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿رب ارجعون﴾ [سورة المؤمنون / ٩٩] ﴿وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر / ٩] وقد تقول العرب للواحد: افعلا، افعلوا. هذا كلامه. وهو ظاهر في أنه مجاز لاشتراطه القرينة فيه، وكذلك قاله إلْكِيا الطبرى، ومثّله بقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فِنِعْم القادرون﴾ [سورة المرسلات / ٢٣]. وذكر ابن فارس في كتاب ((فقه العربية)) صحة إطلاق الجمع وإرادة الواحد، ومثّلَه بقوله تعالى: ﴿فناظرة بِمَ يرجع المرسلون﴾ [سورة النمل / ٣٥]، وهو واحد بدليل قوله تعالى: ﴿فلما جاء سليمان﴾ [سورة النمل / ٣٦]، وقال الزمخشرى في قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [سورة الشعراء / ١٠٥]، المرادُ بالمرسلين نوح نحو قولك: فلان يركب الدواب، ويلبس البُرُود: وظاهر كلام الغزالي أن ذلك مجاز بالاتفاق. ١٣٨ 1 قال: وقوله لامرأته: أتكلمين الرجال ويريد رجلاً واحداً ففيه استعمال لفظ الجمع بدلاً عن لفظ الواحد لتعلّق غرض الزوج بجنس الرجال، لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلاً واحداً. قلت: هذا صحيح، لأن الرجل لم يُطلق الرجال على واحد؛ بل على جمع، لظنه أنها ما تبرجت لواحد إلا وقد تبرجت لغيره، فتبرجها لواحد سبب للإطلاق، لا أن المراد برجال واحد. وذكر المازَرِي أن القاضي أبا بكر حكى الاتفاق على أنه مجاز. قال: لكن الإمام أبو حامد الأسفراينى خالف فيه، وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة محتجاً بقوله تعالى: ﴿وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر / ٩] ، وهو سبحانه وحده منزل الذكر، فإذا ثبتت العبارة بلفظ الجمع عن الواحد لم يستنكر حمل العموم المخصص على الواحد حقيقة. قال المازَرِي: وهذا يجاب عنه بأن هذا نوع آخر من ألفاظ الجموع، والواحد العظيم يخبر عن نفسه بلفظ الجمع، وهذا منصوص لأهل اللسان في مقام التعظيم، فلا يجري هذا في جانب العموم. انتهى. وقال الأبْيارى شارح ((البرهان)): الذي عليه الأكثرون أنه لا يصح إلى واحد، لبطلان حقيقة الجمع، ولهذا صارِ المُعْظَم إلى أن ألفاظ العموم نصوص في أقل الجمع، وإن اختلفوا في أن أقلّ الجمع اثنان أو ثلاثة. وما ذكره الإمام من أنه لا حجة فيه، وقد قال هو إنه ليس من مقتضى الجمع، وإنما صارت رؤية الواحد سبباً للتوبيخ على التبرج للجنس، ولهذا كانت صيغة الجمع هنا أحسن من الإفراد، وفرق بين إطلاق لفظ الجمع على الواحد، وبين كون الواحد سبباً لإطلاق لفظ الجمع على الحقيقة. وأقول في تحرير مقالة الإمام: إن ههنا مقامين: أحدهما: بالنسبة إلى الاستعمال. والثاني بالنسبة إلى الحمل، كنظيره في مسألة المشترك في معنييه. فالأول: أن يُطلق المتكلم لفظ الجمع ويريد به الواحد، وهذا لا منع منه بالاتفاق، لاسيما إذا كان معظماً نفسه. ١٣٩ والثاني: أن يورد لفظ الجمع هل يصح من السامع رده إلى الواحد؟ وهذا موضع كلام الإمام، فذهب الأكثرون كما قال الأبْيَارِي في ((شرح البرهان)» إلى أنه لا يصح، لبطلان حقيقة الجمع، ولذلك صار المُعْظَم إلى أن ألفاظ العموم نص في أقل الجمع، وإن اختلفوا في أن أقل الجمع اثنان أو ثلاثة وذهب الإمام إلى أنه يصح، والحاصل أن صحة الاطلاق غير مسلمة الرد وأنه إن وجد هناك ثلاثة صح الرد إليها وفاقاً، وإن وجد اثنان انبنى على الخلاف في أنه أقل الجمع، وإن رُدَّ إلى الواحد بطل عند الجمهور، لأنه بانتهاء اللفظ إلى أن" بطل المخصص فيما وراء ذلك، لأن اللفظ نص في أقل الجمع، فحمله على ما دون ذلك خروج عن حقيقة اللفظ، وعلى هذا فلا يحسن حكاية قول في هذه المسألة بأن أقله واحد. لكن تابعتُ ابن الحاجب على ما فيه. وقد جعل الإمام المراتب في الرد ثلاثة، فإنه يرى أن اللفظ نص في الزيادة على الواحد، لا يتغير إلا بقرينة، وهو نص في الزيادة على الاثنين، لا ينقص عن ذلك إلا بقرينة، ويرى أنه ليس بنص في الزيادة على الثلاثة بحال؛ بل إنما يكون ظاهراً في الزيادة، فإذا دل الدليل على إرادة الظاهر ترك، ولم يقتصر على نوع مخصوص كسائر الظواهر. وقال: إن الناظر في هذه المسألة في أول مرة لا يظهر له مقصوده، فلا ينبغي أن يكون ذلك سبباً لمنعه من التكميل، فإن المقصود منها يظهر على التدريج. انتهى. وتحرير هذا من النفائس التي لم يُسبق إليها. وقد حكى أصحابنا فيما لو وصى لأقاربه، وليس له إلا قريب واحد، وجهين: أحدهما: يصرف إليه الجميع، لأن القصد جهة القرابة. والثاني: اعتبار الجمع من ثلاثة أو اثنين. [الخامس: التفريق بين جمع الكثرة وجمع القلة] والخامس: ما حكاه الكيا الطبري عن إمام الحرمين من التفصيل بين جمع الكثرة، فهو ظاهر في الاستغراق؛ وبين جمع القلة فهو ظاهر فيما دون العشرة، ولا (١) كذا في الأصل ولعل الصواب: بانتهاء اللفظ إلى الأقل بطل الخ. ١٤٠